أخبار سوريا
المحافظات
تنسيق سوري تركي لمواجهة "حمى المسيرات": الشيباني وفيدان يبحثان احتواء التصعيد الإيراني الأمريكي
في حراك دبلوماسي مكثف يعكس خطورة المرحلة، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اتصالاً هاتفياً مع نظيره التركي هاكان فيدان، الثلاثاء 31 آذار، لمناقشة التداعيات المتسارعة للحرب الدائرة في المنطقة منذ 28 شباط الماضي.
وبحسب مصادر دبلوماسية، تركزت المباحثات على سبل تحييد الأراضي السورية والتركية عن الهجمات المتبادلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، خاصة بعد تسجيل سقوط ضحايا وأضرار مدنية في دول عربية جراء رشقات صاروخية ومسيرات إيرانية استهدفت ما وصفته طهران بـ "القواعد والمصالح الأمريكية".
ويأتي هذا التنسيق في ظل قلق أنقرة ودمشق المشترك من تحول الصراع إلى "فوضى شاملة" تعيد رسم التوازنات العسكرية في الشمال السوري ولبنان، حيث يسعى الوزيران لتعزيز قنوات التواصل الأمنية لمنع أي خروقات لمجالاتهما الجوية، وضمان عدم انزلاق المنطقة نحو مواجهة برية قد تنطلق شرارتها من الجزر الاستراتيجية أو القواعد الحدودية، مما يجعل من "التفاهم السوري التركي" حجر الزاوية في بناء جدار صد دبلوماسي يحمي استقرار البلدين من تداعيات "حرب هرمز" وتداعياتها الإقليمية.
سيول الحسكة تزيح التراب عن فظائع "الشدادي": اكتشاف مقابر جماعية تضم مئات الجثث
في مشهد إنساني مأساوي كشفت عنه تقلبات الطقس، أعلن المتحدث باسم الوفد الرئاسي أحمد الهلالي، الثلاثاء 31 آذار، أن الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة التي ضربت محافظة الحسكة أدت إلى اكتشاف مقابر جماعية كبرى في منطقة الشدادي.
وأوضح الهلالي أن المياه كشفت عن عشرات الخنادق التي تضم مئات الجثث مجهولة الهوية، والتي يعتقد أنها تعود لضحايا حقبة سيطرة التنظيمات الإرهابية على المنطقة قبل سنوات.
واستجابةً لهذا التطور الخطير، استنفرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بالتنسيق مع وزارتي الداخلية والعدل لبدء عمليات التوثيق وأخذ عينات الحمض النووي (DNA) وترقيم الجثث وفق الأصول القانونية لمحاولة تحديد هويات الضحايا وإبلاغ ذويهم.
وبينما تسببت السيول بأضرار مادية جسيمة في المنازل والممتلكات بالقرى المجاورة، إلا أنها أعادت فتح ملف "المختفين قسرياً"، واضعةً السلطات أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية كبرى لإنصاف الضحايا وطي صفحة الانتظار الطويل لآلاف العائلات السورية.
نسور قاسيون بالزي الأخضر أمام أفغانستان: عيون "لانا" على العلامة الكاملة وفرصة للوجوه المحلية
يختتم المنتخب السوري لكرة القدم مساء اليوم الثلاثاء 31 آذار مشواره في تصفيات كأس آسيا 2027 بمواجهة نظيره الأفغاني على ملعب الأمير عبد الله الفيصل بجدة.
وبأعصاب هادئة وصدارة محسمة بـ 15 نقطة من 5 انتصارات متتالية، يدخل "النسور" اللقاء عند الساعة 7:15 مساءً بتوقيت دمشق، في اختبار يسعى من خلاله المدرب الإسباني خوسيه لانا لتجريب دماء جديدة من الدوري المحلي، خاصة في ظل غياب النجم عمر خريبين.
ومن المتوقع أن تشهد التشكيلة حضوراً بارزاً للحارس شاهر الشاكر وقيادة هجومية لمحمد الحلاق وزيد غرير، في محاولة لتكرار سيناريو الذهاب الذي حسمه السومة بهدف نظيف.
ورغم أن التأهل بات في الجيب، إلا أن "لانا" شدد على أهمية الفوز للحفاظ على هيبة المتصدر وتقديم أداء يليق بالجماهير التي ستتابع اللقاء عبر منصة "يوتيوب"، في ليلة يأمل فيها السوريون أن يكتسي الملعب باللون الأخضر احتفالاً بالهمنة المطلقة على المجموعة.
سقوط "خاطف الهرموش": عملية تركية سورية مشتركة تنهي فرار العميل أوندر سيغيرجي
في تطور أمني لافت يحمل دلالات سياسية عميقة، أعلنت السلطات التركية، الثلاثاء 31 آذار، إلقاء القبض على أوندر سيغيرجي أوغلو، المتهم الرئيسي بتسليم مؤسس لواء الضباط الأحرار المقدم حسين هرموش والقيادي مصطفى قسوم للأجهزة الأمنية السورية عام 2011.
وأفادت صحيفة "حرييت" بأن عملية التوقيف جرت في منطقة حدودية بين سوريا ولبنان، نتاج تنسيق استخباراتي مباشر بين أنقرة ودمشق، مما يعكس مستوى جديداً من التعاون الأمني بين البلدين.
ويعد سيغيرجي أوغلو "الصندوق الأسود" لعملية اختطاف الهرموش من داخل الأراضي التركية، حيث كان يعمل كعميل مزدوج لصالح أجهزة المخابرات السورية والروسية.
وتأتي أهمية هذا الاعتقال كونه ينهي رحلة فرار بدأت عام 2014 حين هرب المتهم من سجن تركي في ظروف غامضة، ليعود اليوم إلى قبضة العدالة لمواجهة اتهامات بالخيانة والقتل العمد تحت التعذيب بحق رموز المعارضة السورية، في خطوة قد تكشف تفاصيل جديدة عن شبكات التجسس التي نشطت خلال العقد الماضي.
الشرع في لندن: "دبلوماسية التحرير" تفتح أبواب "داونينغ ستريت" بعد قطيعة 14 عاماً
في محطة تاريخية تعكس المتغيرات الجيوسياسية الكبرى منذ "تحرير البلاد" في ديسمبر 2024، حطّ الرئيس الانتقالي أحمد الشرع رحاله في العاصمة البريطانية لندن اليوم الثلاثاء 31 آذار، قادماً من برلين في جولة أوروبية رفيعة المستوى.
وتأتي هذه الزيارة، التي يرافقه فيها وفد وزاري، لترسيخ مداميك التعاون التي بدأت بزيارة وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي لدمشق في تموز الماضي، ورفع العلم السوري فوق سفارة لندن في تشرين الثاني الماضي بعد إغلاق استمر 14 عاماً.
ومن المقرر أن يبحث الشرع مع كبار المسؤولين البريطانيين ملفات "إعادة الإعمار" والشراكات الاقتصادية، مستفيداً من الزخم الذي حققه في ألمانيا.
إن استقبال لندن للقيادة السورية الجديدة بوفد رسمي لا يمثل فقط اعترافاً بالأمر الواقع، بل هو إشارة قوية لاستعداد بريطانيا للعب دور محوري في المرحلة الانتقالية السورية، وتحويل الروابط التاريخية إلى استثمارات ملموسة في مجالات الطاقة والتعليم والبنية التحتية، مما يجعل من "لندن" شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل سوريا ما بعد النزاع.
وزير المالية يتوعد "المقصرين": تعميم ملزم لرواتب نيسان.. وحلول تقنية لإنهاء أزمة التأخير
في استجابة عاجلة لموجة الاستياء الشعبي، أكد وزير المالية محمد يسر برنية، اليوم الثلاثاء 31 آذار، أن شكاوى العاملين حول تأخر رواتب شهر آذار "محقة تماماً"، كاشفاً عن سعي الوزارة لاستئصال مسببات الأزمة من جذورها.
وأوضح برنية أن المالية، بصفتها جهة تنفيذية، غالباً ما تصطدم بتأخر بعض الجهات العامة في رفع جداول بيانات موظفيها، معلناً عن صدور تعميم يلزم كافة المؤسسات بإرسال قوائم شهر نيسان فوراً تحت طائلة "الإشهار" بالجهات المتأخرة.
وبينما أقر الوزير بوجود تحديات تقنية مرتبطة بأنظمة الدفع الإلكتروني والتحويل المصرفي، شدد على أن العمل جارٍ لتوطين الرواتب ضمن نظام مالي مستدام، مع إيلاء أولوية قصوى لتطوير خدمات ميسرة لكبار السن من المتقاعدين.
إن هذا الوعد الحكومي بانتظام الصرف يأتي في وقت حساس ينتظر فيه الموظفون استقراراً مالياً يواكب التحولات الاقتصادية الجديدة، مما يضع الوزارة أمام اختبار "الدقة والالتزام" مع حلول مطلع الشهر القادم.
الشرع وميرتس يطلقان "الهجرة الدوارة" لإعمار سوريا بخبرات 1.3 مليون سوري
في مؤتمر صحفي ببرلين اليوم الاثنين 30 آذار، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع والمستشار الألماني فريدريش ميرتس عن تدشين مرحلة "الشراكة الاستراتيجية" لإعادة إعمار سوريا.
وبرز برنامج "الهجرة الدوارة" (Circular Migration) كأهم مخرجات هذه القمة، وهو نظام مبتكر يسمح لـ 1.3 مليون سوري في ألمانيا، بينهم 6 آلاف طبيب وآلاف المهندسين، بالمساهمة في إعمار وطنهم عبر فترات عمل مرنة دون فقدان حق الإقامة أو العمل في ألمانيا.
وكشف المستشار ميرتس عن طموح مشترك لعودة نحو 800 ألف سوري (أي 80% من اللاجئين) طوعياً خلال السنوات الثلاث القادمة، معلناً تأسيس لجنة عمل مشتركة ستبدأ نشاطها ميدانياً في دمشق الأيام المقبلة.
من جانبه، أكد الرئيس الشرع أن سوريا "تعود بقوة" كدولة قانون ترفض الدويلات وتحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، معرباً عن امتنانه لاحتضان ألمانيا للسوريين في محنتهم، ومشدداً على الحاجة لدستور عصري يحمي المواطن.
هذا الانفتاح الألماني، الذي ترافق مع طاولة مستديرة اقتصادية رفيعة المستوى، يضع سوريا على سكة التنمية المستدامة والاندماج المالي الدولي، محولاً ملف "اللاجئين" من عبء سياسي إلى "قوة بشرية" فاعلة ستكون حجر الزاوية في بناء الجمهورية الجديدة.
سطو مسلح على "هرم" صافيتا: ملثمان يطلقان النار على المدير ويسرقان الأموال أمام "مديرية المنطقة"
في وضح النهار وعند الساعة الرابعة عصراً، هزت جريمة سطو مسلح وصفت بالـ "جريئة" مدينة صافيتا بريف طرطوس، استهدفت مركز شركة "الهرم" للحوالات المالية.
وأفادت مصادر محلية بأن ملثمين اثنين اقتحما المكتب وأشهرا السلاح في وجه الموظفات، مجبرين إياهن على الانبطاح أرضاً تحت تهديد القتل، قبل أن يقوما بإطلاق النار بشكل مباشر على مدير المركز وإصابته بجروح، ليلوذا بعدها بالفرار حاملين مبالغ مالية كبيرة.
وما أثار صدمة وذهول الأهالي هو وقوع الحادثة على بعد أمتار قليلة من مبنى مديرية المنطقة ومركز الأمن العام، مما يطرح تساؤلات ملحة حول جرأة العصابات المسلحة في تحدي المراكز السيادية.
وتأتي هذه الواقعة، التي وقعت يوم الاثنين 30 آذار، ضمن موجة مقلقة من حوادث السطو التي ضربت شركات الصرافة مؤخراً، كان آخرها في مدينة حلب، مما يضع الأجهزة الأمنية أمام استحقاق داهم لضبط الانفلات الأمني وحماية مراكز التبادل المالي التي باتت "صيداً ثميناً" في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.
الدفاع السورية تحبط هجوماً واسعاً بالمسيّرات وتتوعد بالرد
في تصعيد ميداني خطير فجر الاثنين 30 آذار، أعلنت هيئة العمليات بوزارة الدفاع السورية تعرض عدد من قواعدها العسكرية المتاخمة للحدود العراقية لهجوم واسع النطاق أدارته أسراب من الطائرات المسيرة.
وأكدت الهيئة، عبر بيانات نقلتها قناة الإخبارية الرسمية، نجاح الوحدات الميدانية في التصدي لأغلب الأهداف المعادية وإسقاطها قبل وصولها لمواقعها الحيوية، مشددة على أن القيادة العسكرية تعكف حالياً على دراسة "خيارات الرد" المناسبة لتحييد مصادر الخطر.
ويأتي هذا الهجوم بعد أقل من 72 ساعة على إحباط محاولة مماثلة استهدفت قاعدة "التنف" الاستراتيجية جنوبي البلاد يوم السبت الماضي، مما يؤشر إلى فتح جبهة "حرب مسيّرات" مفتوحة تستهدف القواعد السيادية السورية.
إن هذا التحرش العسكري المتكرر يضع المنطقة الحدودية أمام نذير مواجهة أوسع، حيث أكدت دمشق التزامها باتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بمنع أي اعتداء على الأراضي السورية، في ظل توتر إقليمي متصاعد يجعل من أمن الحدود السورية-العراقية حجر الزاوية في معادلة الاستقرار الإقليمي الهشة.
سجل دمشق العدلي يفتح أبوابه من "الحجاز".. والخدمة تمتد لـ "حلب وإدلب" غداً
في إطار تعزيز المنظومة الخدمية المتكاملة، أعلنت المؤسسة السورية للبريد استئناف منح وثيقة "غير محكوم" اعتباراً من اليوم الاثنين 30 آذار، انطلاقاً من صالتها المركزية بساحة الحجاز في قلب العاصمة دمشق.
وأكدت المؤسسة في بيانها أن دائرة الاستفادة ستتسع سريعاً، حيث ستشمل الخدمة محافظة حلب عبر مديرية بريد الجميلية اعتباراً من يوم الثلاثاء، تزامناً مع تفعيلها في محافظة إدلب من خلال مكاتب بريد هنانو والثورة والجامعة.
وتأتي هذه الخطوة لتقليص زمن إنجاز المعاملات وتوفير عناء التنقل على المواطنين، مع وعود حكومية باستكمال التجهيزات الفنية واللوجستية في بقية المحافظات السورية تباعاً.
إن إعادة تفعيل "السجل العدلي" عبر النافذة البريدية يمثل استجابة لطلبات آلاف الخريجين والمتقدمين للوظائف، في ظل استراتيجية تهدف لتحويل مكاتب البريد إلى "مراكز خدمة مواطن" شاملة، تضمن السرعة والموثوقية في الحصول على الأوراق الثبوتية الأساسية بعيداً عن الروتين التقليدي.
الشيباني وفاديفول في برلين: خارطة طريق "ألمانية سورية" لدعم الإعمار والتنمية
في لقاء دبلوماسي رفيع المستوى بالعاصمة الألمانية برلين، اليوم الاثنين 30 آذار، بحث وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني مع نظيره الألماني يوهان فاديفول سبل الانتقال من "الإغاثة الإنسانية" إلى "التنمية المستدامة".
وتركزت المباحثات، التي تأتي ضمن الزيارة الرسمية للرئيس الانتقالي أحمد الشرع، على تفعيل دور المجتمع الدولي في تمويل مشاريع إعادة الإعمار الحيوية، وتذليل العقبات اللوجستية أمام الشركات الألمانية الراغبة في دخول السوق السورية.
وبالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، أضفى الرئيس الشرع بُعداً شعبياً على الزيارة بلقائه وفداً من الجالية السورية في برلين، مؤكداً على دور المغتربين كجسر حيوي لنقل الخبرات والتكنولوجيا.
إن هذا التنسيق المباشر بين الشيباني وفاديفول يعكس رغبة برلين في قيادة قاطرة الدعم الأوروبي لدمشق، شريطة الالتزام بمسار الإصلاح المؤسساتي، مما يفتح الباب أمام استثمارات مليارية قد تغير وجه الاقتصاد السوري في غضون الأشهر الـ 12 القادمة، ويحول "برلين" من منفي للاجئين إلى شريك استراتيجي في بناء الدولة السورية الحديثة.
رقعة الشطرنج والمقدسات.. كيف ابتلعت "المصلحة" شعارات "المقاومة"؟
المقدمة: ضجيج الساحات وصمت الغرف المغلقة
في السياسة، لا تُقاس النوايا بصدى الشعارات المرفوعة في الساحات، بل ببرودة التوقيعات على الطاولات الخشبية في الغرف المغلقة. طوال عقود، صدّرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها للعالم العربي والإسلامي على أنها "قلعة المقاومة" والمدافع الحصري عن المستضعفين، واضعةً تحرير القدس ومقارعة "الاستكبار العالمي" في قلب ديباجتها الدستورية والسياسية.
لكن التاريخ الحديث، وتحديداً في العقد الأخير، كشف عن هوة ساحقة بين "أيديولوجيا الثورة" التي تعتاش على العاطفة الدينية، و"براغماتية الدولة" التي لا تعترف إلا بلغة المصالح والبقاء. عندما دنت ساعة الحقيقة، واقترب سيف العقوبات الاقتصادية من عنق النظام الإيراني، تبخرت شعارات جبهة المقاومة، ووضعت طهران مقدساتها المعلنة على الرف، لتخوض واحدة من أكثر المفاوضات انتهازية وواقعية في التاريخ الحديث مع من تسميه في أدبياتها "الشيطان الأكبر".
"فخ الذرة" وقصر البستان.. حين ابتلعت "دولة البقاء" شعارات "ثورة المقاومة"
لا يمكن فهم الهرولة الإيرانية نحو طاولات التفاوض في سلطنة عُمان، والتنازل المفاجئ عن أدبيات "مقارعة الاستكبار"، دون العودة خطوة إلى الوراء لتفكيك المشهد الذي وضع حبل المشنقة الاقتصادي حول عنق النظام في طهران. لقد كانت رحلة التخلي عن "المبادئ" نتيجة حتمية لسنوات من العناد النووي الذي كاد أن يودي بالدولة نفسها.
1. جذور الأزمة: سقوط قناع "السلمية" (2002 - 2005)
بدأت شرارة الأزمة في أغسطس/آب من عام 2002، عندما كشفت جماعات المعارضة الإيرانية في الخارج عن وجود منشآت نووية سرية تحت الأرض في "نطنز" (لتخصيب اليورانيوم) ومفاعل للماء الثقيل في "أراك" (قادر على إنتاج البلوتونيوم). هذا الكشف المفاجئ دمر الرواية الإيرانية حول "شفافية" برنامجها، ووضعها في مواجهة مباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. رغم محاولات التهدئة في أواخر عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، إلا أن النظام كان يشتري الوقت فقط لبناء بنيته التحتية النووية.
2. حقبة أحمدي نجاد: استدعاء العاصفة (2005 - 2013)
مع صعود التيار المتشدد ووصول محمود أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة (أغسطس 2005 - أغسطس 2013)، دخلت إيران مرحلة "الصدام المفتوح والاستفزاز المتبادل". تبنى نجاد خطاباً راديكالياً، وفي عام 2006، أعلنت طهران رسمياً إزالة الأختام التابعة للأمم المتحدة عن منشآتها واستئناف عمليات التخصيب. كان الرد الدولي حاسماً؛ ففي الفترة الممتدة بين (2006 و 2010)، استصدرت واشنطن وحلفاؤها سلسلة من قرارات مجلس الأمن (1696، 1737، 1747، 1803، وصولاً للقرار القاصم 1929 في عام 2010). نقلت هذه القرارات الملف الإيراني من خانة "الرقابة" إلى خانة "التهديد للسلم والأمن الدوليين"، وبدأت بفرض عقوبات استهدفت التكنولوجيا، والشركات المرتبطة بالحرس الثوري، وحظر تصدير السلاح.
