حرية ومسؤولية
لم تكن بنت جبيل يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل هي حكاية صمود ومأساة متوارثة، تتأرجح اليوم بين رمزية "عاصمة التحرير" وبين واقع عسكري مرير يهدد بمسح هويتها التاريخية.
المدينة التي "عُبّدت" طرقاتها يوماً نحو ديترويت الأميركية هرباً من النيران، تجد نفسها الآن خالية تماماً من سكانها في ما يوصف بـ "التهجير الأخطر" في تاريخها، وسط معارك "عظم تكسير" تدور في أزقتها وتلالها الاستراتيجية.
تجاوزت المعركة الحالية في بنت جبيل الجانب العسكري الصرف لتتحول إلى صراع إرادات ومعانٍ:
القيمة الاستراتيجية: السيطرة على المدينة تعني التحكم في القطاع الأوسط بالكامل، وتأمين قاعدة انطلاق نحو وادي السلوقي ونهر الليطاني، مما يجعلها "جائزة كبرى" للجيش الإسرائيلي.
الرمزية المعنوية: بالنسبة لـ حزب الله، الدفاع عن بنت جبيل هو دفاع عن "بيت العنكبوت"؛ العبارة التي أطلقها الراحل حسن نصر الله عام 2000 من قلب ساحتها. سقوطها عسكرياً يمثل ضربة قاصمة لصورة الردع والانتصار التي كُرست على مدى ربع قرن.
تغريب الهوية: يشير الواقع الميداني والاجتماعي إلى أن المدينة دُفعت نحو "هوية مستوردة" خلال سنوات هيمنة الحزب، مما أفقدها طابعها التراثي وسوقها التاريخي، لتتحول في الحرب الحالية إلى ساحة قتال "مغلقة" بعيدة عن نسيجها الأهلي الذي كان يوماً بوابته فلسطين والجليل.
الجانب الإسرائيلي: تشير المعطيات إلى اعتماد سياسة "التطويق والالتفاف"، مع تقارير تتحدث عن دخول فعلي إلى منطقة السوق التجارية في وسط المدينة لتحويلها إلى جيب معزول.
حزب الله: يبدي مقاومة شرسة لمنع السقوط الرمزي للمدينة، معتمداً تكتيكات مرنة لا تتشبث بالجغرافيا الثابتة بقدر ما تسعى لاستنزاف القوات المهاجمة.
ردود الفعل: (لم تصدر بيانات سياسية دولية مخصصة لبنت جبيل وحدها)، لكن التحركات في ديربورن الأميركية (جمهورية بنت جبيل في المهجر) بدأت تضغط سياسياً، كما فعل صاحب المطعم حسن عباس بانتزاع تعهد من ترمب، في محاولة لاستخدام نفوذ الاغتراب لحماية ما تبقى من الوطن الأم.
في واحدة من أكثر الجولات التفاوضية تعقيداً منذ عقود، غادر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، العاصمة الباكستانية إسلام آباد عائداً إلى واشنطن، دون التوصل إلى اتفاق مع الوفد الإيراني الذي ترأسه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
ورغم أن المفاوضات استمرت 21 ساعة متواصلة من النقاشات "الجوهرية"، إلا أن الفجوة بقيت واسعة بين "العرض النهائي" الأميركي وبين المطالب الإيرانية المتمسكة بالسيادة على مضيق هرمز والاحتفاظ بالمخزون النووي.
تعكس هذه الجولة صداماً بين مدرستين؛ فبينما يعتمد قاليباف تكتيك "سجاد كاشان" في المساومة والمطاولة، يتبنى البيت الأبيض بقيادة دونالد ترمب استراتيجية "الخروج من الغرفة" لفرض واقع جديد. التداعيات المحتملة:
انهيار التهدئة: فشل هذه الجولة يضع "وقف إطلاق النار" الهش (لمدة أسبوعين) على المحك، مما قد يشعل المواجهات المباشرة مجدداً.
حرب الطاقة: مع رفض إيران التنازل عن رقابتها على مضيق هرمز، وتأكيد واشنطن أن الممر مائي دولي، يتجه المشهد نحو "تدويل الأزمة" لإشراك قوى كالصين والهند في حماية إمدادات الطاقة.
الحصار البحري: التلويح الأميركي ببدء "حصار شامل" على الموانئ الإيرانية قد يؤدي إلى خنق اقتصادي غير مسبوق، مما قد يدفع طهران لردود فعل عسكرية انتحارية في الخليج.
واشنطن: صرّح الرئيس دونالد ترمب بلهجة المنتصر قائلاً: "نحن نربح على أي حال، لقد هزمناهم عسكرياً"، مؤكداً أن واشنطن قدمت أفضل عروضها ولن تتراجع.
طهران: أكد مصدر إيراني مسؤول أن طهران قدمت مبادرات "واقعية"، محملاً الجانب الأميركي مسؤولية الفشل، في حين هدد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية بفرض "آلية دائمة للسيطرة" على المضيق رداً على التحركات الأميركية.
دولياً: (لم يتم التأكد من مواقف رسمية معلنة من بكين أو موسكو حتى لحظة تحرير الخبر)، إلا أن الأنباء تشير إلى اجتماع دولي مرتقب في لندن لبحث الملاحة في هرمز.
يبدو أننا أمام مشهد "عض أصابع" دولي بامتياز؛ فالمسافة بين واشنطن وطهران لم تعد تُقاس بالكيلومترات بل بمدى القدرة على تحمل الضغط العسكري والاقتصادي.
يرسم المشهد السياسي السوري لعام 2026 ملامح حقبة غير مسبوقة، حيث يتبنى الرئيس أحمد الشرع "واقعية سياسية" أربكت الحسابات التقليدية في المنطقة.
فمن منبره اللندني، قدم الشرع نفسه كـ "رجل سلام"، واضعاً إسرائيل في زاوية حرجة أمام المجتمع الدولي عبر إبداء مرونة عالية وتجاوز الاستفزازات الميدانية، وهو ما اعتبره المحللون حنكة نجحت في إقامة الحجة على تل أبيب التي ترفض السلام وتفضل التوسع.
وفي المقابل، يرى مراقبون آخرون أن إسرائيل لا تشعر بضرورة "ملاقاة الشرع" لأنها تعتبر إنجازاتها العسكرية في سوريا كافية، وتنظر بعين الريبة لخلفيته التي تمنحها ذريعة "محاربة المتطرفين".
وعلى المقلب الآخر، تبرز العلاقة مع إيران كأعقد ملفات المرحلة؛ إذ يوازن الشرع بين ضغوط واشنطن لقطع "الخندق النفسي" مع طهران، وبين التحذيرات الميدانية والواقع العسكري لفصائله.
وبينما يلوح بورقة "العشائر" كأداة ضغط ناعمة على الحدود، يظل الدور الروسي هو "بيضة القبان" والضامن الوحيد القادر على نزع فتيل الانفجار مع إسرائيل أو إيران على حد سواء.
إن سياسة الشرع التي بدأت من موسكو وانتهت في برلين ولندن، تسعى لصرف "المواقف السياسية" في ميزان الاقتصاد السوري المنهك، محاولاً حماية ما تبقى من بنية تحتية عبر تجنب الانخراط في "حروب الوكالة"، مع اشتراط أثمان سياسية باهظة لأي خطوة تصعيدية ضد نفوذ طهران.
في السياسة، لا تُقاس النوايا بصدى الشعارات المرفوعة في الساحات، بل ببرودة التوقيعات على الطاولات الخشبية في الغرف المغلقة. طوال عقود، صدّرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها للعالم العربي والإسلامي على أنها "قلعة المقاومة" والمدافع الحصري عن المستضعفين، واضعةً تحرير القدس ومقارعة "الاستكبار العالمي" في قلب ديباجتها الدستورية والسياسية.
لكن التاريخ الحديث، وتحديداً في العقد الأخير، كشف عن هوة ساحقة بين "أيديولوجيا الثورة" التي تعتاش على العاطفة الدينية، و"براغماتية الدولة" التي لا تعترف إلا بلغة المصالح والبقاء. عندما دنت ساعة الحقيقة، واقترب سيف العقوبات الاقتصادية من عنق النظام الإيراني، تبخرت شعارات جبهة المقاومة، ووضعت طهران مقدساتها المعلنة على الرف، لتخوض واحدة من أكثر المفاوضات انتهازية وواقعية في التاريخ الحديث مع من تسميه في أدبياتها "الشيطان الأكبر".
لا يمكن فهم الهرولة الإيرانية نحو طاولات التفاوض في سلطنة عُمان، والتنازل المفاجئ عن أدبيات "مقارعة الاستكبار"، دون العودة خطوة إلى الوراء لتفكيك المشهد الذي وضع حبل المشنقة الاقتصادي حول عنق النظام في طهران. لقد كانت رحلة التخلي عن "المبادئ" نتيجة حتمية لسنوات من العناد النووي الذي كاد أن يودي بالدولة نفسها.
بدأت شرارة الأزمة في أغسطس/آب من عام 2002، عندما كشفت جماعات المعارضة الإيرانية في الخارج عن وجود منشآت نووية سرية تحت الأرض في "نطنز" (لتخصيب اليورانيوم) ومفاعل للماء الثقيل في "أراك" (قادر على إنتاج البلوتونيوم). هذا الكشف المفاجئ دمر الرواية الإيرانية حول "شفافية" برنامجها، ووضعها في مواجهة مباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. رغم محاولات التهدئة في أواخر عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، إلا أن النظام كان يشتري الوقت فقط لبناء بنيته التحتية النووية.
