رقعة الشطرنج والمقدسات.. كيف ابتلعت "المصلحة" شعارات "المقاومة"؟
المقدمة: ضجيج الساحات وصمت الغرف المغلقة
في السياسة، لا تُقاس النوايا بصدى الشعارات المرفوعة في الساحات، بل ببرودة التوقيعات على الطاولات الخشبية في الغرف المغلقة. طوال عقود، صدّرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها للعالم العربي والإسلامي على أنها "قلعة المقاومة" والمدافع الحصري عن المستضعفين، واضعةً تحرير القدس ومقارعة "الاستكبار العالمي" في قلب ديباجتها الدستورية والسياسية.
لكن التاريخ الحديث، وتحديداً في العقد الأخير، كشف عن هوة ساحقة بين "أيديولوجيا الثورة" التي تعتاش على العاطفة الدينية، و"براغماتية الدولة" التي لا تعترف إلا بلغة المصالح والبقاء. عندما دنت ساعة الحقيقة، واقترب سيف العقوبات الاقتصادية من عنق النظام الإيراني، تبخرت شعارات جبهة المقاومة، ووضعت طهران مقدساتها المعلنة على الرف، لتخوض واحدة من أكثر المفاوضات انتهازية وواقعية في التاريخ الحديث مع من تسميه في أدبياتها "الشيطان الأكبر".
"فخ الذرة" وقصر البستان.. حين ابتلعت "دولة البقاء" شعارات "ثورة المقاومة"
لا يمكن فهم الهرولة الإيرانية نحو طاولات التفاوض في سلطنة عُمان، والتنازل المفاجئ عن أدبيات "مقارعة الاستكبار"، دون العودة خطوة إلى الوراء لتفكيك المشهد الذي وضع حبل المشنقة الاقتصادي حول عنق النظام في طهران. لقد كانت رحلة التخلي عن "المبادئ" نتيجة حتمية لسنوات من العناد النووي الذي كاد أن يودي بالدولة نفسها.
1. جذور الأزمة: سقوط قناع "السلمية" (2002 - 2005)
بدأت شرارة الأزمة في أغسطس/آب من عام 2002، عندما كشفت جماعات المعارضة الإيرانية في الخارج عن وجود منشآت نووية سرية تحت الأرض في "نطنز" (لتخصيب اليورانيوم) ومفاعل للماء الثقيل في "أراك" (قادر على إنتاج البلوتونيوم). هذا الكشف المفاجئ دمر الرواية الإيرانية حول "شفافية" برنامجها، ووضعها في مواجهة مباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. رغم محاولات التهدئة في أواخر عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، إلا أن النظام كان يشتري الوقت فقط لبناء بنيته التحتية النووية.
2. حقبة أحمدي نجاد: استدعاء العاصفة (2005 - 2013)
مع صعود التيار المتشدد ووصول محمود أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة (أغسطس 2005 - أغسطس 2013)، دخلت إيران مرحلة "الصدام المفتوح والاستفزاز المتبادل". تبنى نجاد خطاباً راديكالياً، وفي عام 2006، أعلنت طهران رسمياً إزالة الأختام التابعة للأمم المتحدة عن منشآتها واستئناف عمليات التخصيب. كان الرد الدولي حاسماً؛ ففي الفترة الممتدة بين (2006 و 2010)، استصدرت واشنطن وحلفاؤها سلسلة من قرارات مجلس الأمن (1696، 1737، 1747، 1803، وصولاً للقرار القاصم 1929 في عام 2010). نقلت هذه القرارات الملف الإيراني من خانة "الرقابة" إلى خانة "التهديد للسلم والأمن الدوليين"، وبدأت بفرض عقوبات استهدفت التكنولوجيا، والشركات المرتبطة بالحرس الثوري، وحظر تصدير السلاح.
3. "كماشة العقوبات" وحافة الهاوية (2010 - 2012)
لم تكن قرارات الأمم المتحدة سوى الغطاء القانوني، لكن الضربة الحقيقية جاءت عبر العقوبات الأحادية الأمريكية والأوروبية التي بلغت ذروتها في عام 2012، وتحولت إلى "حرب مالية واقتصادية شاملة":
حظر النفط: في منتصف 2012، فرض الاتحاد الأوروبي حظراً شاملاً على شراء النفط الإيراني، وترافق ذلك مع عقوبات أمريكية استهدفت أي بنك مركزي أجنبي يتعامل مع البنك المركزي الإيراني. النتيجة كانت هبوط الصادرات النفطية الإيرانية من 2.5 مليون برميل يومياً إلى بالكاد مليون برميل.
العزل عن العالم (SWIFT): في مارس/آذار 2012، طُردت البنوك الإيرانية من نظام "سويفت" المالي العالمي. تحولت إيران إلى "جزيرة معزولة"، عاجزة عن استلام ثمن نفطها المتبقي أو تسديد فواتير وارداتها.
الانهيار الداخلي: فقد الريال الإيراني أكثر من ثلثي قيمته، وتجاوز التضخم حاجز الـ 40%. بدأ "البازار" (تجار طهران) بالتململ، وبات شبح "ثورة الجياع" يهدد بإسقاط النظام من الداخل.
4. قصر البستان: خلع عباءة الأيديولوجيا على عتبة التفاوض
في ذروة هذا الاختناق، وتحت وطأة العقوبات التي هددت استمرارية "ولاية الفقيه"، حدث الانعطاف التاريخي. أدرك المرشد الأعلى علي خامنئي أن "بقاء النظام" أهم من أي اعتبار آخر، ليطلق في عام 2013 مصطلحه الشهير "البطولة المرنة" (Narmesh-e Ghahremananeh)، والذي كان بمثابة الفتوى السياسية للتفاوض مع "الشيطان الأكبر". في أروقة "قصر البستان" الفارهة في العاصمة العمانية مسقط، وتحت ثرياته الكريستالية، لم تكن هناك لافتات تندد بـ "الاستكبار العالمي"، ولم تُرفع شعارات تنادي بتحرير القدس أو نصرة المستضعفين. كانت الطاولات المستديرة هناك مخصصة لشيء واحد فقط: لغة الأرقام، وحسابات الربح والخسارة، وهندسة بقاء النظام.
لم تكن لقاءات مسقط وليدة اللحظة، بل بدأت عبر قناة خلفية بالغة السرية في أواخر عام 2012 وبدايات 2013. أوفد الرئيس الأمريكي باراك أوباما كبار مستشاريه للقاء مبعوثين مباشرين من خامنئي. في تلك اللقاءات التمهيدية، تم الاتفاق على المبدأ الذهبي الذي سيحكم كل ما تلاها: "قاعدة العزل الجراحي للملفات". تعني هذه القاعدة أن المفاوض الإيراني وافق طواعية بل وسعى حثيثاً، لفصل البرنامج النووي عن أي نقاش يخص نفوذ إيران الإقليمي. في تلك الغرف المغلقة، تجلت البراغماتية الإيرانية بأبشع صورها الانتهازية. سقطت فلسطين من جداول الأعمال، وتلاشى الحديث عن حصار غزة، ولم يطرح الإيرانيون أي شرط يتعلق بحماية وكلائهم في لبنان أو العراق أو سوريا. كان العرض الإيراني واضحاً: "دعونا ننسى حلفاءنا وحلفاءكم في الخارج، ولنتحدث عما يجري داخل حدودنا".
"الصحوة المزعومة" والحلقة الذهبية.. دماء السوريين كضريبة للجغرافيا
بينما كانت الابتسامات الدبلوماسية تُوزع بسخاء في قاعات "قصر البستان" العمانية، كانت آلة القتل تحصد الأرواح في شوارع المدن السورية. إن وحدة الحقيقة تقتضي تفكيك هذا التناقض المرعب؛ فالمفاوض الإيراني الذي بدا ناعماً وبراغماتياً أمام الغرب في مسقط، كان يدير في دمشق واحدة من أشرس حروب الوكالة دمويةً في العصر الحديث.