3. "كماشة العقوبات" وحافة الهاوية (2010 - 2012)
لم تكن قرارات الأمم المتحدة سوى الغطاء القانوني، لكن الضربة الحقيقية جاءت عبر العقوبات الأحادية الأمريكية والأوروبية التي بلغت ذروتها في عام 2012، وتحولت إلى "حرب مالية واقتصادية شاملة":
حظر النفط: في منتصف 2012، فرض الاتحاد الأوروبي حظراً شاملاً على شراء النفط الإيراني، وترافق ذلك مع عقوبات أمريكية استهدفت أي بنك مركزي أجنبي يتعامل مع البنك المركزي الإيراني. النتيجة كانت هبوط الصادرات النفطية الإيرانية من 2.5 مليون برميل يومياً إلى بالكاد مليون برميل.
العزل عن العالم (SWIFT): في مارس/آذار 2012، طُردت البنوك الإيرانية من نظام "سويفت" المالي العالمي. تحولت إيران إلى "جزيرة معزولة"، عاجزة عن استلام ثمن نفطها المتبقي أو تسديد فواتير وارداتها.
الانهيار الداخلي: فقد الريال الإيراني أكثر من ثلثي قيمته، وتجاوز التضخم حاجز الـ 40%. بدأ "البازار" (تجار طهران) بالتململ، وبات شبح "ثورة الجياع" يهدد بإسقاط النظام من الداخل.
4. قصر البستان: خلع عباءة الأيديولوجيا على عتبة التفاوض
في ذروة هذا الاختناق، وتحت وطأة العقوبات التي هددت استمرارية "ولاية الفقيه"، حدث الانعطاف التاريخي. أدرك المرشد الأعلى علي خامنئي أن "بقاء النظام" أهم من أي اعتبار آخر، ليطلق في عام 2013 مصطلحه الشهير "البطولة المرنة" (Narmesh-e Ghahremananeh)، والذي كان بمثابة الفتوى السياسية للتفاوض مع "الشيطان الأكبر". في أروقة "قصر البستان" الفارهة في العاصمة العمانية مسقط، وتحت ثرياته الكريستالية، لم تكن هناك لافتات تندد بـ "الاستكبار العالمي"، ولم تُرفع شعارات تنادي بتحرير القدس أو نصرة المستضعفين. كانت الطاولات المستديرة هناك مخصصة لشيء واحد فقط: لغة الأرقام، وحسابات الربح والخسارة، وهندسة بقاء النظام.
لم تكن لقاءات مسقط وليدة اللحظة، بل بدأت عبر قناة خلفية بالغة السرية في أواخر عام 2012 وبدايات 2013. أوفد الرئيس الأمريكي باراك أوباما كبار مستشاريه للقاء مبعوثين مباشرين من خامنئي. في تلك اللقاءات التمهيدية، تم الاتفاق على المبدأ الذهبي الذي سيحكم كل ما تلاها: "قاعدة العزل الجراحي للملفات". تعني هذه القاعدة أن المفاوض الإيراني وافق طواعية بل وسعى حثيثاً، لفصل البرنامج النووي عن أي نقاش يخص نفوذ إيران الإقليمي. في تلك الغرف المغلقة، تجلت البراغماتية الإيرانية بأبشع صورها الانتهازية. سقطت فلسطين من جداول الأعمال، وتلاشى الحديث عن حصار غزة، ولم يطرح الإيرانيون أي شرط يتعلق بحماية وكلائهم في لبنان أو العراق أو سوريا. كان العرض الإيراني واضحاً: "دعونا ننسى حلفاءنا وحلفاءكم في الخارج، ولنتحدث عما يجري داخل حدودنا".
"الصحوة المزعومة" والحلقة الذهبية.. دماء السوريين كضريبة للجغرافيا
بينما كانت الابتسامات الدبلوماسية تُوزع بسخاء في قاعات "قصر البستان" العمانية، كانت آلة القتل تحصد الأرواح في شوارع المدن السورية. إن وحدة الحقيقة تقتضي تفكيك هذا التناقض المرعب؛ فالمفاوض الإيراني الذي بدا ناعماً وبراغماتياً أمام الغرب في مسقط، كان يدير في دمشق واحدة من أشرس حروب الوكالة دمويةً في العصر الحديث.
1. "الصحوة الإسلامية" وازدواجية الربيع العربي
لفهم حجم السقوط الأخلاقي والسياسي للسياسة الخارجية الإيرانية، يجب العودة إلى اللحظات الأولى لانطلاق "الربيع العربي" في أواخر 2010 وبدايات 2011. في تونس ومصر، سارعت الآلة الإعلامية والسياسية الإيرانية إلى مباركة التظاهرات، وأطلق المرشد الأعلى علي خامنئي على تلك الثورات وصف "الصحوة الإسلامية"، معتبراً إياها امتداداً طبيعياً لثورة بلاده عام 1979 ضد الأنظمة الديكتاتورية الموالية للغرب. بلغت هذه النشوة السياسية ذروتها التاريخية في أغسطس/آب 2012، عندما استقبلت طهران الرئيس المصري حينها (محمد مرسي) في أول زيارة لرئيس مصري منذ أكثر من ثلاثة عقود، في محاولة إيرانية لركوب موجة التغيير وتقديم نفسها كحاضنة لثورات الشعوب. لكن، وبمجرد أن امتدت شرارة الحرية إلى شوارع درعا، ووصلت هتافات المتظاهرين إلى أبواب الجامع الأموي في دمشق، انقلبت الآية 180 درجة. فجأة، اختفى مصطلح "الصحوة الإسلامية" من القاموس الإيراني، وتحول المتظاهرون السلميون إلى "إرهابيين"، والثورة الشعبية إلى "مؤامرة كونية صهيو-أمريكية". هذا الانقلاب الفج أثبت للعالم العربي أن بوصلة طهران لا تشير إلى "حقوق الشعوب"، بل تشير حصراً إلى مصالحها الجيوسياسية.
2. رعب الانهيار وحتمية التدخل (2012 - 2013)
لم تكن المظاهرات التي عمت المدن السورية مجرد حراك شعبي في نظر الاستراتيجية الإيرانية، بل كانت زلزالاً يهدد بابتلاع عمقها الاستراتيجي. ومع دخول الصراع عامه الثاني، وتحديداً بحلول صيف عام 2013، بدأت الآلة العسكرية لنظام الأسد تتصدع بشكل بنيوي، حيث أدت موجات الانشقاق الواسعة إلى إنهاك القوات النظامية وتراجعها الدراماتيكي. في تلك اللحظة، أيقنت طهران أن النظام لم يعد قادراً وحده على حماية هيكله من السقوط، فقررت التدخل المباشر وبكل ثقلها العسكري والميليشياوي، متخلية عن كل ادعاءاتها بدعم "المستضعفين".
