حرية ومسؤولية
فجر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، سلسلة من المفاجآت السياسية خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي بتركيا، حيث كشف عن رسائل مباشرة نقلها الرئيس السوري أحمد الشرع تؤكد رغبة دمشق الأكيدة في تجنب أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
وأشاد براك بالموقف السوري "المنضبط"، مشيراً إلى أن عدم إطلاق أي صاروخ من الجبهة السورية خلال التصعيد الأخير يعكس توجهاً استراتيجياً جديداً يعطي الأولوية لإعادة الإعمار والاندماج الإقليمي على حساب جبهات القتال التقليدية.
الضغط على تل أبيب: أكد براك أن الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو لم يكتفيا بالوساطة، بل مارسا "ضغطاً مباشراً" على الحكومة الإسرائيلية، مبلّغين إياها بأن "ساعة وقف النار قد حانت"، وهو ما أفضى إلى الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ اليوم لمدة 10 أيام.
نزع سلاح "حزب الله": شدد المبعوث الأمريكي على أن أي اتفاق مستدام في لبنان يجب أن يمر عبر إنهاء "ازدواجية السلاح"، مؤكداً أن واشنطن ترفض بقاء قوة مسلحة موازية للدولة اللبنانية، وتعمل على تصحيح ثغرات اتفاقات 2024 التي شهدت انتهاكات متكررة.
سوريا كعامل استقرار: تأتي هذه التصريحات متناغمة مع خطاب الرئيس الشرع في المنتدى، حيث طرح رؤية سورية قائمة على ترسيخ الهدنات الطويلة وتحويل "المناطق المشتعلة" إلى ممرات أمن وتجارة، مؤكداً أن مصلحة سوريا تكمن في تبريد الجبهات لضمان تدفق الاستثمارات وإكمال دمج القوى المحلية.
إن "براغماتية أنطاليا" التي ظهرت اليوم تعكس تفاهمات غير معلنة بين واشنطن ودمشق برعاية تركية؛ فبينما تلتزم سوريا بالصمت العسكري على جبهة الجولان، تمنحها واشنطن "غطاءً سياسياً" يعزز شرعيتها الدولية الجديدة.
ومع دخول وقف إطلاق النار في لبنان مرحلة الاختبار، يبدو أن الرهان الأمريكي بات يعتمد على دمشق كلاعب عقلاني يمكنه المساهمة في لجم التصعيد الإقليمي، وهو ما يفتح الباب لمرحلة جديدة من العلاقات السورية-الغربية قد تتجاوز ملفات الأمن إلى آفاق سياسية أوسع في صيف عام 2026.
في خطوة مفاجئة قلبت الطاولة على الميدان، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توصل إسرائيل ولبنان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ حيز التنفيذ مساء اليوم الخميس.
وجاء هذا الإعلان بعد ماراثون من الاتصالات الهاتفية أجراها ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون، واصفاً المحادثات بـ "الممتازة" ومؤكداً دعوة الزعيمين إلى البيت الأبيض لعقد أول مفاوضات سلام حقيقية بين البلدين منذ عام 1983.
الضغط الأمريكي المباشر: كشفت المصادر أن ترامب "دفع" بهذا الاتفاق عبر منشور على منصة "تروث سوشال" بينما كان الكابينت الأمني الإسرائيلي لا يزال في بداية اجتماعه، مما جعل الوزراء الإسرائيليين يسمعون بالإعلان قبل مناقشته رسمياً.
مذكرة التفاهم: الهدنة تُعرف بأنها "بادرة حسن نية" إسرائيلية لإطلاق مفاوضات السلام. وبينما تحتفظ إسرائيل بحق "الدفاع عن النفس" ضد أي هجوم وشيك، التزم لبنان باتخاذ خطوات ملموسة لمنع "حزب الله" والجماعات المسلحة الأخرى من تنفيذ هجمات.
المعادلة الإيرانية: رغم أن المسارين منفصلان رسمياً، إلا أن طهران تعتبر الهجمات في لبنان خرقاً لهدنتها مع واشنطن. ترامب يسعى من خلال "تهدئة لبنان" إلى سحب هذه الذريعة وتأمين مساحة "لالتقاط الأنفاس" تضمن نجاح مفاوضاته الجارية مع إيران، والتي شهدت تقدماً ملحوظاً في الـ 48 ساعة الأخيرة.
