حرية ومسؤولية
إدلب – أسفرت مطاردة أمنية نفذتها دورية تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري، الأربعاء، عن مقتل مسلح يحمل الجنسية الفرنسية وإصابة مواطن مدني، إثر اندلاع اشتباك بالأسلحة النارية مع مجموعة مسلحة خرجت من [[مخيم الفرنسيين|تجمع سكني للمقاتلين الأجانب]] باتجاه منطقة حارم في ريف إدلب شمال غربي سوريا.
وأوضحت قيادة الأمن الداخلي في المحافظة أن الدورية رصدت خروج عناصر مسلحة من المخيم، في خرق واضح للاتفاق الساري الذي يمنع خروجهم بأسلحتهم، وبادرت بملاحقتهم لإيقافهم. وأشارت إلى أن المسلحين بادروا بإطلاق النار على القوة الأمنية، ما استدعى رداً مباشراً أدى إلى مصرع أحد المسلحين وإصابة مدني وتضرر إحدى سيارات الأمن. ويأتي هذا التطور الأمني بعد أيام قليلة من اتهامات وجهتها جماعة "الغرباء الفرنسيين"، التي يقودها الفرنسي "عمر ديابي" والمعروف بـ"عمر أومسين"، للحكومة السورية بحشد آليات عسكرية والتخطيط لاقتحام مخيمهم المحاط بأسوار وكاميرات مراقبة قرب الحدود التركية. وتسلط هذه الحادثة الضوء على التعقيدات الأمنية المستمرة في المنطقة، والتحديات المترتبة على تواجد الفصائل الأجنبية المسلحة، في وقت تتزايد فيه المطالبات المحلية، ومنها نداءات أهالي القرى المهجرة، لضبط الأمن وتفعيل القوانين التي تضمن الاستقرار وتمنع التفلت الأمني خارج نطاق مؤسسات الدولة.
القدس المحتلة – أثارت قيادة الحكومة الإسرائيلية المنتهية ولايتها للبلاد بصلاحيات مقيدة مخاوف سياسية وقانونية واسعة، وسط تحذيرات من احتمال توظيف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للحرب أو توجيه ضربة عسكرية ضد إيران كأداة سياسية للتأثير على تشكيل الحكومة المقبلة أو الدفع نحو تشكيل حكومة طوارئ، في ظل استمرار حالة الاستعصاء السياسي بعد الانتخابات.
وعلى الرغم من أن القوانين الإسرائيلية الأساسية لا تمنع الحكومة الانتقالية من اتخاذ قرار بالخروج إلى الحرب، إلا أن القواعد العرفية تلزمها بضبط النفس والامتناع عن اتخاذ قرارات مصيرية غير قابلة للانعكاس دون تشاور قانوني مسبق. وفي هذا السياق، وجه رئيس حزب "يشار"، غادي أيزنكوت، تحذيراً شديد اللهجة لرئيس الوزراء من مغبة استغلال الملف الأمني والتهديد الإيراني لتحقيق مكاسب حزبية، خاصة بعد التقارير التي أشارت إلى طلب واشنطن من دول الخليج الاستعداد لحملة عسكرية محتملة ومكثفة بعد الانتخابات النصفية الأمريكية. وتتزامن هذه المخاوف مع استمرار فرز أصوات [[انتخابات الكنيست|الانتخابات التشريعية الإسرائيلية]] التي شهدت أعلى نسبة تصويت منذ عقدين، حيث أظهرت النتائج الأولية تفوقاً لتحالف نتنياهو وكتلة آيزنكوت دون حسم نهائي. ويرى مراقبون أن أي تصعيد عسكري مفتعل خلال هذه النافذة الحساسة التي تسبق أداء الكنيست لليمين الدستورية وتشكيل الائتلاف الجديد، قد يعيد رسم الخارطة السياسية ويدفع نحو خيار حكومة الوحدة الوطنية أو الطوارئ، وهو سيناريو يسعى بعض الأطراف لتجنبه لمنع تكريس الأمر الواقع وتجاوز نتائج الصناديق.
دمشق – استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي والوفد المرافق له في [[قصر الشعب|المقر الرئاسي السوري بدمشق]]، عقب وصوله في أول زيارة رسمية له إلى سوريا منذ توليه منصبه، بهدف بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع آفاقها.
وخلال اللقاء، أكد الرئيس الشرع على متانة الروابط التاريخية والاجتماعية التي تجمع بين البلدين الشقيقين، مشدداً على أهمية بناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد تستند إلى المصالح المشتركة في قطاعات حيوية مثل الاقتصاد، الاستثمار، والأمن، إلى جانب ملف المياه الحساس. وتأتي هذه المباحثات الرسمية في وقت تسعى فيه كل من دمشق وبغداد إلى توسيع آفاق التعاون المتبادل وتجاوز تداعيات الأزمات والنزاعات الماضية التي أنهكت المنطقة، حيث يمثل التنسيق الأمني المحكم، وتفعيل مشاريع [[الربط النفطي|خطوط نقل الطاقة عبر الحدود]]، وتنشيط حركة النقل والتجارة عبر المنافذ الحدودية، أولويات ملحة ومتقدمة للجانبين في المرحلة الحالية. وتمثل زيارة الزيدي محطة مفصلية بالغة الأهمية لاستعادة زخم العلاقات الدبلوماسية المباشرة بين العاصمتين، إذ سبق أن التقى الطرفان مؤخراً على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وهو ما مهد الطريق لتعميق المشاورات الثنائية ودفعها نحو خطوات تنفيذية ملموسة. ويرى خبراء سياسيون أن المرحلة الراهنة تتيح فرصة تاريخية استثنائية للبلدين الجارين لتعزيز الاستثمارات المشتركة، وخاصة في قطاعات البنية التحتية والإسمنت، وتأمين استقرار المنطقة عبر إرساء مبدأ حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة حصراً. كما تطرقت النقاشات إلى ضرورة معالجة الملفات القانونية العالقة، ومنها التنسيق المشترك لحل قضية المعتقلين وفق أسس واضحة، وتوحيد الجهود لمحاربة الفساد، بما يوفر الطمأنينة للشعبين ويؤسس لمرحلة متقدمة من التكامل الإقليمي والاقتصادي بعيداً عن التجاذبات الإقليمية والتدخلات الخارجية، الأمر الذي يعكس إرادة حقيقية لطي صفحة الماضي والتوجه نحو التنمية الشاملة.