3. "الحلقة الذهبية": الجغرافيا قبل العقيدة
لم تنظر القيادة الإيرانية إلى سوريا يوماً من زاوية المبادئ، بل نظرت إليها بعيون الخرائط العسكرية الباردة. لقد صاغ علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، العقيدة الإيرانية تجاه سوريا بوضوح صارخ عندما وصفها بأنها "الحلقة الذهبية في سلسلة المقاومة". في الميزان الإيراني، لم تكن هذه الحلقة "ذهبية" لقداستها، بل لموقعها الحيوي كجسر بري ضخم يربط طهران ببغداد، ثم دمشق، وصولاً إلى بيروت والبحر المتوسط. سقوط هذه الحلقة كان يعني قطع الشريان اللوجستي الذي يغذي نفوذها، وعزل إيران داخل حدودها الجغرافية. من هنا، أصبحت دماء السوريين، وتدمير حواضرهم التاريخية، مجرد "ضريبة جغرافية" تدفعها طهران رخيصةً للحفاظ على خطوط إمدادها.
4. "حماية المقامات": خديعة التعبئة المقدسة
لإدارة هذه الحرب العابرة للحدود، واجهت إيران معضلة كبرى: كيف تقنع الآلاف من الشبان الشيعة في أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان بالذهاب للموت في سوريا من أجل حماية مسار إمداد لوجستي؟ هنا، تجلت أبشع صور التوظيف السياسي للدين. استدعت طهران المظلوميات التاريخية، ورفعت شعار "حماية المقامات" ومقولة "لن تُسبى زينب مرتين". لقد تم تغليف المصلحة الجيوسياسية الباردة بغلاف ديني عاطفي حارق، وتحولت سوريا إلى بؤرة استقطاب طائفي؛ حيث استُجلبت ميليشيات مثل "الفاطميون" و"الزينبيون"، ليس لمحاربة إسرائيل، بل لسحق المعارضة السورية وتأمين طريق النفوذ الإيراني.
5. البوصلة المفقودة: هل يمر طريق القدس فوق جثث السوريين؟
المرآة المتصدعة.. حين نطق "الآباء المؤسسون" بحقيقة المحرقة
لم يكن الصمت المطبق في "قصر البستان" حيال ملفات المنطقة كافياً لإخفاء الحقائق للأبد؛ إذ سرعان ما بدأت التناقضات الإيرانية تخرج إلى العلن، ليس عبر تقارير استخباراتية غربية فحسب، بل على ألسنة كبار قادة النظام الإيراني وأعمدته التاريخية. في هذا المحور، نكشف كيف فضحت التصريحات المسربة والمواقف العلنية لرموز مثل رفسنجاني وأحمدي نجاد زيف ادعاءات "المقاومة" وكشفت الوجه الحقيقي للتدخل في سوريا.
1. صاعقة رفسنجاني: شهادة "الثعلب" على دماء الكيماوي
في سبتمبر 2013، وبينما كان العالم يغلي بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية بدمشق، فجر هاشمي رفسنجاني — أحد أبرز مؤسسي الجمهورية الإسلامية ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آنذاك — قنبلة سياسية من العيار الثقيل. في خطاب مسجل له بمدينة سوادكوه بمحافظة مازندران، قال رفسنجاني بوضوح لا يقبل التأويل:
"الشعب السوري الذي تعرض لهجمات كيماوية من قبل حكومته، يجب أن يواجه الآن خطر التدخل الأجنبي.. الشعب السوري ذاق الأمرين في السجون، والملاعب امتلأت بالمعتقلين".
كانت هذه الكلمات بمثابة "زلزال" في طهران؛ فرفسنجاني لم يكتفِ بالاعتراف بأن نظام الأسد هو من خنق شعبه بالغازات السامة، بل وصف السجون السورية بما هي عليه فعلاً. سارعت الماكينة الإعلامية التابعة للحرس الثوري إلى حذف التصريح ونفيه، لكن التسجيل كان قد طار في الآفاق، ليثبت أن "عقل النظام الإيراني" يدرك تماماً حجم الجريمة التي يرتكبها حليفه، لكنه يختار الاستمرار في دعمها حمايةً لـ "المصلحة" التي تسبق "المقدسات".
2. مفارقة أحمدي نجاد: "الديكتاتور" في عيون الحليف الراديكالي
المفاجأة الأكبر جاءت من محمود أحمدي نجاد، الرجل الذي قاد مرحلة التصعيد النووي وصاحب الخطابات الأكثر تشدداً. نجاد، الذي كان رئيساً لإيران عند اندلاع الثورة السورية (2011-2013)، بدأ تدريجياً في اتخاذ مسافة من الانغماس المطلق في المستنقع السوري، خاصة بعد خروجه من السلطة. في تصريحات لاحقة ومقابلات صحفية، لم يتردد نجاد في وصف ما يجري في سوريا بأنه صراع على السلطة بعيد كل البعد عن "المقاومة". وفي مفارقة تاريخية، انتقد نجاد الأسلوب الأمني القمعي لنظام الأسد، مشيراً إلى أنه "لا يمكن لأي حاكم أن يبقى في السلطة عبر قتل شعبه". وصفُ نجاد للأسد ضمناً بـ "الديكتاتور العربي" واعترافه بحق الشعوب في قرير مصيرها، كشف عن شرخ عميق داخل النخبة الإيرانية؛ حيث بدأ حتى "الصقور" يشعرون بأن كلفة الدفاع عن نظام متهالك أخلاقياً باتت تهدد سمعة "الثورة" وصورتها أمام الشعوب المسلمة.
3. ازدواجية "الصحوة" و"المؤامرة": السقوط في فخ التناقض
لقد وضعت هذه التصريحات القيادة العليا في إيران (مكتب المرشد والحرس الثوري) في زاوية حرجة. فكيف يمكن تفسير مباركة "الثورة" في مصر وتونس ووصفها بـ "الصحوة الإسلامية"، بينما تُعتبر الثورة في سوريا "مؤامرة صهيونية"؟ لقد نطق رفسنجاني بما يخفيه الصدر، ونطق نجاد بما يمليه العقل السياسي الباحث عن الشعبوية؛ وكلاهما أثبت أن السردية الإيرانية حول "المقدسات" و"المقاومة" لم تكن سوى "بروباغندا وظيفية".