1. "الصحوة الإسلامية" وازدواجية الربيع العربي
لفهم حجم السقوط الأخلاقي والسياسي للسياسة الخارجية الإيرانية، يجب العودة إلى اللحظات الأولى لانطلاق "الربيع العربي" في أواخر 2010 وبدايات 2011. في تونس ومصر، سارعت الآلة الإعلامية والسياسية الإيرانية إلى مباركة التظاهرات، وأطلق المرشد الأعلى علي خامنئي على تلك الثورات وصف "الصحوة الإسلامية"، معتبراً إياها امتداداً طبيعياً لثورة بلاده عام 1979 ضد الأنظمة الديكتاتورية الموالية للغرب. بلغت هذه النشوة السياسية ذروتها التاريخية في أغسطس/آب 2012، عندما استقبلت طهران الرئيس المصري حينها (محمد مرسي) في أول زيارة لرئيس مصري منذ أكثر من ثلاثة عقود، في محاولة إيرانية لركوب موجة التغيير وتقديم نفسها كحاضنة لثورات الشعوب. لكن، وبمجرد أن امتدت شرارة الحرية إلى شوارع درعا، ووصلت هتافات المتظاهرين إلى أبواب الجامع الأموي في دمشق، انقلبت الآية 180 درجة. فجأة، اختفى مصطلح "الصحوة الإسلامية" من القاموس الإيراني، وتحول المتظاهرون السلميون إلى "إرهابيين"، والثورة الشعبية إلى "مؤامرة كونية صهيو-أمريكية". هذا الانقلاب الفج أثبت للعالم العربي أن بوصلة طهران لا تشير إلى "حقوق الشعوب"، بل تشير حصراً إلى مصالحها الجيوسياسية.
2. رعب الانهيار وحتمية التدخل (2012 - 2013)
لم تكن المظاهرات التي عمت المدن السورية مجرد حراك شعبي في نظر الاستراتيجية الإيرانية، بل كانت زلزالاً يهدد بابتلاع عمقها الاستراتيجي. ومع دخول الصراع عامه الثاني، وتحديداً بحلول صيف عام 2013، بدأت الآلة العسكرية لنظام الأسد تتصدع بشكل بنيوي، حيث أدت موجات الانشقاق الواسعة إلى إنهاك القوات النظامية وتراجعها الدراماتيكي. في تلك اللحظة، أيقنت طهران أن النظام لم يعد قادراً وحده على حماية هيكله من السقوط، فقررت التدخل المباشر وبكل ثقلها العسكري والميليشياوي، متخلية عن كل ادعاءاتها بدعم "المستضعفين".
3. "الحلقة الذهبية": الجغرافيا قبل العقيدة
لم تنظر القيادة الإيرانية إلى سوريا يوماً من زاوية المبادئ، بل نظرت إليها بعيون الخرائط العسكرية الباردة. لقد صاغ علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، العقيدة الإيرانية تجاه سوريا بوضوح صارخ عندما وصفها بأنها "الحلقة الذهبية في سلسلة المقاومة". في الميزان الإيراني، لم تكن هذه الحلقة "ذهبية" لقداستها، بل لموقعها الحيوي كجسر بري ضخم يربط طهران ببغداد، ثم دمشق، وصولاً إلى بيروت والبحر المتوسط. سقوط هذه الحلقة كان يعني قطع الشريان اللوجستي الذي يغذي نفوذها، وعزل إيران داخل حدودها الجغرافية. من هنا، أصبحت دماء السوريين، وتدمير حواضرهم التاريخية، مجرد "ضريبة جغرافية" تدفعها طهران رخيصةً للحفاظ على خطوط إمدادها.
4. "حماية المقامات": خديعة التعبئة المقدسة
لإدارة هذه الحرب العابرة للحدود، واجهت إيران معضلة كبرى: كيف تقنع الآلاف من الشبان الشيعة في أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان بالذهاب للموت في سوريا من أجل حماية مسار إمداد لوجستي؟ هنا، تجلت أبشع صور التوظيف السياسي للدين. استدعت طهران المظلوميات التاريخية، ورفعت شعار "حماية المقامات" ومقولة "لن تُسبى زينب مرتين". لقد تم تغليف المصلحة الجيوسياسية الباردة بغلاف ديني عاطفي حارق، وتحولت سوريا إلى بؤرة استقطاب طائفي؛ حيث استُجلبت ميليشيات مثل "الفاطميون" و"الزينبيون"، ليس لمحاربة إسرائيل، بل لسحق المعارضة السورية وتأمين طريق النفوذ الإيراني.
5. البوصلة المفقودة: هل يمر طريق القدس فوق جثث السوريين؟
المرآة المتصدعة.. حين نطق "الآباء المؤسسون" بحقيقة المحرقة
لم يكن الصمت المطبق في "قصر البستان" حيال ملفات المنطقة كافياً لإخفاء الحقائق للأبد؛ إذ سرعان ما بدأت التناقضات الإيرانية تخرج إلى العلن، ليس عبر تقارير استخباراتية غربية فحسب، بل على ألسنة كبار قادة النظام الإيراني وأعمدته التاريخية. في هذا المحور، نكشف كيف فضحت التصريحات المسربة والمواقف العلنية لرموز مثل رفسنجاني وأحمدي نجاد زيف ادعاءات "المقاومة" وكشفت الوجه الحقيقي للتدخل في سوريا.
1. صاعقة رفسنجاني: شهادة "الثعلب" على دماء الكيماوي
في سبتمبر 2013، وبينما كان العالم يغلي بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية بدمشق، فجر هاشمي رفسنجاني — أحد أبرز مؤسسي الجمهورية الإسلامية ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آنذاك — قنبلة سياسية من العيار الثقيل. في خطاب مسجل له بمدينة سوادكوه بمحافظة مازندران، قال رفسنجاني بوضوح لا يقبل التأويل:
"الشعب السوري الذي تعرض لهجمات كيماوية من قبل حكومته، يجب أن يواجه الآن خطر التدخل الأجنبي.. الشعب السوري ذاق الأمرين في السجون، والملاعب امتلأت بالمعتقلين".
كانت هذه الكلمات بمثابة "زلزال" في طهران؛ فرفسنجاني لم يكتفِ بالاعتراف بأن نظام الأسد هو من خنق شعبه بالغازات السامة، بل وصف السجون السورية بما هي عليه فعلاً. سارعت الماكينة الإعلامية التابعة للحرس الثوري إلى حذف التصريح ونفيه، لكن التسجيل كان قد طار في الآفاق، ليثبت أن "عقل النظام الإيراني" يدرك تماماً حجم الجريمة التي يرتكبها حليفه، لكنه يختار الاستمرار في دعمها حمايةً لـ "المصلحة" التي تسبق "المقدسات".
2. مفارقة أحمدي نجاد: "الديكتاتور" في عيون الحليف الراديكالي
المفاجأة الأكبر جاءت من محمود أحمدي نجاد، الرجل الذي قاد مرحلة التصعيد النووي وصاحب الخطابات الأكثر تشدداً. نجاد، الذي كان رئيساً لإيران عند اندلاع الثورة السورية (2011-2013)، بدأ تدريجياً في اتخاذ مسافة من الانغماس المطلق في المستنقع السوري، خاصة بعد خروجه من السلطة. في تصريحات لاحقة ومقابلات صحفية، لم يتردد نجاد في وصف ما يجري في سوريا بأنه صراع على السلطة بعيد كل البعد عن "المقاومة". وفي مفارقة تاريخية، انتقد نجاد الأسلوب الأمني القمعي لنظام الأسد، مشيراً إلى أنه "لا يمكن لأي حاكم أن يبقى في السلطة عبر قتل شعبه". وصفُ نجاد للأسد ضمناً بـ "الديكتاتور العربي" واعترافه بحق الشعوب في قرير مصيرها، كشف عن شرخ عميق داخل النخبة الإيرانية؛ حيث بدأ حتى "الصقور" يشعرون بأن كلفة الدفاع عن نظام متهالك أخلاقياً باتت تهدد سمعة "الثورة" وصورتها أمام الشعوب المسلمة.
3. ازدواجية "الصحوة" و"المؤامرة": السقوط في فخ التناقض
لقد وضعت هذه التصريحات القيادة العليا في إيران (مكتب المرشد والحرس الثوري) في زاوية حرجة. فكيف يمكن تفسير مباركة "الثورة" في مصر وتونس ووصفها بـ "الصحوة الإسلامية"، بينما تُعتبر الثورة في سوريا "مؤامرة صهيونية"؟ لقد نطق رفسنجاني بما يخفيه الصدر، ونطق نجاد بما يمليه العقل السياسي الباحث عن الشعبوية؛ وكلاهما أثبت أن السردية الإيرانية حول "المقدسات" و"المقاومة" لم تكن سوى "بروباغندا وظيفية".
4. صراع الأجنحة: بقاء الدولة أم انتحار الثورة؟
كشفت هذه التصدعات أن إيران لم تكن كتلة واحدة حيال ملف سوريا. كان هناك تيار "البراغماتيين" (الذي مثله رفسنجاني ومن بعده روحاني وظريف) الذي يرى في الانغماس السوري استنزافاً قد يؤدي لانهيار إيران اقتصادياً وسياسياً، وتيار "العقائديين العسكريين" (الحرس الثوري) الذي يرى في جغرافيا سوريا "متراساً متقدماً" لحماية طهران. لكن في نهاية المطاف، انتصر تيار الحرس الثوري، ليس لأنه الأكثر "مبدئية"، بل لأنه الأكثر قدرة على تحويل الدماء إلى أوراق تفاوضية. لقد استخدمت إيران صمتها في "قصر البستان" لتمرير اتفاقها النووي، واستخدمت ضجيجها وصواريخها في سوريا لتثبيت نفوذها، ضاربةً عرض الحائط بشهادات قادتها أنفسهم الذين أقروا بظلم النظام الذي يدافعون عنه.
"القدس" في الميزان الإيراني.. ورقة تفاوض لا عقيدة خندق
طوال أربعين عاماً، استثمرت طهران في "القدس" كعلامة تجارية عابرة للحدود، محاولةً من خلالها كسر العزلة المذهبية والسياسية، وتقديم نفسها كقائدة للعالم الإسلامي في مواجهة "الاستكبار". لكن الفجوة بين "يوم القدس العالمي" (الذي يُحتفل به في شوارع طهران) وبين "فيلق القدس" (الذي يقاتل في شوارع حلب وصنعاء وبغداد)، تكشف أن فلسطين في العقل الاستراتيجي الإيراني هي "أداة وظيفية" لا أكثر.
1. "فيلق القدس" والتائهون عن البوصلة
يُعد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الأداة الضاربة لإيران في الخارج، وحمل اسمه تيمناً بمدينة القدس ليعطي شرعية أخلاقية لعملياته. لكن المفارقة الصارخة هي أن هذا الفيلق، وبقيادة قاسم سليماني، خاض مئات المعارك، وحاصر عشرات المدن، وهجّر الملايين، لكنه لم يطلق رصاصة واحدة نحو القدس أو حدود فلسطين المحتلة. لقد كانت الخريطة التي يتحرك عليها "فيلق القدس" هي خريطة "الهلال الخصيب" الذي تسعى إيران للهيمنة عليه. بالنسبة لطهران، فإن "تحرير القدس" هو الهدف المؤجل للأبد، بينما "احتلال العواصم العربية" هو الإنجاز المحقق فعلاً. لقد استُخدم اسم القدس كغطاء لتبرير التمدد الاستعماري الإيراني، وتحويل المليشيات إلى "جيوش احتلال" محلية تخدم أجندة الولي الفقيه.
2. فلسطين.. السلعة الرابحة في "بازار" الغرب
في مفاوضات "قصر البستان" بمسقط (2014) وما تلاها في فيينا، ظهرت فلسطين كـ "ورقة" تُوضع على الطاولة وتُسحب منها حسب درجة حرارة العقوبات. إيران لا تدعم "حماس" أو "الجهاد الإسلامي" حباً في القضية الفلسطينية، بل لتمتلك "حق الفيتو" على أي استقرار في المنطقة قد يهمش دورها. هي تدعمهم لتقول لواشنطن وتل أبيب: "أنا أملك مفاتيح الانفجار في خاصرتكم، فماذا ستعطونني في المقابل؟". هنا تكمن الانتهازية السياسية؛ فبينما يدفع الفلسطينيون ثمن الحصار والحروب، تقبض طهران ثمن "التهدئة" أو "التصعيد" في صفقاتها الدولية؛ سواء عبر تخفيف العقوبات النووية أو الاعتراف بنفوذها الإقليمي.
3. التجارة بالمقدسات: القدس مقابل البقاء
تستخدم إيران الصور البصرية للمقدسات الإسلامية (قبة الصخرة، المسجد الأقصى) في كل جدارياتها وبروباغنداها العسكرية، لكنها في اللحظات الحاسمة تغلّب "المصلحة القومية الفارسية" على "المقدس الإسلامي". لقد رأينا كيف صمتت طهران عن قضايا إسلامية كبرى عندما تعارضت مع مصالح حلفائها (مثل قضية الإيغور في الصين)، وكيف أنها مستعدة للتضحية بأي فصيل فلسطيني إذا كان الثمن هو حماية مفاعلاتها النووية. فلسطين بالنسبة لإيران هي "ستار دخان" كثيف؛ خلفه يتم بناء إمبراطورية نفوذ، وتحته يتم دفن أحلام الشعوب العربية في الاستقلال والحرية.
4. الحقيقة العارية: القدس ليست البوصلة بل "القناع"
إن أقوى صور البحث تتبدى في مراقبة طائرات الشحن الإيرانية التي كانت تحط في مطار دمشق؛ لم تكن تحمل أدوية لأطفال غزة، بل كانت تحمل صواريخ "فاتح" و"فجر" لتثبيت أركان نظام الأسد.
لقد سقطت ورقة التوت عن ادعاءات إيران؛ فالقدس التي يتباكون عليها في الإعلام، هي نفسها التي يتاجرون بدمائها في الغرف المغلقة. لقد أثبتت سنوات الصراع أن إيران لم تكن يوماً "خندقاً للمقاومة"، بل كانت "بنكاً للمصالح"، يستخدم القدس كعملة صعبة لرفع رصيده في بورصة القوى العظمى.
4. "انعطافة بكين 2023".. قفزة فوق "الشيطان" بحثاً عن طوق النجاة
لم تكن مفاوضات مسقط وسوريا هي المحطات الوحيدة لسقوط الأيديولوجيا أمام الحسابات الباردة؛ ففي مارس 2023، وتحت الرعاية الصينية في بكين، وقعت طهران اتفاقاً لاستئناف العلاقات مع السعودية، منهيةً بذلك سبع سنوات من القطيعة والخطاب التصعيدي الحاد.
تكمن أهمية هذه الواقعة في توقيتها؛ حيث كانت إيران تعيش تحت وطأة عزلة دولية خانقة واحتجاجات داخلية غير مسبوقة وهبوط حاد للعملة. هنا، وبضغطة زر واحدة، توقفت الماكينة الإعلامية الإيرانية عن مهاجمة "الخصوم الإقليميين"، وتم تجميد شعارات "تصدير الثورة" في الخليج مقابل وعود باستثمارات اقتصادية وتهدئة تضمن استقرار النظام. إن "اتفاق بكين" هو البرهان الأحدث على أن طهران مستعدة لطي صفحة أي "عداء عقائدي" فور شعورها بتهديد حقيقي لمركز السلطة، مؤكدةً مرة أخرى أن شعاراتها هي مجرد "تكتيكات متغيرة" بينما البقاء هو "الاستراتيجية الثابتة".
الخلاصة النهائية:
عندما نربط خيوط البحث ببعضها؛ من صمت "قصر البستان" النووي، إلى دماء "الحلقة الذهبية" في سوريا، وصولاً إلى اعترافات رفسنجاني وتجارة "القدس"، تكتمل الصورة: إيران هي دولة "البراغماتية المطلقة" بامتياز. نظامٌ يجيد العزف على أوتار العاطفة الدينية ليحشد المليشيات، ويجيد لغة الصمت الدبلوماسي ليحصد المليارات. إنها الحكاية القديمة المتجددة؛ حيث تذهب الشعوب كوقود للمحارق، ويبقى القادة في طهران يوزعون الابتسامات فوق جثث "المستضعفين" الذين وعدوهم يوماً بالتحرير، فما منحوهم إلا التدمير والتهجير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات