حرية ومسؤولية
يأخذنا المخرج منتجب صقر في عرضه المسرحي "الليلة التي سبقت الغابات" –عن نص برنار ماري كولتيس– إلى منطقة رمادية، حيث لا حكاية تقليدية نتابع فصولها، بل "حالة إنسانية" مفتوحة على مصراعيها، تعج بالخوف والوحدة والضياع.
العمل ليس مجرد عرض مقتبس، بل هو إعادة صياغة للنص في سياق سوري مشحون بالحساسية، ليتحول التشرد فيه من مفهوم اجتماعي إلى استعارة وجودية شاملة عن إنسان فقد مكانه، وهويته، وصوته في هذا العالم.
في خيار إخراجي ذكي، فكك صقر طابع المونودراما الأصلي للنص، مضيفاً شخصية نسائية لتتحول التجربة إلى "ديودراما" تتقاسم فيها الشخصيتان عبء الخسارة.
الأداء التمثيلي: قدم غسان الدبس شخصية مأزومة تقف على حافة الانهيار، بينما أضفت رشا الزغبي على الشخصية النسائية هشاشة موجعة، تعكس ذاكرة كاملة من الفقد.
التواصل: لم يمثل الرجل والمرأة شخصيات درامية مكتملة، بل صوتاً واحداً للخذلان، ومحاولة يائسة للبحث عن مستمع في مدينة لا تكترث.
ينتمي العرض إلى مدرسة "مسرح ما بعد الدراما"؛ حيث تتراجع الحبكة لصالح التدفق النفسي والانفعالي. اللغة هنا ليست وسيلة للسرد، بل هي "حبل نجاة" يستخدمه الممثلون لتأجيل السقوط في صمت المدينة الباردة. اعتمد المخرج على الاقتصاد البصري، مكتفياً بالإضاءة والصوت والحضور الجسدي الخام، ليترك المساحة الكبرى للكلمة وللجرح الإنساني الذي يعجز عن الالتئام.
المطر كعنصر فاعل: لم يكن المطر في العرض مجرد خلفية، بل كان تجسيداً لعالم لا يمنح الأمان، حيث تقف الشخصيات مكشوفة أمام خوفها الداخلي.
لم يكتفِ صقر بحبس الشخصيات في فضاء الخشبة، بل كسر "الجدار الرابع" لتصبح الشخصيات تخاطب الجمهور مباشرة، مطالبة إياه بالاعتراف بوجودها. هذا التحول جعل المتفرج ينتقل من مقعد "المتلقي المحايد" إلى مقعد "الشاهد" على هشاشة الإنسان المعاصر.
يختتم العرض رسالته بصرخة هادئة في وجه المدينة التي لا ترى "المهمشين" إلا كظلال عابرة، ليؤكد أن المأساة الحقيقية للإنسان قد لا تكمن في فقدان كل شيء، بل في انعدام من ينصت لصوته. لقد نجح منتجب صقر في تقديم قراءة سورية مكثفة، جعلت من الخشبة مساحة إنصات نبيلة للمنسيين.
إن إعلان وزارة الثقافة اليوم، الأحد 17 أيار 2026، عن إطلاق مهرجان البحتري من المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب، خطوة بالغة الدلالة؛ فالمدينة التي عانت طويلاً من التهميش والحروب، تسترد اليوم هويتها السورية الخالصة عبر بوابة الأدب والشعر الفصيح.
هذا المهرجان، الذي يمتد على مدار يومي 20 و21 من أيار الجاري، ليس مجرد حدث أدبي عابر، بل هو إعلان صريح عن عودة الروح للحياة الثقافية في ريف حلب، وربط أطراف البلاد بمركزها الإبداعي.
يتضمن المهرجان برنامجاً غنياً يجمع بين أصالة الإرث البحتري وحداثة الطرح المعاصر، من خلال أمسيات شعرية يحييها نخبة من شعراء سوريا، ومحاضرات فكرية وقراءات نقدية تبرز مكانة الشعر في بناء الوعي، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات التراث العربي.
وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لنهج الوزارة في تنشيط المشهد الثقافي بالمحافظات، بعد النجاح الكبير الذي حققه مهرجان "أيام البردة الدولي" في تشرين الأول الماضي بدار الأوبرا في دمشق وحمص واللاذقية وحلب، والذي شهد مشاركة عربية واسعة.
إن اختيار منبج بالذات يحتفي برمزية المكان ويعزز التلاحم المجتمعي تحت ظلال الفن والفكر، مؤكداً أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من ترميم الهوية الثقافية وضخ الحياة في مسارح ومنارات المدن السورية كافة.
بين عبقرية المكان وجراح السياسة، تقف مدينة عدن اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية تطوي بها سنوات من التيه والتمزق.
فبعد عقد من الزمان كانت فيه "ثغر اليمن الباسم" مسرحاً لصراعات عبثية وتنافس ميليشياوي، تشهد المدينة تحولات جذرية يقودها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لإعادة تطبيع الحياة وفرض سلطة الدولة.
لقد كانت عدن، ولا تزال، ضحية لموقعها الاستراتيجي الفريد على خارطة الملاحة الدولية.
هذا الموقع الذي منحها مجداً تاريخياً كأول مدينة عرفت المدنية والطيران والسينما في المنطقة، هو ذاته الذي جعلها مطمعاً للقوى المتعاقبة.
ومع تصاعد وتيرة الأحداث الأخيرة، بدأت ملامح "عدن الجديدة" في التشكل بعد انسحاب تشكيلات المجلس الانتقالي الجنوبي من محافظات الشرق (حضرموت والمهرة) وحلّ المجلس لنفسه من الرياض، مما أفسح المجال لعودة الخدمات الأساسية وخروج المظاهر المسلحة التي حولت المدينة إلى ما يشبه "قرية كبرى" تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
يشير الواقع الميداني والسياسي إلى أن محاولات "فرض الأمر الواقع" بالقوة قد وصلت إلى طريق مسدود.
إن التحليل المحايد لمسار الأحداث يوضح أن عدن عانت من "تخادم" غير مباشر بين المماحكات السياسية الداخلية وهجمات الحوثيين، مما عرقل دورها كعاصمة مؤقتة.
التداعيات المحتملة: عودة الحكومة الشرعية للعمل بكامل طاقتها من عدن ستؤدي إلى انتعاش ميناء عدن التاريخي، وربط المدينة مجدداً بموارد الطاقة في مأرب وحضرموت.
الأثر المتوقع: نجاح "الحوار الجنوبي-الجنوبي" المرتقب في الرياض سيمثل الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسي الماضي (مثل أحداث 1986)، والانتقال من عقلية "الإقصاء بالهوية" إلى رحاب الدولة الجامعة.
سادت حالة من الارتياح الشعبي بين سكان المدينة مع عودة التيار الكهربائي وانتظام صرف الرواتب. وفي حين رحبت القوى الوطنية باستعادة هيبة الدولة، التزمت قيادات سابقة في المجلس المنحل الصمت، وسط أنباء عن ترتيبات سياسية جديدة.
في لحظة تاريخية مهيبة تفيض بمشاعر النصر والأمل، احتضنت دمشق "اليوم الخميس" انطلاقة دورتها الاستثنائية لمعرض دمشق الدولي للكتاب في قصر المؤتمرات، برعاية وحضور رئيس الجمهورية أحمد الشرع.
لم يكن الافتتاح مجرد تظاهرة ثقافية، بل كان إعلاناً صريحاً عن "عودة الروح" لجسد الأمة السورية الموحدة؛ حيث أكد الرئيس الشرع في كلمته المؤثرة أن دمشق عادت لترمم صرحها وتداوي جراحها بالعلم الذي هو أمانة العمل، مشدداً على أن القوة بلا معرفة مهلكة.
بمشاركة أكثر من 500 دار نشر من 35 دولة، وبحضور سعودي وقطري لافت كضيفي شرف، تحول المعرض إلى أكبر تظاهرة حضارية في تاريخ البلاد، متوجاً انتصار القلم والسيف معاً.
وبين عبق التاريخ الذي جسدته تقنيات الذكاء الاصطناعي لشخصيات مثل المعري وقباني، وأغنيات الحكايا القديمة، يبرز المعرض كأول تتويج ثقافي شامل بعد تحرير سوريا بالكامل، مرسلاً رسالة للعالم بأن الشام التي علمت البشرية الأبجدية، تسترد اليوم مكانتها كمنارة للحق والجمال، داعيةً أجيالها الناشئة للنهل من نبع المعرفة الذي لا ينضب لبناء مستقبل يليق بتضحيات السوريين وعزتهم.
في خطوة تعلن انتصار النور على الظلام، تضع دمشق اليوم لمساتها الأخيرة لحدث لا يشبه غيره؛ إنه معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الأولى "بعد التحرير".
اجتماع الأمانة العامة للرئاسة لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل إعلان حالة استنفار ثقافي شامل لضمان نجاح هذا العرس الحضاري الذي ينطلق في الخامس من شباط القادم.
تحت شعار "تاريخ نكتبه... تاريخ نقرؤه"، تستعد مدينة المعارض لاستقبال أكثر من 500 دار نشر عربية وأجنبية، في رسالة تحدٍ واضحة تؤكد أن سوريا التي صمدت، تعيد اليوم ترميم وعيها ووجدانها بالكتابة والمعرفة.
هذا التناغم الحكومي وتذليل العقبات يعكس إيماناً عميقاً بأن الثقافة هي حجر الزاوية في معركة إعادة البناء، وأن دمشق، عاصمة الأبجدية، تفتح ذراعيها مجدداً للعالم، لتسطر بمداد المعرفة فصلاً جديداً من المجد، مانحةً الأجيال القادمة منبراً للتنوير وجوائز ومبادرات تُطرح لأول مرة احتفاءً بالإنسان السوري المبدع.
فقدت الساحة الثقافية والدبلوماسية السورية اليوم الأحد، بوفاة وزير الثقافة الأسبق، رياض نعسان آغا، عن عمر ناهز 78 عاماً في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد صراع مع المرض.
والراحل، الذي وُلد في إدلب عام 1947، كان شخصية متعددة الأبعاد، حيث جمع بين دراسة الأدب العربي والفلسفة الإسلامية وبين مسيرة مهنية غنية تنوعت بين التدريس والإعلام والسياسة.
بدأ نعسان آغا حياته المهنية مدرساً، ثم انتقل للعمل في التلفزيون السوري حيث تولى إدارة البرامج والإنتاج الدرامي، مقدماً برامج ثقافية بارزة مثل "شعراء العربية" و"دوحة المعرفة".
كما شغل مناصب دبلوماسية رفيعة كسفير لسوريا في سلطنة عُمان والإمارات، وعمل مستشاراً للرئيس الراحل حافظ الأسد.
توّج مسيرته بتولي وزارة الثقافة السورية عام 2006، وترك إرثاً فكرياً قيماً من المؤلفات في السياسة والثقافة والفنون، من أبرزها "بين السياسة والإعلام" و"من طيوب الذاكرة".
رحيل نعسان آغا يمثل خسارة لشخصية أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والسياسي لجيل كامل.
اللصوص، الذين اعتقدوا أنهم يسرقون متحفاً مهملاً، وقعوا في "الفخ". مصدر خاص كشف أن "جهل الفاعلين" بجاهزية المنظومة الأمنية الجديدة هو ما "فضحهم"، وكشف مواصفاتهم الجسدية.
الوزير محمد ياسين الصالح، الذي يتابع التحقيق شخصياً مع خبراء تكنولوجيا، لم يكتفِ بملاحقة الجناة، بل أمر بلجنة لجرد شامل لكل ما فُقد منذ 2011. إنها ليست مجرد سرقة، بل هي "معركة استعادة" للتراث، وإثبات بأن زمن الإهمال قد انتهى، وأن كاميرات "العهد الجديد" لا تنام.