4. صراع الأجنحة: بقاء الدولة أم انتحار الثورة؟
كشفت هذه التصدعات أن إيران لم تكن كتلة واحدة حيال ملف سوريا. كان هناك تيار "البراغماتيين" (الذي مثله رفسنجاني ومن بعده روحاني وظريف) الذي يرى في الانغماس السوري استنزافاً قد يؤدي لانهيار إيران اقتصادياً وسياسياً، وتيار "العقائديين العسكريين" (الحرس الثوري) الذي يرى في جغرافيا سوريا "متراساً متقدماً" لحماية طهران. لكن في نهاية المطاف، انتصر تيار الحرس الثوري، ليس لأنه الأكثر "مبدئية"، بل لأنه الأكثر قدرة على تحويل الدماء إلى أوراق تفاوضية. لقد استخدمت إيران صمتها في "قصر البستان" لتمرير اتفاقها النووي، واستخدمت ضجيجها وصواريخها في سوريا لتثبيت نفوذها، ضاربةً عرض الحائط بشهادات قادتها أنفسهم الذين أقروا بظلم النظام الذي يدافعون عنه.
"القدس" في الميزان الإيراني.. ورقة تفاوض لا عقيدة خندق
طوال أربعين عاماً، استثمرت طهران في "القدس" كعلامة تجارية عابرة للحدود، محاولةً من خلالها كسر العزلة المذهبية والسياسية، وتقديم نفسها كقائدة للعالم الإسلامي في مواجهة "الاستكبار". لكن الفجوة بين "يوم القدس العالمي" (الذي يُحتفل به في شوارع طهران) وبين "فيلق القدس" (الذي يقاتل في شوارع حلب وصنعاء وبغداد)، تكشف أن فلسطين في العقل الاستراتيجي الإيراني هي "أداة وظيفية" لا أكثر.
1. "فيلق القدس" والتائهون عن البوصلة
يُعد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الأداة الضاربة لإيران في الخارج، وحمل اسمه تيمناً بمدينة القدس ليعطي شرعية أخلاقية لعملياته. لكن المفارقة الصارخة هي أن هذا الفيلق، وبقيادة قاسم سليماني، خاض مئات المعارك، وحاصر عشرات المدن، وهجّر الملايين، لكنه لم يطلق رصاصة واحدة نحو القدس أو حدود فلسطين المحتلة. لقد كانت الخريطة التي يتحرك عليها "فيلق القدس" هي خريطة "الهلال الخصيب" الذي تسعى إيران للهيمنة عليه. بالنسبة لطهران، فإن "تحرير القدس" هو الهدف المؤجل للأبد، بينما "احتلال العواصم العربية" هو الإنجاز المحقق فعلاً. لقد استُخدم اسم القدس كغطاء لتبرير التمدد الاستعماري الإيراني، وتحويل المليشيات إلى "جيوش احتلال" محلية تخدم أجندة الولي الفقيه.
2. فلسطين.. السلعة الرابحة في "بازار" الغرب
في مفاوضات "قصر البستان" بمسقط (2014) وما تلاها في فيينا، ظهرت فلسطين كـ "ورقة" تُوضع على الطاولة وتُسحب منها حسب درجة حرارة العقوبات. إيران لا تدعم "حماس" أو "الجهاد الإسلامي" حباً في القضية الفلسطينية، بل لتمتلك "حق الفيتو" على أي استقرار في المنطقة قد يهمش دورها. هي تدعمهم لتقول لواشنطن وتل أبيب: "أنا أملك مفاتيح الانفجار في خاصرتكم، فماذا ستعطونني في المقابل؟". هنا تكمن الانتهازية السياسية؛ فبينما يدفع الفلسطينيون ثمن الحصار والحروب، تقبض طهران ثمن "التهدئة" أو "التصعيد" في صفقاتها الدولية؛ سواء عبر تخفيف العقوبات النووية أو الاعتراف بنفوذها الإقليمي.
3. التجارة بالمقدسات: القدس مقابل البقاء
تستخدم إيران الصور البصرية للمقدسات الإسلامية (قبة الصخرة، المسجد الأقصى) في كل جدارياتها وبروباغنداها العسكرية، لكنها في اللحظات الحاسمة تغلّب "المصلحة القومية الفارسية" على "المقدس الإسلامي". لقد رأينا كيف صمتت طهران عن قضايا إسلامية كبرى عندما تعارضت مع مصالح حلفائها (مثل قضية الإيغور في الصين)، وكيف أنها مستعدة للتضحية بأي فصيل فلسطيني إذا كان الثمن هو حماية مفاعلاتها النووية. فلسطين بالنسبة لإيران هي "ستار دخان" كثيف؛ خلفه يتم بناء إمبراطورية نفوذ، وتحته يتم دفن أحلام الشعوب العربية في الاستقلال والحرية.
4. الحقيقة العارية: القدس ليست البوصلة بل "القناع"
إن أقوى صور البحث تتبدى في مراقبة طائرات الشحن الإيرانية التي كانت تحط في مطار دمشق؛ لم تكن تحمل أدوية لأطفال غزة، بل كانت تحمل صواريخ "فاتح" و"فجر" لتثبيت أركان نظام الأسد.
لقد سقطت ورقة التوت عن ادعاءات إيران؛ فالقدس التي يتباكون عليها في الإعلام، هي نفسها التي يتاجرون بدمائها في الغرف المغلقة. لقد أثبتت سنوات الصراع أن إيران لم تكن يوماً "خندقاً للمقاومة"، بل كانت "بنكاً للمصالح"، يستخدم القدس كعملة صعبة لرفع رصيده في بورصة القوى العظمى.
4. "انعطافة بكين 2023".. قفزة فوق "الشيطان" بحثاً عن طوق النجاة
لم تكن مفاوضات مسقط وسوريا هي المحطات الوحيدة لسقوط الأيديولوجيا أمام الحسابات الباردة؛ ففي مارس 2023، وتحت الرعاية الصينية في بكين، وقعت طهران اتفاقاً لاستئناف العلاقات مع السعودية، منهيةً بذلك سبع سنوات من القطيعة والخطاب التصعيدي الحاد.
تكمن أهمية هذه الواقعة في توقيتها؛ حيث كانت إيران تعيش تحت وطأة عزلة دولية خانقة واحتجاجات داخلية غير مسبوقة وهبوط حاد للعملة. هنا، وبضغطة زر واحدة، توقفت الماكينة الإعلامية الإيرانية عن مهاجمة "الخصوم الإقليميين"، وتم تجميد شعارات "تصدير الثورة" في الخليج مقابل وعود باستثمارات اقتصادية وتهدئة تضمن استقرار النظام. إن "اتفاق بكين" هو البرهان الأحدث على أن طهران مستعدة لطي صفحة أي "عداء عقائدي" فور شعورها بتهديد حقيقي لمركز السلطة، مؤكدةً مرة أخرى أن شعاراتها هي مجرد "تكتيكات متغيرة" بينما البقاء هو "الاستراتيجية الثابتة".