مع صعود التيار المتشدد ووصول محمود أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة (أغسطس 2005 - أغسطس 2013)، دخلت إيران مرحلة "الصدام المفتوح والاستفزاز المتبادل". تبنى نجاد خطاباً راديكالياً، وفي عام 2006، أعلنت طهران رسمياً إزالة الأختام التابعة للأمم المتحدة عن منشآتها واستئناف عمليات التخصيب. كان الرد الدولي حاسماً؛ ففي الفترة الممتدة بين (2006 و 2010)، استصدرت واشنطن وحلفاؤها سلسلة من قرارات مجلس الأمن (1696، 1737، 1747، 1803، وصولاً للقرار القاصم 1929 في عام 2010). نقلت هذه القرارات الملف الإيراني من خانة "الرقابة" إلى خانة "التهديد للسلم والأمن الدوليين"، وبدأت بفرض عقوبات استهدفت التكنولوجيا، والشركات المرتبطة بالحرس الثوري، وحظر تصدير السلاح.
لم تكن قرارات الأمم المتحدة سوى الغطاء القانوني، لكن الضربة الحقيقية جاءت عبر العقوبات الأحادية الأمريكية والأوروبية التي بلغت ذروتها في عام 2012، وتحولت إلى "حرب مالية واقتصادية شاملة":
حظر النفط: في منتصف 2012، فرض الاتحاد الأوروبي حظراً شاملاً على شراء النفط الإيراني، وترافق ذلك مع عقوبات أمريكية استهدفت أي بنك مركزي أجنبي يتعامل مع البنك المركزي الإيراني. النتيجة كانت هبوط الصادرات النفطية الإيرانية من 2.5 مليون برميل يومياً إلى بالكاد مليون برميل.
العزل عن العالم (SWIFT): في مارس/آذار 2012، طُردت البنوك الإيرانية من نظام "سويفت" المالي العالمي. تحولت إيران إلى "جزيرة معزولة"، عاجزة عن استلام ثمن نفطها المتبقي أو تسديد فواتير وارداتها.
الانهيار الداخلي: فقد الريال الإيراني أكثر من ثلثي قيمته، وتجاوز التضخم حاجز الـ 40%. بدأ "البازار" (تجار طهران) بالتململ، وبات شبح "ثورة الجياع" يهدد بإسقاط النظام من الداخل.
في ذروة هذا الاختناق، وتحت وطأة العقوبات التي هددت استمرارية "ولاية الفقيه"، حدث الانعطاف التاريخي. أدرك المرشد الأعلى علي خامنئي أن "بقاء النظام" أهم من أي اعتبار آخر، ليطلق في عام 2013 مصطلحه الشهير "البطولة المرنة" (Narmesh-e Ghahremananeh)، والذي كان بمثابة الفتوى السياسية للتفاوض مع "الشيطان الأكبر". في أروقة "قصر البستان" الفارهة في العاصمة العمانية مسقط، وتحت ثرياته الكريستالية، لم تكن هناك لافتات تندد بـ "الاستكبار العالمي"، ولم تُرفع شعارات تنادي بتحرير القدس أو نصرة المستضعفين. كانت الطاولات المستديرة هناك مخصصة لشيء واحد فقط: لغة الأرقام، وحسابات الربح والخسارة، وهندسة بقاء النظام.
لم تكن لقاءات مسقط وليدة اللحظة، بل بدأت عبر قناة خلفية بالغة السرية في أواخر عام 2012 وبدايات 2013. أوفد الرئيس الأمريكي باراك أوباما كبار مستشاريه للقاء مبعوثين مباشرين من خامنئي. في تلك اللقاءات التمهيدية، تم الاتفاق على المبدأ الذهبي الذي سيحكم كل ما تلاها: "قاعدة العزل الجراحي للملفات". تعني هذه القاعدة أن المفاوض الإيراني وافق طواعية بل وسعى حثيثاً، لفصل البرنامج النووي عن أي نقاش يخص نفوذ إيران الإقليمي. في تلك الغرف المغلقة، تجلت البراغماتية الإيرانية بأبشع صورها الانتهازية. سقطت فلسطين من جداول الأعمال، وتلاشى الحديث عن حصار غزة، ولم يطرح الإيرانيون أي شرط يتعلق بحماية وكلائهم في لبنان أو العراق أو سوريا. كان العرض الإيراني واضحاً: "دعونا ننسى حلفاءنا وحلفاءكم في الخارج، ولنتحدث عما يجري داخل حدودنا".
بينما كانت الابتسامات الدبلوماسية تُوزع بسخاء في قاعات "قصر البستان" العمانية، كانت آلة القتل تحصد الأرواح في شوارع المدن السورية. إن وحدة الحقيقة تقتضي تفكيك هذا التناقض المرعب؛ فالمفاوض الإيراني الذي بدا ناعماً وبراغماتياً أمام الغرب في مسقط، كان يدير في دمشق واحدة من أشرس حروب الوكالة دمويةً في العصر الحديث.
لفهم حجم السقوط الأخلاقي والسياسي للسياسة الخارجية الإيرانية، يجب العودة إلى اللحظات الأولى لانطلاق "الربيع العربي" في أواخر 2010 وبدايات 2011. في تونس ومصر، سارعت الآلة الإعلامية والسياسية الإيرانية إلى مباركة التظاهرات، وأطلق المرشد الأعلى علي خامنئي على تلك الثورات وصف "الصحوة الإسلامية"، معتبراً إياها امتداداً طبيعياً لثورة بلاده عام 1979 ضد الأنظمة الديكتاتورية الموالية للغرب. بلغت هذه النشوة السياسية ذروتها التاريخية في أغسطس/آب 2012، عندما استقبلت طهران الرئيس المصري حينها (محمد مرسي) في أول زيارة لرئيس مصري منذ أكثر من ثلاثة عقود، في محاولة إيرانية لركوب موجة التغيير وتقديم نفسها كحاضنة لثورات الشعوب. لكن، وبمجرد أن امتدت شرارة الحرية إلى شوارع درعا، ووصلت هتافات المتظاهرين إلى أبواب الجامع الأموي في دمشق، انقلبت الآية 180 درجة. فجأة، اختفى مصطلح "الصحوة الإسلامية" من القاموس الإيراني، وتحول المتظاهرون السلميون إلى "إرهابيين"، والثورة الشعبية إلى "مؤامرة كونية صهيو-أمريكية". هذا الانقلاب الفج أثبت للعالم العربي أن بوصلة طهران لا تشير إلى "حقوق الشعوب"، بل تشير حصراً إلى مصالحها الجيوسياسية.
لم تكن المظاهرات التي عمت المدن السورية مجرد حراك شعبي في نظر الاستراتيجية الإيرانية، بل كانت زلزالاً يهدد بابتلاع عمقها الاستراتيجي. ومع دخول الصراع عامه الثاني، وتحديداً بحلول صيف عام 2013، بدأت الآلة العسكرية لنظام الأسد تتصدع بشكل بنيوي، حيث أدت موجات الانشقاق الواسعة إلى إنهاك القوات النظامية وتراجعها الدراماتيكي. في تلك اللحظة، أيقنت طهران أن النظام لم يعد قادراً وحده على حماية هيكله من السقوط، فقررت التدخل المباشر وبكل ثقلها العسكري والميليشياوي، متخلية عن كل ادعاءاتها بدعم "المستضعفين".
لم تنظر القيادة الإيرانية إلى سوريا يوماً من زاوية المبادئ، بل نظرت إليها بعيون الخرائط العسكرية الباردة. لقد صاغ علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، العقيدة الإيرانية تجاه سوريا بوضوح صارخ عندما وصفها بأنها "الحلقة الذهبية في سلسلة المقاومة". في الميزان الإيراني، لم تكن هذه الحلقة "ذهبية" لقداستها، بل لموقعها الحيوي كجسر بري ضخم يربط طهران ببغداد، ثم دمشق، وصولاً إلى بيروت والبحر المتوسط. سقوط هذه الحلقة كان يعني قطع الشريان اللوجستي الذي يغذي نفوذها، وعزل إيران داخل حدودها الجغرافية. من هنا، أصبحت دماء السوريين، وتدمير حواضرهم التاريخية، مجرد "ضريبة جغرافية" تدفعها طهران رخيصةً للحفاظ على خطوط إمدادها.
لإدارة هذه الحرب العابرة للحدود، واجهت إيران معضلة كبرى: كيف تقنع الآلاف من الشبان الشيعة في أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان بالذهاب للموت في سوريا من أجل حماية مسار إمداد لوجستي؟ هنا، تجلت أبشع صور التوظيف السياسي للدين. استدعت طهران المظلوميات التاريخية، ورفعت شعار "حماية المقامات" ومقولة "لن تُسبى زينب مرتين". لقد تم تغليف المصلحة الجيوسياسية الباردة بغلاف ديني عاطفي حارق، وتحولت سوريا إلى بؤرة استقطاب طائفي؛ حيث استُجلبت ميليشيات مثل "الفاطميون" و"الزينبيون"، ليس لمحاربة إسرائيل، بل لسحق المعارضة السورية وتأمين طريق النفوذ الإيراني.
لم يكن الصمت المطبق في "قصر البستان" حيال ملفات المنطقة كافياً لإخفاء الحقائق للأبد؛ إذ سرعان ما بدأت التناقضات الإيرانية تخرج إلى العلن، ليس عبر تقارير استخباراتية غربية فحسب، بل على ألسنة كبار قادة النظام الإيراني وأعمدته التاريخية. في هذا المحور، نكشف كيف فضحت التصريحات المسربة والمواقف العلنية لرموز مثل رفسنجاني وأحمدي نجاد زيف ادعاءات "المقاومة" وكشفت الوجه الحقيقي للتدخل في سوريا.
في سبتمبر 2013، وبينما كان العالم يغلي بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية بدمشق، فجر هاشمي رفسنجاني — أحد أبرز مؤسسي الجمهورية الإسلامية ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آنذاك — قنبلة سياسية من العيار الثقيل. في خطاب مسجل له بمدينة سوادكوه بمحافظة مازندران، قال رفسنجاني بوضوح لا يقبل التأويل:
"الشعب السوري الذي تعرض لهجمات كيماوية من قبل حكومته، يجب أن يواجه الآن خطر التدخل الأجنبي.. الشعب السوري ذاق الأمرين في السجون، والملاعب امتلأت بالمعتقلين".
