حرية ومسؤولية
بالتزامن مع الحراك الحكومي والأممي لتنفيذ رؤية "سوريا بلا مخيمات"، يجد ملايين المهجرين السوريين أنفسهم أمام واقع مرير يحول دون عودتهم الآمنة والمستدامة إلى مدنهم الأصلية التي نزحوا عنها هرباً من آلة الحرب. وتتصدر عقبات انهيار البنية التحتية، وتدمير المساكن، وغياب الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء، وافتقار الأسواق لفرص العمل، واجهة التحديات التي تعرقل مسار العودة في مرحلة ما بعد الحرب. وتدفع هذه الظروف القاسية آلاف العائلات إلى المفاضلة الصعبة بين قسوة الحياة في خيام بالية تفتقر لأدنى مقومات العيش، وبين العودة إلى مناطق تحولت إلى أطلال وركام لا توفر مأوى يقيهم برد الشتاء أو مصدراً للدخل يضمن لهم استقراراً حقيقياً.
تعيش المدن السورية تفاصيل مرحلة انتقالية حساسة تتطلب معالجات جذرية لملف التهجير الداخلي الذي خلفته سنوات طويلة من الصراع الطاحن. وتبرز أزمة السكن كعقبة رئيسية أمام تحقيق الاستقرار الديموغرافي والاجتماعي، حيث تشير التقديرات الميدانية إلى أن نسبة المهجرين الذين لا تزال منازلهم قائمة وقابلة للسكن لا تتجاوز العشرين بالمائة من إجمالي النازحين. وتصطدم الغالبية العظمى بواقع الدمار الشامل الذي لحق بالبنى التحتية نتيجة العمليات العسكرية والقصف الجوي والمدفعي المستمر على مدى عقد كامل. ولا يملك العائدون القدرة الاقتصادية على تحمل تكاليف إزالة الأنقاض، ناهيك عن أعباء إعادة الإعمار في ظل موجات التضخم المتلاحقة وانهيار القدرة الشرائية للعملة المحلية والارتفاع الجنوني في أسعار مواد البناء. وتغيب حتى اللحظة الخطط الحكومية الواضحة لتمويل إعادة بناء المنازل المهدمة أو تقديم تعويضات مجزية للمتضررين تعينهم على استعادة حياتهم السابقة. وتتجه السلطات حالياً نحو سياسة تعتمد على تحفيز القطاع الخاص والمستثمرين لتنفيذ مشاريع عمرانية مقابل منحهم حصصاً من الوحدات السكنية. ويثير هذا التوجه مخاوف جدية ورفضاً واسعاً بين أصحاب العقارات الأصلية الذين يرون فيه انتقاصاً من حقوقهم التاريخية في ممتلكاتهم وتحميلاً لهم لأعباء إضافية تفوق طاقاتهم المادية المنهكة أصلاً.
وتتجاوز معاناة العائدين مسألة الجدران والأسقف لتشمل الانهيار شبه التام للخدمات الحيوية اليومية. فالأحياء التي نجت من التدمير الكامل تعاني من انقطاع مستمر في التيار الكهربائي يصل لساعات طويلة يومياً، وشح كبير في مياه الشرب النقية، وتهالك خطير في شبكات الصرف الصحي والطرق العامة. وتجعل هذه التحديات الخدمية الاستقرار في المناطق الأصلية أمراً بالغ الصعوبة وتدفع بعض العائلات للتفكير الجدي بالعودة إلى المخيمات رغم قساوة الحياة فيها وانعدام الخصوصية. ويشكل السكن المرتفع التكلفة والزيادة المضطردة في بدلات الإيجار عبئاً إضافياً يعرض العائدين لجشع السماسرة ويهدد بحدوث موجات نزوح اقتصادي جديدة نحو أطراف المدن العشوائية أو التفكير مجدداً بركوب قوارب الموت نحو القارة الأوروبية. وتتطلب المعالجة الشاملة لهذه الأزمة المركبة توفير حزم دعم حكومية ودولية تستهدف استعادة دورة الحياة الطبيعية تدريجياً، وتأمين الخدمات الحيوية، وخلق فرص عمل حقيقية تستوعب الكفاءات المهنية والجامعية التي يمتلكها السوريون وتنتظر فرصة للمشاركة في بناء بلدها. وتتزايد المطالب الشعبية بإعادة الموظفين المفصولين إلى وظائفهم السابقة لضمان دخل ثابت لأسرهم ينعش الأسواق المحلية ويحرك عجلة الاقتصاد الراكد.