الخلاصة النهائية:
عندما نربط خيوط البحث ببعضها؛ من صمت "قصر البستان" النووي، إلى دماء "الحلقة الذهبية" في سوريا، وصولاً إلى اعترافات رفسنجاني وتجارة "القدس"، تكتمل الصورة: إيران هي دولة "البراغماتية المطلقة" بامتياز. نظامٌ يجيد العزف على أوتار العاطفة الدينية ليحشد المليشيات، ويجيد لغة الصمت الدبلوماسي ليحصد المليارات. إنها الحكاية القديمة المتجددة؛ حيث تذهب الشعوب كوقود للمحارق، ويبقى القادة في طهران يوزعون الابتسامات فوق جثث "المستضعفين" الذين وعدوهم يوماً بالتحرير، فما منحوهم إلا التدمير والتهجير.
الشرع في برلين: قمة سورية ألمانية تبحث الإعمار واللاجئين ودمج دمشق مالياً
في خطوة تاريخية تعكس تسارع عجلة الانفتاح الأوروبي، وصل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى العاصمة الألمانية برلين، الأحد 29 آذار، في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها منذ توليه السلطة مطلع عام 2025.
ومن المقرر أن تتركز محادثات "الشرع" يومي الاثنين والثلاثاء مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول ملفات استراتيجية تتصدرها إعادة الإعمار، وتأمين ضمانات لعودة طوعية وكريمة للاجئين السوريين الذين يتجاوز عددهم المليون في ألمانيا.
وتأتي هذه الزيارة، التي ستشمل أيضاً محطة هامة في لندن، بعد سلسلة نجاحات دبلوماسية حققها "الشرع" شملت زيارات للبيت الأبيض وموسكو وباريس، وأسفرت عن رفع جزئي للعقوبات الدولية.
إن مرافقة وفد وزاري رفيع للرئيس في هذه الجولة تعكس رغبة دمشق في تحويل "التفاهمات السياسية" إلى "اتفاقيات اقتصادية" ملموسة، خاصة مع بدء تعافي الليرة السورية الجديدة واندماج البلاد التدريجي في النظام المالي العالمي، مما يجعل من "قمة برلين" حجر الزاوية في بناء جسر التعاون المستدام بين سوريا الجديدة والاتحاد الأوروبي.
دماء سورية في الجنوب اللبناني: السفارة تتابع نقل جثامين 7 ضحايا من "مجزرة الحنية"
في تصعيد إسرائيلي دموية طال التجمعات المدنية في قضاء صور، أعلنت السفارة السورية لدى بيروت يوم السبت 28 آذار، استنفار كوادرها لمتابعة تداعيات الغارة التي أدت لمقتل 7 مواطنين سوريين وإصابة 8 آخرين.
وأكدت السفارة في بيان رسمي أنها تعمل على تسهيل إجراءات نقل جثامين الشهداء إلى الداخل السوري، بالتوازي مع متابعة أوضاع الجرحى القابعين في المشافي اللبنانية جراء القصف الذي استهدف بلدة الحنية.
وتأتي هذه المأساة الإنسانية في سياق العدوان الإسرائيلي المتصاعد منذ 2 آذار الجاري، والذي تحول إلى غارات يومية وتوغل بري شمل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وسط اشتباكات عنيفة يخوضها "حزب الله" بالصواريخ والمسيّرات.
إن سقوط الضحايا السوريين في قلب المعارك اللبنانية يعكس حجم المخاطر التي تحدق بمئات الآلاف من اللاجئين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة النزوح وسندان الحرب الإقليمية، لتتحول رحلة البحث عن الأمان إلى جنائز تعبر الحدود نحو الوطن المثقل بالجراح، في وقت تتسع فيه رقعة الاستهداف لتطال كل من يتحرك في جغرافيا الجنوب الملتهبة.
وأد الفتنة في السقيلبية: صلح برعاية الكنيسة والأمن ينهي تداعيات المشاجرة الجماعية
في تحرك ميداني عاجل لاحتواء تداعيات "مشاجرة السقيلبية" التي اندلعت يوم السبت 28 آذار، أعلن قائد الأمن الداخلي في حماة، العميد ملهم الشنتوت، التوصل إلى حل توافقي يرتكز على "الصلح المجتمعي" بعد اجتماعات مكثفة ضمت مطارنة ووجهاء منطقة الغاب.
وأكد الشنتوت أن الجهود الأمنية والدينية أثمرت عن الإفراج عن عدد من الموقوفين الذين لم يثبت تورطهم المباشر، في خطوة تهدف لتعزيز الاستقرار والحفاظ على السلم الأهلي، مع الإبقاء على "المتسبب الرئيسي" قيد التوقيف لاستكمال التحقيقات القانونية.
وتأتي هذه التطورات بعد 24 ساعة من تدخل قوى الأمن لفض مشاجرة جماعية عنيفة بين مجموعة من الشبان، كادت أن تهدد الهدوء العام في المدينة الاستراتيجية.
إن سرعة الاستجابة الأمنية والتنسيق مع المرجعيات الروحية يعكسان إدراكاً عميقاً لحساسية المرحلة، حيث تمكنت قوى الأمن من تحويل "أزمة الشارع" إلى "طاولة حوار" قانوني، ضامنةً بذلك تحقيق العدالة ومنع تكرار مثل هذه الحوادث التي قد تعكر صفو الأمن العام في ريف حماة الغربي.
جامعة دمشق ومنظمة ألمانية تطلقان أضخم برنامج لعلاج الصدمات النفسية
أعلنت جامعة دمشق، عبر وحدة الإرشاد الجامعي وكلية التربية وبالتعاون مع المنظمة الألمانية السورية "DSV"، عن إطلاق برنامج تدريبي تخصصي نوعي يمتد لسبعة أشهر، بمعدل أسبوع تدريبي كل شهر، مستهدفاً تمكين الاختصاصيين من التعامل مع "الصدمات النفسية" وفق أدلة علمية رصينة.
وكشف الدكتور مازن الشماط أن البرنامج يتضمن 200 ساعة تدريبية بين النظرية والتطبيق، بالإضافة إلى 30 ساعة إشراف ميداني مباشر، لضمان تخريج كوادر قادرة على العمل الميداني بكفاءة عالية، خاصة مع تخصيص مقاعد لطلاب الماجستير والدكتوراه.
إن فتح باب التسجيل لمدة 10 أيام يمثل استجابة حقيقية لاحتياجات مجتمع تعرّض لضغوط هائلة، حيث تسعى الجامعة لتعزيز دورها المجتمعي من خلال هذه الوحدة التي أُحدثت عام 2023 وتوسعت لتشمل فروعاً في المدينة الجامعية.
هذا المسار العلمي لا يهدف فقط لتطوير مهارات الاختصاصيين، بل لزرع بذور "التعافي المستدام" في وجدان السوريين، محولاً الخبرات الأكاديمية إلى لمسات شفاء ميدانية مجانية، تعيد بناء الإنسان بالتوازي مع إعادة بناء الحجر، في معركة صامتة ضد آثار "ما بعد الصدمة" التي لا تزال تسكن الكثير من القلوب.