السيادة والحدود: يتضمن الاتفاق قيام الولايات المتحدة بتسهيل مفاوضات مباشرة لترسيم الحدود البرية. وأكد البيان المشترك اعتراف الدولتين بسيادة بعضهما، مع اشتراط تمديد الهدنة بمدى قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية.
وجه ترامب نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، بالتعاون مع رئيس الأركان، للعمل فوراً مع الطرفين لتحقيق "سلام دائم".
ومن المتوقع أن يُعقد اللقاء التاريخي في البيت الأبيض خلال الأسبوعين القادمين، وهو ما يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما ولادة "سوريا ولبنان" جديدتين ضمن منظومة استقرار إقليمي، أو انفجار الموقف حال فشل لبنان في لجم الجماعات المسلحة أو استمرار إسرائيل في احتلال "المنطقة العازلة" بعمق 6 أميال التي رفض نتنياهو إخلاءها حالياً.
في خطوة تصعيدية تعكس التوجهات اليمينية الإسرائيلية، أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة خمسية ضخمة لتوسيع الاستيطان في الجولان السوري المحتل باستثمار إجمالي يبلغ مليار شيكل (نحو 270 مليون دولار).
وتهدف الخطة، التي أعلن عنها الوزير المسؤول عن إعادة إعمار الشمال والجنوب، زئيف إلكين، إلى استيعاب آلاف المستوطنين الجدد وتحويل مستوطنة "كتسرين" إلى المركز الحضري الأول (مدينة) في المنطقة، في سعي حثيث لترسيخ الوجود الديموغرافي الإسرائيلي هناك.
التمويل الذكي: سيتم تمويل 700 مليون شيكل من هذا المبلغ من خلال خطة "إعادة إعمار الشمال" التي أُطلقت في أواخر 2024، بينما تساهم الوزارات الحكومية بالمبلغ المتبقي (230 مليون شيكل)، مع تقديم حوافز مالية بقيمة 70 مليون شيكل للسلطات المحلية لتحقيق الأهداف السكانية بسرعة.
النمو السكاني: تستهدف الخطة جذب 1500 عائلة جديدة إلى "كتسرين" وحدها، عبر تطوير "الحي الثاني عشر" وفتح مناطق عسكرية (مناطق إطلاق نار) لصالح البناء المدني، بالإضافة إلى إنشاء 1500 وحدة سكنية أخرى موزعة على مستوطنات المجلس الإقليمي للجولان.
محركات التوظيف والتعليم: لا تقتصر الخطة على السكن، بل تشمل إنشاء منطقة توظيف متطورة، ومركز AgriTec للبحوث الزراعية، بالإضافة إلى مستشفى بيطري مخصص لخدمة كلية الطب البيطري التابعة لجامعة كريات شمونة، لجعل المنطقة مركزاً جاذباً للخبراء والطلاب.
السياحة والخدمات: سيتم تخصيص ميزانيات لإنشاء "منتزه للينابيع" لأغراض سياحية وتحسين الخدمات العامة والبنى التحتية، مما يجعل الجولان وجهة استثمارية تتجاوز الطابع العسكري التقليدي.
يأتي هذا التحرك الإسرائيلي في وقت تشهد فيه سوريا محاولات لاستعادة السيادة وبناء الدولة، مما يضع هذه المشاريع الاستيطانية في مواجهة مباشرة مع التطلعات السورية لاستعادة الأرض.
إن التركيز على الجوانب "العلمية والسياحية" في الاستيطان يهدف إلى إضفاء صبغة مدنية دائمة على الاحتلال، وهو ما يشكل تحدياً قانونياً وسياسياً جديداً أمام الدبلوماسية السورية والعربية في عام 2026.
تعرض ريف القنيطرة الجنوبي، لاعتداء إسرائيلي جديد، حيث استهدفت قوات الاحتلال بقذيفتي مدفعية محيط تل الأحمر الشرقي والأراضي الزراعية الواقعة شمال سد بريقة.
وأفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن القذائف انطلقت من مرابض الاحتلال في الجولان السوري المحتل، مشيرة إلى أن الأضرار اقتصرت على الماديات في الأراضي الزراعية دون تسجيل إصابات في صفوف المدنيين.
وتأتي هذه الرمايات المدفعية في سياق تصعيد مستمر تشهده المنطقة الحدودية، حيث تواصل إسرائيل خرق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر عمليات توغل ميدانية وتجريف للأراضي، إضافة إلى حملات المداهمة والاعتقال التي تطال السكان المحليين.
ويرى مراقبون أن استهداف محيط "سد بريقة" الحيوي يعكس توجهاً لضرب مقومات الحياة والزراعة في المنطقة، مما يزيد من معاناة أهالي القرى الحدودية الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على أرزاقهم وأمنهم.
تنطلق في العاصمة الأمريكية واشنطن، اليوم الثلاثاء 14 نيسان 2026، أول جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
ويمثل الجانب اللبناني السفيرة ندى حمادة معوض، بينما يقود الوفد الإسرائيلي السفير يهيل ليتر، الذي تلقى تعليمات مشددة من حكومته بعدم الموافقة على وقف إطلاق النار خلال فترة التفاوض، في إشارة إلى رغبة تل أبيب في استمرار الضغط العسكري الميداني لانتزاع تنازلات سياسية.
وذكرت تقارير إعلامية نقلاً عن إذاعة الجيش الإسرائيلي أن سقف المطالب الإسرائيلية تجاوز التهدئة التقليدية، حيث تسعى تل أبيب للتوصل إلى "اتفاق سلام دائم" يشمل ترسيم الحدود البرية والبحرية ومعالجة الملفات الاقتصادية، مع التركيز بشكل جوهري على ملف نزع سلاح حزب الله.
وتأتي هذه المحادثات بعد تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد فيها انفتاحه على السلام، تزامناً مع استمرار العمليات العسكرية، مما يجعل مسار التفاوض الحالي محفوفاً بالتعقيدات الأمنية والسياسية التي قد تحدد مصير الاستقرار في المنطقة لسنوات قادمة.
أعلن مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، عن استمرار الوساطة الأمريكية الرامية للتوصل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب.
وفي تصريح بارز لقناة "المملكة" الأردنية، الثلاثاء 14 نيسان 2026، ربط الأحمد أي تقدم في هذا المسار بمدى التزام إسرائيل بالمرجعيات الدولية واحترام سيادة سوريا، مشدداً على أن مبادئ الاتفاق ترتكز على شروط "جوهرية وغير قابلة للتفاوض".
وأوضح الأحمد أن دمشق تضع "الانسحاب الإسرائيلي الكامل" من جميع المناطق التي تم الدخول إليها بعد سقوط النظام السابق على رأس قائمة المطالب، إلى جانب الكف التام عن التدخل في الشؤون الداخلية السورية.
كما أكد أن الحكومة السورية لن تقبل باستغلال إسرائيل لأي أزمات داخلية كذريعة للاختراقات العسكرية، معتبراً هذه المبادئ حجر الزاوية لأي استقرار مستقبلي. وتأتي هذه التصريحات لتضع الكرة في الملعب الإسرائيلي والوسيط الأمريكي، في وقت تسعى فيه سوريا لإعادة بناء كيانها الوطني بعيداً عن التدخلات الخارجية التي شابت العقود الماضية.
شهد ريف القنيطرة الجنوبي، توتراً أمنياً ملحوظاً إثر سلسلة اعتداءات نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وأفادت مصادر إعلامية محلية (سيريانيوز) بأن دورية عسكرية إسرائيلية مؤلفة من آليتين "همر" أقدمت على اعتقال شاب من قرية رويحينة واقتادته إلى قاعدة "العدنانية" العسكرية.
وتزامن ذلك مع إطلاق نار استهدف أحد الرعاة في ذات القرية، مما أسفر عن نفوق نحو 15 رأس غنم، في اعتداء مباشر على لقمة عيش السكان المحليين.
ولم تكتفِ قوات الاحتلال بذلك، بل وسّعت دائرة استفزازاتها بإطلاق قنابل مضيئة من قاعدتها في بلدة الحميدية، غطت سماء القرى والبلدات المجاورة، ترافق ذلك مع رمايات بالأسلحة المتوسطة استهدفت الأراضي الزراعية المحيطة.