وتظهر التقديرات الأممية والدولية أن فاتورة إعادة إعمار قطاعات الطاقة والمياه والصحة والتعليم والمرافق العامة تتجاوز مائتين وستة عشر مليار دولار أمريكي. وتتطلب هذه المبالغ الضخمة تضافر الجهود الدولية وإطلاق برامج تعويضات واسعة النطاق لمساعدة الأسر التي فقدت مصادر رزقها وأملاكها على مدى العقد الماضي. ويمثل ملف الهجرة الداخلية جرحاً عميقاً في النسيج السوري، حيث يواجه المواطن غربة قاسية داخل وطنه تفقده الإحساس بالانتماء والأمان. وعاشت مئات الآلاف من العائلات سنوات مريرة في مخيمات الشمال السوري ومناطق متفرقة، وكابدت ظروفاً مناخية متطرفة تنوعت بين فيضانات الشتاء التي تغرق الخيام وحرارة الصيف اللاهب التي تحولها إلى أفران بشرية. وتتحمل الإدارة الحالية مسؤولية كبرى لوضع قضية النازحين في صدارة الأولويات الوطنية وتأمين بدائل سكنية مؤقتة ومستدامة. وتبرز مقترحات عملية للاستفادة الفورية من العقارات الحكومية الضخمة وتلك التي كانت مرتبطة بالنظام السابق لتوفير مأوى مؤقت للعائدين ريثما يتم تجهيز مناطقهم. ويترافق ذلك مع ضرورة إطلاق برامج منح مالية تساند المتضررين في ترميم منازلهم بشكل جزئي يسمح لهم بالعودة السريعة.
وتتفاقم أزمة العائدين بشكل خاص في الأرياف والمناطق الزراعية التي تعرضت لتجريف واسع وحرق للمحاصيل وفقدت مقومات الإنتاج الأساسية. ويصطدم الفلاحون العائدون إلى أراضيهم بندرة مياه الري وتدمير قنوات الجر، والنقص الحاد في الأسمدة والمبيدات والمحروقات اللازمة لتشغيل المضخات، ما يعطل عجلتي الزراعة والإنتاج ويحرم آلاف الأسر الريفية من مصادر دخلها التاريخية التي كانت ترفد الاقتصاد الوطني بأهم موارده. ويقف سكان المخيمات اليوم أمام خيارات أحلاها مر، فإما البقاء في خيام مهترئة تعتمد كلياً على مساعدات إنسانية دولية متقطعة وآخذة في التناقص بسبب أزمات عالمية أخرى، أو المخاطرة بالعودة إلى مناطق مدمرة تفتقر لأبسط شروط الحياة الإنسانية والكرامة. وتتطلب استراتيجية العودة الناجحة توفير مواد البناء الأساسية بأسعار مدعومة، وتقديم الدعم المالي لتأهيل الحد الأدنى من المساكن، كترميم غرفة واحدة ومرافق صحية تسمح بإيواء الأسرة وإلحاق الأطفال بالمدارس كخطوة أولى نحو التعافي المجتمعي التدريجي.
ويرتبط تمويل هذه المشاريع العملاقة بتوافر بيئة سياسية وأمنية مستقرة تماماً، وتكريس سيادة القانون ومبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة التي تضمن عدم هدر الأموال. وتتراجع فرص جذب الاستثمارات السورية المغتربة ورؤوس الأموال العربية والأجنبية في ظل ضبابية المشهد الحالي وغياب الضمانات القانونية الصارمة التي تحمي الاستثمارات من الفساد والبيروقراطية. وتبرز الحاجة الملحة لإدارة نزيهة وشفافة لملف المساعدات الإنسانية والأموال المخصصة للإعمار، ونشر بيانات دقيقة وموثقة توضح آليات الإنفاق لضمان وصول الدعم المالي والعيني لمستحقيه الفعليين. لقد أدت صراعات العقد الماضي إلى تآكل غير مسبوق للطبقة الوسطى السورية التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي والمحرك الرئيسي لعمليات البناء والتطوير العقاري. وتسبب التركيز على تدمير البنى التحتية خلال سنوات الصراع في تحويل حواضر تاريخية كبرى ومراكز اقتصادية هامة إلى مدن أشباح تحتاج عقوداً طويلة وجهوداً جبارة لاستعادة ملامحها الحضرية ونشاطها التجاري.
ويعد التدخل الدولي الجاد عبر وكالات الأمم المتحدة والدول المانحة شرطاً أساسياً وحتمياً لتجاوز هذه الكارثة الإنسانية غير المسبوقة في العصر الحديث. وتفرض هذه التحديات المتشابكة والمعقدة واقعاً يجعل من شعار إنهاء المخيمات وإغلاق ملف النزوح هدفاً طموحاً يحتاج إلى معجزات اقتصادية حقيقية وتوافقات سياسية تتجاوز التصريحات الإعلامية والنوايا الحسنة. ولا تقتصر العودة الحقيقية والآمنة على توفير حافلات لنقل المهجرين وإفراغ المخيمات، بل تتعداها لتأسيس بيئة مستقرة تضمن حقوق الملكية العقارية والتجارية، وتوفر مقومات العيش الكريم المستدام، وتمنع انزلاق مشاريع العودة إلى تفريخ بؤر جديدة للفقر المدقع والمعاناة الإنسانية المتجددة التي قد تعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات