حرية ومسؤولية
القدس – حذّرت دراسة نشرتها صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية وأعدها المستشار الاستراتيجي جوناثان أديري، ونقلت مضامينها شبكة "آر تي"، من خطر إخفاق تل أبيب في ترجمة مكاسبها العسكرية الميدانية إلى نفوذ اقتصادي وبنية تحتية مستدامة، مؤكدة أن تركيا ودول الخليج تفرضان واقعاً جغرافياً جديداً عبر شبكات السكك الحديدية والموانئ وممرات التجارة الإقليمية.
تكتسب هذه الرؤية أهميتها من تركيزها على الصراع الصامت لإعادة رسم شبكات الإمداد والطاقة العالمية، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لحسم التموضع الاستراتيجي للدول. ويتابع صناع القرار في المنطقة هذا التحول عن كثب، نظراً لأن مسارات الممرات البرية والبحرية تحدد تدفقات رؤوس الأموال ومراكز الثقل الاقتصادي لعقود مقبلة.
يعود مفهوم "الشرق الأوسط" تاريخياً إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما صاغه مكتب الهند البريطاني في لندن لوصف المنطقة كممر عبور إمبراطوري، قبل أن يرسخه المنظر البحري ألفريد ماهان عام 1902 لضبط الممرات نحو الهند. وتوضح الدراسة أن هذا المفهوم يتفكك حالياً لصالح فضاء "غرب آسيا"، وهو المجال الذي تتصدره قوى اقتصادية نامية، وفي مقدمتها الهند التي بلغ حجم تبادلها التجاري مع الإمارات أكثر من 100 مليار دولار سنوياً.
تسبب الصراع الممتد لنحو ألف يوم في تبدلات جذرية طالت الهياكل الأمنية التقليدية، ما أفرز فراغاً جيوسياسياً واسعاً في الفضاء الإقليمي. وتؤكد الدراسة أن الفراغات الاستراتيجية لا تظل شاغرة بطبيعتها، حيث تسابقت أطراف إقليمية بارزة لملء المساحات الناشئة بمشاريع نقل واستثمارات طويلة الأجل.
أوضحت الصحيفة العبرية أن أنقرة بادرت سريعاً إلى تعزيز تموضعها عبر حزمة من مشاريع النقل العابرة للحدود، تجسيداً لمبدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المعلن عام 2023 بأنه لا ممر تجارياً قابلاً للحياة دون تركيا. وتشمل التحركات التركية الدفع بمشروع "طريق التنمية" الرابط بين ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق والحدود الأوروبية بمشاركة خليجية، فضلاً عن توسيع مسارات "الممر الأوسط" القادم من آسيا الوسطى، والربط السككي عبر القوقاز بين أذربيجان وناختشيفان وصولاً إلى ولاية قارص التركية.
في المقابل، سجلت القراءة الإسرائيلية تعثراً ملموساً يواجه الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا المعروف باسم "آيمك" (IMEC)، والذي أُعلن في قمة مجموعة العشرين بنيودلهي أواخر عام 2023. ويعاني هذا المشروع من غياب التزامات تمويلية ملزمة وجداول تنفيذية واضحة، إلى جانب مشكلات فنية وهيكلية تواجه الموانئ الإسرائيلية المفترضة لاستقبال البضائع.
حددت الدراسة نقطة الاختناق الرئيسية في ميناء حيفا، الذي يفترض أن يشكل البوابة البحرية للممر نحو القارة الأوروبية. وتظهر البيانات الفنية أن الطاقة الاستيعابية السنوية للميناء تبلغ قرابة 1.5 مليون حاوية فقط، وهي سعة متواضعة تجعل المرفأ الحلقة الأضعف أمام التدفقات المتوقعة، في حين تتوسع دول الخليج في بناء قدرات لوجستية وتنموية ضخمة تتيح لها توجيه حركة الإعمار والتجارة في سوريا ولبنان وبقية دول الإقليم.
ربط التحليل بين التنافس الجغرافي في الشرق الأوسط وعودة أزمات الملاحة الدولية في المضائق البحرية الرئيسية، مستشهداً بالاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز وباب المندب، وما تلاها من تحول التركيز الدفاعي الدولي نحو مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا. وتسرّع الهند استثماراً بقيمة 9 مليارات دولار في جزيرة "نيكوبار الكبرى" لتشييد ميناء حاويات وقاعدة طيران تشرف على المدخل الغربي للمضيق، بينما تسلك الصين ممرات بديلة عبر القطب الشمالي بمساعدة كاسحات الجليد الروسية تفادياً لمخاطر الإغلاق.
أمام هذا التسابق، طرح جوناثان أديري في دراسته نموذجاً أطلق عليه اسم "هندسة الماس"، في محاولة للالتفاف على شبكات النقل البرية التي تسعى أنقرة إلى ترسيخها في غرب آسيا. ويهدف هذا الإطار المقترح إلى بناء شراكة تربط الهند وأذربيجان واليونان وقبرص ودول القرن الإفريقي، على أن تكون دولة الإمارات في مركز هذا التحالف، للاستفادة من تقاطع المصالح الاقتصادية وتوسيع الربط الكهربائي وشبكات الألياف البصرية وحركة الموانئ.
جاء في نص تحليل أديري المنشور عبر صحيفة "يسرائيل هيوم" حول ضرورة الانتقال إلى خطوات عملية:
مهمة إسرائيل في العام العبري الجديد هي تحويل المصالح المشتركة إلى مؤسسات دائمة، وإطلاق منتدى ثلاثي مع الهند والإمارات، وتوقيع اتفاقيات بنية تحتية ملموسة، وتحويل الزخم الدبلوماسي إلى خطط عمل بميزانيات ومواعيد نهائية.
تُظهر المعطيات المتاحة أن الصراع في الإقليم يتحول تدريجياً من حسم المواجهات الميدانية إلى فرض الأمر الواقع عبر البنية التحتية والممرات اللوجستية. ويُرجَّح أن تواجه الرؤية الإسرائيلية عقبات تنفيذية معقدة في بناء تحالفات تتجاوز أنقرة، نظراً لتشابك المصالح الاقتصادية بين دول الخليج وتركيا، واعتماد مسارات النقل البرية على معطيات الجغرافيا التي تمنح الجانب التركي أفضلية الربط المباشر بالقارة الأوروبية.
قد تفضي التحركات الراهنة إلى استمرار تفوق مشروع "طريق التنمية" والممر الأوسط على حساب ممر "آيمك"، ما لم تقدم واشنطن وشركاؤها التزامات مالية صريحة لتطوير البنية المرفئية والسككية في إسرائيل. كما تشير القراءات الاستراتيجية إلى إمكانية نشوء شبكات نقل متوازية ومتنافسة، تحتفظ فيها الموانئ الخليجية بدور الموزع المركزي لحركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا دون الاعتماد الحصري على الواجهة المتوسطية الجنوبية.
تبقى المرحلة المقبلة معلقة على قدرة الأطراف الإقليمية على تدبير التمويل اللازم للمشاريع المعلنة، في انتظار ما ستسفر عنه اجتماعات الممرات الاقتصادية وخطط الاستثمار المشتركة لتحديد المسار الفعلي لتدفق التجارة العالمية.
القدس – كشفت تقارير أمنية ومصادر عسكرية إسرائيلية موسعة عن تصاعد القلق داخل تل أبيب من تحركات القيادة السورية الجديدة الرامية لتسريع وتيرة إعادة هيكلة الجيش السوري وبناء ردع دفاعي صارم يحمي الأجواء والحدود المشتركة.
تتبعت تقييمات استخباراتية إسرائيلية صدرت عن شعبة الاستخبارات العسكرية ومراكز دراسات استراتيجية خطوات دمشق لدمج الفصائل المسلحة السابقة ضمن ألوية عسكرية موحدة تحت مظلة وزارة الدفاع السورية لإنهاء فوضى السلاح وبناء هيكل نظامي احترافي. وركزت تحليلات عبرية على سعي القيادة السورية لاقتناء طائرات مسيرة ومنظومات صواريخ تكتيكية وشبكات دفاع جوي متوسطة المدى، بما يعيد صياغة موازين الردع ويقيد حرية مناورة الطيران الحربي في المنطقة، معتبرة أن تحول المؤسسة العسكرية السورية يضع قواعد الاشتباك المعمول بها منذ سنوات أمام اختبار ميداني حاسم. وتجادل تقارير دولية متخصصة في الشأن الدفاعي بأن دمشق تعيد توجيه مواردها لبناء منظومة دفاعية حديثة ترتكز على تقنيات التشويش والرادارات المتطورة لتعويض خسائر البنية العسكرية التقليدية وحماية سيادة أراضيها. من ناحية أخرى، تدعو أوساط أمنية إسرائيلية متشددة إلى فرض منطقة عازلة في الجنوب السوري ومنع التموضع المتقدم قرب خط وقف إطلاق النار، فيما يرى باحثون أن الضغوط العسكرية المتواصلة قد تعجل بتأسيس تحالفات دفاعية إقليمية لحماية العمق السوري من الضربات المتكررة.
بالتزامن مع الحراك الحكومي والأممي لتنفيذ رؤية "سوريا بلا مخيمات"، يجد ملايين المهجرين السوريين أنفسهم أمام واقع مرير يحول دون عودتهم الآمنة والمستدامة إلى مدنهم الأصلية التي نزحوا عنها هرباً من آلة الحرب. وتتصدر عقبات انهيار البنية التحتية، وتدمير المساكن، وغياب الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء، وافتقار الأسواق لفرص العمل، واجهة التحديات التي تعرقل مسار العودة في مرحلة ما بعد الحرب. وتدفع هذه الظروف القاسية آلاف العائلات إلى المفاضلة الصعبة بين قسوة الحياة في خيام بالية تفتقر لأدنى مقومات العيش، وبين العودة إلى مناطق تحولت إلى أطلال وركام لا توفر مأوى يقيهم برد الشتاء أو مصدراً للدخل يضمن لهم استقراراً حقيقياً.