كانت هذه الكلمات بمثابة "زلزال" في طهران؛ فرفسنجاني لم يكتفِ بالاعتراف بأن نظام الأسد هو من خنق شعبه بالغازات السامة، بل وصف السجون السورية بما هي عليه فعلاً. سارعت الماكينة الإعلامية التابعة للحرس الثوري إلى حذف التصريح ونفيه، لكن التسجيل كان قد طار في الآفاق، ليثبت أن "عقل النظام الإيراني" يدرك تماماً حجم الجريمة التي يرتكبها حليفه، لكنه يختار الاستمرار في دعمها حمايةً لـ "المصلحة" التي تسبق "المقدسات".
المفاجأة الأكبر جاءت من محمود أحمدي نجاد، الرجل الذي قاد مرحلة التصعيد النووي وصاحب الخطابات الأكثر تشدداً. نجاد، الذي كان رئيساً لإيران عند اندلاع الثورة السورية (2011-2013)، بدأ تدريجياً في اتخاذ مسافة من الانغماس المطلق في المستنقع السوري، خاصة بعد خروجه من السلطة. في تصريحات لاحقة ومقابلات صحفية، لم يتردد نجاد في وصف ما يجري في سوريا بأنه صراع على السلطة بعيد كل البعد عن "المقاومة". وفي مفارقة تاريخية، انتقد نجاد الأسلوب الأمني القمعي لنظام الأسد، مشيراً إلى أنه "لا يمكن لأي حاكم أن يبقى في السلطة عبر قتل شعبه". وصفُ نجاد للأسد ضمناً بـ "الديكتاتور العربي" واعترافه بحق الشعوب في قرير مصيرها، كشف عن شرخ عميق داخل النخبة الإيرانية؛ حيث بدأ حتى "الصقور" يشعرون بأن كلفة الدفاع عن نظام متهالك أخلاقياً باتت تهدد سمعة "الثورة" وصورتها أمام الشعوب المسلمة.
لقد وضعت هذه التصريحات القيادة العليا في إيران (مكتب المرشد والحرس الثوري) في زاوية حرجة. فكيف يمكن تفسير مباركة "الثورة" في مصر وتونس ووصفها بـ "الصحوة الإسلامية"، بينما تُعتبر الثورة في سوريا "مؤامرة صهيونية"؟ لقد نطق رفسنجاني بما يخفيه الصدر، ونطق نجاد بما يمليه العقل السياسي الباحث عن الشعبوية؛ وكلاهما أثبت أن السردية الإيرانية حول "المقدسات" و"المقاومة" لم تكن سوى "بروباغندا وظيفية".
كشفت هذه التصدعات أن إيران لم تكن كتلة واحدة حيال ملف سوريا. كان هناك تيار "البراغماتيين" (الذي مثله رفسنجاني ومن بعده روحاني وظريف) الذي يرى في الانغماس السوري استنزافاً قد يؤدي لانهيار إيران اقتصادياً وسياسياً، وتيار "العقائديين العسكريين" (الحرس الثوري) الذي يرى في جغرافيا سوريا "متراساً متقدماً" لحماية طهران. لكن في نهاية المطاف، انتصر تيار الحرس الثوري، ليس لأنه الأكثر "مبدئية"، بل لأنه الأكثر قدرة على تحويل الدماء إلى أوراق تفاوضية. لقد استخدمت إيران صمتها في "قصر البستان" لتمرير اتفاقها النووي، واستخدمت ضجيجها وصواريخها في سوريا لتثبيت نفوذها، ضاربةً عرض الحائط بشهادات قادتها أنفسهم الذين أقروا بظلم النظام الذي يدافعون عنه.
طوال أربعين عاماً، استثمرت طهران في "القدس" كعلامة تجارية عابرة للحدود، محاولةً من خلالها كسر العزلة المذهبية والسياسية، وتقديم نفسها كقائدة للعالم الإسلامي في مواجهة "الاستكبار". لكن الفجوة بين "يوم القدس العالمي" (الذي يُحتفل به في شوارع طهران) وبين "فيلق القدس" (الذي يقاتل في شوارع حلب وصنعاء وبغداد)، تكشف أن فلسطين في العقل الاستراتيجي الإيراني هي "أداة وظيفية" لا أكثر.
يُعد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الأداة الضاربة لإيران في الخارج، وحمل اسمه تيمناً بمدينة القدس ليعطي شرعية أخلاقية لعملياته. لكن المفارقة الصارخة هي أن هذا الفيلق، وبقيادة قاسم سليماني، خاض مئات المعارك، وحاصر عشرات المدن، وهجّر الملايين، لكنه لم يطلق رصاصة واحدة نحو القدس أو حدود فلسطين المحتلة. لقد كانت الخريطة التي يتحرك عليها "فيلق القدس" هي خريطة "الهلال الخصيب" الذي تسعى إيران للهيمنة عليه. بالنسبة لطهران، فإن "تحرير القدس" هو الهدف المؤجل للأبد، بينما "احتلال العواصم العربية" هو الإنجاز المحقق فعلاً. لقد استُخدم اسم القدس كغطاء لتبرير التمدد الاستعماري الإيراني، وتحويل المليشيات إلى "جيوش احتلال" محلية تخدم أجندة الولي الفقيه.
في مفاوضات "قصر البستان" بمسقط (2014) وما تلاها في فيينا، ظهرت فلسطين كـ "ورقة" تُوضع على الطاولة وتُسحب منها حسب درجة حرارة العقوبات. إيران لا تدعم "حماس" أو "الجهاد الإسلامي" حباً في القضية الفلسطينية، بل لتمتلك "حق الفيتو" على أي استقرار في المنطقة قد يهمش دورها. هي تدعمهم لتقول لواشنطن وتل أبيب: "أنا أملك مفاتيح الانفجار في خاصرتكم، فماذا ستعطونني في المقابل؟". هنا تكمن الانتهازية السياسية؛ فبينما يدفع الفلسطينيون ثمن الحصار والحروب، تقبض طهران ثمن "التهدئة" أو "التصعيد" في صفقاتها الدولية؛ سواء عبر تخفيف العقوبات النووية أو الاعتراف بنفوذها الإقليمي.
تستخدم إيران الصور البصرية للمقدسات الإسلامية (قبة الصخرة، المسجد الأقصى) في كل جدارياتها وبروباغنداها العسكرية، لكنها في اللحظات الحاسمة تغلّب "المصلحة القومية الفارسية" على "المقدس الإسلامي". لقد رأينا كيف صمتت طهران عن قضايا إسلامية كبرى عندما تعارضت مع مصالح حلفائها (مثل قضية الإيغور في الصين)، وكيف أنها مستعدة للتضحية بأي فصيل فلسطيني إذا كان الثمن هو حماية مفاعلاتها النووية. فلسطين بالنسبة لإيران هي "ستار دخان" كثيف؛ خلفه يتم بناء إمبراطورية نفوذ، وتحته يتم دفن أحلام الشعوب العربية في الاستقلال والحرية.
إن أقوى صور البحث تتبدى في مراقبة طائرات الشحن الإيرانية التي كانت تحط في مطار دمشق؛ لم تكن تحمل أدوية لأطفال غزة، بل كانت تحمل صواريخ "فاتح" و"فجر" لتثبيت أركان نظام الأسد.
لقد سقطت ورقة التوت عن ادعاءات إيران؛ فالقدس التي يتباكون عليها في الإعلام، هي نفسها التي يتاجرون بدمائها في الغرف المغلقة. لقد أثبتت سنوات الصراع أن إيران لم تكن يوماً "خندقاً للمقاومة"، بل كانت "بنكاً للمصالح"، يستخدم القدس كعملة صعبة لرفع رصيده في بورصة القوى العظمى.
لم تكن مفاوضات مسقط وسوريا هي المحطات الوحيدة لسقوط الأيديولوجيا أمام الحسابات الباردة؛ ففي مارس 2023، وتحت الرعاية الصينية في بكين، وقعت طهران اتفاقاً لاستئناف العلاقات مع السعودية، منهيةً بذلك سبع سنوات من القطيعة والخطاب التصعيدي الحاد.
تكمن أهمية هذه الواقعة في توقيتها؛ حيث كانت إيران تعيش تحت وطأة عزلة دولية خانقة واحتجاجات داخلية غير مسبوقة وهبوط حاد للعملة. هنا، وبضغطة زر واحدة، توقفت الماكينة الإعلامية الإيرانية عن مهاجمة "الخصوم الإقليميين"، وتم تجميد شعارات "تصدير الثورة" في الخليج مقابل وعود باستثمارات اقتصادية وتهدئة تضمن استقرار النظام. إن "اتفاق بكين" هو البرهان الأحدث على أن طهران مستعدة لطي صفحة أي "عداء عقائدي" فور شعورها بتهديد حقيقي لمركز السلطة، مؤكدةً مرة أخرى أن شعاراتها هي مجرد "تكتيكات متغيرة" بينما البقاء هو "الاستراتيجية الثابتة".
عندما نربط خيوط البحث ببعضها؛ من صمت "قصر البستان" النووي، إلى دماء "الحلقة الذهبية" في سوريا، وصولاً إلى اعترافات رفسنجاني وتجارة "القدس"، تكتمل الصورة: إيران هي دولة "البراغماتية المطلقة" بامتياز. نظامٌ يجيد العزف على أوتار العاطفة الدينية ليحشد المليشيات، ويجيد لغة الصمت الدبلوماسي ليحصد المليارات. إنها الحكاية القديمة المتجددة؛ حيث تذهب الشعوب كوقود للمحارق، ويبقى القادة في طهران يوزعون الابتسامات فوق جثث "المستضعفين" الذين وعدوهم يوماً بالتحرير، فما منحوهم إلا التدمير والتهجير.
أكد مجلس الخبراء في بيانه أن هذا القرار جاء "بعد دراسات دقيقة وواسعة" لضمان عدم وقوع البلاد في فراغ قيادي، خاصة في ظل الظروف العسكرية والسياسية الحرجة التي تمر بها المنطقة.
وبمجرد صدور القرار، سارعت مؤسسات الدولة الكبرى، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني وهيئة الأركان، إلى إعلان المبايعة المطلقة للمرشد الجديد، واصفين انتخابه بأنه "فجر جديد" لاستمرار النهج الثوري.
يرى مراقبون أن صعود مجتبى خامنئي -الذي كان يوصف طويلاً برجل "الظل" والقوة الكامنة خلف والده- يمثل تحولاً جوهرياً نحو تثبيت دعائم "التوريث" داخل منظومة الحكم، وهو أمر كان محل جدل واسع سابقاً.
تكمن تداعيات هذا القرار في كونه رسالة للخارج بأن النظام الإيراني اختار خيار الاستمرارية والتشدد، نظراً لعلاقة مجتبى الوثيقة بالمؤسسة العسكرية والأمنية.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التعيين إلى تصعيد محتمل في المواجهة مع الغرب، حيث يُنظر إليه كقائد لن يميل إلى التنازلات في الملفات الإقليمية أو النووية.
ردود الأفعال الدولية:
على الصعيد الدولي، جاءت ردود الأفعال مشوبة بالتحذير والتوجس؛ فقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوسائل إعلام بأنه "ليس سعيداً" بهذا الاختيار، مشيراً إلى رغبته في رؤية "قيادة مختلفة" في طهران.
كما أصدر عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ليندسي غراهام تصريحات حادة، معتبراً أن مجتبى يمثل استمراراً للنهج القديم الذي عانى منه الشعب الإيراني. إقليمياً، يسود ترقب حذر، وسط دعوات دولية لضبط النفس وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة.
في خطوة تعكس حجم التوجس من انفجار إقليمي شامل، سارعت الحكومة السورية إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة على حدودها مع لبنان والعراق.
يأتي هذا التحرك عقب اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في وقت استشعرت فيه دمشق خطر تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات أو ممر لتهريب السلاح والمقاتلين.
وبدأت وزارتا الدفاع والداخلية السوريتان منذ يوم السبت، 28 فبراير/شباط، بإرسال تعزيزات ضخمة وضعت في "حالة الجاهزية القصوى".
الهدف المعلن هو منع استخدام الأراضي السورية كقاعدة انطلاق لأي هجمات ضد دول الجوار أو القواعد الدولية، وسط مخاوف جدية من قيام خلايا موالية لطهران بجرّ البلاد إلى أتون صراع لا ترغب القيادة السورية الحالية في الانخراط فيه.
وعلى الصعيد السياسي، سجلت دمشق موقفاً لافتاً عبر إدانة صريحة للهجمات الإيرانية التي استهدفت دولاً خليجية والأردن، مؤكدة تضامنها الكامل مع أمن واستقرار الأشقاء العرب. هذا التموضع الجديد يشير إلى محاولة سورية حثيثة للاندماج في "الحضن العربي" والابتعاد عن "محور الفوضى" الذي تعتمد عليه طهران للضغط على المجتمع الدولي.
التحليل السياسي والتداعيات:
تشير هذه التطورات إلى أن سوريا، التي تحاول التعافي من سنوات الحرب، تدرك أن بقاءها بعيداً عن "النار الإيرانية" هو طوق النجاة الوحيد. التنسيق الاستخباراتي المكثف مع بغداد وبيروت، والرسائل الواضحة التي وصلت من واشنطن عبر مبعوثيها، وضعت دمشق أمام اختبار حقيقي لسيادتها وقدرتها على ضبط الفصائل المسلحة (أذرع إيران) داخل حدودها.
التداعيات المحتملة لهذا التحرك قد تتبلور في مواجهة عسكرية مباشرة محتملة بين الجيش السوري والميليشيات التي ترفض الالتزام بالحياد، مما قد يعيد رسم الخارطة الأمنية في البادية والجنوب السوري.
ردود الأفعال:
محلياً: برز ظهور مجموعة تطلق على نفسها "المقاومة الإسلامية في سوريا-أولي البأس"، والتي أعلنت رفضها الوقوف مكتوفة الأيدي، وهو ما يمثل تحدياً داخلياً مباشراً لإجراءات الحكومة السورية.
دولياً: أكدت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة حذرت دمشق من مغبة تحول أراضيها لمنطلق فوضى، بينما لم يصدر حتى اللحظة رد فعل رسمي إيراني مباشر على "الحياد السوري النشط"، بانتظار ما ستؤول إليه العمليات العسكرية على الأرض.
في خطوة تحمل أبعادًا جيوسياسية جديدة، ومن قلب منتجع دافوس السويسري، دشّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، حقبة جديدة في آليات التعامل الدولي مع النزاعات، عبر توقيعه ميثاق "مجلس السلام".
هذا الكيان الجديد، الذي أعلنته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت كـ "منظمة دولية رسمية"، يطرح نفسه كبديل عملي للمؤسسات التقليدية التي وصفها الميثاق بـ"الفاشلة".
الحدث لم يكن مجرد توقيع بروتوكولي؛ بل هو إعلان عن هيكلية دولية مركزية، حيث يمنح الميثاق دونالد ترمب صفة "الرئيس المؤسس" بصلاحيات تنفيذية واسعة وغير مسبوقة، بما في ذلك تعيين خلفه وحق النقض (الفيتو).
وفي تحول لافت عن المسار الأولي، خلت النسخة النهائية للميثاق من أي ذكر صريح لقطاع غزة، رغم أن فكرة المجلس انطلقت أساسًا للإشراف على إعادة إعمارها، ليتوسع النطاق ويشمل "حل النزاعات حول العالم".
يكشف التدقيق في نصوص الميثاق عن نهج "شبه تجاري" في إدارة السلام الدولي؛ إذ يربط النص العضوية الدائمة والفاعلة بدفع مبلغ مليار دولار أميركي، مما يثير تساؤلات حول تحويل الدبلوماسية الدولية إلى "نادي للنخبة" القادرة ماليًا.
كما أن مركزية القرار بيد "الرئيس" (ترمب) وتهميش دور الدول الأعضاء إلا في حال المساهمة المالية الضخمة، يشير إلى رغبة أميركية في تجاوز البيروقراطية الأممية (مثل الأمم المتحدة) لصالح تحالفات مرنة وسريعة، ولكنها تفتقر للرقابة الديمقراطية التقليدية.
النص يركز على "الحكمة العملية" بدلًا من الإجماع الدولي، مما قد يؤدي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ بناءً على القوة المالية والولاء السياسي للرئيس المؤسس.
ردود الأفعال السياسية:
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، اقتصرت المواقف المعلنة على الجانب الأميركي الرسمي، حيث احتفت كارولين ليفيت بدخول الميثاق حيز التنفيذ.
ورغم إشارة المصادر إلى حضور "الأعضاء المؤسسين الآخرين" في دافوس، إلا أنه لم تصدر بيانات رسمية علنية من قادة دول أوروبية أو عربية تؤكد انضمامهم الفوري أو موقفهم من شرط "المليار دولار"، مما يترك الباب مفتوحًا لتكهنات حول هوية الدول التي قبلت بهذه الشروط الصارمة.
في تطور جيوسياسي دراماتيكي يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط، كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى عن كواليس الاتفاق الذي أدى إلى انهيار مشروع "الإدارة الذاتية" شمال شرق سوريا، وسيطرة القوات الحكومية بقيادة الرئيس أحمد الشرع على معاقل "قسد".
هذا التحول لم يكن مجرد نصر عسكري خاطف، بل نتاج صفقة سياسية معقدة جرت فصولها بصمت بين دمشق، باريس، وواشنطن، ممهدة الطريق لعودة الدولة السورية كشريك استراتيجي وحيد.
التحول الكبير: من "الحليف" إلى "الورقة المحروقة"
تشير المعلومات الحصرية التي تحصلت عليها وكالتنا، نقلاً عن تسريبات لوكالة "رويترز"، إلى أن السيطرة الميدانية للجيش السوري على أربع محافظات لم تكن لتتم لولا موافقة ضمنية من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
الاجتماعات الماراصونية التي عُقدت خلف الأبواب المغلقة في كل من دمشق وباريس مطلع يناير 2026، أسفرت عن قناعة أميركية جديدة مفادها أن الرئيس أحمد الشرع أثبت جدارة استراتيجية وقدرة على توحيد البلاد، ما جعل واشنطن ترفع الغطاء عن حليفها الكردي القديم.
يُظهر هذا التحول تغييراً جذرياً في العقيدة السياسية الأميركية تجاه سوريا؛ إذ انتقلت واشنطن من دعم "الكانتونات" شبه المستقلة إلى الرهان على "المركزية القوية" في دمشق لضمان الاستقرار الإقليمي، وهو ما يُعد ضربة قاضية لأحلام الانفصال أو الحكم الذاتي، ورسالة واضحة بأن زمن الميليشيات قد ولى.
اجتماع باريس.. كلمة السر
أخطر ما كُشف عنه هو اجتماع باريس الذي جمع وفداً سورياً بمسؤولين إسرائيليين بوساطة أميركية.
المصادر أكدت أن دمشق طرحت خطتها لاستعادة الأراضي، ولم تواجه اعتراضاً إسرائيلياً، شريطة تحجيم النفوذ الكردي دون إشعال حرب إقليمية.
هذا التنسيق غير المسبوق يعكس براغماتية عالية من "الشرع" الذي نجح في تحييد الخصوم التقليديين لتحقيق أهداف وطنية.
بين الانتصار والشعور بالخيانة
الموقف الأميركي: صرح المبعوث الأميركي توم براك بوضوح صادم أن "الحاجة لوجود قوات سوريا الديمقراطية انتهت"، مؤكداً جاهزية دمشق لتولي الملف الأمني، وهو ما يُعد إعلاناً رسمياً بوفاة التحالف مع الأكراد.
الموقف الكردي: خيم شعور بالمرارة على القيادات الكردية؛ حيث وصفت السياسية هدية يوسف ما جرى بـ "الخيانة"، متسائلة عن المبادئ الأميركية. وتزامنت هذه التصريحات مع انسحاب فوضوي لقوات "قسد" تسبب بفرار معتقلي تنظيم "الدولة" من سجن بريف الحسكة، في محاولة أخيرة للضغط بالورقة الأمنية.
الموقف الإسرائيلي: حاول السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر النأي ببلاده عن الهجوم العسكري المباشر، لكنه أكد حضوره الاجتماع الثلاثي، ما يثبت علم تل أبيب المسبق بالعملية.
الواقع الميداني: خروقات وتثبيت نفوذ
رغم إعلان الرئيس الشرع وقفاً لإطلاق النار لمنح فرصة للاندماج السلمي، أكدت وزارة الدفاع السورية أن "قسد" خرقت الاتفاق أكثر من 35 مرة، ما أدى لارتقاء 11 شهيداً.
هذا التصعيد الميداني من طرف "قسد" يبدو كـ "رقصة الديك المذبوح" أمام الأمر الواقع الذي فرضه الجيش السوري بدعم دولي، حيث باتت القوات الحكومية تطوق آخر المعاقل، منهيةً بذلك حقبة الانقسام الجغرافي.
في تطور لافت يُنذر بخلط الأوراق العسكرية شمالي سوريا، كشفت هيئة العمليات في الجيش السوري عن وصول القيادي البارز في حزب العمال الكردستاني (PKK)، باهوز أردال، إلى مدينة الطبقة بريف الرقة، قادماً من معاقل الحزب في جبال قنديل.
هذه الخطوة، التي تزامنت مع توترات حادة على جبهة دير حافر بريف حلب الشرقي، تشير إلى قرار مركزي من قيادة الحزب بتولي إدارة العمليات العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" بشكل مباشر، ووضع حد للتردد الميداني.
عودة "الدكتور"، كما يُلقب فهمان حسين (الاسم الحقيقي لأردال)، إلى المشهد السوري في هذا التوقيت الحساس، تحمل في طياتها دلالات تتجاوز مجرد التغيير القيادي؛ إذ يبدو أن "قسد" تتجه نحو التصعيد والمواجهة بدلاً من التهدئة، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن إصداره أوامر صارمة للوحدات الكردية في حلب برفض الانسحاب.
لا يمكن قراءة وصول أردال إلا باعتباره إحكاماً لقبضة "قنديل" على القرار العسكري لـ"قسد"، وتهميشاً للقيادات المحلية التي قد تميل للتفاوض أو الانسحاب التكتيكي.
يُعرف أردال، الطبيب الذي استبدل المشرط بالبندقية، بكونه "رجل الظل" والمهندس الفعلي للهيكلية العسكرية للأكراد في سوريا.
وجوده يعني أن المعركة القادمة لن تكون مجرد مناوشات حدودية، بل قد تتحول إلى حرب استنزاف منظمة تستفيد من خبرته الطويلة في حرب العصابات ضد الجيش التركي، مما يضع التفاهمات السياسية الهشة، بما فيها اتفاق "العاشر من آذار"، في مهب الريح ويعقّد أي مسار للحل السلمي بين دمشق وقسد.
الجيش السوري (مؤكد): اعتبر وصول أردال خطوة عدائية صريحة، محذراً من أن غربي الفرات باتت منطقة عسكرية مغلقة، ومشيراً إلى أن إدارة العمليات من قبل قيادي مصنف إرهابياً يبرر توسيع نطاق العمليات العسكرية.
تركيا (مؤكد عبر تقارير استخبارية): تنظر أنقرة إلى تحركات أردال (المطلوب على قائمتها الحمراء) كتهديد للأمن القومي المباشر.
وقد نقلت وسائل إعلام تركية تحذيرات أمنية من أن وجوده يؤكد "الارتباط العضوي" بين قسد والعمال الكردستاني، مما قد يمنح تركيا ذريعة لشن عمليات جوية أو برية أوسع في العمق السوري.
قسد / الإدارة الذاتية (صمت): لم يصدر أي تأكيد أو نفي رسمي من جانب "قسد" حول وصول أردال، وهو نهج معتاد في تحركات قيادات الصف الأول لحزب العمال، للحفاظ على السرية الأمنية وتجنب الإحراج السياسي أمام التحالف الدولي.
رسمت الدبلوماسية السورية الجديدة بقيادة الشرع ملامح مشهد سياسي مغاير، حيث لم تقتصر الزيارات على الحلفاء التقليديين، بل شملت انعطافة غربية وأوروبية لافتة. فقد كسرت زيارات وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا جليد القطيعة، بينما شكل الحضور الأمريكي المتكرر، وعلى رأسه وفد الكونغرس وقائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر، إشارة قوية إلى اعتراف دولي بالأمر الواقع الجديد ورغبة واشنطن في حجز مقعد في ترتيبات سوريا المستقبلية.
وعلى الصعيد العربي والإقليمي، توجت زيارة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، حالة "الاحتضان العربي" لسوريا الجديدة. كما عكست الاجتماعات المكثفة مع الوفود التركية، بما فيها زيارة هاكان فيدان وبلال أردوغان، رغبة متبادلة في طي صفحة الخلافات وتأمين الحدود المشتركة، في حين أكدت لقاءات الوفود العراقية والأردنية واللبنانية على مركزية دمشق في الأمن الإقليمي.
تحليل الموقف: ما وراء الصور البروتوكولية لا يمكن قراءة هذا الزخم الدبلوماسي بوصفه مجرد بروتوكول؛ بل هو إعادة تعريف للهوية الجيوسياسية لسوريا. يُظهر التحليل أن استقبال وفد المحكمة الجنائية الدولية برئاسة كريم خان، ووفد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، يؤكد التزام الإدارة الجديدة بمسار العدالة والشفافية، وهو ما كان يفتقده المجتمع الدولي سابقاً. كما أن حضور مؤسسات مالية كبرى مثل البنك الدولي يشير إلى أن مرحلة "الإنعاش الاقتصادي" قد بدأت فعلياً، وأن العالم يستعد للاستثمار في استقرار سوريا لا في حربها.
ردود الأفعال السياسية:
الموقف الدولي: تشير كثافة الزيارات الغربية (أوروبا وأمريكا) التي كانت شبه محرمة سابقاً، إلى مباركة دولية ضمنية للنهج الذي يقوده الرئيس الشرع، واعتباره شريكاً موثوقاً في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب.
الموقف الإقليمي: يعكس التواجد الخليجي والتركي "تسابقاً إيجابياً" نحو دمشق، لضمان مصالح هذه الدول في مرحلة إعادة الإعمار ورسم الخارطة السياسية الجديدة.
السجل الذهبي للدبلوماسية السورية (كانون الأول 2024 - كانون الأول 2025)
كانون الأول (ديسمبر) 2024: بداية الانقلاب الدبلوماسي
15 كانون الأول: الرئيس أحمد الشرع يفتتح الماراثون الدبلوماسي باستقبال المبعوث الأممي غير بيدرسون لإحياء القرار 2254.
16 كانون الأول: لقاء مع وفد الخارجية البريطانية لبحث التطورات المتسارعة.
18 كانون الأول: مباحثات مع وفد من الخارجية الألمانية.
22 كانون الأول: الرئيس الشرع يلتقي وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أول زيارة من نوعها، وبالتزامن يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط.
23 كانون الأول: يوم الدبلوماسية العربية؛ استقبال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الدولة القطري محمد بن عبد العزيز الخليفي.
26 كانون الأول: لقاء أمني رفيع مع رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري.
28 كانون الأول: استقبال وفد بحريني برئاسة رئيس جهاز الأمن الاستراتيجي، ووفد ليبي برئاسة وزير الدولة للاتصال.
30 كانون الأول: انفتاح دولي وإقليمي عبر استقبال وزير خارجية أوكرانيا، ووفد مشترك ضم وزير الخارجية الكويتي وأمين عام مجلس التعاون الخليجي.
كانون الثاني (يناير) 2025: عودة الغرب والعرب
3 كانون الثاني: قمة دبلوماسية غربية بدمشق ضمت وزيري خارجية فرنسا وألمانيا وممثل الاتحاد الأوروبي.
8 كانون الثاني: استقبال وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني.
10 كانون الثاني: وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني في دمشق.
11 كانون الثاني: الرئيس الشرع يستقبل المبعوث الخاص لسلطان عُمان، ورئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي.
15 كانون الثاني: مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يلتقي الرئيس الشرع.
16 كانون الثاني: استقبال وزير الخارجية الإسباني، ولقاء تاريخي مع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن.
17 كانون الثاني: وفد أوروبي لإدارة الأزمات، ولقاء العدالة مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان.
18 كانون الثاني: الجامعة العربية تعود عبر أمينها العام المساعد حسام زكي.
19 كانون الثاني: استقبال وزير خارجية النرويج، ولقاء إنساني خاص مع والدة الصحفي الأمريكي أوستن تايس.
20 كانون الثاني: لقاء ثانٍ مع المبعوث الأممي غير بيدرسون.
23 كانون الثاني: استقبال وزير خارجية بيلاروس.
24 كانون الثاني: زيارة هامة لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان.
25 كانون الثاني: المفوض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي في دمشق.
26 كانون الثاني: لقاء أمني مع رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن.
28 كانون الثاني: استقبال رئيس الوزراء الفلسطيني.
29 كانون الثاني: المبعوث الروسي ميخائيل بوغدانوف يلتقي الرئيس الشرع.
30 كانون الثاني: قمة القمم؛ الرئيس الشرع يستقبل أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في دمشق.
شباط (فبراير) 2025: توسيع الشراكات
6 شباط: استقبال نابة رئيس وزراء سلوفينيا.
8 شباط: لقاء مع مدير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، واستقبال وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف.
9 شباط: وزير الخارجية اليوناني في قصر المهاجرين.
20 شباط: زيارة وزير الخارجية القبرصي.
21 شباط: استقبال السفير الصيني.
28 شباط: وفد تركي "شعبي-رسمي" برئاسة بلال أردوغان.
آذار (مارس) 2025: تثبيت الاستقرار
12 آذار: وفد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
13 آذار: وفد تركي عالي المستوى يضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات.
20 آذار: زيارة ثانية لوزيرة الخارجية الألمانية برفقة نائب رئيس البرلمان الأوروبي.
نيسان (أبريل) 2025: تنوع المحاور
10 نيسان: وفد من كوريا الجنوبية برئاسة وزير الخارجية.
14 نيسان: استقبال رئيس الوزراء اللبناني الجديد نواف سلام.
17 نيسان: زيارة ثانية لوزير الخارجية الأردني، ولقاء اقتصادي مع المدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي.
18 نيسان: استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
19 و21 نيسان: بداية الحضور الأمريكي التشريعي عبر عضوي الكونغرس كوري لي ميلز ومارلين ستوتزمان.
25 نيسان: زيارة متكررة لرئيس المخابرات العراقية.
أيار (مايو) 2025: الاقتصاد والسياسة
2 أيار: لقاء جديد مع وليد جنبلاط، واستقبال رجل الأعمال الأمريكي جوناثان باس.
4 أيار: نائب رئيس وزراء أذربيجان في دمشق.
12 أيار: وفد دبلوماسي صيني.
22 أيار: استقبال وزير الطاقة التركي.
26 أيار: رئيس لجنة الإنقاذ الدولية ديفيد ميليباند.
29 أيار: أول ظهور للمبعوث الأمريكي الخاص الجديد توماس باراك.
31 أيار: زيارة ثانية لوزير الخارجية السعودي.
حزيران (يونيو) 2025: التواصل المستمر
9 حزيران: مبعوث رئيس الوزراء العراقي عزت الشابندر.
21 حزيران: وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام.
تموز (يوليو) 2025: تعزيز العلاقات
5 تموز: زيارة لافتة لوزير خارجية المملكة المتحدة ديفيد لامي.
9 تموز: المبعوث الأمريكي توماس باراك يعود مجدداً.
10 تموز: وفد اقتصادي تركي ضخم (اتحاد الغرف والبورصات).
آب (أغسطس) 2025: الملفات الكبرى
7 آب: لقاء جديد مع وزير الخارجية التركي.
19 آب: استقبال رئيس مجموعة الشحن العالمية CMA CGM.
25 آب: وفد أمريكي رفيع يضم المبعوث الخاص وسيناتورين من الكونغرس.
28 آب: زيارة دورية لرئيس المخابرات العراقية.
أيلول (سبتمبر) 2025: الشراكة الأمنية والاستراتيجية
6 أيلول: لقاء جماعي مع السفراء العرب المعتمدين.
9 أيلول: نائب رئيس الوزراء الروسي ألكساندر نوفاك.
12 أيلول: حدث بارز؛ الرئيس الشرع وعقيلته يستقبلان قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) الأدميرال براد كوبر وعقيلته.
17 أيلول: رئيس الاستخبارات التركية يبحث ملف قسد.
تشرين الأول (أكتوبر) 2025
7 تشرين الأول: اجتماع أمني-سياسي مع المبعوث الأمريكي وقائد "سنتكوم".
تشرين الثاني (نوفمبر) 2025: الاقتصاد والمؤسسات
19 تشرين الثاني: وفد البنك الدولي في دمشق لبحث التعافي الاقتصادي.
20 تشرين الثاني: نائب رئيس الحكومة اللبنانية.
25 تشرين الثاني: وفد جديد من الكونغرس الأمريكي.
كانون الأول (ديسمبر) 2025: الاعتراف الأممي الكامل
1 كانون الأول: المبعوث الأمريكي توماس باراك في زيارة دورية.
4 كانون الأول: المشهد الختامي للعام؛ استقبال وفد أعضاء مجلس الأمن الدولي بدمشق.
Syria24News - نكتب الخبر.. ونوثق التاريخ.
في مشهد يتجاوز حدود الاستعراض العسكري التقليدي، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس الأربعاء، داخل المنطقة العازلة في الجولان السوري، مرتديًا الخوذة والسترة الواقية. لم تكن الزيارة مجرد تفقد ميداني، بل كانت "رسالة سياسية بامتياز" عابرة للحدود، موجهة بالأساس إلى قصر المهاجرين بدمشق، وبتوقيت دقيق يغازل -ويحذر في آن واحد- البيت الأبيض في واشنطن.
رافق نتنياهو في هذه الجولة وفد رفيع المستوى "غير مسبوق" ضم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الخارجية جدعون ساعر، وقادة الأجهزة الأمنية. هذا الحشد السياسي والعسكري جاء ليؤكد على جدية الرسالة الإسرائيلية: الجيش الإسرائيلي باقٍ في مواقعه الحالية (تسعة مواقع عسكرية وقمة جبل الشيخ) حتى إشعار آخر.
وتشير تحليلاتنا في (Syria24News) إلى أن المحرك الخفي لهذه الزيارة الاستفزازية لم يكن فقط الوضع الميداني، بل القلق العميق في تل أبيب من التقارب اللافت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع. فبعد مشهد إهداء ترامب "عطره الخاص" للشرع في البيت الأبيض، استشعرت إسرائيل خطر تحول هذا "الود الشخصي" إلى ضغط سياسي أمريكي قد يلجم طموحاتها الأمنية. لذا، اختار نتنياهو لغة "القوة الخشنة" لقطع الطريق على أي تفاهمات قد تكون نضجت خلف الكواليس في واشنطن.
أوضح نتنياهو من خلال تمركزه الميداني أن الانسحاب الإسرائيلي مرهون بقبول دمشق لقائمة مطالب ثقيلة، وصفتها مصادر عبرية بأنها شروط "أمنية وجودية"، وهي:
منطقة منزوعة السلاح: تمتد من دمشق جنوباً حتى الأردن، وبعمق 30 كم شرقاً.
حظر الوجود المسلح: منع أي سلاح ثقيل أو تواجد للميليشيات (سواء الجهادية أو المدعومة من إيران).
السيطرة على جبل الشيخ: بقاء دائم للجيش الإسرائيلي في القمة الاستراتيجية المطلة على حوض دمشق.
الممر الدرزي: فتح ممر إنساني آمن من الجولان المحتل إلى السويداء، في محاولة إسرائيلية للعب ورقة "حماية الأقليات".
لم تتأخر ردود الأفعال حول هذه الخطوة التصعيدية:
الموقف السوري الرسمي: دانت وزارة الخارجية السورية الزيارة بأشد العبارات، واصفة إياها بـ "انتهاك خطير لسيادة سوريا ووحدة أراضيها". وفي السياق ذاته، كان الرئيس أحمد الشرع قد استبق الأحداث في مقابلة مع "واشنطن بوست"، حيث رفض فكرة "المنطقة العازلة" بسخرية لاذعة قائلاً: "ربما تحتل إسرائيل وسط سوريا لحماية جنوبها، ثم تصل إلى ميونيخ!"، متمسكاً بانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 1967 كشرط لأي سلام.
الموقف الدولي: أعربت الأمم المتحدة عن قلقها واعتبرت الزيارة تطوراً "مقلقاً" يهدد استقرار المنطقة الهش.
الموقف الميداني: صرح مسؤول عسكري سوري لوكالة "رويترز" بأن الزيارة تؤكد نية تل أبيب عدم التنازل عن الأراضي التي تقدمت فيها مؤخراً.
بينما يحاول الرئيس السوري الجديد ترميم علاقات بلاده الدولية مستفيداً من "كاريزما" شخصية وقبول أمريكي مفاجئ، يسعى نتنياهو لفرض وقائع على الأرض لا يمكن تجاوزها بالمصافحات أو الهدايا البروتوكولية. نحن أمام مرحلة "عض أصابع"؛ إسرائيل تراهن على القوة العسكرية، وسوريا تراهن على الصمود السياسي والشرعية الدولية، بينما يقف "العطار" ترامب في المنتصف، ولم يتضح بعد ما إذا كان عطره قادراً على إخفاء رائحة البارود.
بالنسبة لمريدي الشرع، كانت الزيارة دليلاً قاطعاً على "حنكته السياسية". يرى هؤلاء، وفقاً لمحللين، أن الرئيس نجح فيما فشل فيه آخرون لعقود: كسر عزلة سوريا الدولية. ويتم التسويق للزيارة على أنها نجاح ثلاثي الأبعاد: تعليق العقوبات الاقتصادية، ووضع البلاد تحت "عباءة الدولة الأقوى في العالم"، والأهم، "لجم العربدة الإسرائيلية" الدائمة في سوريا.
لكن على الضفة الأخرى، ينظر سوريون آخرون للزيارة بكثير من الريبة. فمن وجهة نظرهم، لم تُفضِ القمة إلى "نتائج ملموسة"؛ فالغموض الأمريكي لا يزال سيد الموقف، والعقوبات "عُلّقت" ولم "تُرفع"، وهو فارق جوهري يفضح، برأيهم، حدود ما تم تحقيقه.
هذا الانقسام في القراءة يعكس الواقع المركب للمشهد السوري. فبينما يركز فريق على الرمزية السياسية لكسر جدار واشنطن، يركز الفريق الآخر على التفاصيل الفنية (تعليق لا رفع) والبروتوكولية (الاستقبال البارد). كلا الطرفين يتجاهل أن الزيارة، على الأغلب، لم تكن سوى "بداية مسار" شاق، وليست نهايته.
إن مجرد حدوث الزيارة "ليس تفصيلاً"، بل هو تأسيس لمرحلة جديدة في علاقات عدائية هي بعمر سوريا نفسها. وذهب الشرع إلى واشنطن "على بصيرة واضحة"، مدركاً أن "الاشتباك مع الأمريكي سيضيع فرصة الاستقرار" التي يتوق إليها السوريون.
إن الأمان المنشود سيأتي عبر مسارين: المساهمة الفعالة مع واشنطن في محاربة الإرهاب، والاتكال عليها للوصول إلى تفاهمات أمنية تلجم إسرائيل.
حول بروتوكول الاستقبال "المريب" ودخول الشرع من باب جانبي، هو "تفصيل عادي". ونستشهد بما نقله المبعوث الأمريكي توم باراك من أن الرئيس ترامب مدد اللقاء من 20 دقيقة إلى ساعتين، نتيجة "احتفائه بنظيره السوري".
إن "حنكة" الشرع الذي أكد من قلب واشنطن أن التطبيع مع إسرائيل "غير وارد حالياً" بسبب الاحتلال، وهو ما يمكن اعتبره "مراوغة للإملاءات الأمريكية" دون إغضاب واشنطن، مع ترك الباب مفتوحاً للمرونة "حين تبادر إسرائيل لخطوات بناء الثقة".
ونخلص في النهاية أن الشرع نجح في إقناع واشنطن بأن "سوريا موحدة ومستقرة" أفضل للمنطقة من "كنتونات طائفية متصارعة".
اقتصادياً، الزيارة نجحت في إقناع الكونغرس والمعنيين بقانون قيصر بضرورة "إعطاء الحكومة الجديدة الفرصة". بالإضافة إلى أن تعليق عقوبات قيصر لمدة ستة أشهر يضع دمشق تحت "الاختبار الفعلي".
هذه النقطة حاسمة، فالاقتصاد هو المفتاح. "التعليق" هو عصا وجزرة؛ فهو يسمح نظرياً بالاستثمار، لكنه عملياً يبقي الشركات العالمية "متحفظة وقلقة" خوفاً من عودة العقوبات بعد ستة أشهر. إن حملة المداهمات الأخيرة ضد خلايا "داعش" هي "باكورة تنفيذ الالتزامات" المطلوبة أمريكياً.
في المقابل، يرى بعض المحللون في قراءة نقدية حادة، أن الرئيس الشرع ذهب إلى البيت الأبيض "منزوعاً من أية أوراق قوة"، مهتماً بـ"تثبيت حكمه قبل أي اعتبار آخر". مشددين على أن تجاوز طريقة الاستقبال المهينة هو "عدم قدرة على قراءة المدلولات"، وكأن واشنطن تقول للشرع: "الاعتراف بشرعيتك لم يأتِ بعد". وبالإضافة أن قبول الشرع الانضمام للتحالف الدولي ضد "داعش" يحمل اعترافاً ضمنياً بدور "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، الشريك العملي لواشنطن.
لكن المشكلة الأكبر، تبقى داخلية بحتة. فكيف سيتعامل الشرع مع "ترتيب البيت الداخلي" ضمن هيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية التي تخشى من هذه الوعود؟
والختام هناك تساؤل مدوٍّ: "لا تزال الأسماع تردد صدى فتوى وزير العدل الحالي في حكومة الشرع، والذي أفتى بتكفير كل من ينضم لهذا التحالف لمحاربة أخيه المسلم... فكيف سيخرج الشرع من هذه الفتوى؟".
قبل ساعات من اللقاء التاريخي المرتقب في البيت الأبيض يوم الاثنين، والذي يجمع للمرة الأولى رئيسًا سوريًا برئيس أميركي، كشفت مساعدة وزير الخارجية الأميركي السابقة، باربرا ليف، عن الكواليس الدبلوماسية الحاسمة التي مهدت لهذا التحول، بدءًا من اجتماع "ثقيل" في دمشق وسط الغموض الذي تلا سقوط نظام الأسد.
في حوار حصري مع "المجلة" (أُجري في 7 نوفمبر 2025)، استرجعت ليف تفاصيل لقائها كأول مسؤولة أميركية رفيعة وجهاً لوجه مع أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) في 20 ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد نحو أسبوعين فقط من انهيار نظام بشار الأسد.
وصفت ليف المشهد في دمشق آنذاك بأنه كان محاطًا بـ "قدر كبير من الغموض والشكوك". لم يكن الشرع رئيسًا، ولم تكن واشنطن قد قررت بعد "هل يمثّل تهديدًا أم فرصة؟".
حملت ليف وفريقها إلى دمشق أجندة "ثقيلة" شملت: مكافحة الإرهاب، وملف المفقودين الأميركيين وعلى رأسهم الصحافي أوستن تايس، والأسلحة الكيماوية، والعلاقة مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، ومصير المقاتلين الأجانب، ومراقبة الحدود.
"فاجأني هدوؤه واستعداده التفصيلي"، قالت ليف. "لم يأتِ بشعارات، بل بخيارات عملية على الطاولة. كان يدرك حجم الشكوك حوله، لكنه بدا ملمّاً بالملف إلى درجة غير متوقعة".
شكل هذا الانطباع الأول نقطة التحول المبكرة. بدل أن تجد واشنطن زعيم فصيل أيديولوجي، وجدت ما اعتبرته "شريكًا عمليًا" يمكن اختباره. كان هذا التقييم هو الأساس الذي بُنيت عليه الخطوات اللاحقة.
وكان القرار الأميركي الفوري رمزيًا وحاسمًا: إلغاء المكافأة المالية (10 ملايين دولار) المخصصة للقبض على الشرع. وبحسب ليف، كانت هذه "إشارة سياسية مبكرة" بأنه لم يعد يُعامل كقائد فصائلي، بل كطرف رئيسي في مسار سياسي وأمني جديد.
أوضحت ليف أن المسار نحو واشنطن لم يكن مباشرًا. فبعد أشهر من "التواصل المحدود جداً" و"قوائم المطالب" التي قدمتها الإدارتان الأميركيتان (بايدن ثم ترمب)، جاء الاختراق الحقيقي من عاصمة عربية.
أكدت ليف أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، هو من "فتح الأبواب" بشكل حاسم. ففي لقائه الأول مع الرئيس دونالد ترمب في الرياض يوم 14 مايو/أيار 2025، نجح ولي العهد السعودي في إقناع ترمب بضرورة "إعطاء سوريا فرصة" عبر رفع العقوبات، ودعاه للقاء الشرع مباشرة في الرياض.
يثبّت هذا الكشف الدور السعودي المحوري كـ "ضامن إقليمي" ومحرك رئيسي لسياسات واشنطن الجديدة تجاه دمشق. لقد تحولت المقاربة الأميركية، بفضل الضغط السعودي، من "مراقبة حذرة إلى اختبار واقعي"، مستغلةً ميل الرئيس ترمب لـ "اتخاذ خطوات كبيرة" وتجاوز المسارات الدبلوماسية التقليدية.
ترى ليف أن لقاء الشرع–ترمب يوم الاثنين (10 نوفمبر 2025) يتجاوز البروتوكول إلى "تثبيت مسار جديد". وأشارت إلى أن نجاح الاجتماع مرهون بالتوصل إلى "تفاهم واضح حول المسار الأمني، وترتيبات الشراكة ضد (داعش)، والتعاون الكيماوي، وبوابة اقتصادية".
كما تطرقت ليف إلى الملف الأكثر تعقيدًا: العلاقة مع إسرائيل. كشفت ليف عن جهود أميركية حثيثة، يقودها المبعوث توم باراك، للدفع باتجاه "ترتيبات مشتركة بين السوريين والإسرائيليين" تهدف إلى "منع الضربات العسكرية الإسرائيلية تمامًا".
وألمحت إلى إمكانية وجود "عدد صغير من الجنود الأميركيين" قرب دمشق للمساعدة في متابعة هذه الترتيبات الأمنية، مؤكدة أن الإدارة تسعى لـ "إيجاد صيغة" تضمن الاستقرار، وهو مطلب أساسي للشرع منذ ديسمبر الماضي.
يُظهر هذا التقرير أن زيارة البيت الأبيض هي تتويج لعملية بدأت بتقييم أمني في دمشق، ونضجت بضمانة سياسية ومالية في الرياض، وتهدف الآن لترسيخ "مقايضة كبرى": الأمن مقابل الاقتصاد. دمشق تسعى لرفع العقوبات وإنهاء الضربات الإسرائيلية، وواشنطن وحلفاؤها الإقليميون يسعون لضمانات أمنية دائمة (ضد داعش وإيران) ودمج الأكراد.
بناءً على شهادة باربرا ليف، رُصدت ردود الأفعال التالية في أعقاب سقوط نظام الأسد:
الدول العربية (الخليج، مصر، الأردن): ساد "القلق" و"الخشية" في البداية (باستثناء تركيا) من تولي "جهادي" للحكم. لكنهم توافقوا سريعًا في اجتماع عمّان الطارئ على "مقاربة موحدة".
المملكة العربية السعودية: تحولت من القلق إلى "الدعم الفعّال". قاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان جهود إقناع الرئيس ترمب برفع العقوبات ولقاء الشرع، مؤكدًا على ضرورة "استقرار سوريا".
الولايات المتحدة (الكونغرس): ذكرت ليف أنه كان هناك "دعم واسع إلى حد ما" في الكونغرس لإلغاء "قانون قيصر" والعقوبات لمنح الحكومة الجديدة فرصة لإنعاش الاقتصاد.
تركيا: كانت الطرف الإقليمي الوحيد الذي لم يبدِ قلقًا، نظرًا لـ "علاقاتها" المسبقة مع هيئة تحرير الشام وأحمد الشرع.
إيران وروسيا: أكدت ليف أن استنزافهما (روسيا في أوكرانيا، وإيران في مواجهاتها الإقليمية) أدى إلى عجزهما عن دعم الأسد، مما سرّع بانهيار نظامه "الهشّ" من الداخل.
(ملاحظة: جميع ردود الأفعال المذكورة مستقاة مباشرة من تصريحات باربرا ليف خلال المقابلة المذكورة في المصدر).
وفقاً لستة مصادر مطلعة، من بينهم مسؤولان غربيان ومسؤول في وزارة الدفاع السورية، فإن الهدف الأساسي من هذا الوجود العسكري هو "المساعدة في تسهيل" اتفاق أمني تعمل واشنطن على التوسط فيه بين سوريا وإسرائيل.
وأوضحت المصادر أن القاعدة الجوية المعنية تقع عند "بوابة" تؤدي إلى مناطق في جنوب سوريا من المتوقع أن تشكل "منطقة منزوعة السلاح" كجزء من اتفاق عدم اعتداء أوسع بين دمشق وتل أبيب.
يُعتبر هذا التحرك، إن تم تأكيده رسمياً، بمثابة "إعادة تموضع استراتيجي" كاملة للولايات المتحدة في سوريا. فبعد سنوات من حصر وجودها العسكري في مناطق شرق الفرات (لمحاربة داعش) وقاعدة التنف (لمراقبة النفوذ الإيراني)، فإن دخول واشنطن عسكرياً إلى قلب العاصمة دمشق يعني أنها أصبحت الضامن الأمني المباشر للعهد الجديد في سوريا، وتحديداً لترتيبات السلام الناشئة مع إسرائيل. هذا التطور ينهي عملياً عصر النفوذين الروسي والإيراني اللذين كانا مهيمنين في دمشق.
وتشير التفاصيل الواردة إلى أن الخطط الأمريكية "تسارعت" خلال الشهرين الماضيين، حيث أكد مسؤول عسكري غربي أن البنتاغون أجرى عدة "بعثات استطلاعية" للقاعدة، وتأكد من جاهزية مدرجها الطويل للاستخدام الفوري. وقد هبطت طائرات نقل عسكرية أمريكية من طراز (C-130) بالفعل في الموقع لإجراء "اختبارات".
من جانبهم، أوضح مصدران عسكريان سوريان أن المباحثات التقنية ركزت على استخدام القاعدة للأعمال اللوجستية والمراقبة والتزود بالوقود والعمليات الإنسانية، مع تأكيدهما أن سوريا ستحتفظ "بسيادتها الكاملة" على المنشأة.
ويأتي هذا الكشف قبل حدث دبلوماسي بارز، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم الاثنين المقبل، في أول زيارة من نوعها لرئيس سوري إلى واشنطن.

قدم الدكتور سمير العيطة، رئيس منتدى الاقتصاديين العرب، تشريحاً دقيقاً ومثيراً للقلق للواقع الاقتصادي والسياسي السوري. في تحليل شامل، غطى العيطة التداعيات الكارثية للقرار الأخير برفع أسعار الكهرباء، الذي وصفه بـ "الصدمة" ، كاشفاً عن طبيعة الإدارة الاقتصادية الغامضة في دمشق وتأثير التدخلات الخارجية على مستقبل البلاد.
أوضح العيطة أن الرفع الأخير لأسعار الكهرباء ليس مجرد تعديل، بل "صدمة" حقيقية، مشيراً إلى أن الأسعار الجديدة تطابق أسعار شركات الكهرباء الخاصة العاملة في إدلب وعزاز (المرتبطة بتركيا)، بل وتفوق أسعار دول الجوار. وانتقد العيطة بشدة غياب الشفافية المطلق في هذا القرار، مؤكداً أنه "لا توجد أرقام معلنة" حول تكاليف هذه الشركات.
ولم تكن التداعيات مجرد توقعات، بل "بدأت بالفعل"، حسب العيطة، الذي أشار إلى آثار تضخمية فورية سبقت وصول الفواتير. لكن الضربة الأقسى كانت من نصيب القطاع الصناعي؛ ففي واقعة تبرز حجم الأزمة، أغلق أحد أكبر معامل الخيط في سوريا (900 عامل) أبوابه، معلناً عدم قدرته على المنافسة مع "البضائع التركية المدعومة".
يُظهر هذا التحليل أن القرار، الذي مُرر بعد منح وزارة الطاقة "استقلالية مالية وإدارية" بمرسوم جمهوري (بحسب العيطة)، لا يهدد فقط بتصفية ما تبقى من القاعدة الصناعية المحلية، بل يكشف عن تناقض صارخ؛ فبينما تُرفض مساعدة البنك الدولي لاحتواء الأثر على الفقراء، يتم اعتماد تسعيرة تضاهي أسعار شركات خاصة مرتبطة بالخارج، مما يضع عبئاً لا يُطاق على المواطن والصناعي معاً.
لم يتوقف العيطة عند قرار الكهرباء، بل اعتبره عرضاً لمرض أعمق: غياب "خطة واضحة" للإصلاح الاقتصادي. وأكد أن السلطة الحالية تفضل "العمل دون شفافية"، محكومة بمنطق "رأسمالية الأقرباء والأصدقاء" التي تُسلم العقود للمقربين، وهو نظام هجين لا هو اشتراكي ولا هو اقتصاد حر. وأشار العيطة إلى أن الشارع السوري يتقبل هذه القرارات الصادمة مرغماً بسبب حالتي "الخوف" و"التعب" المستشريتين بعد سنوات الحرب.
على الصعيد السياسي، أطلق العيطة تحذيراً خطيراً، مؤكداً أن "عم ينشغل على تقسيم سوريا بواشنطن"، مشيراً إلى أن هذا الحراك يجري داخل "الدولة العميقة" الأمريكية. وفي هذا السياق، اعتبر أن ملف عودة "الفلول" (المنشقين) هو "طلب أجنبي" أمريكي بالدرجة الأولى، تم التعامل معه بـ"تذاكي" عبر إحراج العائدين.
وفيما يخص الحراك الإقليمي، فسر العيطة دعوة تركيا المفاجئة للعميد مناف طلاس إلى أنقرة بالتزامن مع وجود شخصيات وازنة (كحقان فيدان وإبراهيم قالن)، بأنها "إشارة امتعاض" تركية من توجهات دمشق الحالية. فتركيا، بحسب تحليله، يهمها الحفاظ على "آليات الدولة" السورية ومن مصلحتها ألا تتفلت الأمور.
وحول ملف إعادة الإعمار الشائك، حذر العيطة من الاعتماد الكلي على الاستثمار الخارجي، مؤكداً أن المضاربات العقارية (المدعومة بقوانين مثل القانون رقم 10 المثير للجدل) هي المشكلة السائدة. وقدر العيطة، نقلاً عن البنك الدولي، تكلفة إعادة إعمار المساكن والبنى التحتية وحدها بنحو 100 مليار دولار، متسائلاً عمن سيمول الخدمات العامة غير المربحة كشبكات الكهرباء للمناطق البعيدة.
تأتي هذه الخطوة الدبلوماسية المكثفة تمهيداً لزيارة هي الأولى من نوعها لرئيس سوري إلى أمريكا، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض يوم الاثنين المقبل، 10 نوفمبر/تشرين الثاني.
تسعى إدارة ترمب للحصول على تفويض أممي لشطب اسمي الشرع (المدرج باسم أحمد حسين الشرع QDi.317) وخطاب (QDi.336) من قائمة العقوبات. وتتزامن هذه المساعي مع تحركات سورية للانضمام رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة "داعش" الذي تقوده واشنطن.
يُعقد اللقاء المرتقب في البيت الأبيض يوم الاثنين 10 نوفمبر، بعد جولة للشرع تشمل البرازيل (للمشاركة في "قمة المناخ" يومي 6 و7 نوفمبر). ولم يتضح بعد موعد التصويت على القرار في مجلس الأمن بنيويورك.
يمثل هذا التحرك تتويجاً لتحول كبير في السياسة الأمريكية أعلنه ترمب في مايو/أيار الماضي، بهدف إعادة تطبيع العلاقات ورفع العقوبات التي تفرضها واشنطن. كما سيسعى الشرع خلال زيارته للقاء أعضاء في الكونغرس للدفع باتجاه رفع "قانون قيصر" الذي يفرض عقوبات أمريكية أحادية الجانب على سوريا.
يُعد مشروع القرار الأمريكي تطوراً بالغ الأهمية، ليس فقط لكونه يشرعن فعلياً قيادة الشرع على الساحة الدولية، بل لأنه يطوي صفحة تاريخية معقدة. فالشرع وخطاب كانا مدرجين على قوائم العقوبات لارتباطهما السابق بـ "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً)، والتي كانت مصنفة كجناح لتنظيم "القاعدة".
وتكشف المسودة التي حصلت عليها "المجلة" عن مرونة دبلوماسية أمريكية كبيرة. فقد تضمنت مسودة أولية سابقة قيوداً على استيراد سوريا للسلاح، لكن المسودة الأخيرة المطروحة للتصويت خلت من هذه الفقرات، مما يشير إلى مفاوضات مكثفة أدت إلى تبسيط القرار للتركيز حصراً على شطب الأسماء لضمان تمريره العاجل قبل قمة البيت الأبيض.
ورغم ذلك، يربط مشروع القرار النهائي هذا الشطب بالتزامات سورية واضحة، أبرزها ضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومكافحة الإرهاب (بما في ذلك "داعش" و"القاعدة")، ودعم عملية سياسية شاملة "يقودها سوريون".
أثارت هذه التطورات المتسارعة ردود فعل متباينة محلياً ودولياً، حيث قمنا برصد المواقف التالية:
البيت الأبيض (تأييد مطلق):
أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، رسمياً موعد اللقاء في 10 نوفمبر، ووصفته بأنه جزء من "جهود الرئيس ترمب لإحلال السلام". وأشارت إلى أن الإدارة الأمريكية لاحظت "تقدماً جيداً" في سوريا منذ قرار ترمب "التاريخي" برفع العقوبات في مايو الماضي.
الصين (تحفظ):
أشارت مصادر دبلوماسية ومحللون إلى أن موقف بكين لا يزال غير واضح، وهناك احتمال لاستخدام حق النقض (الفيتو). تشعر الصين بالقلق من "سرعة تحرك" مجلس الأمن، وتطالب دمشق بإجراءات ملموسة، خاصة فيما يتعلق بالمقاتلين الإيغور المتواجدين في سوريا، وهو ما يتطابق مع المعلومات الواردة حول جولة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني المقررة إلى بكين.
القوى الإقليمية (دعم مشروط):
أبدت دول إقليمية فاعلة، منها المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، دعماً لتوجه رفع العقوبات، معتبرة أن استمرارها يعرقل مسار الاستقرار السياسي والاقتصادي في سوريا.
شخصيات سورية (ترحيب حذر):
صرح السياسي السوري المقيم في واشنطن، أيمن عبد النور، بأنه يؤيد رفع العقوبات "لأنها تضر بالشعب السوري"، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن هذا "لا ينبغي أن يكون ضوءاً أخضر" للإدارة الحالية.