سفارة كندا في دمشق: أبواب موصدة منذ 14 عاماً بانتظار "رادار" السياحة والأعمال
رغم مرور سنة كاملة على سقوط النظام السابق واستئناف العلاقات الدبلوماسية، أعلنت الحكومة الفدرالية الكندية بوضوح أنه لا خطط حالية لإعادة فتح سفارتها في العاصمة السورية، والمغلقة منذ عام 2012.
وخلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم، كشف السفير غريغوري غاليغان، الذي يدير الملف السوري من مقره في بيروت، أن أوتاوا لا تضع "شروطاً سياسية" تعجيزية، بل تربط العودة بزاوية اقتصادية بحتة.
إن هذا الموقف الكندي الحذر يرهن فتح الأبواب الدبلوماسية بمدى اهتمام الشركات الكندية وتدفق أعداد ملموسة من السياح نحو سوريا، في إشارة إلى أن المصالح التجارية هي المحرك الفعلي للقرار القادم.
وبينما كانت كندا من أوائل الدول التي علقت أنشطتها قبل نحو 14 عاماً، فإنها اليوم تبدو الأكثر تريثاً في العودة إلى دمشق، تاركةً التمثيل الدبلوماسي معلقاً بين بيروت ودمشق بانتظار "ضوء أخضر" من قطاع الأعمال.
هذا التريث يعكس مأساة غياب الاستثمارات الدولية التي قد تؤخر تعافي سوريا الاقتصادي، حيث يظل المشهد السوري في عيون أوتاوا مجرد ملف إقليمي يدار عن بُعد، بانتظار واقع جديد يغري المستثمرين الكنديين لكسر حالة الجمود التي طالت لأكثر من عقد من الزمان.
فنادق دمشق وقصورها في مرمى التهديد: طهران ترسم "خارطة أهداف" مدنية
في تصعيد إعلامي يحمل نبرة التحذير العسكري، فجرت وكالة "فارس" الإيرانية مفاجأة من العيار الثقيل بزعمها تحول معالم دمشق المدنية، كفندق "فور سيزن" و"شيرتون" وحتى القصر الجمهوري، إلى ثكنات لإيواء خبراء أمريكيين وبريطانيين وإسرائيليين، ضمن استراتيجية طهران لتبرير استهداف المنشآت المدنية في المنطقة كأهداف بديلة للقواعد المتضررة.
وتبرز الحقائق الميدانية المتفجرة كخلفية لهذا الخطاب؛ إذ شهد ريف الحسكة فجر الثلاثاء 24 آذار أول هجوم صاروخي من نوعه ضد قاعدة للجيش السوري منذ اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي، ما أسفر عن تدخل السلطات العراقية للقبض على 4 متورطين بالهجوم. وتتفاقم المأساة الإنسانية في الجنوب السوري، وتحديداً في درعا والقنيطرة، حيث باتت المنطقة مسرحاً لتساقط شظايا الاعتراضات، ما دفع وزارة الطوارئ لإصدار تحذيرات عاجلة للسكان لتجنب حطام الصواريخ.
إن هذا الخلط الإيراني المتعمد بين المرافق السياحية والسيادية وبين الأهداف العسكرية يضع السوريين في قلب "حرب استخباراتية" شعواء، محولاً معالم العاصمة التاريخية إلى رهائن في صراع إرادات دولي، بينما تدفع المدن السورية ضريبة "الرسائل الصاروخية" العابرة للحدود وسط صمت مطبق وترقب حذر لما ستؤول إليه الأيام القادمة من مواجهات قد تطال مطار بيروت أو جيبوتي وفق المزاعم الإيرانية.
شريان الحياة يعود: نهر بردى يبعث الروح في الغوطة الشرقية بعد جفاف عجاف
بعد سنوات طوال عاث فيها الجفاف فساداً في أرض الغوطة الشرقية، عادت الروح لتنبض في عروق بلدة النشابية مع جريان مياه نهر بردى الأسطوري.
إن عودة المياه التاريخية تمثل النقطة الأولى في هذه الملحمة الإنسانية، حيث تروي الأرض العطشى قصص الصمود والصبر، ويتردد صدى خرير الماء كأنشودة أمل للأجيال القادمة.
ثانياً، تبرز ملحمة عودة الغطاء الأخضر، إذ بدأت البساتين والمحاصيل باستعادة ألوانها المفقودة، مٌعيدةً للغوطة لقبها التاريخي "حديقة دمشق"، ومبشرة بموسم زراعي واعد ينعش اقتصاد المنطقة.
أما النقطة الثالثة والأكثر تأثيراً، فهي الفرحة العارمة التي غمرت قلوب السوريين، حيث يرى الأهالي في جريان النهر دليلاً قاطعاً على تعافي الطبيعة بعد الحرب، وتتجدد الآمال في عودة الاستقرار للأرض السورية بأكملها.
إن هذا الحدث لا يمثل مجرد تغير بيئي، بل هو انتصار للحياة والإرادة البشرية في وجه قسوة الظروف، حيث يتحول نهر بردى مرة أخرى من شاهد على المعاناة إلى رمز حي للصمود والتفاؤل، باعثاً الحياة والأمل في كل قطرة من مياهه العذبة.
مذاق الشام يعود لعمان: 400 طن من اللحوم السورية تكسر رتابة الأسواق الأردنية
في خطوة تعيد إحياء الروابط الاقتصادية والتاريخية بين الجارين، أعلن وزير الزراعة الأردني، صائب خريسات، عن بدء تدفق لحوم الضأن السورية المذبوحة إلى الأسواق الأردنية ضمن صفقة استراتيجية تشمل 400 طن.
يمثل هذا الاختراق التجاري، الذي انطلق من "مسلخ الزبلطاني" العريق بدمشق، متنفساً حقيقياً للمواطن الأردني الذي طالما ارتبط بمذاق اللحوم البلدية السورية، خاصة في ظل اعتماد الأردن على استيراد 60% من احتياجاته للحوم الحمراء.
وبينما يطمئن خريسات الشارع الأردني بتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع الدواجن وتوفر مخزون أعلاف استراتيجي، تبرز "المنصة الإلكترونية" المعتمدة كضمانة صحية وقانونية لانتظام هذه الإمدادات.
إن عودة القوافل المحملة بخيرات الشام لا تعكس مجرد أرقام في ميزان التبادل، بل هي رسالة أمل بعودة التكامل الغذائي لبلاد الشام، حيث تضع دمشق بصمتها مجدداً في الأمن الغذائي الإقليمي، مخففةً من وطأة الغلاء ومؤكدةً أن الجغرافيا والروابط الاجتماعية تظل أقوى من كل العوائق، ليبقى "الضأن السوري" بطل المائدة الأردنية بامتياز.

.webp)
