تعيش المدن السورية تفاصيل مرحلة انتقالية حساسة تتطلب معالجات جذرية لملف التهجير الداخلي الذي خلفته سنوات طويلة من الصراع الطاحن. وتبرز أزمة السكن كعقبة رئيسية أمام تحقيق الاستقرار الديموغرافي والاجتماعي، حيث تشير التقديرات الميدانية إلى أن نسبة المهجرين الذين لا تزال منازلهم قائمة وقابلة للسكن لا تتجاوز العشرين بالمائة من إجمالي النازحين. وتصطدم الغالبية العظمى بواقع الدمار الشامل الذي لحق بالبنى التحتية نتيجة العمليات العسكرية والقصف الجوي والمدفعي المستمر على مدى عقد كامل. ولا يملك العائدون القدرة الاقتصادية على تحمل تكاليف إزالة الأنقاض، ناهيك عن أعباء إعادة الإعمار في ظل موجات التضخم المتلاحقة وانهيار القدرة الشرائية للعملة المحلية والارتفاع الجنوني في أسعار مواد البناء. وتغيب حتى اللحظة الخطط الحكومية الواضحة لتمويل إعادة بناء المنازل المهدمة أو تقديم تعويضات مجزية للمتضررين تعينهم على استعادة حياتهم السابقة. وتتجه السلطات حالياً نحو سياسة تعتمد على تحفيز القطاع الخاص والمستثمرين لتنفيذ مشاريع عمرانية مقابل منحهم حصصاً من الوحدات السكنية. ويثير هذا التوجه مخاوف جدية ورفضاً واسعاً بين أصحاب العقارات الأصلية الذين يرون فيه انتقاصاً من حقوقهم التاريخية في ممتلكاتهم وتحميلاً لهم لأعباء إضافية تفوق طاقاتهم المادية المنهكة أصلاً.
وتتجاوز معاناة العائدين مسألة الجدران والأسقف لتشمل الانهيار شبه التام للخدمات الحيوية اليومية. فالأحياء التي نجت من التدمير الكامل تعاني من انقطاع مستمر في التيار الكهربائي يصل لساعات طويلة يومياً، وشح كبير في مياه الشرب النقية، وتهالك خطير في شبكات الصرف الصحي والطرق العامة. وتجعل هذه التحديات الخدمية الاستقرار في المناطق الأصلية أمراً بالغ الصعوبة وتدفع بعض العائلات للتفكير الجدي بالعودة إلى المخيمات رغم قساوة الحياة فيها وانعدام الخصوصية. ويشكل السكن المرتفع التكلفة والزيادة المضطردة في بدلات الإيجار عبئاً إضافياً يعرض العائدين لجشع السماسرة ويهدد بحدوث موجات نزوح اقتصادي جديدة نحو أطراف المدن العشوائية أو التفكير مجدداً بركوب قوارب الموت نحو القارة الأوروبية. وتتطلب المعالجة الشاملة لهذه الأزمة المركبة توفير حزم دعم حكومية ودولية تستهدف استعادة دورة الحياة الطبيعية تدريجياً، وتأمين الخدمات الحيوية، وخلق فرص عمل حقيقية تستوعب الكفاءات المهنية والجامعية التي يمتلكها السوريون وتنتظر فرصة للمشاركة في بناء بلدها. وتتزايد المطالب الشعبية بإعادة الموظفين المفصولين إلى وظائفهم السابقة لضمان دخل ثابت لأسرهم ينعش الأسواق المحلية ويحرك عجلة الاقتصاد الراكد.
وتظهر التقديرات الأممية والدولية أن فاتورة إعادة إعمار قطاعات الطاقة والمياه والصحة والتعليم والمرافق العامة تتجاوز مائتين وستة عشر مليار دولار أمريكي. وتتطلب هذه المبالغ الضخمة تضافر الجهود الدولية وإطلاق برامج تعويضات واسعة النطاق لمساعدة الأسر التي فقدت مصادر رزقها وأملاكها على مدى العقد الماضي. ويمثل ملف الهجرة الداخلية جرحاً عميقاً في النسيج السوري، حيث يواجه المواطن غربة قاسية داخل وطنه تفقده الإحساس بالانتماء والأمان. وعاشت مئات الآلاف من العائلات سنوات مريرة في مخيمات الشمال السوري ومناطق متفرقة، وكابدت ظروفاً مناخية متطرفة تنوعت بين فيضانات الشتاء التي تغرق الخيام وحرارة الصيف اللاهب التي تحولها إلى أفران بشرية. وتتحمل الإدارة الحالية مسؤولية كبرى لوضع قضية النازحين في صدارة الأولويات الوطنية وتأمين بدائل سكنية مؤقتة ومستدامة. وتبرز مقترحات عملية للاستفادة الفورية من العقارات الحكومية الضخمة وتلك التي كانت مرتبطة بالنظام السابق لتوفير مأوى مؤقت للعائدين ريثما يتم تجهيز مناطقهم. ويترافق ذلك مع ضرورة إطلاق برامج منح مالية تساند المتضررين في ترميم منازلهم بشكل جزئي يسمح لهم بالعودة السريعة.
وتتفاقم أزمة العائدين بشكل خاص في الأرياف والمناطق الزراعية التي تعرضت لتجريف واسع وحرق للمحاصيل وفقدت مقومات الإنتاج الأساسية. ويصطدم الفلاحون العائدون إلى أراضيهم بندرة مياه الري وتدمير قنوات الجر، والنقص الحاد في الأسمدة والمبيدات والمحروقات اللازمة لتشغيل المضخات، ما يعطل عجلتي الزراعة والإنتاج ويحرم آلاف الأسر الريفية من مصادر دخلها التاريخية التي كانت ترفد الاقتصاد الوطني بأهم موارده. ويقف سكان المخيمات اليوم أمام خيارات أحلاها مر، فإما البقاء في خيام مهترئة تعتمد كلياً على مساعدات إنسانية دولية متقطعة وآخذة في التناقص بسبب أزمات عالمية أخرى، أو المخاطرة بالعودة إلى مناطق مدمرة تفتقر لأبسط شروط الحياة الإنسانية والكرامة. وتتطلب استراتيجية العودة الناجحة توفير مواد البناء الأساسية بأسعار مدعومة، وتقديم الدعم المالي لتأهيل الحد الأدنى من المساكن، كترميم غرفة واحدة ومرافق صحية تسمح بإيواء الأسرة وإلحاق الأطفال بالمدارس كخطوة أولى نحو التعافي المجتمعي التدريجي.
ويرتبط تمويل هذه المشاريع العملاقة بتوافر بيئة سياسية وأمنية مستقرة تماماً، وتكريس سيادة القانون ومبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة التي تضمن عدم هدر الأموال. وتتراجع فرص جذب الاستثمارات السورية المغتربة ورؤوس الأموال العربية والأجنبية في ظل ضبابية المشهد الحالي وغياب الضمانات القانونية الصارمة التي تحمي الاستثمارات من الفساد والبيروقراطية. وتبرز الحاجة الملحة لإدارة نزيهة وشفافة لملف المساعدات الإنسانية والأموال المخصصة للإعمار، ونشر بيانات دقيقة وموثقة توضح آليات الإنفاق لضمان وصول الدعم المالي والعيني لمستحقيه الفعليين. لقد أدت صراعات العقد الماضي إلى تآكل غير مسبوق للطبقة الوسطى السورية التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي والمحرك الرئيسي لعمليات البناء والتطوير العقاري. وتسبب التركيز على تدمير البنى التحتية خلال سنوات الصراع في تحويل حواضر تاريخية كبرى ومراكز اقتصادية هامة إلى مدن أشباح تحتاج عقوداً طويلة وجهوداً جبارة لاستعادة ملامحها الحضرية ونشاطها التجاري.
ويعد التدخل الدولي الجاد عبر وكالات الأمم المتحدة والدول المانحة شرطاً أساسياً وحتمياً لتجاوز هذه الكارثة الإنسانية غير المسبوقة في العصر الحديث. وتفرض هذه التحديات المتشابكة والمعقدة واقعاً يجعل من شعار إنهاء المخيمات وإغلاق ملف النزوح هدفاً طموحاً يحتاج إلى معجزات اقتصادية حقيقية وتوافقات سياسية تتجاوز التصريحات الإعلامية والنوايا الحسنة. ولا تقتصر العودة الحقيقية والآمنة على توفير حافلات لنقل المهجرين وإفراغ المخيمات، بل تتعداها لتأسيس بيئة مستقرة تضمن حقوق الملكية العقارية والتجارية، وتوفر مقومات العيش الكريم المستدام، وتمنع انزلاق مشاريع العودة إلى تفريخ بؤر جديدة للفقر المدقع والمعاناة الإنسانية المتجددة التي قد تعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.
شهدت الساحة الدولية خلال الأشهر الماضية تحركات أمريكية مكثفة في منطقتي الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، وصفت بأنها "محاولة عدوانية لإعادة إحياء النموذج أحادي القطب". هذا الاندفاع العسكري والسياسي، الذي تقوده إدارة ترامب، يضع العالم أمام تساؤلات وجودية حول مستقبل الاستقرار الدولي وما إذا كانت واشنطن تكرر أخطاء الماضي الكارثية.
يرى بعض المحللين أن الهيكل الأمني الذي تأسس عام 1945 بدأ ينهار فعلياً، مفسحاً المجال لنظام عالمي جديد تتقاسمه خمس قوى كبرى: (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الهند، واليابان).
المثير للاهتمام هنا هو الغياب التام للقوى الأوروبية التقليدية عن قائمة مراكز القرار المستقبلية، مما يشير إلى تحول جذري في ثقل النفوذ من الغرب نحو الشرق.
ميدانياً، حذر بعض العسكريين من مغبة التصعيد في مضيق هرمز. وأشاروا إلى أن أي قرار إيراني بإغلاق هذا الشريان الحيوي سيخلق أزمة ثقة عالمية؛ حيث ستتردد السفن التجارية في العبور حتى لو أعلنت واشنطن تأمين الممر.
وأضافوا أن سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفعت الولايات المتحدة إلى خسارة زمام المبادرة في الصراع، مما منح طهران فرصة ذهبية لإظهار العجز الأمريكي في حماية المصالح الحيوية بالمنطقة.
من جانبه، استحضرت مجلة "نيويوركر" شبح حرب فيتنام، محذرة من أن إدارة ترامب تسير على ذات الخطى المتعثرة.
التقرير أشار إلى أن واشنطن تقع مجدداً في فخ "الخديعة الذاتية"، وهي محاولة إنهاء معركة خاسرة دون الاعتراف بالهزيمة، مما يهدد بنهاية مأساوية مشابهة لما حدث في السبعينيات، ولكن بوتيرة أسرع هذه المرة.
إن صمود إيران لمدة أربعين يوماً في مواجهة قوتين نوويتين (أمريكا وإسرائيل) لم يكن مجرد حدث عسكري، بل هو نقطة تحول استراتيجية.
عسكرياً: أثبتت طهران نجاعة "الحرب غير المتكافئة" عبر دمج التكنولوجيا بالابتكار التكتيكي.
جيوسياسياً: أدى هذا الصراع إلى تسريع ولادة النظام متعدد الأقطاب.
التوقعات: من المرجح أن تضطر واشنطن لتقليص وجودها العسكري طويل الأمد تحت ضغط الواقع الميداني وفشل سياسة "القوة الخشنة" في فرض الإرادة الأحادية.
محلياً (إقليمياً): تلتزم دول المنطقة الحليفة لواشنطن الصمت الحذر، وسط مخاوف من تضرر إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز. بينما تبدي أطراف "محور المقاومة" ثقة متزايدة في كسر الهيمنة الأمريكية.
دولياً: تتبنى الصين وروسيا خطاباً يدعو لضبط النفس، مع التأكيد على أن زمن "الشرطي العالمي" قد ولى.
ولم يتم العثور على تأكيدات رسمية حتى اللحظة حول وجود وساطات سرية لإنهاء فتيل الأزمة بين طهران وإدارة ترامب.
لم تكن بنت جبيل يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل هي حكاية صمود ومأساة متوارثة، تتأرجح اليوم بين رمزية "عاصمة التحرير" وبين واقع عسكري مرير يهدد بمسح هويتها التاريخية.
المدينة التي "عُبّدت" طرقاتها يوماً نحو ديترويت الأميركية هرباً من النيران، تجد نفسها الآن خالية تماماً من سكانها في ما يوصف بـ "التهجير الأخطر" في تاريخها، وسط معارك "عظم تكسير" تدور في أزقتها وتلالها الاستراتيجية.
تجاوزت المعركة الحالية في بنت جبيل الجانب العسكري الصرف لتتحول إلى صراع إرادات ومعانٍ:
القيمة الاستراتيجية: السيطرة على المدينة تعني التحكم في القطاع الأوسط بالكامل، وتأمين قاعدة انطلاق نحو وادي السلوقي ونهر الليطاني، مما يجعلها "جائزة كبرى" للجيش الإسرائيلي.
الرمزية المعنوية: بالنسبة لـ حزب الله، الدفاع عن بنت جبيل هو دفاع عن "بيت العنكبوت"؛ العبارة التي أطلقها الراحل حسن نصر الله عام 2000 من قلب ساحتها. سقوطها عسكرياً يمثل ضربة قاصمة لصورة الردع والانتصار التي كُرست على مدى ربع قرن.
تغريب الهوية: يشير الواقع الميداني والاجتماعي إلى أن المدينة دُفعت نحو "هوية مستوردة" خلال سنوات هيمنة الحزب، مما أفقدها طابعها التراثي وسوقها التاريخي، لتتحول في الحرب الحالية إلى ساحة قتال "مغلقة" بعيدة عن نسيجها الأهلي الذي كان يوماً بوابته فلسطين والجليل.
الجانب الإسرائيلي: تشير المعطيات إلى اعتماد سياسة "التطويق والالتفاف"، مع تقارير تتحدث عن دخول فعلي إلى منطقة السوق التجارية في وسط المدينة لتحويلها إلى جيب معزول.
حزب الله: يبدي مقاومة شرسة لمنع السقوط الرمزي للمدينة، معتمداً تكتيكات مرنة لا تتشبث بالجغرافيا الثابتة بقدر ما تسعى لاستنزاف القوات المهاجمة.
ردود الفعل: (لم تصدر بيانات سياسية دولية مخصصة لبنت جبيل وحدها)، لكن التحركات في ديربورن الأميركية (جمهورية بنت جبيل في المهجر) بدأت تضغط سياسياً، كما فعل صاحب المطعم حسن عباس بانتزاع تعهد من ترمب، في محاولة لاستخدام نفوذ الاغتراب لحماية ما تبقى من الوطن الأم.
في واحدة من أكثر الجولات التفاوضية تعقيداً منذ عقود، غادر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، العاصمة الباكستانية إسلام آباد عائداً إلى واشنطن، دون التوصل إلى اتفاق مع الوفد الإيراني الذي ترأسه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
ورغم أن المفاوضات استمرت 21 ساعة متواصلة من النقاشات "الجوهرية"، إلا أن الفجوة بقيت واسعة بين "العرض النهائي" الأميركي وبين المطالب الإيرانية المتمسكة بالسيادة على مضيق هرمز والاحتفاظ بالمخزون النووي.
تعكس هذه الجولة صداماً بين مدرستين؛ فبينما يعتمد قاليباف تكتيك "سجاد كاشان" في المساومة والمطاولة، يتبنى البيت الأبيض بقيادة دونالد ترمب استراتيجية "الخروج من الغرفة" لفرض واقع جديد. التداعيات المحتملة:
انهيار التهدئة: فشل هذه الجولة يضع "وقف إطلاق النار" الهش (لمدة أسبوعين) على المحك، مما قد يشعل المواجهات المباشرة مجدداً.
حرب الطاقة: مع رفض إيران التنازل عن رقابتها على مضيق هرمز، وتأكيد واشنطن أن الممر مائي دولي، يتجه المشهد نحو "تدويل الأزمة" لإشراك قوى كالصين والهند في حماية إمدادات الطاقة.
الحصار البحري: التلويح الأميركي ببدء "حصار شامل" على الموانئ الإيرانية قد يؤدي إلى خنق اقتصادي غير مسبوق، مما قد يدفع طهران لردود فعل عسكرية انتحارية في الخليج.
واشنطن: صرّح الرئيس دونالد ترمب بلهجة المنتصر قائلاً: "نحن نربح على أي حال، لقد هزمناهم عسكرياً"، مؤكداً أن واشنطن قدمت أفضل عروضها ولن تتراجع.
طهران: أكد مصدر إيراني مسؤول أن طهران قدمت مبادرات "واقعية"، محملاً الجانب الأميركي مسؤولية الفشل، في حين هدد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية بفرض "آلية دائمة للسيطرة" على المضيق رداً على التحركات الأميركية.
دولياً: (لم يتم التأكد من مواقف رسمية معلنة من بكين أو موسكو حتى لحظة تحرير الخبر)، إلا أن الأنباء تشير إلى اجتماع دولي مرتقب في لندن لبحث الملاحة في هرمز.
يبدو أننا أمام مشهد "عض أصابع" دولي بامتياز؛ فالمسافة بين واشنطن وطهران لم تعد تُقاس بالكيلومترات بل بمدى القدرة على تحمل الضغط العسكري والاقتصادي.
يرسم المشهد السياسي السوري لعام 2026 ملامح حقبة غير مسبوقة، حيث يتبنى الرئيس أحمد الشرع "واقعية سياسية" أربكت الحسابات التقليدية في المنطقة.
فمن منبره اللندني، قدم الشرع نفسه كـ "رجل سلام"، واضعاً إسرائيل في زاوية حرجة أمام المجتمع الدولي عبر إبداء مرونة عالية وتجاوز الاستفزازات الميدانية، وهو ما اعتبره المحللون حنكة نجحت في إقامة الحجة على تل أبيب التي ترفض السلام وتفضل التوسع.
وفي المقابل، يرى مراقبون آخرون أن إسرائيل لا تشعر بضرورة "ملاقاة الشرع" لأنها تعتبر إنجازاتها العسكرية في سوريا كافية، وتنظر بعين الريبة لخلفيته التي تمنحها ذريعة "محاربة المتطرفين".
وعلى المقلب الآخر، تبرز العلاقة مع إيران كأعقد ملفات المرحلة؛ إذ يوازن الشرع بين ضغوط واشنطن لقطع "الخندق النفسي" مع طهران، وبين التحذيرات الميدانية والواقع العسكري لفصائله.
وبينما يلوح بورقة "العشائر" كأداة ضغط ناعمة على الحدود، يظل الدور الروسي هو "بيضة القبان" والضامن الوحيد القادر على نزع فتيل الانفجار مع إسرائيل أو إيران على حد سواء.
إن سياسة الشرع التي بدأت من موسكو وانتهت في برلين ولندن، تسعى لصرف "المواقف السياسية" في ميزان الاقتصاد السوري المنهك، محاولاً حماية ما تبقى من بنية تحتية عبر تجنب الانخراط في "حروب الوكالة"، مع اشتراط أثمان سياسية باهظة لأي خطوة تصعيدية ضد نفوذ طهران.
في السياسة، لا تُقاس النوايا بصدى الشعارات المرفوعة في الساحات، بل ببرودة التوقيعات على الطاولات الخشبية في الغرف المغلقة. طوال عقود، صدّرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها للعالم العربي والإسلامي على أنها "قلعة المقاومة" والمدافع الحصري عن المستضعفين، واضعةً تحرير القدس ومقارعة "الاستكبار العالمي" في قلب ديباجتها الدستورية والسياسية.
لكن التاريخ الحديث، وتحديداً في العقد الأخير، كشف عن هوة ساحقة بين "أيديولوجيا الثورة" التي تعتاش على العاطفة الدينية، و"براغماتية الدولة" التي لا تعترف إلا بلغة المصالح والبقاء. عندما دنت ساعة الحقيقة، واقترب سيف العقوبات الاقتصادية من عنق النظام الإيراني، تبخرت شعارات جبهة المقاومة، ووضعت طهران مقدساتها المعلنة على الرف، لتخوض واحدة من أكثر المفاوضات انتهازية وواقعية في التاريخ الحديث مع من تسميه في أدبياتها "الشيطان الأكبر".
لا يمكن فهم الهرولة الإيرانية نحو طاولات التفاوض في سلطنة عُمان، والتنازل المفاجئ عن أدبيات "مقارعة الاستكبار"، دون العودة خطوة إلى الوراء لتفكيك المشهد الذي وضع حبل المشنقة الاقتصادي حول عنق النظام في طهران. لقد كانت رحلة التخلي عن "المبادئ" نتيجة حتمية لسنوات من العناد النووي الذي كاد أن يودي بالدولة نفسها.
بدأت شرارة الأزمة في أغسطس/آب من عام 2002، عندما كشفت جماعات المعارضة الإيرانية في الخارج عن وجود منشآت نووية سرية تحت الأرض في "نطنز" (لتخصيب اليورانيوم) ومفاعل للماء الثقيل في "أراك" (قادر على إنتاج البلوتونيوم). هذا الكشف المفاجئ دمر الرواية الإيرانية حول "شفافية" برنامجها، ووضعها في مواجهة مباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. رغم محاولات التهدئة في أواخر عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، إلا أن النظام كان يشتري الوقت فقط لبناء بنيته التحتية النووية.
مع صعود التيار المتشدد ووصول محمود أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة (أغسطس 2005 - أغسطس 2013)، دخلت إيران مرحلة "الصدام المفتوح والاستفزاز المتبادل". تبنى نجاد خطاباً راديكالياً، وفي عام 2006، أعلنت طهران رسمياً إزالة الأختام التابعة للأمم المتحدة عن منشآتها واستئناف عمليات التخصيب. كان الرد الدولي حاسماً؛ ففي الفترة الممتدة بين (2006 و 2010)، استصدرت واشنطن وحلفاؤها سلسلة من قرارات مجلس الأمن (1696، 1737، 1747، 1803، وصولاً للقرار القاصم 1929 في عام 2010). نقلت هذه القرارات الملف الإيراني من خانة "الرقابة" إلى خانة "التهديد للسلم والأمن الدوليين"، وبدأت بفرض عقوبات استهدفت التكنولوجيا، والشركات المرتبطة بالحرس الثوري، وحظر تصدير السلاح.
لم تكن قرارات الأمم المتحدة سوى الغطاء القانوني، لكن الضربة الحقيقية جاءت عبر العقوبات الأحادية الأمريكية والأوروبية التي بلغت ذروتها في عام 2012، وتحولت إلى "حرب مالية واقتصادية شاملة":
حظر النفط: في منتصف 2012، فرض الاتحاد الأوروبي حظراً شاملاً على شراء النفط الإيراني، وترافق ذلك مع عقوبات أمريكية استهدفت أي بنك مركزي أجنبي يتعامل مع البنك المركزي الإيراني. النتيجة كانت هبوط الصادرات النفطية الإيرانية من 2.5 مليون برميل يومياً إلى بالكاد مليون برميل.
العزل عن العالم (SWIFT): في مارس/آذار 2012، طُردت البنوك الإيرانية من نظام "سويفت" المالي العالمي. تحولت إيران إلى "جزيرة معزولة"، عاجزة عن استلام ثمن نفطها المتبقي أو تسديد فواتير وارداتها.
الانهيار الداخلي: فقد الريال الإيراني أكثر من ثلثي قيمته، وتجاوز التضخم حاجز الـ 40%. بدأ "البازار" (تجار طهران) بالتململ، وبات شبح "ثورة الجياع" يهدد بإسقاط النظام من الداخل.
في ذروة هذا الاختناق، وتحت وطأة العقوبات التي هددت استمرارية "ولاية الفقيه"، حدث الانعطاف التاريخي. أدرك المرشد الأعلى علي خامنئي أن "بقاء النظام" أهم من أي اعتبار آخر، ليطلق في عام 2013 مصطلحه الشهير "البطولة المرنة" (Narmesh-e Ghahremananeh)، والذي كان بمثابة الفتوى السياسية للتفاوض مع "الشيطان الأكبر". في أروقة "قصر البستان" الفارهة في العاصمة العمانية مسقط، وتحت ثرياته الكريستالية، لم تكن هناك لافتات تندد بـ "الاستكبار العالمي"، ولم تُرفع شعارات تنادي بتحرير القدس أو نصرة المستضعفين. كانت الطاولات المستديرة هناك مخصصة لشيء واحد فقط: لغة الأرقام، وحسابات الربح والخسارة، وهندسة بقاء النظام.
لم تكن لقاءات مسقط وليدة اللحظة، بل بدأت عبر قناة خلفية بالغة السرية في أواخر عام 2012 وبدايات 2013. أوفد الرئيس الأمريكي باراك أوباما كبار مستشاريه للقاء مبعوثين مباشرين من خامنئي. في تلك اللقاءات التمهيدية، تم الاتفاق على المبدأ الذهبي الذي سيحكم كل ما تلاها: "قاعدة العزل الجراحي للملفات". تعني هذه القاعدة أن المفاوض الإيراني وافق طواعية بل وسعى حثيثاً، لفصل البرنامج النووي عن أي نقاش يخص نفوذ إيران الإقليمي. في تلك الغرف المغلقة، تجلت البراغماتية الإيرانية بأبشع صورها الانتهازية. سقطت فلسطين من جداول الأعمال، وتلاشى الحديث عن حصار غزة، ولم يطرح الإيرانيون أي شرط يتعلق بحماية وكلائهم في لبنان أو العراق أو سوريا. كان العرض الإيراني واضحاً: "دعونا ننسى حلفاءنا وحلفاءكم في الخارج، ولنتحدث عما يجري داخل حدودنا".
بينما كانت الابتسامات الدبلوماسية تُوزع بسخاء في قاعات "قصر البستان" العمانية، كانت آلة القتل تحصد الأرواح في شوارع المدن السورية. إن وحدة الحقيقة تقتضي تفكيك هذا التناقض المرعب؛ فالمفاوض الإيراني الذي بدا ناعماً وبراغماتياً أمام الغرب في مسقط، كان يدير في دمشق واحدة من أشرس حروب الوكالة دمويةً في العصر الحديث.
لفهم حجم السقوط الأخلاقي والسياسي للسياسة الخارجية الإيرانية، يجب العودة إلى اللحظات الأولى لانطلاق "الربيع العربي" في أواخر 2010 وبدايات 2011. في تونس ومصر، سارعت الآلة الإعلامية والسياسية الإيرانية إلى مباركة التظاهرات، وأطلق المرشد الأعلى علي خامنئي على تلك الثورات وصف "الصحوة الإسلامية"، معتبراً إياها امتداداً طبيعياً لثورة بلاده عام 1979 ضد الأنظمة الديكتاتورية الموالية للغرب. بلغت هذه النشوة السياسية ذروتها التاريخية في أغسطس/آب 2012، عندما استقبلت طهران الرئيس المصري حينها (محمد مرسي) في أول زيارة لرئيس مصري منذ أكثر من ثلاثة عقود، في محاولة إيرانية لركوب موجة التغيير وتقديم نفسها كحاضنة لثورات الشعوب. لكن، وبمجرد أن امتدت شرارة الحرية إلى شوارع درعا، ووصلت هتافات المتظاهرين إلى أبواب الجامع الأموي في دمشق، انقلبت الآية 180 درجة. فجأة، اختفى مصطلح "الصحوة الإسلامية" من القاموس الإيراني، وتحول المتظاهرون السلميون إلى "إرهابيين"، والثورة الشعبية إلى "مؤامرة كونية صهيو-أمريكية". هذا الانقلاب الفج أثبت للعالم العربي أن بوصلة طهران لا تشير إلى "حقوق الشعوب"، بل تشير حصراً إلى مصالحها الجيوسياسية.
لم تكن المظاهرات التي عمت المدن السورية مجرد حراك شعبي في نظر الاستراتيجية الإيرانية، بل كانت زلزالاً يهدد بابتلاع عمقها الاستراتيجي. ومع دخول الصراع عامه الثاني، وتحديداً بحلول صيف عام 2013، بدأت الآلة العسكرية لنظام الأسد تتصدع بشكل بنيوي، حيث أدت موجات الانشقاق الواسعة إلى إنهاك القوات النظامية وتراجعها الدراماتيكي. في تلك اللحظة، أيقنت طهران أن النظام لم يعد قادراً وحده على حماية هيكله من السقوط، فقررت التدخل المباشر وبكل ثقلها العسكري والميليشياوي، متخلية عن كل ادعاءاتها بدعم "المستضعفين".
لم تنظر القيادة الإيرانية إلى سوريا يوماً من زاوية المبادئ، بل نظرت إليها بعيون الخرائط العسكرية الباردة. لقد صاغ علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، العقيدة الإيرانية تجاه سوريا بوضوح صارخ عندما وصفها بأنها "الحلقة الذهبية في سلسلة المقاومة". في الميزان الإيراني، لم تكن هذه الحلقة "ذهبية" لقداستها، بل لموقعها الحيوي كجسر بري ضخم يربط طهران ببغداد، ثم دمشق، وصولاً إلى بيروت والبحر المتوسط. سقوط هذه الحلقة كان يعني قطع الشريان اللوجستي الذي يغذي نفوذها، وعزل إيران داخل حدودها الجغرافية. من هنا، أصبحت دماء السوريين، وتدمير حواضرهم التاريخية، مجرد "ضريبة جغرافية" تدفعها طهران رخيصةً للحفاظ على خطوط إمدادها.
لإدارة هذه الحرب العابرة للحدود، واجهت إيران معضلة كبرى: كيف تقنع الآلاف من الشبان الشيعة في أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان بالذهاب للموت في سوريا من أجل حماية مسار إمداد لوجستي؟ هنا، تجلت أبشع صور التوظيف السياسي للدين. استدعت طهران المظلوميات التاريخية، ورفعت شعار "حماية المقامات" ومقولة "لن تُسبى زينب مرتين". لقد تم تغليف المصلحة الجيوسياسية الباردة بغلاف ديني عاطفي حارق، وتحولت سوريا إلى بؤرة استقطاب طائفي؛ حيث استُجلبت ميليشيات مثل "الفاطميون" و"الزينبيون"، ليس لمحاربة إسرائيل، بل لسحق المعارضة السورية وتأمين طريق النفوذ الإيراني.
لم يكن الصمت المطبق في "قصر البستان" حيال ملفات المنطقة كافياً لإخفاء الحقائق للأبد؛ إذ سرعان ما بدأت التناقضات الإيرانية تخرج إلى العلن، ليس عبر تقارير استخباراتية غربية فحسب، بل على ألسنة كبار قادة النظام الإيراني وأعمدته التاريخية. في هذا المحور، نكشف كيف فضحت التصريحات المسربة والمواقف العلنية لرموز مثل رفسنجاني وأحمدي نجاد زيف ادعاءات "المقاومة" وكشفت الوجه الحقيقي للتدخل في سوريا.
في سبتمبر 2013، وبينما كان العالم يغلي بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية بدمشق، فجر هاشمي رفسنجاني — أحد أبرز مؤسسي الجمهورية الإسلامية ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آنذاك — قنبلة سياسية من العيار الثقيل. في خطاب مسجل له بمدينة سوادكوه بمحافظة مازندران، قال رفسنجاني بوضوح لا يقبل التأويل:
"الشعب السوري الذي تعرض لهجمات كيماوية من قبل حكومته، يجب أن يواجه الآن خطر التدخل الأجنبي.. الشعب السوري ذاق الأمرين في السجون، والملاعب امتلأت بالمعتقلين".
كانت هذه الكلمات بمثابة "زلزال" في طهران؛ فرفسنجاني لم يكتفِ بالاعتراف بأن نظام الأسد هو من خنق شعبه بالغازات السامة، بل وصف السجون السورية بما هي عليه فعلاً. سارعت الماكينة الإعلامية التابعة للحرس الثوري إلى حذف التصريح ونفيه، لكن التسجيل كان قد طار في الآفاق، ليثبت أن "عقل النظام الإيراني" يدرك تماماً حجم الجريمة التي يرتكبها حليفه، لكنه يختار الاستمرار في دعمها حمايةً لـ "المصلحة" التي تسبق "المقدسات".
المفاجأة الأكبر جاءت من محمود أحمدي نجاد، الرجل الذي قاد مرحلة التصعيد النووي وصاحب الخطابات الأكثر تشدداً. نجاد، الذي كان رئيساً لإيران عند اندلاع الثورة السورية (2011-2013)، بدأ تدريجياً في اتخاذ مسافة من الانغماس المطلق في المستنقع السوري، خاصة بعد خروجه من السلطة. في تصريحات لاحقة ومقابلات صحفية، لم يتردد نجاد في وصف ما يجري في سوريا بأنه صراع على السلطة بعيد كل البعد عن "المقاومة". وفي مفارقة تاريخية، انتقد نجاد الأسلوب الأمني القمعي لنظام الأسد، مشيراً إلى أنه "لا يمكن لأي حاكم أن يبقى في السلطة عبر قتل شعبه". وصفُ نجاد للأسد ضمناً بـ "الديكتاتور العربي" واعترافه بحق الشعوب في قرير مصيرها، كشف عن شرخ عميق داخل النخبة الإيرانية؛ حيث بدأ حتى "الصقور" يشعرون بأن كلفة الدفاع عن نظام متهالك أخلاقياً باتت تهدد سمعة "الثورة" وصورتها أمام الشعوب المسلمة.
لقد وضعت هذه التصريحات القيادة العليا في إيران (مكتب المرشد والحرس الثوري) في زاوية حرجة. فكيف يمكن تفسير مباركة "الثورة" في مصر وتونس ووصفها بـ "الصحوة الإسلامية"، بينما تُعتبر الثورة في سوريا "مؤامرة صهيونية"؟ لقد نطق رفسنجاني بما يخفيه الصدر، ونطق نجاد بما يمليه العقل السياسي الباحث عن الشعبوية؛ وكلاهما أثبت أن السردية الإيرانية حول "المقدسات" و"المقاومة" لم تكن سوى "بروباغندا وظيفية".
كشفت هذه التصدعات أن إيران لم تكن كتلة واحدة حيال ملف سوريا. كان هناك تيار "البراغماتيين" (الذي مثله رفسنجاني ومن بعده روحاني وظريف) الذي يرى في الانغماس السوري استنزافاً قد يؤدي لانهيار إيران اقتصادياً وسياسياً، وتيار "العقائديين العسكريين" (الحرس الثوري) الذي يرى في جغرافيا سوريا "متراساً متقدماً" لحماية طهران. لكن في نهاية المطاف، انتصر تيار الحرس الثوري، ليس لأنه الأكثر "مبدئية"، بل لأنه الأكثر قدرة على تحويل الدماء إلى أوراق تفاوضية. لقد استخدمت إيران صمتها في "قصر البستان" لتمرير اتفاقها النووي، واستخدمت ضجيجها وصواريخها في سوريا لتثبيت نفوذها، ضاربةً عرض الحائط بشهادات قادتها أنفسهم الذين أقروا بظلم النظام الذي يدافعون عنه.
طوال أربعين عاماً، استثمرت طهران في "القدس" كعلامة تجارية عابرة للحدود، محاولةً من خلالها كسر العزلة المذهبية والسياسية، وتقديم نفسها كقائدة للعالم الإسلامي في مواجهة "الاستكبار". لكن الفجوة بين "يوم القدس العالمي" (الذي يُحتفل به في شوارع طهران) وبين "فيلق القدس" (الذي يقاتل في شوارع حلب وصنعاء وبغداد)، تكشف أن فلسطين في العقل الاستراتيجي الإيراني هي "أداة وظيفية" لا أكثر.
يُعد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الأداة الضاربة لإيران في الخارج، وحمل اسمه تيمناً بمدينة القدس ليعطي شرعية أخلاقية لعملياته. لكن المفارقة الصارخة هي أن هذا الفيلق، وبقيادة قاسم سليماني، خاض مئات المعارك، وحاصر عشرات المدن، وهجّر الملايين، لكنه لم يطلق رصاصة واحدة نحو القدس أو حدود فلسطين المحتلة. لقد كانت الخريطة التي يتحرك عليها "فيلق القدس" هي خريطة "الهلال الخصيب" الذي تسعى إيران للهيمنة عليه. بالنسبة لطهران، فإن "تحرير القدس" هو الهدف المؤجل للأبد، بينما "احتلال العواصم العربية" هو الإنجاز المحقق فعلاً. لقد استُخدم اسم القدس كغطاء لتبرير التمدد الاستعماري الإيراني، وتحويل المليشيات إلى "جيوش احتلال" محلية تخدم أجندة الولي الفقيه.
في مفاوضات "قصر البستان" بمسقط (2014) وما تلاها في فيينا، ظهرت فلسطين كـ "ورقة" تُوضع على الطاولة وتُسحب منها حسب درجة حرارة العقوبات. إيران لا تدعم "حماس" أو "الجهاد الإسلامي" حباً في القضية الفلسطينية، بل لتمتلك "حق الفيتو" على أي استقرار في المنطقة قد يهمش دورها. هي تدعمهم لتقول لواشنطن وتل أبيب: "أنا أملك مفاتيح الانفجار في خاصرتكم، فماذا ستعطونني في المقابل؟". هنا تكمن الانتهازية السياسية؛ فبينما يدفع الفلسطينيون ثمن الحصار والحروب، تقبض طهران ثمن "التهدئة" أو "التصعيد" في صفقاتها الدولية؛ سواء عبر تخفيف العقوبات النووية أو الاعتراف بنفوذها الإقليمي.
تستخدم إيران الصور البصرية للمقدسات الإسلامية (قبة الصخرة، المسجد الأقصى) في كل جدارياتها وبروباغنداها العسكرية، لكنها في اللحظات الحاسمة تغلّب "المصلحة القومية الفارسية" على "المقدس الإسلامي". لقد رأينا كيف صمتت طهران عن قضايا إسلامية كبرى عندما تعارضت مع مصالح حلفائها (مثل قضية الإيغور في الصين)، وكيف أنها مستعدة للتضحية بأي فصيل فلسطيني إذا كان الثمن هو حماية مفاعلاتها النووية. فلسطين بالنسبة لإيران هي "ستار دخان" كثيف؛ خلفه يتم بناء إمبراطورية نفوذ، وتحته يتم دفن أحلام الشعوب العربية في الاستقلال والحرية.
إن أقوى صور البحث تتبدى في مراقبة طائرات الشحن الإيرانية التي كانت تحط في مطار دمشق؛ لم تكن تحمل أدوية لأطفال غزة، بل كانت تحمل صواريخ "فاتح" و"فجر" لتثبيت أركان نظام الأسد.
لقد سقطت ورقة التوت عن ادعاءات إيران؛ فالقدس التي يتباكون عليها في الإعلام، هي نفسها التي يتاجرون بدمائها في الغرف المغلقة. لقد أثبتت سنوات الصراع أن إيران لم تكن يوماً "خندقاً للمقاومة"، بل كانت "بنكاً للمصالح"، يستخدم القدس كعملة صعبة لرفع رصيده في بورصة القوى العظمى.
لم تكن مفاوضات مسقط وسوريا هي المحطات الوحيدة لسقوط الأيديولوجيا أمام الحسابات الباردة؛ ففي مارس 2023، وتحت الرعاية الصينية في بكين، وقعت طهران اتفاقاً لاستئناف العلاقات مع السعودية، منهيةً بذلك سبع سنوات من القطيعة والخطاب التصعيدي الحاد.
تكمن أهمية هذه الواقعة في توقيتها؛ حيث كانت إيران تعيش تحت وطأة عزلة دولية خانقة واحتجاجات داخلية غير مسبوقة وهبوط حاد للعملة. هنا، وبضغطة زر واحدة، توقفت الماكينة الإعلامية الإيرانية عن مهاجمة "الخصوم الإقليميين"، وتم تجميد شعارات "تصدير الثورة" في الخليج مقابل وعود باستثمارات اقتصادية وتهدئة تضمن استقرار النظام. إن "اتفاق بكين" هو البرهان الأحدث على أن طهران مستعدة لطي صفحة أي "عداء عقائدي" فور شعورها بتهديد حقيقي لمركز السلطة، مؤكدةً مرة أخرى أن شعاراتها هي مجرد "تكتيكات متغيرة" بينما البقاء هو "الاستراتيجية الثابتة".
عندما نربط خيوط البحث ببعضها؛ من صمت "قصر البستان" النووي، إلى دماء "الحلقة الذهبية" في سوريا، وصولاً إلى اعترافات رفسنجاني وتجارة "القدس"، تكتمل الصورة: إيران هي دولة "البراغماتية المطلقة" بامتياز. نظامٌ يجيد العزف على أوتار العاطفة الدينية ليحشد المليشيات، ويجيد لغة الصمت الدبلوماسي ليحصد المليارات. إنها الحكاية القديمة المتجددة؛ حيث تذهب الشعوب كوقود للمحارق، ويبقى القادة في طهران يوزعون الابتسامات فوق جثث "المستضعفين" الذين وعدوهم يوماً بالتحرير، فما منحوهم إلا التدمير والتهجير.
أكد مجلس الخبراء في بيانه أن هذا القرار جاء "بعد دراسات دقيقة وواسعة" لضمان عدم وقوع البلاد في فراغ قيادي، خاصة في ظل الظروف العسكرية والسياسية الحرجة التي تمر بها المنطقة.
وبمجرد صدور القرار، سارعت مؤسسات الدولة الكبرى، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني وهيئة الأركان، إلى إعلان المبايعة المطلقة للمرشد الجديد، واصفين انتخابه بأنه "فجر جديد" لاستمرار النهج الثوري.
يرى مراقبون أن صعود مجتبى خامنئي -الذي كان يوصف طويلاً برجل "الظل" والقوة الكامنة خلف والده- يمثل تحولاً جوهرياً نحو تثبيت دعائم "التوريث" داخل منظومة الحكم، وهو أمر كان محل جدل واسع سابقاً.
تكمن تداعيات هذا القرار في كونه رسالة للخارج بأن النظام الإيراني اختار خيار الاستمرارية والتشدد، نظراً لعلاقة مجتبى الوثيقة بالمؤسسة العسكرية والأمنية.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التعيين إلى تصعيد محتمل في المواجهة مع الغرب، حيث يُنظر إليه كقائد لن يميل إلى التنازلات في الملفات الإقليمية أو النووية.
ردود الأفعال الدولية:
على الصعيد الدولي، جاءت ردود الأفعال مشوبة بالتحذير والتوجس؛ فقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوسائل إعلام بأنه "ليس سعيداً" بهذا الاختيار، مشيراً إلى رغبته في رؤية "قيادة مختلفة" في طهران.
كما أصدر عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ليندسي غراهام تصريحات حادة، معتبراً أن مجتبى يمثل استمراراً للنهج القديم الذي عانى منه الشعب الإيراني. إقليمياً، يسود ترقب حذر، وسط دعوات دولية لضبط النفس وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة.
في خطوة تعكس حجم التوجس من انفجار إقليمي شامل، سارعت الحكومة السورية إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة على حدودها مع لبنان والعراق.
يأتي هذا التحرك عقب اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في وقت استشعرت فيه دمشق خطر تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات أو ممر لتهريب السلاح والمقاتلين.
وبدأت وزارتا الدفاع والداخلية السوريتان منذ يوم السبت، 28 فبراير/شباط، بإرسال تعزيزات ضخمة وضعت في "حالة الجاهزية القصوى".
الهدف المعلن هو منع استخدام الأراضي السورية كقاعدة انطلاق لأي هجمات ضد دول الجوار أو القواعد الدولية، وسط مخاوف جدية من قيام خلايا موالية لطهران بجرّ البلاد إلى أتون صراع لا ترغب القيادة السورية الحالية في الانخراط فيه.
وعلى الصعيد السياسي، سجلت دمشق موقفاً لافتاً عبر إدانة صريحة للهجمات الإيرانية التي استهدفت دولاً خليجية والأردن، مؤكدة تضامنها الكامل مع أمن واستقرار الأشقاء العرب. هذا التموضع الجديد يشير إلى محاولة سورية حثيثة للاندماج في "الحضن العربي" والابتعاد عن "محور الفوضى" الذي تعتمد عليه طهران للضغط على المجتمع الدولي.
التحليل السياسي والتداعيات:
تشير هذه التطورات إلى أن سوريا، التي تحاول التعافي من سنوات الحرب، تدرك أن بقاءها بعيداً عن "النار الإيرانية" هو طوق النجاة الوحيد. التنسيق الاستخباراتي المكثف مع بغداد وبيروت، والرسائل الواضحة التي وصلت من واشنطن عبر مبعوثيها، وضعت دمشق أمام اختبار حقيقي لسيادتها وقدرتها على ضبط الفصائل المسلحة (أذرع إيران) داخل حدودها.
التداعيات المحتملة لهذا التحرك قد تتبلور في مواجهة عسكرية مباشرة محتملة بين الجيش السوري والميليشيات التي ترفض الالتزام بالحياد، مما قد يعيد رسم الخارطة الأمنية في البادية والجنوب السوري.
ردود الأفعال:
محلياً: برز ظهور مجموعة تطلق على نفسها "المقاومة الإسلامية في سوريا-أولي البأس"، والتي أعلنت رفضها الوقوف مكتوفة الأيدي، وهو ما يمثل تحدياً داخلياً مباشراً لإجراءات الحكومة السورية.
دولياً: أكدت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة حذرت دمشق من مغبة تحول أراضيها لمنطلق فوضى، بينما لم يصدر حتى اللحظة رد فعل رسمي إيراني مباشر على "الحياد السوري النشط"، بانتظار ما ستؤول إليه العمليات العسكرية على الأرض.
في خطوة تحمل أبعادًا جيوسياسية جديدة، ومن قلب منتجع دافوس السويسري، دشّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، حقبة جديدة في آليات التعامل الدولي مع النزاعات، عبر توقيعه ميثاق "مجلس السلام".
هذا الكيان الجديد، الذي أعلنته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت كـ "منظمة دولية رسمية"، يطرح نفسه كبديل عملي للمؤسسات التقليدية التي وصفها الميثاق بـ"الفاشلة".
الحدث لم يكن مجرد توقيع بروتوكولي؛ بل هو إعلان عن هيكلية دولية مركزية، حيث يمنح الميثاق دونالد ترمب صفة "الرئيس المؤسس" بصلاحيات تنفيذية واسعة وغير مسبوقة، بما في ذلك تعيين خلفه وحق النقض (الفيتو).
وفي تحول لافت عن المسار الأولي، خلت النسخة النهائية للميثاق من أي ذكر صريح لقطاع غزة، رغم أن فكرة المجلس انطلقت أساسًا للإشراف على إعادة إعمارها، ليتوسع النطاق ويشمل "حل النزاعات حول العالم".
يكشف التدقيق في نصوص الميثاق عن نهج "شبه تجاري" في إدارة السلام الدولي؛ إذ يربط النص العضوية الدائمة والفاعلة بدفع مبلغ مليار دولار أميركي، مما يثير تساؤلات حول تحويل الدبلوماسية الدولية إلى "نادي للنخبة" القادرة ماليًا.
كما أن مركزية القرار بيد "الرئيس" (ترمب) وتهميش دور الدول الأعضاء إلا في حال المساهمة المالية الضخمة، يشير إلى رغبة أميركية في تجاوز البيروقراطية الأممية (مثل الأمم المتحدة) لصالح تحالفات مرنة وسريعة، ولكنها تفتقر للرقابة الديمقراطية التقليدية.
النص يركز على "الحكمة العملية" بدلًا من الإجماع الدولي، مما قد يؤدي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ بناءً على القوة المالية والولاء السياسي للرئيس المؤسس.
ردود الأفعال السياسية:
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، اقتصرت المواقف المعلنة على الجانب الأميركي الرسمي، حيث احتفت كارولين ليفيت بدخول الميثاق حيز التنفيذ.
ورغم إشارة المصادر إلى حضور "الأعضاء المؤسسين الآخرين" في دافوس، إلا أنه لم تصدر بيانات رسمية علنية من قادة دول أوروبية أو عربية تؤكد انضمامهم الفوري أو موقفهم من شرط "المليار دولار"، مما يترك الباب مفتوحًا لتكهنات حول هوية الدول التي قبلت بهذه الشروط الصارمة.
في تطور جيوسياسي دراماتيكي يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط، كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى عن كواليس الاتفاق الذي أدى إلى انهيار مشروع "الإدارة الذاتية" شمال شرق سوريا، وسيطرة القوات الحكومية بقيادة الرئيس أحمد الشرع على معاقل "قسد".
هذا التحول لم يكن مجرد نصر عسكري خاطف، بل نتاج صفقة سياسية معقدة جرت فصولها بصمت بين دمشق، باريس، وواشنطن، ممهدة الطريق لعودة الدولة السورية كشريك استراتيجي وحيد.
التحول الكبير: من "الحليف" إلى "الورقة المحروقة"
تشير المعلومات الحصرية التي تحصلت عليها وكالتنا، نقلاً عن تسريبات لوكالة "رويترز"، إلى أن السيطرة الميدانية للجيش السوري على أربع محافظات لم تكن لتتم لولا موافقة ضمنية من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
الاجتماعات الماراصونية التي عُقدت خلف الأبواب المغلقة في كل من دمشق وباريس مطلع يناير 2026، أسفرت عن قناعة أميركية جديدة مفادها أن الرئيس أحمد الشرع أثبت جدارة استراتيجية وقدرة على توحيد البلاد، ما جعل واشنطن ترفع الغطاء عن حليفها الكردي القديم.
يُظهر هذا التحول تغييراً جذرياً في العقيدة السياسية الأميركية تجاه سوريا؛ إذ انتقلت واشنطن من دعم "الكانتونات" شبه المستقلة إلى الرهان على "المركزية القوية" في دمشق لضمان الاستقرار الإقليمي، وهو ما يُعد ضربة قاضية لأحلام الانفصال أو الحكم الذاتي، ورسالة واضحة بأن زمن الميليشيات قد ولى.
اجتماع باريس.. كلمة السر
أخطر ما كُشف عنه هو اجتماع باريس الذي جمع وفداً سورياً بمسؤولين إسرائيليين بوساطة أميركية.
المصادر أكدت أن دمشق طرحت خطتها لاستعادة الأراضي، ولم تواجه اعتراضاً إسرائيلياً، شريطة تحجيم النفوذ الكردي دون إشعال حرب إقليمية.
هذا التنسيق غير المسبوق يعكس براغماتية عالية من "الشرع" الذي نجح في تحييد الخصوم التقليديين لتحقيق أهداف وطنية.
بين الانتصار والشعور بالخيانة
الموقف الأميركي: صرح المبعوث الأميركي توم براك بوضوح صادم أن "الحاجة لوجود قوات سوريا الديمقراطية انتهت"، مؤكداً جاهزية دمشق لتولي الملف الأمني، وهو ما يُعد إعلاناً رسمياً بوفاة التحالف مع الأكراد.
الموقف الكردي: خيم شعور بالمرارة على القيادات الكردية؛ حيث وصفت السياسية هدية يوسف ما جرى بـ "الخيانة"، متسائلة عن المبادئ الأميركية. وتزامنت هذه التصريحات مع انسحاب فوضوي لقوات "قسد" تسبب بفرار معتقلي تنظيم "الدولة" من سجن بريف الحسكة، في محاولة أخيرة للضغط بالورقة الأمنية.
الموقف الإسرائيلي: حاول السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر النأي ببلاده عن الهجوم العسكري المباشر، لكنه أكد حضوره الاجتماع الثلاثي، ما يثبت علم تل أبيب المسبق بالعملية.
الواقع الميداني: خروقات وتثبيت نفوذ
رغم إعلان الرئيس الشرع وقفاً لإطلاق النار لمنح فرصة للاندماج السلمي، أكدت وزارة الدفاع السورية أن "قسد" خرقت الاتفاق أكثر من 35 مرة، ما أدى لارتقاء 11 شهيداً.
هذا التصعيد الميداني من طرف "قسد" يبدو كـ "رقصة الديك المذبوح" أمام الأمر الواقع الذي فرضه الجيش السوري بدعم دولي، حيث باتت القوات الحكومية تطوق آخر المعاقل، منهيةً بذلك حقبة الانقسام الجغرافي.
في تطور لافت يُنذر بخلط الأوراق العسكرية شمالي سوريا، كشفت هيئة العمليات في الجيش السوري عن وصول القيادي البارز في حزب العمال الكردستاني (PKK)، باهوز أردال، إلى مدينة الطبقة بريف الرقة، قادماً من معاقل الحزب في جبال قنديل.
هذه الخطوة، التي تزامنت مع توترات حادة على جبهة دير حافر بريف حلب الشرقي، تشير إلى قرار مركزي من قيادة الحزب بتولي إدارة العمليات العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" بشكل مباشر، ووضع حد للتردد الميداني.
عودة "الدكتور"، كما يُلقب فهمان حسين (الاسم الحقيقي لأردال)، إلى المشهد السوري في هذا التوقيت الحساس، تحمل في طياتها دلالات تتجاوز مجرد التغيير القيادي؛ إذ يبدو أن "قسد" تتجه نحو التصعيد والمواجهة بدلاً من التهدئة، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن إصداره أوامر صارمة للوحدات الكردية في حلب برفض الانسحاب.
لا يمكن قراءة وصول أردال إلا باعتباره إحكاماً لقبضة "قنديل" على القرار العسكري لـ"قسد"، وتهميشاً للقيادات المحلية التي قد تميل للتفاوض أو الانسحاب التكتيكي.
يُعرف أردال، الطبيب الذي استبدل المشرط بالبندقية، بكونه "رجل الظل" والمهندس الفعلي للهيكلية العسكرية للأكراد في سوريا.
وجوده يعني أن المعركة القادمة لن تكون مجرد مناوشات حدودية، بل قد تتحول إلى حرب استنزاف منظمة تستفيد من خبرته الطويلة في حرب العصابات ضد الجيش التركي، مما يضع التفاهمات السياسية الهشة، بما فيها اتفاق "العاشر من آذار"، في مهب الريح ويعقّد أي مسار للحل السلمي بين دمشق وقسد.
الجيش السوري (مؤكد): اعتبر وصول أردال خطوة عدائية صريحة، محذراً من أن غربي الفرات باتت منطقة عسكرية مغلقة، ومشيراً إلى أن إدارة العمليات من قبل قيادي مصنف إرهابياً يبرر توسيع نطاق العمليات العسكرية.
تركيا (مؤكد عبر تقارير استخبارية): تنظر أنقرة إلى تحركات أردال (المطلوب على قائمتها الحمراء) كتهديد للأمن القومي المباشر.
وقد نقلت وسائل إعلام تركية تحذيرات أمنية من أن وجوده يؤكد "الارتباط العضوي" بين قسد والعمال الكردستاني، مما قد يمنح تركيا ذريعة لشن عمليات جوية أو برية أوسع في العمق السوري.
قسد / الإدارة الذاتية (صمت): لم يصدر أي تأكيد أو نفي رسمي من جانب "قسد" حول وصول أردال، وهو نهج معتاد في تحركات قيادات الصف الأول لحزب العمال، للحفاظ على السرية الأمنية وتجنب الإحراج السياسي أمام التحالف الدولي.
رسمت الدبلوماسية السورية الجديدة بقيادة الشرع ملامح مشهد سياسي مغاير، حيث لم تقتصر الزيارات على الحلفاء التقليديين، بل شملت انعطافة غربية وأوروبية لافتة. فقد كسرت زيارات وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا جليد القطيعة، بينما شكل الحضور الأمريكي المتكرر، وعلى رأسه وفد الكونغرس وقائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر، إشارة قوية إلى اعتراف دولي بالأمر الواقع الجديد ورغبة واشنطن في حجز مقعد في ترتيبات سوريا المستقبلية.
وعلى الصعيد العربي والإقليمي، توجت زيارة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، حالة "الاحتضان العربي" لسوريا الجديدة. كما عكست الاجتماعات المكثفة مع الوفود التركية، بما فيها زيارة هاكان فيدان وبلال أردوغان، رغبة متبادلة في طي صفحة الخلافات وتأمين الحدود المشتركة، في حين أكدت لقاءات الوفود العراقية والأردنية واللبنانية على مركزية دمشق في الأمن الإقليمي.
تحليل الموقف: ما وراء الصور البروتوكولية لا يمكن قراءة هذا الزخم الدبلوماسي بوصفه مجرد بروتوكول؛ بل هو إعادة تعريف للهوية الجيوسياسية لسوريا. يُظهر التحليل أن استقبال وفد المحكمة الجنائية الدولية برئاسة كريم خان، ووفد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، يؤكد التزام الإدارة الجديدة بمسار العدالة والشفافية، وهو ما كان يفتقده المجتمع الدولي سابقاً. كما أن حضور مؤسسات مالية كبرى مثل البنك الدولي يشير إلى أن مرحلة "الإنعاش الاقتصادي" قد بدأت فعلياً، وأن العالم يستعد للاستثمار في استقرار سوريا لا في حربها.
ردود الأفعال السياسية:
الموقف الدولي: تشير كثافة الزيارات الغربية (أوروبا وأمريكا) التي كانت شبه محرمة سابقاً، إلى مباركة دولية ضمنية للنهج الذي يقوده الرئيس الشرع، واعتباره شريكاً موثوقاً في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب.
الموقف الإقليمي: يعكس التواجد الخليجي والتركي "تسابقاً إيجابياً" نحو دمشق، لضمان مصالح هذه الدول في مرحلة إعادة الإعمار ورسم الخارطة السياسية الجديدة.
السجل الذهبي للدبلوماسية السورية (كانون الأول 2024 - كانون الأول 2025)
كانون الأول (ديسمبر) 2024: بداية الانقلاب الدبلوماسي
15 كانون الأول: الرئيس أحمد الشرع يفتتح الماراثون الدبلوماسي باستقبال المبعوث الأممي غير بيدرسون لإحياء القرار 2254.
16 كانون الأول: لقاء مع وفد الخارجية البريطانية لبحث التطورات المتسارعة.
18 كانون الأول: مباحثات مع وفد من الخارجية الألمانية.
22 كانون الأول: الرئيس الشرع يلتقي وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أول زيارة من نوعها، وبالتزامن يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط.
23 كانون الأول: يوم الدبلوماسية العربية؛ استقبال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الدولة القطري محمد بن عبد العزيز الخليفي.
26 كانون الأول: لقاء أمني رفيع مع رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري.
28 كانون الأول: استقبال وفد بحريني برئاسة رئيس جهاز الأمن الاستراتيجي، ووفد ليبي برئاسة وزير الدولة للاتصال.
30 كانون الأول: انفتاح دولي وإقليمي عبر استقبال وزير خارجية أوكرانيا، ووفد مشترك ضم وزير الخارجية الكويتي وأمين عام مجلس التعاون الخليجي.
كانون الثاني (يناير) 2025: عودة الغرب والعرب
3 كانون الثاني: قمة دبلوماسية غربية بدمشق ضمت وزيري خارجية فرنسا وألمانيا وممثل الاتحاد الأوروبي.
8 كانون الثاني: استقبال وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني.
10 كانون الثاني: وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني في دمشق.
11 كانون الثاني: الرئيس الشرع يستقبل المبعوث الخاص لسلطان عُمان، ورئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي.
15 كانون الثاني: مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يلتقي الرئيس الشرع.
16 كانون الثاني: استقبال وزير الخارجية الإسباني، ولقاء تاريخي مع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن.
17 كانون الثاني: وفد أوروبي لإدارة الأزمات، ولقاء العدالة مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان.
18 كانون الثاني: الجامعة العربية تعود عبر أمينها العام المساعد حسام زكي.
19 كانون الثاني: استقبال وزير خارجية النرويج، ولقاء إنساني خاص مع والدة الصحفي الأمريكي أوستن تايس.
20 كانون الثاني: لقاء ثانٍ مع المبعوث الأممي غير بيدرسون.
23 كانون الثاني: استقبال وزير خارجية بيلاروس.
24 كانون الثاني: زيارة هامة لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان.
25 كانون الثاني: المفوض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي في دمشق.
26 كانون الثاني: لقاء أمني مع رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن.
28 كانون الثاني: استقبال رئيس الوزراء الفلسطيني.
29 كانون الثاني: المبعوث الروسي ميخائيل بوغدانوف يلتقي الرئيس الشرع.
30 كانون الثاني: قمة القمم؛ الرئيس الشرع يستقبل أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في دمشق.
شباط (فبراير) 2025: توسيع الشراكات
6 شباط: استقبال نابة رئيس وزراء سلوفينيا.
8 شباط: لقاء مع مدير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، واستقبال وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف.
9 شباط: وزير الخارجية اليوناني في قصر المهاجرين.
20 شباط: زيارة وزير الخارجية القبرصي.
21 شباط: استقبال السفير الصيني.
28 شباط: وفد تركي "شعبي-رسمي" برئاسة بلال أردوغان.
آذار (مارس) 2025: تثبيت الاستقرار
12 آذار: وفد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
13 آذار: وفد تركي عالي المستوى يضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات.
20 آذار: زيارة ثانية لوزيرة الخارجية الألمانية برفقة نائب رئيس البرلمان الأوروبي.
نيسان (أبريل) 2025: تنوع المحاور
10 نيسان: وفد من كوريا الجنوبية برئاسة وزير الخارجية.
14 نيسان: استقبال رئيس الوزراء اللبناني الجديد نواف سلام.
17 نيسان: زيارة ثانية لوزير الخارجية الأردني، ولقاء اقتصادي مع المدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي.
18 نيسان: استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
19 و21 نيسان: بداية الحضور الأمريكي التشريعي عبر عضوي الكونغرس كوري لي ميلز ومارلين ستوتزمان.
25 نيسان: زيارة متكررة لرئيس المخابرات العراقية.
أيار (مايو) 2025: الاقتصاد والسياسة
2 أيار: لقاء جديد مع وليد جنبلاط، واستقبال رجل الأعمال الأمريكي جوناثان باس.
4 أيار: نائب رئيس وزراء أذربيجان في دمشق.
12 أيار: وفد دبلوماسي صيني.
22 أيار: استقبال وزير الطاقة التركي.
26 أيار: رئيس لجنة الإنقاذ الدولية ديفيد ميليباند.
29 أيار: أول ظهور للمبعوث الأمريكي الخاص الجديد توماس باراك.
31 أيار: زيارة ثانية لوزير الخارجية السعودي.
حزيران (يونيو) 2025: التواصل المستمر
9 حزيران: مبعوث رئيس الوزراء العراقي عزت الشابندر.
21 حزيران: وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام.
تموز (يوليو) 2025: تعزيز العلاقات
5 تموز: زيارة لافتة لوزير خارجية المملكة المتحدة ديفيد لامي.
9 تموز: المبعوث الأمريكي توماس باراك يعود مجدداً.
10 تموز: وفد اقتصادي تركي ضخم (اتحاد الغرف والبورصات).
آب (أغسطس) 2025: الملفات الكبرى
7 آب: لقاء جديد مع وزير الخارجية التركي.
19 آب: استقبال رئيس مجموعة الشحن العالمية CMA CGM.
25 آب: وفد أمريكي رفيع يضم المبعوث الخاص وسيناتورين من الكونغرس.
28 آب: زيارة دورية لرئيس المخابرات العراقية.
أيلول (سبتمبر) 2025: الشراكة الأمنية والاستراتيجية
6 أيلول: لقاء جماعي مع السفراء العرب المعتمدين.
9 أيلول: نائب رئيس الوزراء الروسي ألكساندر نوفاك.
12 أيلول: حدث بارز؛ الرئيس الشرع وعقيلته يستقبلان قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) الأدميرال براد كوبر وعقيلته.
17 أيلول: رئيس الاستخبارات التركية يبحث ملف قسد.
تشرين الأول (أكتوبر) 2025
7 تشرين الأول: اجتماع أمني-سياسي مع المبعوث الأمريكي وقائد "سنتكوم".
تشرين الثاني (نوفمبر) 2025: الاقتصاد والمؤسسات
19 تشرين الثاني: وفد البنك الدولي في دمشق لبحث التعافي الاقتصادي.
20 تشرين الثاني: نائب رئيس الحكومة اللبنانية.
25 تشرين الثاني: وفد جديد من الكونغرس الأمريكي.
كانون الأول (ديسمبر) 2025: الاعتراف الأممي الكامل
1 كانون الأول: المبعوث الأمريكي توماس باراك في زيارة دورية.
4 كانون الأول: المشهد الختامي للعام؛ استقبال وفد أعضاء مجلس الأمن الدولي بدمشق.
Syria24News - نكتب الخبر.. ونوثق التاريخ.
في مشهد يتجاوز حدود الاستعراض العسكري التقليدي، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس الأربعاء، داخل المنطقة العازلة في الجولان السوري، مرتديًا الخوذة والسترة الواقية. لم تكن الزيارة مجرد تفقد ميداني، بل كانت "رسالة سياسية بامتياز" عابرة للحدود، موجهة بالأساس إلى قصر المهاجرين بدمشق، وبتوقيت دقيق يغازل -ويحذر في آن واحد- البيت الأبيض في واشنطن.
رافق نتنياهو في هذه الجولة وفد رفيع المستوى "غير مسبوق" ضم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الخارجية جدعون ساعر، وقادة الأجهزة الأمنية. هذا الحشد السياسي والعسكري جاء ليؤكد على جدية الرسالة الإسرائيلية: الجيش الإسرائيلي باقٍ في مواقعه الحالية (تسعة مواقع عسكرية وقمة جبل الشيخ) حتى إشعار آخر.
وتشير تحليلاتنا في (Syria24News) إلى أن المحرك الخفي لهذه الزيارة الاستفزازية لم يكن فقط الوضع الميداني، بل القلق العميق في تل أبيب من التقارب اللافت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع. فبعد مشهد إهداء ترامب "عطره الخاص" للشرع في البيت الأبيض، استشعرت إسرائيل خطر تحول هذا "الود الشخصي" إلى ضغط سياسي أمريكي قد يلجم طموحاتها الأمنية. لذا، اختار نتنياهو لغة "القوة الخشنة" لقطع الطريق على أي تفاهمات قد تكون نضجت خلف الكواليس في واشنطن.
أوضح نتنياهو من خلال تمركزه الميداني أن الانسحاب الإسرائيلي مرهون بقبول دمشق لقائمة مطالب ثقيلة، وصفتها مصادر عبرية بأنها شروط "أمنية وجودية"، وهي:
منطقة منزوعة السلاح: تمتد من دمشق جنوباً حتى الأردن، وبعمق 30 كم شرقاً.
حظر الوجود المسلح: منع أي سلاح ثقيل أو تواجد للميليشيات (سواء الجهادية أو المدعومة من إيران).
السيطرة على جبل الشيخ: بقاء دائم للجيش الإسرائيلي في القمة الاستراتيجية المطلة على حوض دمشق.
الممر الدرزي: فتح ممر إنساني آمن من الجولان المحتل إلى السويداء، في محاولة إسرائيلية للعب ورقة "حماية الأقليات".
لم تتأخر ردود الأفعال حول هذه الخطوة التصعيدية:
الموقف السوري الرسمي: دانت وزارة الخارجية السورية الزيارة بأشد العبارات، واصفة إياها بـ "انتهاك خطير لسيادة سوريا ووحدة أراضيها". وفي السياق ذاته، كان الرئيس أحمد الشرع قد استبق الأحداث في مقابلة مع "واشنطن بوست"، حيث رفض فكرة "المنطقة العازلة" بسخرية لاذعة قائلاً: "ربما تحتل إسرائيل وسط سوريا لحماية جنوبها، ثم تصل إلى ميونيخ!"، متمسكاً بانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 1967 كشرط لأي سلام.
الموقف الدولي: أعربت الأمم المتحدة عن قلقها واعتبرت الزيارة تطوراً "مقلقاً" يهدد استقرار المنطقة الهش.
الموقف الميداني: صرح مسؤول عسكري سوري لوكالة "رويترز" بأن الزيارة تؤكد نية تل أبيب عدم التنازل عن الأراضي التي تقدمت فيها مؤخراً.
بينما يحاول الرئيس السوري الجديد ترميم علاقات بلاده الدولية مستفيداً من "كاريزما" شخصية وقبول أمريكي مفاجئ، يسعى نتنياهو لفرض وقائع على الأرض لا يمكن تجاوزها بالمصافحات أو الهدايا البروتوكولية. نحن أمام مرحلة "عض أصابع"؛ إسرائيل تراهن على القوة العسكرية، وسوريا تراهن على الصمود السياسي والشرعية الدولية، بينما يقف "العطار" ترامب في المنتصف، ولم يتضح بعد ما إذا كان عطره قادراً على إخفاء رائحة البارود.
بالنسبة لمريدي الشرع، كانت الزيارة دليلاً قاطعاً على "حنكته السياسية". يرى هؤلاء، وفقاً لمحللين، أن الرئيس نجح فيما فشل فيه آخرون لعقود: كسر عزلة سوريا الدولية. ويتم التسويق للزيارة على أنها نجاح ثلاثي الأبعاد: تعليق العقوبات الاقتصادية، ووضع البلاد تحت "عباءة الدولة الأقوى في العالم"، والأهم، "لجم العربدة الإسرائيلية" الدائمة في سوريا.
لكن على الضفة الأخرى، ينظر سوريون آخرون للزيارة بكثير من الريبة. فمن وجهة نظرهم، لم تُفضِ القمة إلى "نتائج ملموسة"؛ فالغموض الأمريكي لا يزال سيد الموقف، والعقوبات "عُلّقت" ولم "تُرفع"، وهو فارق جوهري يفضح، برأيهم، حدود ما تم تحقيقه.
هذا الانقسام في القراءة يعكس الواقع المركب للمشهد السوري. فبينما يركز فريق على الرمزية السياسية لكسر جدار واشنطن، يركز الفريق الآخر على التفاصيل الفنية (تعليق لا رفع) والبروتوكولية (الاستقبال البارد). كلا الطرفين يتجاهل أن الزيارة، على الأغلب، لم تكن سوى "بداية مسار" شاق، وليست نهايته.
إن مجرد حدوث الزيارة "ليس تفصيلاً"، بل هو تأسيس لمرحلة جديدة في علاقات عدائية هي بعمر سوريا نفسها. وذهب الشرع إلى واشنطن "على بصيرة واضحة"، مدركاً أن "الاشتباك مع الأمريكي سيضيع فرصة الاستقرار" التي يتوق إليها السوريون.
إن الأمان المنشود سيأتي عبر مسارين: المساهمة الفعالة مع واشنطن في محاربة الإرهاب، والاتكال عليها للوصول إلى تفاهمات أمنية تلجم إسرائيل.
حول بروتوكول الاستقبال "المريب" ودخول الشرع من باب جانبي، هو "تفصيل عادي". ونستشهد بما نقله المبعوث الأمريكي توم باراك من أن الرئيس ترامب مدد اللقاء من 20 دقيقة إلى ساعتين، نتيجة "احتفائه بنظيره السوري".
إن "حنكة" الشرع الذي أكد من قلب واشنطن أن التطبيع مع إسرائيل "غير وارد حالياً" بسبب الاحتلال، وهو ما يمكن اعتبره "مراوغة للإملاءات الأمريكية" دون إغضاب واشنطن، مع ترك الباب مفتوحاً للمرونة "حين تبادر إسرائيل لخطوات بناء الثقة".
ونخلص في النهاية أن الشرع نجح في إقناع واشنطن بأن "سوريا موحدة ومستقرة" أفضل للمنطقة من "كنتونات طائفية متصارعة".
اقتصادياً، الزيارة نجحت في إقناع الكونغرس والمعنيين بقانون قيصر بضرورة "إعطاء الحكومة الجديدة الفرصة". بالإضافة إلى أن تعليق عقوبات قيصر لمدة ستة أشهر يضع دمشق تحت "الاختبار الفعلي".
هذه النقطة حاسمة، فالاقتصاد هو المفتاح. "التعليق" هو عصا وجزرة؛ فهو يسمح نظرياً بالاستثمار، لكنه عملياً يبقي الشركات العالمية "متحفظة وقلقة" خوفاً من عودة العقوبات بعد ستة أشهر. إن حملة المداهمات الأخيرة ضد خلايا "داعش" هي "باكورة تنفيذ الالتزامات" المطلوبة أمريكياً.
في المقابل، يرى بعض المحللون في قراءة نقدية حادة، أن الرئيس الشرع ذهب إلى البيت الأبيض "منزوعاً من أية أوراق قوة"، مهتماً بـ"تثبيت حكمه قبل أي اعتبار آخر". مشددين على أن تجاوز طريقة الاستقبال المهينة هو "عدم قدرة على قراءة المدلولات"، وكأن واشنطن تقول للشرع: "الاعتراف بشرعيتك لم يأتِ بعد". وبالإضافة أن قبول الشرع الانضمام للتحالف الدولي ضد "داعش" يحمل اعترافاً ضمنياً بدور "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، الشريك العملي لواشنطن.
لكن المشكلة الأكبر، تبقى داخلية بحتة. فكيف سيتعامل الشرع مع "ترتيب البيت الداخلي" ضمن هيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية التي تخشى من هذه الوعود؟
والختام هناك تساؤل مدوٍّ: "لا تزال الأسماع تردد صدى فتوى وزير العدل الحالي في حكومة الشرع، والذي أفتى بتكفير كل من ينضم لهذا التحالف لمحاربة أخيه المسلم... فكيف سيخرج الشرع من هذه الفتوى؟".