في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات والأسف، أُعلن عن إلغاء فعالية "طوفان الأقصى" الثقافية في حلب. كان من المفترض أن تكون الأمسية احتفاءً فنياً بالتعاون مع فرقة فلسطينية، لكن يبدو أنها اصطدمت بواقع سياسي معقد.
فقبل الإلغاء، أشعل الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين عاصفة جدل على منصة "إكس"، مطلقاً "إنذاراً" شديد اللهجة طالب فيه بإلغاء الحفل ومهاجماً وزير الثقافة السوري.
ورغم أن العذر الرسمي الذي قدمه الفنان الفلسطيني المشارك كان "فنياً بحتاً" (انشغال مسرح دار الكتب)، إلا أن هذا التزامن أثار حزناً لدى المتابعين.
بدا وكأن القرار، أياً كان مصدره، هو محاولة لتخفيف حدة التوتر وتجنيب العمل الثقافي الدخول في معركة كلامية لا علاقة له بها، تاركاً محبي الفن الفلسطيني في حلب في حالة من خيبة الأمل الهادئة.
الأوصاف التفصيلية التي نُشرت تكشف حجم الخسارة: تماثيل من الرخام والمرمر والجص، بعضها "مكسور عند الأقدام" وبعضها "ناقص"، مما يجعلها قطعاً فريدة يسهل تمييزها.
هذا النداء، الذي يصف حماية التراث بـ"المسؤولية الجماعية"، يأتي في توقيت حرج. فبينما تحاول الوزارة ملاحقة "فينوس" في أسواق الظلام العالمية، تواصل الأجهزة الأمنية تحقيقاتها المكثفة في دمشق، بحثاً عن "الخيانة" التي سمحت بحدوث هذه الكارثة، والتي طالت حتى عناصر الحراسة.
القرارات الاستثنائية التي أُقرت اليوم ليست حبراً على ورق، بل هي بوصلة لبناء الوعي في "سوريا الجديدة".
في قلب هذه الاستراتيجية، تبرز "أكاديمية الكتابة الإبداعية" كخطوة جبارة لتوثيق سرديات الثورة والنصر، عبر تدريب 5000 شاب على كتابة تاريخهم بأيديهم.
ومن خلال إطلاق مجلات جديدة للكبار والأطفال، ودار نشر تتبنى الفكر الحر، يستعيد الاتحاد زمام المبادرة لصياغة هوية وطنية.
إنها خطة شاملة، تمتد من الملتقيات الفكرية الشهرية حول "بناء الدولة" إلى المقاهي الثقافية، لإعادة الاعتبار للكلمة الحرة كجزء أصيل من مشروع سوريا الديمقراطية القادمة.
إن انتزاع الباحث السوري وليد السراقبي للمركز الأول في "جائزة كتارا الدولية للمخطوطات"، هو انتصار رمزي لـ "سوريا" الباحثة والمفكرة، في خضم ما تعيشه. فإحياؤه لـ "تذكرة النحاة لأبي حيان" هو إعادة لروح اللغة.
لكن الأجمل هو الرسالة الكامنة في قائمة الفائزين: فالمركز الثاني ذهب لتحقيق عن "فضائل المسجد الأقصى" لابن عساكر، والثالث لرحلة "من دمياط إلى الشام وحلب".
إنها ليست مصادفة؛ بل هو "قلب التراث العربي" (الشام ومصر) ينبض مجدداً من قطر. "كتارا" لم تكن توزع جوائز، بل كانت تفرض "معياراً للجودة"، بدليل شجاعتها النادرة في "حجب" جائزة فئة الأماكن الأثرية لعدم ارتقاء المشاركات. إنه إعلان بأن تراثنا يستحق الأفضل، وأن سوريا لا تزال تنجب "حراس الذاكرة".
وصول فريق جامعة دمشق (دانة الياسين، أسيد السميطي، وجويل إبراهيم) إلى ربع النهائي، بعد حصد 4 انتصارات من 5 جولات، هو إعلان مدوٍ بأن "صوت المنطق" السوري الشاب عاد ليشق طريقه بين كبار آسيا.
هذا ليس مجرد فوز، بل هو الثمرة الأولى لـ "مناظرات سوريا"، المؤسسة الوطنية الوليدة (آب 2025) التي تسعى جاهدة لاستبدال ثقافة الفوضى بـ "ثقافة الحوار"، مستعينة بالخبرات الرائدة لمركز مناظرات قطر.
وبوجود طاقم تدريب وتحكيم سوري محترف (بقيادة حمزة السيوفي)، تثبت دمشق أنها لم تعد مجرد خبر في نشرات الحرب، بل أصبحت "منافساً فكرياً" يُحسب له ألف حساب.
إنها ليست رواية عن عالم عادي، بل عن عالم "يفيض بالانعكاسات" لدرجة التطابق، حيث الحياة مجرد "طقس آلي" بلا معنى.
لكن أبو شكيّر يكسر هذه المرايا بجملة واحدة مرعبة: "أحدهم اختفى".
هذه ليست بداية رواية جريمة، بل هي بداية انهيار داخلي. فالبطل لا يطارد مجرماً، بل يطارد "نسخته التي أُقصي عنها"، ليجد نفسه وحيداً في عالمٍ سلب منه هويته.
إنها صرخة عميقة عن معنى الذات والاختلاف في مجتمع يفرض التشابه بالقوة. وبينما يضيع البطل بين الواقع المتكرر والأفق المتلاشي، يتركنا المؤلف مشدودين على وقع أغنية لا تنطفئ... "ساعات.. ساعات".
فالدكتور المبارك هو نجل مؤسس مجمع دمشق العلمي، عبد القادر المبارك؛ لقد ورث العشق والحبر معاً.
على مدى سبعة عقود، لم يكن مجرد أستاذ جامعي متنقل بين دمشق والرياض وقطر ولبنان، بل كان جسراً فكرياً حياً للغة العربية.
إن مؤلفاته، من "نحو وعي لغوي" إلى تحقيقاته الرصينة كـ "مغني اللبيب"، لم تكن كتباً أكاديمية فحسب، بل كانت مشاريع نهضوية لترسيخ الهوية.
هذا التكريم، الذي سيُقام في الرياض، هو اعتراف مستحق من قلب الجزيرة العربية لرجلٍ كرس حياته لتبقى لغة الضاد حية، قوية، وواعية بذاتها في وجه كل التحديات.
الشرعية المؤقتة و"وعد" الانتخابات:
في سياق الرد على الأصوات التي شككت في شرعية تكليفه الإداري بدلاً من الانتخاب، أكّد الحسين أن التكليف "خطوة مؤقتة لإعادة تنظيم البيت الداخلي" وليس بديلاً عن الديمقراطية.
ووعد بـ جدول زمني واضح لإجراء انتخابات حرة وشفافة، مشيراً إلى أن الهدف هو إدارة الاتحاد بـ "إرادة الكتّاب لا بالتكليفات الإدارية". وحدّد فترة لا تتجاوز ستة أشهر لإتمام إعادة تشكيل الفروع وإعداد سجل العضوية وإقرار النظام الداخلي، تمهيداً لإعلان موعد الانتخابات.
تطهير "أخلاقي" وليس "انتقاماً":
النقطة الأكثر إثارة للجدل كانت قرار فصل شخصيات وازنة مثل بثينة شعبان ورفعت الأسد وبشار الجعفري من عضوية الاتحاد.
دافع الحسين عن القرار بشدة، مؤكداً أن المعيار ليس سياسياً بل "أخلاقياً وثقافياً".
وأوضح بالخط العريض: "من استخدم الثقافة لتبرير القمع أو شارك في تسويق العنف لا مكان له في اتحاد الكتّاب".
وأشار إلى أن الاتحاد يجب أن يكون "بيتًا للكلمة الحرة، لا للسلطة ولا للدعاية".
وفي لمسة إنسانية حيوية، ذكر الحسين أنهم كانوا ينتظرون على الأقل "الاعتراف بالذنب والاعتذار من الشعب السوري" من المفصولين لإعادة النظر في الأمر، وهو ما لم يحدث.
كلمات الحسين تمثّل نقلة نوعية في الخطاب الرسمي لمؤسسة ثقافية لطالما اعتُبرت جزءاً لا يتجزأ من النظام الأمني السوري.
وجوهر الخبر يكمن في الفصل الصريح والحاد بين الثقافة والسلطة القمعية.
الرد على الانتقادات بالوعد بـ"انتخابات خلال ستة أشهر" يضع إدارة الاتحاد الجديدة أمام اختبار زمني حقيقي لمدى صدقية التزامها بالشفافية والديمقراطية.
التداعيات المحتملة لهذا التوجه خطيرة وإيجابية في آن معاً:
داخلياً: قد يؤدي إلى استقطاب حاد بين جيل الكتّاب التقليديين المرتبطين بالسلطة وبين الجيل الجديد والكتّاب المبعَدين.
مستقبلياً: يمهّد لـ "عدالة ثقافية انتقالية" شاملة، لا تقتصر على الفصل، بل تشمل إعادة الاعتبار لمن هُمِّشوا أو طُردوا سابقاً، وهو ما أكّد عليه الحسين، مشيراً إلى مشروع لإعداد لائحة بأسماء هؤلاء.
على صعيد الثقة: قرار الفصل وتصريحات الحسين بخصوص الإرث الأمني يهدفان بشكل أساسي إلى استعادة الثقة المفقودة بين الاتحاد والشارع الثقافي السوري، خاصة جيل ما بعد 2011 الذي ينظر إلى الاتحاد كـ"رمز للنظام القديم".
مشاريع حيوية لاستعادة الدور:
وإلى جانب الإصلاح البنيوي، كشف الحسين عن أولويات برامجية تهدف لاستعادة الحضور الثقافي بدلاً من "الوظيفي"، مثل إطلاق مجلة جديدة، برنامج منح لدعم المشاريع الأدبية، وخطط لمؤتمر سنوي يجمع كتّاب الداخل والمهجر، وافتتاح مقهى ثقافي ضمن بناء الاتحاد بأسعار رمزية.
تحدّي الاستقلال:
يُقرّ الحسين بأن التحدي الأكبر هو استعادة الثقة وضمان الاستقلال عن أي نفوذ حزبي أو حكومي.
ولتحقيق ذلك، أشار إلى خطة لإنشاء "صندوق ثقافي مستقل بتمويل شفاف" لضمان بقاء الاتحاد "حراً في قراره وفي ضميره"، مؤكداً رؤيته للاتحاد ليس مجرد نقابة، بل "فضاء ثقافي مفتوح" يعيد بناء الحياة الرمزية والفكرية في سوريا الجديدة.
شهدت الساحة الثقافية السورية تكليف الدكتور أحمد جاسم الحسين برئاسة اتحاد الكتاب العرب، خلفاً للشاعر محمد طه العثمان.
هذا التكليف يحمل في طياته أكثر من مجرد تغيير إداري، فهو يمثل عودة رمزية لشخصية أكاديمية رفيعة المستوى، حاصلة على الدكتوراه في اللغة العربية وأستاذ جامعي سابق، وعضو في الاتحاد منذ عام 2001.
الحسين، الذي أثرى المكتبة بـ15 مؤلفاً ونال جائزة الاتحاد النقدية، يأتي من خلفية نضالية مؤثرة؛ إذ عاد من هولندا بعدما فُصل من عمله الجامعي ومنع من الاتحاد بسبب مواقفه المناهضة للقمع.
يُعول على هذه القيادة الجديدة لتعزيز مسيرة الاتحاد ودعم الحركة الأدبية، فاتحةً فصلاً جديداً من التواصل العميق مع المثقفين العرب.