هذا التصعيد الميداني يعكس حالة الاستنفار الإسرائيلي المستمر على طول خط وقف إطلاق النار، ويفرض قيوداً قاسية على المزارعين والرعاة السوريين في القرى المتاخمة للجولان المحتل، مما يفاقم من معاناة الأهالي في ظل الظروف الأمنية المتردية.
لم تكن بنت جبيل يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل هي حكاية صمود ومأساة متوارثة، تتأرجح اليوم بين رمزية "عاصمة التحرير" وبين واقع عسكري مرير يهدد بمسح هويتها التاريخية.
المدينة التي "عُبّدت" طرقاتها يوماً نحو ديترويت الأميركية هرباً من النيران، تجد نفسها الآن خالية تماماً من سكانها في ما يوصف بـ "التهجير الأخطر" في تاريخها، وسط معارك "عظم تكسير" تدور في أزقتها وتلالها الاستراتيجية.
تجاوزت المعركة الحالية في بنت جبيل الجانب العسكري الصرف لتتحول إلى صراع إرادات ومعانٍ:
القيمة الاستراتيجية: السيطرة على المدينة تعني التحكم في القطاع الأوسط بالكامل، وتأمين قاعدة انطلاق نحو وادي السلوقي ونهر الليطاني، مما يجعلها "جائزة كبرى" للجيش الإسرائيلي.
الرمزية المعنوية: بالنسبة لـ حزب الله، الدفاع عن بنت جبيل هو دفاع عن "بيت العنكبوت"؛ العبارة التي أطلقها الراحل حسن نصر الله عام 2000 من قلب ساحتها. سقوطها عسكرياً يمثل ضربة قاصمة لصورة الردع والانتصار التي كُرست على مدى ربع قرن.
تغريب الهوية: يشير الواقع الميداني والاجتماعي إلى أن المدينة دُفعت نحو "هوية مستوردة" خلال سنوات هيمنة الحزب، مما أفقدها طابعها التراثي وسوقها التاريخي، لتتحول في الحرب الحالية إلى ساحة قتال "مغلقة" بعيدة عن نسيجها الأهلي الذي كان يوماً بوابته فلسطين والجليل.
الجانب الإسرائيلي: تشير المعطيات إلى اعتماد سياسة "التطويق والالتفاف"، مع تقارير تتحدث عن دخول فعلي إلى منطقة السوق التجارية في وسط المدينة لتحويلها إلى جيب معزول.
حزب الله: يبدي مقاومة شرسة لمنع السقوط الرمزي للمدينة، معتمداً تكتيكات مرنة لا تتشبث بالجغرافيا الثابتة بقدر ما تسعى لاستنزاف القوات المهاجمة.
ردود الفعل: (لم تصدر بيانات سياسية دولية مخصصة لبنت جبيل وحدها)، لكن التحركات في ديربورن الأميركية (جمهورية بنت جبيل في المهجر) بدأت تضغط سياسياً، كما فعل صاحب المطعم حسن عباس بانتزاع تعهد من ترمب، في محاولة لاستخدام نفوذ الاغتراب لحماية ما تبقى من الوطن الأم.
شهد قضاء صور بجنوب لبنان، يوماً دامياً إثر سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة، أسفرت عن سقوط ضحايا من اللاجئين السوريين والكوادر الإنسانية.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن غارة استهدفت بستاناً قبالة حرج العباسية أدت إلى مقتل عدد من العمال السوريين المتواجدين في المكان. وفي تصعيد خطير، تعرض مركز للصليب الأحمر اللبناني في صور لضربة مباشرة أثناء محاولة إسعاف أحد المصابين، مما تسبب بمقتله وتضرر آليات الإسعاف بشكل كبير.
ولم تتوقف الهجمات عند الجنوب، حيث استهدفت طائرة مسيّرة بلدة سحمر في البقاع الغربي، مخلفة قتيلين وجرحى آخرين. وتأتي هذه الغارات ضمن موجة التصعيد المستمرة منذ مطلع آذار الماضي، والتي حولت حياة السوريين المقيمين في لبنان إلى جحيم جديد؛ حيث يواجهون خطر الموت اليومي في مناطق عملهم وسكنهم.
ومع استمرار استهداف المنشآت الإغاثية والمدنية، تتعالى التحذيرات من انهيار كامل للمنظومة الإنسانية في المناطق الحدودية اللبنانية تحت وطأة القصف المتواصل.
وسط مشهدٍ تراجيدي يدمي القلوب، استيقظ لبنان اليوم على حصيلةٍ مفجعة أعلنها وزير الصحة، حيث ارتفع عدد ضحايا الغارات الإسرائيلية إلى 203 قتلى ونحو ألف جريح، في موجة تصعيدٍ وصفت بالأعنف.
وفي تطورٍ ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي اغتيال "علي يوسف حرشي"، السكرتير الشخصي لأمين عام حزب الله نعيم قاسم، في عمليةٍ استهدفت قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، زاعماً تدمير مفاصل حيوية ومستودعات ذخيرة ومعابر تربط شمال الليطاني بجنوبه.
هذه الضربات المتلاحقة تأتي كصفعةٍ لآمال التهدئة؛ فرغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنةٍ "مشروطة" مع إيران، سارعت إسرائيل لعزل الساحة اللبنانية عن الاتفاق، ممعنةً في تمزيق الهدوء الهش بغاراتٍ فجرية لم توفر بشراً ولا شجراً.
وبينما يطلق وزير الخارجية اللبناني صرخات استغاثة للمجتمع الدولي للضغط على تل أبيب واستعادة السيادة المهدورة، يبدو أن لبنان بات "الخاصرة الرخوة" في صراعات الكبار، حيث يدفع المدنيون ضريبة صمت العالم أمام آلة حربية لا تعترف بالحدود، تاركةً بيروت تواجه مصيرها وحيدةً تحت ألسنة اللهب وركام الأبنية التي لم تعد تتسع لأوجاع النازحين.
في مشهدٍ يبعث الأمل وسط ركام التحديات، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء اللبناني عن إعادة فتح معبر "المصنع" الحدودي مع سوريا اعتباراً من مساء الأربعاء، منهيةً بذلك حالة من الشلل القسري التي فرضتها التهديدات الإسرائيلية باستهدافه.
هذا المعبر، الذي يُعد الرئة الحيوية للاقتصادين السوري واللبناني، عاد لينبض بالحركة بعد جهود دبلوماسية "حثيثة" ومنسقة بين دمشق وبيروت نجحت في تجنيبه ضربة عسكرية كانت وشيكة، بعد مزاعم اتهمت المعبر بخدمة أغراض عسكرية.
ومع فتح البوابات، لم تكتفِ السلطات بالجانب التشغيلي، بل عززت المعبر بإجراءات أمنية مشددة ومعدات حديثة لقطع الطريق أمام أي محاولات للتهريب، بما يضمن سلامة المسافرين وانسيابية البضائع.
إن إعادة افتتاح "المصنع" في هذا التوقيت الحساس ليس مجرد إجراء لوجستي، بل هو "انتصار ميداني" للمدنيين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين مطرقة التهديد وسندان الحاجة؛ مما يؤكد أن التنسيق المشترك قادر على انتزاع الحلول وحماية السيادة الوطنية من الانتهاكات.
إنها رسالة صمود تعك إصرار البلدين على إبقاء جسور التواصل قائمة، رغم كل الضغوط الرامية لقطع أواصر الجغرافيا والتاريخ.
بعد 40 يوماً من العزلة القسرية والغياب المُرّ خلف أبواب مغلقة، تنفس المسجد الأقصى الصعداء فجر اليوم بعودة المصلين الفلسطينيين إلى رحابه، لكنها عودةٌ مكلومة تفتقر للأمان؛ حيث حاصرت قوات الاحتلال "فرحة اللقاء" بإجراءات قمعية وتنكيلٍ طال الشبان عند الأبواب.
لم تكن إعادة الفتح إلا غطاءً لفرض واقعٍ "تقسيمي" أكثر خطورة، تجسد في تمديدٍ غير مسبوق لساعات اقتحام المستوطنين لتصل إلى 6 ساعات ونصف يومياً، في محاولة بائسة لسرقة الزمن والمكان من أصحابه الشرعيين.
وبينما كان الآلاف يؤدون صلاتهم، كانت آلة البطش تجبرهم على المغادرة لتفريغ الباحات لقطعان المستوطنين، وسط حملة اعتقالاتٍ واعتداءاتٍ لم تستثنِ النساء.
إن هذا التحول الاستراتيجي منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي ليس مجرد "إجراء أمني"، بل هو تسارع محموم لتهويد القبلة الأولى وتكريس التقسيم الزماني والمكاني كأمر واقع.
إن صرخة القدس اليوم هي نداء استغاثة للعالم أجمع؛ فالأقصى يواجه أخطر فصول استهدافه التاريخي، حيث تُرسم الوقائع الجديدة تحت تهديد السلاح، في استفزازٍ صارخ لمشاعر ملايين المسلمين وتحدٍ لكل القوانين الدولية التي تقف عاجزة أمام قدسية المكان ونزيف كرامته.
في مشهدٍ يدمي القلوب، وصفت الأمم المتحدة القصف الإسرائيلي المستمر على لبنان بـ "المروع"، حيث خرج المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان، ثمين الخيطان، لينقل فزع المفوض السامي فولكر تورك من حجم الدمار والنزيف البشري الذي لم يرحم شجراً ولا حجراً.
يأتي هذا النداء الأممي الصارم للمطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة الجناة، في وقتٍ تعيش فيه قرى الجنوب ومدينة صور تحت وطأة غاراتٍ لا تهدأ، رغم رياح "الهدنة" الهشة التي أعلنها دونالد ترامب بين واشنطن وطهران.
إنها مفارقة مؤلمة؛ فبينما يُفتح مضيق هرمز وتتنفس الأسواق العالمية الصعداء، يبقى الشعب اللبناني وحيداً تحت النيران، خارج حسابات الاتفاقات الكبرى، يطارده الخوف والنزوح القسري.
إن هذا التجاهل المتعمد للساحة اللبنانية في صفقات خفض التصعيد يجعل من دعوات التحقيق الدولية "اختباراً أخلاقياً" أخيراً للمجتمع الدولي؛ فإما العدالة وإما ترسيخ شريعة الغاب، حيث يُترك المدنيون لقمة سائغة في صراع القوى، طالما أن وقف إطلاق النار استثنى صرخاتهم من بنوده الرسمية.
في لحظة فارقة تتصاعد فيها نبرة التصعيد في المنطقة، رفعت دمشق صوتها اليوم الأربعاء لتدين بلهجة حازمة العدوان الإسرائيلي الغاشم على الأراضي اللبنانية، واصفة إياه بالانتهاك الصارخ للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
التقرير الصادر عن وزارة الخارجية السورية لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حمل رسائل تضامن عميقة في وقت نزفت فيه المدن اللبنانية دماً، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا إلى رقم مفجع بلغ 254 قتيلاً وأكثر من ألف جريح وفقاً للدفاع المدني اللبناني.
سوريا، التي تدرك تماماً حجم التحديات الوجودية، دعت المجتمع الدولي للخروج عن صمته وتحمل مسؤولياته لفرض وقف فوري لإطلاق النار، مشددة على دعمها الكامل لسيادة الدولة اللبنانية وبسط سيطرتها على أراضيها.
هذا الموقف السوري يتقاطع مع صرخة الرئاسة اللبنانية التي حذرت من نهج تدميري يهدد ما تبقى من استقرار في الشرق الأوسط، مما يعكس وحدة المصير أمام آلة حربية لا تفرق بين مدني وعسكري، ويضع العالم أمام اختبار أخلاقي وقانوني لوقف هذه المجازر التي تضرب بجذورها في عمق الإنسانية والسيادة الوطنية.
في نبرةٍ يملؤها القهر وتغلفها القوة، خرجت الرئاسة اللبنانية اليوم ببيانٍ شديد اللهجة يندد بالاعتداءات الإسرائيلية "الهمجية" التي حولت سماء لبنان إلى كتلة من النار والرماد.
بعباراتٍ صحفيةٍ واضحة، وصفت الرئاسة ما جرى بأنه استخفافٌ صارخ بالقيم الإنسانية، حيث لم تشفع 15 شهراً من "الهدنة" المزعومة في كبح جماح الانتهاكات التي بلغت ذروتها الأربعاء؛ حين سقط 254 شهيداً في مجزرةٍ مروعة هزت ضمير الإنسانية.
وبينما يتباهى رئيس الأركان الإسرائيلي بإمطار 100 هدف بـ160 قذيفة خلال عشر دقائق فقط، كانت رائحة الموت تفوح من بيروت إلى البقاع وصولاً للجنوب الصامد.
إن هذا التصعيد "الخطير" ليس مجرد خرقٍ عسكري، بل هو إعلان صريح عن ضرب جميع جهود التهدئة عرض الحائط، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لوقف هذا النهج التدميري.
إن لبنان اليوم، بآلام جرحاه الـ1165، لا يطلب الشفقة بل يطالب بردع عدوٍ لا يحترم عهداً ولا ميثاقاً، محملاً إسرائيل كامل المسؤولية عن انزلاق المنطقة نحو فوهة بركان لن ينجو منه أحد إذا استمر هذا الصمت الدولي المريب.
في لقاء دبلوماسي رفيع عكس توافقاً كبيراً في الرؤى، أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري بسام الشيباني، السبت، على التطور المستمر للعلاقات الأخوية وضرورة توسيع التعاون ليشمل مختلف المجالات.
وشدد الجانبان على التحضيرات الجارية لعقد الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى، وهو ما يمثل انتقالاً للعلاقة من حيز التفاهمات الأمنية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وجدد الصفدي موقف المملكة الثابت في دعم سيادة سوريا واستقرارها، مؤكداً أن أمن دمشق هو جزء لا يتجزأ من أمن عمان.
ولم يغب المشهد الميداني عن طاولة المباحثات؛ حيث أدان الوزيران بشدة الغارات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، معتبرين إياها خرقاً صارخاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 والقانون الدولي.
وفي الوقت ذاته، حمل اللقاء موقفاً حازماً تجاه التصعيد الإقليمي، حيث أدان الطرفان ما وصفاه بـ "الاعتداءات الإيرانية غير المبررة" على الأردن ودول الخليج، مشددين على أن "الدبلوماسية القائمة على احترام السيادة" هي السبيل الوحيد لحل أزمات المنطقة، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي تهدد استقرار الدول العربية ومصالح شعوبها.
يرسم المشهد السياسي السوري لعام 2026 ملامح حقبة غير مسبوقة، حيث يتبنى الرئيس أحمد الشرع "واقعية سياسية" أربكت الحسابات التقليدية في المنطقة.
فمن منبره اللندني، قدم الشرع نفسه كـ "رجل سلام"، واضعاً إسرائيل في زاوية حرجة أمام المجتمع الدولي عبر إبداء مرونة عالية وتجاوز الاستفزازات الميدانية، وهو ما اعتبره المحللون حنكة نجحت في إقامة الحجة على تل أبيب التي ترفض السلام وتفضل التوسع.
وفي المقابل، يرى مراقبون آخرون أن إسرائيل لا تشعر بضرورة "ملاقاة الشرع" لأنها تعتبر إنجازاتها العسكرية في سوريا كافية، وتنظر بعين الريبة لخلفيته التي تمنحها ذريعة "محاربة المتطرفين".
وعلى المقلب الآخر، تبرز العلاقة مع إيران كأعقد ملفات المرحلة؛ إذ يوازن الشرع بين ضغوط واشنطن لقطع "الخندق النفسي" مع طهران، وبين التحذيرات الميدانية والواقع العسكري لفصائله.
وبينما يلوح بورقة "العشائر" كأداة ضغط ناعمة على الحدود، يظل الدور الروسي هو "بيضة القبان" والضامن الوحيد القادر على نزع فتيل الانفجار مع إسرائيل أو إيران على حد سواء.
إن سياسة الشرع التي بدأت من موسكو وانتهت في برلين ولندن، تسعى لصرف "المواقف السياسية" في ميزان الاقتصاد السوري المنهك، محاولاً حماية ما تبقى من بنية تحتية عبر تجنب الانخراط في "حروب الوكالة"، مع اشتراط أثمان سياسية باهظة لأي خطوة تصعيدية ضد نفوذ طهران.
في تصعيد عسكري هو الأعنف ضمن عمليات التوغل البري، الخميس 2 نيسان، نفذت القوات الإسرائيلية المتوغلة في بلدات الناقورة والبياضة ودبل عمليات "إبادة عمرانية" شملت جرف وتفجير المنازل وإحراق المزارع والمحال التجارية تحت جنح الظلام.
وتزامن هذا التدمير الممنهج مع موجة غارات جوية وقصف مدفعي عنيف طال مدينة الخيام ومنطقة الفيلات، مستخدماً القذائف العنقودية المحرمة دولياً في أطراف بلدة راشيا الفخار.
ولم تسلم العائلات اللبنانية من آلة الحرب، حيث تسببت الغارات بسقوط ضحايا مدنيين، أبرزهم سيدة وطفلان قُتلوا تحت أنقاض منزلهم في بلدة زبدين، بالإضافة إلى مقتل ثلاثة أشخاص في استهداف مبنى ببلدة كفرصير.
وتستمر أعمال الإغاثة لانتشال المفقودين في بلدات كفرا وبرج رحال وسط قصف مدفعي لا يتوقف على صديقين وجبال البطم، مما يعكس رغبة إسرائيلية في توسيع "الحزام الناري" ليشمل كامل القطاعين الغربي والأوسط، وتحويل القرى الحدودية إلى ركام في ظل غياب حصيلة نهائية للضحايا وحجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمساحات الزراعية.
في تحرك دبلوماسي مباغت تزامناً مع اشتداد العمليات العسكرية التي بدأت في 28 فبراير، أعلنت الصين وباكستان، الثلاثاء 31 آذار، عن مبادرة مشتركة تهدف إلى الوقف الفوري للأعمال القتالية ومنع انزلاق الشرق الأوسط نحو كارثة غير مسبوقة.
المبادرة التي صاغها وزيرا الخارجية وانغ يي وإسحاق دار في بكين، تركز بشكل أساسي على تأمين مضيق هرمز كشريان طاقة عالمي، ووضع حد لاستهداف البنى التحتية والمنشآت النووية السلمية، مع التأكيد على ضرورة إطلاق مفاوضات سلام تلتزم باحترام سيادة إيران ودول الخليج.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تراهن فيه القوى الإقليمية على ثقل بكين لضمان أي اتفاق مستقبلي، بينما تسعى باكستان للعب دور الوسيط الحيوي لترسيخ "إطار سلام شامل" يستند لميثاق الأمم المتحدة، في محاولة لقطع الطريق على سيناريوهات "الضربة القاضية" التي قد تشعل آبار النفط وتحول الممرات المائية إلى ساحات ألغام مغلقة.
في رد حاد يعكس خطورة المشهد الميداني، أدان وزير الدفاع اللبناني اللواء ميشال منسى، الأربعاء 1 نيسان، تصريحات نظيره الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول تدمير القرى الحدودية ومنع عودة 600 ألف نازح لبناني إلى ديارهم.
ووصف منسى المخطط الإسرائيلي الرامي لفرض سيطرة أمنية حتى نهر الليطاني بأنه "احتلال جديد وجريمة موصوفة" تستنسخ مآسي رفح وبيت حانون على الأراضي اللبنانية.
وأكد الوزير أن بيروت لن تقبل بفرض "منطقة عازلة" تمس السيادة الوطنية، محذراً المجتمع الدولي من أن الصمت تجاه هذه التهديدات يدفع المنطقة نحو تصعيد شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته.
يأتي هذا السجال الدبلوماسي العنيف في وقت يغرق فيه الميدان بالدماء؛ حيث أقر الجيش الإسرائيلي بمقتل 4 من جنوده بينهم ضابط في معارك الجنوب، بينما يواصل "حزب الله" تنفيذ عمليات نوعية تستهدف العمق الإسرائيلي، مما يحول محاولات التوغل البري إلى استنزاف دامٍ يهدد بتحويل جنوب الزهراني إلى ساحة حرب مفتوحة لا تعترف بالخطوط الحمراء.