حمض الفوليك هو الشكل التركيبي المصنّع من فيتامين ب9، وهو فيتامين أساسي قابل للذوبان في الماء لا يستطيع الجسم البشري إنتاجه ذاتياً بل يحصل عليه من مصادر خارجية. تكمن الأهمية القصوى لهذا المركب في كونه الركيزة الأساسية لتخليق [[الحمض النووي|الجزيء الذي يحمل التعليمات الجينية للكائنات]] وإصلاحه، فضلاً عن دوره المحوري في انقسام الخلايا ونموها.1 يُستخدم حمض الفوليك على نطاق واسع في المكملات الغذائية وبرامج تدعيم الأغذية لكونه أكثر استقراراً وأعلى في نسبة الامتصاص الحيوي مقارنة بـ"الفولات"، وهي الصيغة الطبيعية للفيتامين الموجودة في الأطعمة. ارتبط اسم هذا الحمض ارتباطاً وثيقاً بصحة الأم والجنين، إذ يُعد التدخل الطبي الأهم للوقاية من [[تشوهات الأنبوب العصبي|عيوب خلقية تصيب الدماغ أو الحبل الشوكي]] لدى المواليد الجدد.2
بدأت رحلة اكتشاف فيتامين ب9 في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما كانت الباحثة البريطانية لوسي ويلز (Lucy Wills) تدرس حالات الإصابة الشديدة بمرض فقر الدم بين النساء الحوامل في الهند. لاحظت ويلز أن هذا النوع من فقر الدم، الذي يترافق مع تضخم غير طبيعي في خلايا الدم، لا يستجيب لعلاجات الحديد التقليدية، لكنه أظهر تحسناً دراماتيكياً عند إعطاء المريضات خلاصة الخميرة. أُطلق على هذا العامل المجهول في البداية اسم "عامل ويلز"، وظلت طبيعته الكيميائية لغزاً لسنوات طويلة يكتنفها الغموض الطبي.1
في عام 1941، تمكن فريق من الباحثين بقيادة إتش كيه ميتشيل (H. K. Mitchell) وزميليه إي إي سنيل (E. E. Snell) وآر جيه ويليامز (R. J. Williams) من عزل المركب الفعال من أوراق [[السبانخ|نبات ورقي غني بالفيتامينات والمعادن]]، وأطلقوا عليه اسم "حمض الفوليك" المشتق من الكلمة اللاتينية "Folium" التي تعني "الورقة"، نظراً لتركز هذا المركب في الخضروات الورقية الخضراء. وفي إنجاز علمي تالٍ عام 1945، نجح فريق بحثي بمشاركة بوب ستوكستاد (Bob Stokstad) في مختبرات "ليديرلي" (Lederle) الأمريكية في تصنيع حمض الفوليك كيميائياً في شكله النقي.3 فتح هذا التخليق المعملي الباب أمام إنتاج الحمض تجارياً على نطاق واسع، وأحدث ثورة في الطب الوقائي حيث أتاح للعلماء دراسة تأثيراته الحيوية بدقة، ومهد الطريق لاحقاً لاكتشاف دوره الوقائي الحاسم في المراحل الجنينية المبكرة.
يتكون حمض الفوليك كيميائياً من ثلاث مجموعات تركيبية: حلقة البتيريدين (Pteridine)، وحمض بارا أمينوبنزويك (Para-aminobenzoic acid)، وحمض الجلوتاميك (Glutamic acid)، ويُعرف علمياً باسم "حمض البتيرويلجلوتاميك" (Pteroylglutamic acid). بمجرد دخوله إلى الجسم، لا يكون حمض الفوليك نشطاً بحد ذاته، بل يجب أن يخضع لسلسلة من التحولات الأنزيمية في الكبد والأنسجة الأخرى ليتحول إلى صيغته النشطة حيوياً، وهي "التتراهيدروفولات" (Tetrahydrofolate)، وذلك بمساعدة إنزيم يُسمى "مختزلة ثنائي هيدروفولات" (Dihydrofolate reductase).4
تلعب الصيغة النشطة للفيتامين دور "الإنزيم المساعد" في تفاعلات نقل الكربون الأحادي، وهي تفاعلات كيميائية حيوية بالغة الأهمية. هذه التفاعلات مسؤولة بشكل مباشر عن تصنيع القواعد النيتروجينية (البيورينات (Purines) والبيريميدينات (Pyrimidines)) التي تشكل اللبنات الأساسية للحمض النووي (DNA) والحمض النووي الريبوزي (RNA). ونتيجة لذلك، يكون حمض الفوليك ضرورياً لأي نسيج في الجسم يخضع لانقسام خلوي سريع، مثل نخاع العظم الذي ينتج خلايا الدم الحمراء والبيضاء، وبطانة الجهاز الهضمي، وخلايا الجنين التي تنقسم بسرعة فائقة في أطوار التكوين الأولى.1
إلى جانب ذلك، يسهم الفيتامين في [[عملية الأيض|التفاعلات الكيميائية الحيوية لاستدامة الحياة]] الخاصة ببعض الأحماض الأمينية. ومن أبرز أدواره تحويل الحمض الأميني "الهوموسيستين" (Homocysteine) إلى "الميثيونين" (Methionine)، وهي عملية تتطلب أيضاً وجود [[فيتامين ب12|عنصر أساسي لصحة الأعصاب وإنتاج الدم]]. يُعد تراكم الهوموسيستين في الدم عامل خطر مستقل للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مما يجعل حمض الفوليك عنصراً مهماً في الحفاظ على صحة الشرايين والأوردة.4
وتخضع فعالية حمض الفوليك داخل الجسم لعوامل وراثية، أبرزها الطفرات الشائعة في جين "MTHFR" المسؤول عن إنتاج الإنزيم الذي يحول الفيتامين إلى شكله النشط النهائي. الأفراد الذين يحملون نسخاً متحورة من هذا الجين قد يواجهون صعوبة في استقلاب حمض الفوليك الصناعي بكفاءة كاملة، مما قد يؤدي إلى تراكم الهوموسيستين ونقص مستويات الفولات النشط.1 دفع هذا الاكتشاف الأوساط الطبية إلى استكشاف استخدام "الفولات الميثيلي" (Methylfolate) كمكمل بديل لتجاوز هذه العقبة الجينية، وهو اتجاه ينمو بشكل متسارع في مجالات الطب الشخصي والطب النفسي، حيث رُبط نقص الفولات النشط بالاكتئاب المقاوم للعلاجات التقليدية.
يحتل حمض الفوليك موقعاً مركزياً في بروتوكولات الرعاية الصحية الوقائية، لا سيما في مجال طب التوليد وأمراض النساء. أثبتت الدراسات السريرية الكبرى في أوائل التسعينيات أن تناول مكملات حمض الفوليك قبل الحمل وخلال الأشهر الثلاثة الأولى منه يقلل من خطر الإصابة بتشوهات الأنبوب العصبي، مثل الصلب المشقوق (Spina bifida) وانعدام الدماغ (Anencephaly)، بنسبة تصل إلى 70%.2 وبناءً على هذه المعطيات الراسخة، توصي منظمة الصحة العالمية والهيئات الطبية العالمية بتناول 400 ميكروغرام يومياً من حمض الفوليك لجميع النساء في سن الإنجاب، وتُزاد هذه الجرعة إلى 4000 ميكروغرام (4 ملغ) للنساء اللاتي لديهن تاريخ مسبق بحمل متأثر بهذه التشوهات.3
من الناحية العلاجية، يُستخدم حمض الفوليك كعلاج أساسي لحالات [[فقر الدم الأرومي الضخم|اضطراب يتميز بتضخم خلايا الدم الحمراء]] الناتج عن نقص مستويات الفولات. يؤدي هذا النقص إلى إنتاج خلايا دم حمراء غير ناضجة وكبيرة الحجم تعجز عن نقل الأكسجين بكفاءة عبر الأوعية الدموية، مما يسبب للمريض نوبات من الإرهاق المستمر، وضعف المناعة، وبعض الاعتلالات العصبية الخفيفة.4
كما يُدمج الحمض في بروتوكولات علاج بعض الأمراض المناعية الذاتية والسرطانية. ففي علاج التهاب المفاصل الروماتويدي أو الصدفية الشديدة باستخدام عقار "الميثوتريكسيت" (Methotrexate) (الذي يعمل كمضاد للفولات لتثبيط الخلايا سريعة الانقسام)، يُوصف حمض الفوليك كعلاج داعم لتقليل الآثار الجانبية السامة للدواء على الأنسجة السليمة كالكبد وبطانة المعدة، دون أن يقلل ذلك من فعالية العلاج الأساسي وفقاً للبروتوكولات السريرية المعتمدة عالمياً.4
يوجد الفيتامين ب9 بشكله الطبيعي (الفولات) في مجموعة واسعة من الأطعمة المتنوعة. وتتصدر الخضروات الورقية الداكنة مثل السبانخ والكرنب قائمة المصادر الغنية به، تليها البقوليات بأنواعها كالعدس والفاصوليا والبازلاء، بالإضافة إلى كبد البقر، والحمضيات الطازجة، والمكسرات.1 ومع ذلك، يتميز الفولات الطبيعي بأنه شديد الحساسية للحرارة والأكسدة والضوء، إذ تُفقد نسبة كبيرة منه تتراوح بين 50% إلى 90% أثناء الطهي لفترات طويلة بالغليان أو عند التخزين المطول، كما أن معدل امتصاصه في الأمعاء الدقيقة محدود بطبيعته ولا يتجاوز 50%.3
بالمقابل، يتمتع حمض الفوليك (الشكل الصناعي) بثبات كيميائي عالٍ جداً ومعدل امتصاص حيوي يصل إلى 85% عند تناوله مع الطعام، ويقارب 100% عند تناوله على معدة فارغة.1 هذا الفارق الشاسع في الاستقرار والامتصاص دفع العديد من الحكومات والهيئات الصحية إلى تبني سياسات صحية عامة تتمثل في برامج تدعيم الأغذية الشاملة. في عام 1998، أصدرت [[إدارة الغذاء والدواء|وكالة أمريكية معنية بتنظيم الأدوية والأغذية]] (FDA) قراراً تاريخياً يُلزم بإضافة حمض الفوليك إلى منتجات الحبوب المكررة مثل الطحين والخبز والمعكرونة والأرز. وقد حذت أكثر من 80 دولة حذو الولايات المتحدة في هذا الإجراء التدخلي، مما أسفر عن انخفاض حاد وملموس في معدلات ولادات الأطفال المصابين بتشوهات الأنبوب العصبي على مستوى العالم، في خطوة تُعد من أنجح التدخلات في مجال الصحة العامة الحديثة.2
ولم تقتصر نتائج برامج التدعيم على تقليل التشوهات الخلقية العصبية فحسب، بل أشارت تحليلات اقتصادية صحية لاحقة إلى توفير مليارات الدولارات من تكاليف الرعاية الصحية المباشرة وغير المباشرة التي كانت ستُصرف على رعاية وتأهيل الأفراد المصابين بإعاقات دائمة. ورغم هذا النجاح، لا تزال دول كثيرة، خاصة في القارة الأوروبية، ترفض فكرة التدعيم الإجباري الشامل، مفضلة الاعتماد على برامج التثقيف الصحي والتوصية بتناول المكملات الفردية للمستهدفين، متذرعة بالمخاوف المتعلقة بالاستهلاك المفرط للفيتامين من قبل فئات لا تحتاجه.2
على الرغم من فوائده الجمة المؤكدة سريرياً، أثار الاستهلاك الواسع النطاق والمستمر لحمض الفوليك، خاصة عبر الأطعمة المدعمة المتاحة للجميع، بعض المخاوف والنقاشات العميقة داخل المجتمع العلمي والطبي. التحدي الطبي الأبرز يكمن في قدرة الجرعات العالية من حمض الفوليك على "إخفاء" أو قناع أعراض نقص فيتامين ب12 المكتوم. فتناول كميات كبيرة من الحمض يمكن أن يصحح خلل إنتاج كريات الدم الحمراء ويعالج فقر الدم الناجم عن نقص ب12، لكنه في المقابل لا يوقف التدهور العصبي التدريجي المرتبط بذلك النقص.1 وإذا تُرك النقص الكامن دون تشخيص وعلاج لاعتقاد الطبيب أو المريض بأن الحالة الصحية مستقرة بناءً على تحسن صورة الدم، فقد يؤدي ذلك مع مرور الوقت إلى تلف عصبي دائم وتدهور إدراكي لا يمكن عكسه طبياً.
برز جدل علمي يتعلق بما يُعرف طبياً بـ "حمض الفوليك غير المُمَثَّل" (Unmetabolized Folic Acid - UMFA) في مجرى الدم. نظراً لأن الكبد البشري يمتلك قدرة محدودة على تحويل حمض الفوليك الصناعي إلى صيغته النشطة بمعدل سريع، فإن تناول جرعات تتجاوز الحد الأقصى الموصى به (وهو 1000 ميكروغرام يومياً للبالغين) يؤدي إلى تراكم الحمض غير الممثل في البلازما بشكل حر. وقد ربطت بعض الدراسات الرصدية بين مستويات UMFA المرتفعة لفترات طويلة وتأثيرات سلبية محتملة على وظائف الخلايا المناعية، رغم عدم وجود توافق قاطع حتى الآن حول خطورتها السريرية.
علاوة على ذلك، أُثيرت فرضيات طبية معقدة حول دور حمض الفوليك المزدوج في نشأة وتطور الأورام السرطانية. فمن جهة، تُجمع المصادر العلمية على أن المستويات الكافية من الفولات تحمي بشكل فاعل من [[الطفرات الجينية|تغيرات دائمة في تسلسل المادة الوراثية]] التي قد تحفز بداية التسرطن، مما يجعل الفيتامين عاملاً وقائياً أساسياً في الحفاظ على استقرار الحمض النووي في الأنسجة السليمة. ومن جهة أخرى، تشير أبحاث تجريبية إلى أن الجرعات المرتفعة جداً قد تُغذي الخلايا السرطانية الموجودة بالفعل أو الآفات محتملة التسرطن وتسرع من وتيرة انقسامها ونموها، لا سيما في سرطانات القولون والمستقيم والبروستاتا.4 غير أن هذه النتائج لا تزال محط نقاش مستمر، وتتطلب دراسات سريرية طويلة الأمد لترسيخ أي توصية بتغيير الجرعات القياسية المعتمدة حالياً للوقاية والمكملات.
موسكو – أوصت الدكتورة يلينا ميلايفا خبيرة التغذية بإدراج اليقطين والبروكلي والشمندر ضمن المائدة اليومية قبيل بدء موسم البرد، لتنشيط منظومة المناعة ودعم قدرة الجسم على التصدي للفيروسات الموسمية المتزامنة مع تقلبات الطقس.
أوضحت ميلايفا أن الخضراوات الموسمية تكتسب أهمية مضاعفة خلال فصلي الخريف والشتاء، إذ توفر للجسم حصصاً وفيرة من الفيتامينات والمعادن بتكلفة اقتصادية مناسبة مقارنة ببدائل أخرى. ويعد اليقطين مصدراً حيوياً للبوتاسيوم وعنصر فيتامين سي، إضافة إلى غناه بمادة [[البكتين|ألياف قابلة للذوبان تدعم الهضم]] التي تحسن أداء الجهاز الهضمي والقلب. من جهته، يحتوي البروكلي على مضادات أكسدة فاعلة تسهم في تقوية خطوط الدفاع الطبيعية ضد نزلات البرد، بينما يمد الشمندر الأوعية الدموية والكبد بدعم واسع بفضل احتوائه على الحديد ومركب [[حمض الفوليك|فيتامين بي الضروري لتجدد الخلايا]]، فضلاً عن صبغة البيتالين التي تحد من تلف الأنسجة الناتج عن الإجهاد التأكسدي. وتتزامن هذه الإرشادات مع التحذيرات السنوية التي تطلقها [[منظمة الصحة العالمية|وكالة أممية تُعنى بالصحة العامة]] بشأن تصاعد حدة [[الإنفلونزا الموسمية|عدوى فيروسية تصيب الجهاز التنفسي]] مع هبوط درجات الحرارة وتراجع الرطوبة الجوية، ما يجعل تنويع العناصر النباتية الطازجة خطوة وقائية أساسية تقلل من قابلية التقاط الميكروبات الشائعة في الأماكن المغلقة.
حزب الليكود (بالعبرية: הַלִּיכּוּד، وتعني التكتل) هو الحزب السياسي الرئيسي في يمين ووسط اليمين في إسرائيل، والمنافس التاريخي الأبرز لمعسكر اليسار والوسط الممثل تاريخياً بـ [[حزب العمل الإسرائيلي|المنافس السياسي الرئيسي لليكود]]. يُعد الليكود اليوم القوة السياسية الأكثر هيمنة على المشهد السياسي الإسرائيلي منذ أواخر السبعينيات، حيث قاد الحكومة الإسرائيلية لفترات زمنية تفوق أي حزب آخر في العقود الأخيرة1. يتبنى الحزب مبادئ الصهيونية التصحيحية، ويجمع بين القومية اليهودية، والدعوة إلى اقتصاد السوق الحر، والمواقف المتشددة إزاء القضايا الأمنية والحدود، إلى جانب دعمه الواسع للمشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ترجع الجذور الفكرية والسياسية لحزب الليكود إلى تيار الصهيونية التصحيحية الذي أسسه [[زئيف جابوتينسكي|الزعيم الروحي للصهيونية التصحيحية]] في العشرينيات من القرن العشرين، والذي اختلف جذرياً مع الصهيونية العمالية ذات الميول الاشتراكية التي قادها دافيد بن غوريون. وعقب إعلان تأسيس دولة إسرائيل، قام [[مناحيم بيغن|مؤسس الحزب وأول رئيس وزراء له]] بتأسيس حركة "حيروت" لتكون المظلة السياسية لليمين الصهيوني ومعارضة صارمة لحزب "ماباي" الحاكم. طوال عقدي الخمسينيات والستينيات، ظلت حركة حيروت في صفوف المعارضة، وحاولت تدريجياً كسر العزلة السياسية التي فرضها عليها بن غوريون1.
في عام 1965، اتخذ اليمين الإسرائيلي أولى خطواته الكبرى نحو التوحد بتشكيل تحالف "جاحال" الذي ضم حركة حيروت والحزب الليبرالي الإسرائيلي. ورغم هذا التحالف، بقي اليمين عاجزاً عن تشكيل حكومة حتى وقعت حرب أكتوبر، والتي أحدثت زلزالاً في الوعي السياسي الإسرائيلي وأضعفت ثقة الناخبين بالقيادة العمالية التقليدية. استغل الجنرال المتقاعد حينها [[أرييل شارون|رئيس وزراء إسرائيلي سابق]] هذه الأجواء، وضغط لتوسيع قاعدة التحالف اليميني استعداداً للانتخابات التشريعية.
تُوِّجت هذه الجهود في الثالث عشر من سبتمبر من عام 1973 بالإعلان رسمياً عن تأسيس "حزب الليكود"، الذي وُلد باندماج تحالف جاحال مع أحزاب يمينية أخرى أصغر حجماً مثل المركز الحر، والقائمة الرسمية، وحركة أرض إسرائيل الكاملة2. مثّل هذا الاندماج نقطة تحول مفصلية، إذ أتاح لليمين تقديم جبهة موحدة وقوية قادرة على اجتذاب الفئات الناقمة على حكم اليسار، ولا سيما اليهود الشرقيين (السفارديم والمزراحيم) الذين عانوا من التهميش الاقتصادي والاجتماعي في ظل النخبة الأشكنازية المؤسسة. وفي انتخابات عام 1977، حقق الليكود فوزاً تاريخياً، عُرف في الأدبيات السياسية الإسرائيلية بـ "الانقلاب"، ليصعد مناحيم بيغن إلى سدة الحكم ويُنهي عقوداً من احتكار اليسار للسلطة.
انطلق حزب الليكود في أدبياته التأسيسية من رؤية قومية متشددة تؤمن بـ "إسرائيل الكبرى"، وتؤكد على حق الشعب اليهودي في الاستيطان والسيادة على كامل الأراضي الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. ومع أن الحزب قد أجرى بعض التعديلات البراغماتية على مساره عبر العقود، إلا أن أدبياته وبرامجه الانتخابية ظلت محتفظة بثوابت أيديولوجية واضحة3، وتتلخص في المحاور الآتية:
شكلت حقب تولي الليكود للسلطة ملامح السياسة الداخلية والخارجية لإسرائيل المعاصرة. يمكن تقسيم المسار السياسي للحزب في الحكم إلى حقب رئيسية ارتبطت بأسماء قادته التاريخيين:
تميزت فترة مناحيم بيغن بكونها فترة إرساء شرعية اليمين الحاكم. وفي تحول مفاجئ للعديد من مراقبي سياسته اليمينية المتشددة، وقّع بيغن [[اتفاقية كامب ديفيد|أول معاهدة سلام مع دولة عربية]] مع مصر، وانسحب بالكامل من شبه جزيرة سيناء. غير أن فترته شهدت أيضاً تكثيفاً للاستيطان، وتوجت بتورط إسرائيل في حرب لبنان الأولى عام 1982. خلفه إسحاق شامير، الذي عُرف بمواقفه الأكثر تصلباً، وقاد إسرائيل خلال [[الانتفاضة الفلسطينية الأولى|هبة شعبية فلسطينية]]، وشارك تحت ضغط أمريكي في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
بعد فترة حكم قصيرة لليسار، تمكن [[بنيامين نتنياهو|أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاء في المنصب]] من قيادة الليكود للعودة إلى السلطة في عام 1996، متعهداً بإبطاء مسار اتفاقيات أوسلو، لكن حكومته سقطت عام 1999. عاد الليكود بقوة في عام 2001 بقيادة أرييل شارون في أوج الانتفاضة الفلسطينية الثانية. اتخذ شارون قرارات عسكرية حاسمة أعادت احتلال مدن الضفة الغربية، لكنه أحدث زلزالاً داخل الليكود عندما طرح خطة فك الارتباط والانسحاب أحادي الجانب من [[قطاع غزة|منطقة جغرافية ساحلية فلسطينية]] عام 2005. أدت الخطة إلى انقسام حاد داخل الحزب، ما دفع شارون للانشقاق وتأسيس حزب "كاديما"، تاركاً الليكود في حالة انهيار انتخابي تراجع فيها إلى مقاعد محدودة جداً في [[الكنيست|البرلمان الإسرائيلي]]1.
أعاد نتنياهو بناء الحزب وقاده لفوز متتالٍ منذ عام 2009، ليصبح أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في المنصب. خلال هذه الحقبة الطويلة، أحدث الليكود تحولات عميقة، حيث تراجعت الخطابات المتعلقة بحل الدولتين لصالح إدارة الصراع، وتعززت علاقات إسرائيل الدولية، خصوصاً مع توقيع "اتفاقيات إبراهيم". بيد أن هذه الفترة شهدت أيضاً تماهياً متزايداً مع أقصى اليمين الديني والقومي لتأمين الائتلافات الحكومية، وهو ما انعكس على شكل سياسات داخلية صدامية.
خضع حزب الليكود في العقود الأخيرة لتحولات بنيوية وأيديولوجية واسعة. فقد انتقل من حزب محافظ تقليدي تحكمه مؤسسة من "الأمراء" (أبناء القيادات المؤسسة مثل داني مريدور وبيني بيغن) إلى حزب شعبوي يعتمد على الولاء الشخصي للزعيم، وخاصة في حقبة نتنياهو الممتدة. وقد أدى نظام الانتخابات التمهيدية (البرايمريز) إلى تعزيز قوة جماعات الضغط الداخلي، وخصوصاً فئة المستوطنين، التي فرضت على مرشحي الحزب تبني خطابات أكثر تشدداً لضمان بقائهم السياسي1.
أثارت سياسات الليكود، بقيادة نتنياهو، جدلاً داخلياً غير مسبوق في إسرائيل. فقد واجهت حكوماته اتهامات بمحاولة تقويض استقلالية القضاء وإضعاف المؤسسات الديمقراطية. وبلغت الأزمة ذروتها في عام 2023 مع خطة "الإصلاح القضائي" التي أدت إلى انقسام مجتمعي حاد ومظاهرات عارمة استمرت لأشهر. ويرى منتقدو الحزب أن الليكود بات أسير القضايا القانونية التي تلاحق نتنياهو، مما دفعه للتحالف مع أحزاب اليمين المتطرف، وتقديم تنازلات سياسية وتشريعية تضر بصورة إسرائيل الدولية وتعمق الشرخ العلماني الديني داخل البلاد.
شهدت السنوات التي تلت اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 تحديات مصيرية لحزب الليكود وقيادته. فمع استمرار الحرب، تعرض الحزب وحكومته لانتقادات لاذعة داخلياً بسبب الفشل الأمني الذي رافق الهجوم المباغت، فضلاً عن طريقة إدارة ملف المحتجزين والأزمات المتفاقمة مع الإدارة الأمريكية. أظهرت استطلاعات الرأي تذبذباً حاداً في شعبية الليكود، وتصاعدت المطالبات الداخلية بإجراء انتخابات مبكرة، في ظل استمرار الحرب وامتداد التوترات إلى جبهات إقليمية أوسع.
وفي إطار مساعيه لإحكام السيطرة على المشهد السياسي وتأمين مستقبله الانتخابي، اتخذ الليكود في أواخر عام 2026 خطوات سياسية حادة، كان أبرزها سعيه القانوني والبرلماني لمنع قوائم سياسية عربية، مثل القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة (راعم)، من خوض انتخابات الكنيست، بدعوى معارضتها لتوجهات الدولة الأمنية4. تعكس هذه الخطوات نهجاً متزايداً في إقصاء الخصوم وتوطيد التحالف مع اليمين المتشدد للحفاظ على أغلبية يمينية خالصة، مما يبقي الليكود في قلب العواصف السياسية التي ترسم مستقبل دولة إسرائيل والصراع الإقليمي بأكمله.
محمد حسنين هيكل (23 سبتمبر 1923 – 17 فبراير 2016) هو صحفي، ومؤرخ، ومفكر استراتيجي مصري، يُعدّ أحد أشهر وأبرز الصحفيين العرب في القرن العشرين، بل وربما في التاريخ العربي الحديث كله. لم يكن هيكل مجرد ناقل للأخبار أو معلّق عليها، بل كان صانعاً وجزءاً أصيلاً من المطبخ السياسي الذي صاغ تاريخ مصر والمنطقة العربية لأكثر من نصف قرن. ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بثورة 23 يوليو 1952، وتحديداً بالرئيس المصري الراحل [[جمال عبد الناصر|الرئيس المصري الأسبق]]، حيث اعتُبر "المنظّر" الحقيقي للحقبة الناصرية، وكاتب خطابات ناصر ومستشاره الأقرب1. تولى رئاسة تحرير جريدة الأهرام لسبعة عشر عاماً متتالية، نقلها خلالها لتصبح واحدة من أهم الصحف العالمية. امتد تأثير هيكل عبر عقود متتالية، مروراً بعهد أنور السادات الذي اختلف معه ودخل السجن في عهده، ثم عهد حسني مبارك، وصولاً إلى ثورة 25 يناير وما تلاها من أحداث، حيث ظل قلمه وصوته حاضرين بقوة عبر مؤلفاته الضخمة وبرامجه التلفزيونية التوثيقية.
ولد محمد حسنين هيكل يوم الأحد 23 سبتمبر 1923 في إحدى قرى محافظة القليوبية في ظل المملكة المصرية. نشأ في أسرة ميسورة الحال تعمل في تجارة القمح والحبوب في دلتا النيل. كان هو الابن الأكبر في العائلة التي ضمّت ثلاث شقيقات أخريات، وكان مسار حياته المتوقع أن يتولى إدارة أعمال العائلة التجارية. غير أن ميوله الثقافية وشغفه بالقراءة والمعرفة دفعته لاختيار مسار مختلف تماماً. تلقى تعليمه الأساسي في المدارس المصرية، ثم واصل دراسته العليا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث أتاح له هذا التعليم إتقان اللغة الإنجليزية والاطلاع المبكر على الثقافة الغربية والمدارس الصحفية العالمية2.
بدأ شغف هيكل بالصحافة في سن مبكرة، وفي عام 1942، وفي خضم الحرب العالمية الثانية، خطا خطواته الأولى في بلاط صاحبة الجلالة. كانت مصر حينها تعج بالأحداث السياسية والعسكرية، وتتواجد فيها قوات الحلفاء بكثافة. هذه الأجواء المشحونة وفّرت للصحفي الشاب بيئة خصبة لتعلم فنون التغطية الميدانية والتحقيق الصحفي. عمل في بداياته في صحيفة "الإيجيبشيان جازيت" (The Egyptian Gazette) الصادرة باللغة الإنجليزية، ثم انتقل للعمل في مجلة "آخر ساعة" الأسبوعية، حيث برزت قدراته في صياغة التحقيقات المعمقة وتغطية مناطق النزاع، ما لفت أنظار كبار الصحفيين آنذاك مثل محمد التابعي وعلي أمين.
شهدت مسيرة هيكل المهنية قفزات نوعية جعلت منه الشاهد الأبرز على أحداث العصر. يمكن تقسيم حياته المهنية إلى محطات رئيسية حددت مساره:
إرث هيكل لا يقتصر على المقالات الصحفية، بل يمتد ليشمل إنجازات مؤسسية ومكتبة فكرية ضخمة أثرت المكتبة العربية والعالمية:
تميزت كتابات هيكل باللغة الأدبية الرصينة، والقدرة الفائقة على قراءة السياقات التاريخية، والاعتماد الكبير على الوثائق والمحاضر الرسمية التي احتفظ بنسخ منها في أرشيفه الشخصي الذي عُرف بأنه من أضخم الأرشيفات الخاصة في المنطقة.
باعتباره شخصية عامة ومؤثرة لعقود، لم يكن هيكل بعيداً عن مرمى الانتقادات والجدل، وتلخصت أبرز مواقفه والانتقادات الموجهة إليه في المحاور التالية:
رأى عدد من الباحثين والمؤرخين، وبعض خصومه السياسيين، أن كتابات هيكل التاريخية لم تكن محايدة تماماً، بل كانت تُقرأ من منظور "الناصرية". واتُهم في بعض الأحيان بتوظيف الوثائق وتفسيرها بما يخدم رؤيته القومية والسياسية، وتهميش بعض الأطراف الفاعلة الأخرى لتلميع صورة الزعيم جمال عبد الناصر.
سياسياً، كان هيكل من أشد المدافعين عن المشروع القومي العربي، ووقف بصلابة ضد سياسات التطبيع المنفردة، مما جعله يرفض بشدة اتفاقية كامب ديفيد. كما كان له موقف حذر وناقد تجاه سياسات الرئيس حسني مبارك في سنواته الأخيرة، لا سيما ما عُرف بملف "التوريث"، حيث حذر مراراً من أن مصر تواجه أزمة سلطة وشرعية.
على صعيد آخر، واجه هيكل انتقادات من قوى اليمين والتيار الإسلامي. فقد اعتبره الإسلاميون، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين، مهندساً للسياسات القمعية ضدهم في حقبة الستينيات، وأنه وفر الغطاء الأيديولوجي والإعلامي للنظام الناصري للبطش بمعارضيه3. وفي المقابل، هاجمته بعض الأوساط المحافظة في الدول العربية بسبب تحليلاته الجريئة التي اعتبروها تدخلاً أو تقييماً قاسياً لأنظمتهم السياسية.
شكلت تجربة محمد حسنين هيكل مدرسة صحفية متكاملة (عُرفت بمدرسة الأهرام أو مدرسة هيكل)، تخرج فيها أجيال من كبار الصحفيين والكتاب العرب. كان له الفضل في إدخال تقاليد صحفية حديثة إلى العالم العربي، مثل التحليل الاستراتيجي المبني على المعلومات، واستكتاب الخبراء والعلماء، وتوظيف التقارير الدولية في سياق الخبر المحلي.
توفي الأستاذ هيكل في 17 فبراير 2016 بعد صراع مع مرض الفشل الكلوي عن عمر يناهز 92 عاماً. شيّعت جنازته في القاهرة بحضور شعبي ورسمي واسع، تاركاً وراءه فراغاً كبيراً في الساحة الفكرية والصحفية العربية. رحل هيكل، لكن كتبه ومقالاته وبرامجه ظلت حاضرة كمرجعية لا غنى عنها لكل باحث في تاريخ العرب المعاصر، محتفظاً بلقب "جورنالجي" كما كان يحب أن يصف نفسه دائماً، ليظل شاهداً استثنائياً على قرن من التحولات العاصفة.
غازي كنعان (1942 - 12 أكتوبر 2005)، عسكري وسياسي سوري برز كأحد أقوى رجالات الاستخبارات السورية وأكثرهم نفوذاً خلال النصف الثاني من القرن العشرين. شغل منصب رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري في لبنان لقرابة عقدين من الزمن، ليُعرف خلالها على نطاق واسع بكونه "الحاكم الفعلي" ومهندس السياسة السورية في لبنان، قبل أن يعود إلى دمشق في أواخر مسيرته ليتولى رئاسة شعبة الأمن السياسي ثم حقيبة وزارة الداخلية السورية. اتسمت مسيرته بالسطوة والغموض، ولعب دوراً محورياً في صياغة المشهد السياسي اللبناني في حقبة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، وإرساء دعائم النفوذ السوري هناك. انتهت حياته بظروف مثيرة للجدل والتشكيك، حين أُعلن عن انتحاره بطلق ناري في مكتبه بدمشق عام 2005، وذلك في خضم ضغوط دولية غير مسبوقة وتحقيقات أممية مكثفة أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق.
ولد غازي كنعان عام 1942 في قرية [[بحمرا|قرية سورية باللاذقية]] الجبلية التابعة لمحافظة اللاذقية على الساحل السوري. نشأ في كنف عائلة تنتمي إلى الطائفة العلوية التي تشكل شريحة واسعة في تلك المنطقة، وتلقى تعليمه الأساسي في مسقط رأسه ومدارس الساحل، قبل أن يتوجه في شبابه نحو الحياة العسكرية التي كانت في تلك الحقبة البوابة الرئيسية للصعود السياسي والاجتماعي والنفوذ في سوريا، لا سيما بعد تولي حزب البعث العربي الاشتراكي مقاليد السلطة1.
التحق كنعان بالكلية العسكرية في مدينة [[حمص|مدينة سورية وسط البلاد]]، وتخرج منها عام 1965 برتبة ملازم. تميز خلال مسيرته العسكرية المبكرة بالانضباط والولاء والانخراط العميق في العمل الأمني، ما أهله ليتدرج سريعاً في المناصب الحساسة ضمن تشكيلات المخابرات السورية. وبعد وصول الرئيس السوري الأسبق [[حافظ الأسد|رئيس سوري أسبق]] إلى سدة الحكم في بداية السبعينيات، تعززت مكانة كنعان داخل الأجهزة الأمنية، كجزء من استراتيجية النظام في الاعتماد على ضباط يمتلكون الولاء المطلق والقدرة على الحسم2.
وفي تطور لافت في مسيرته الميدانية، عُين كنعان رئيساً لفرع المخابرات العسكرية (الذي كان يُعرف محلياً بالشعبة الثانية) في المنطقة الوسطى ومقرها حمص. وقد استمر في هذا المنصب الحساس لعدة سنوات امتدت حتى عام 1982. وخلال تلك الفترة، تزامنت مسؤوليته مع تحديات أمنية كبرى، حيث أشرف كنعان على إدارة الملفات الأمنية المعقدة في حمص وما حولها، وأظهر حزماً كبيراً في ضبط الأمن والتعامل مع التحركات المناوئة للسلطة، ما لفت أنظار القيادة السياسية والأمنية العليا في دمشق إلى قدراته الاستخباراتية الاستثنائية ومهاراته في التنظيم والسيطرة، وجعله المرشح الأبرز لتولي ملفات إقليمية أكثر تعقيداً في ظل اشتعال الأزمات الإقليمية المحيطة بسوريا1.
شكل عام 1982 نقطة تحول كبرى في مسيرة غازي كنعان المهنية والسياسية؛ ففي خضم فوضى الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان، قررت القيادة السورية تكليفه بمهمة استراتيجية دقيقة، وعُين رئيساً لـ"جهاز الأمن والاستطلاع" التابع للقوات العربية السورية العاملة في لبنان. كان هذا الجهاز، من الناحية العملية، يمثل واجهة النفوذ العسكري والأمني والسياسي السوري في الساحة اللبنانية المتشابكة، وأداة دمشق المباشرة لإدارة الأزمة هناك2.
منذ تسلمه مهامه، اختار كنعان بلدة عنجر الواقعة في سهل البقاع مقراً لمركزه الميداني. ولم يكن اختيار هذه البلدة عشوائياً؛ فقد كانت تمثل نقطة ارتكاز جغرافية استراتيجية تضمن القرب الجغرافي والأمني من العاصمة دمشق، مع احتفاظها بإطلالة واسعة على الداخل اللبناني. وفي غضون سنوات قليلة، تحول مقر الاستخبارات السورية في عنجر إلى ما يشبه "العاصمة السياسية والأمنية" للبنان، ومزاراً يومياً تتوافد إليه شخصيات لبنانية من كافة الأطياف السياسية والطائفية؛ من رؤساء جمهوريات وحكومات، إلى وزراء ونواب وزعماء ميليشيات، سعياً للحصول على الدعم أو تثبيت الأدوار في تركيبة السلطة اللبنانية3.
لم يقتصر دور غازي كنعان على المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية؛ بل امتد إلى هندسة الحكومات اللبنانية المتعاقبة، والمصادقة على التعيينات الإدارية والأمنية الدقيقة، وحسم الخلافات المستعصية بين الفصائل اللبنانية المتناحرة. لعب كنعان دوراً جوهرياً في دعم وتوجيه الفصائل الموالية لدمشق، وساهم بقوة في إرساء دعائم [[اتفاق الطائف|وثيقة الوفاق الوطني اللبناني]] الذي وُقع عام 1989، والذي وضع حداً رسمياً للحرب الأهلية اللبنانية بتوافق إقليمي ودولي أوكل لسوريا دور "الضامن" الحصري للاستقرار في لبنان2.
وفي حقبة ما بعد الطائف، أشرف كنعان، تنفيذاً للاستراتيجية السورية، على عملية نزع سلاح الميليشيات اللبنانية المتنازعة وتوحيد مؤسسات الدولة، مع استثناء استراتيجي وحيد تمثل في الإبقاء على سلاح "حزب الله" تحت عنوان "المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي" في جنوب لبنان. وطوال عقدين من الزمن، رسخ كنعان لنفسه صورة "المندوب السامي" الذي أدار التناقضات اللبنانية ببراعة فائقة، مستخدماً سياسة العصا والجزرة لترويض الخصوم والحفاظ على مصالح دمشق العليا. ورغم القبضة الأمنية الصارمة التي مارسها ضد القوى المناهضة للوجود السوري، فقد نسج علاقات وثيقة ومباشرة ومصالح اقتصادية متشابكة مع العديد من أقطاب السياسة في لبنان، وكان أبرزها علاقته الطويلة والمتقلبة مع [[رفيق الحريري|رئيس وزراء لبنان الأسبق]]، وهي العلاقة التي تدهورت بشكل حاد في السنوات التي سبقت اغتيال الحريري3.
في أواخر عام 2002، وفي ظل متغيرات إقليمية حادة وتغييرات متسارعة في هيكلية السلطة بدمشق بعد تولي الرئيس [[بشار الأسد|الرئيس السوري]] مقاليد الحكم، أُنهيت مهام غازي كنعان في لبنان بشكل رسمي، وجرى تكريمه عسكرياً في بيروت بمناسبة انتهاء مهامه الطويلة، ليخلفه في موقعه نائبه العميد [[رستم غزالة|ضابط أمن سوري]]4. عاد كنعان إلى دمشق محملاً بخبرة واسعة وعلاقات إقليمية متشعبة، ليُكلف بمنصب بالغ الأهمية في الداخل السوري وهو رئاسة "شعبة الأمن السياسي"، أحد أعرق الأجهزة الأمنية في البلاد. ولم تكن هذه العودة مجرد ترقية روتينية، بل قرأها المحللون في سياق ترتيبات البيت الداخلي التي كان يقودها الرئيس الجديد لإحكام سيطرته على مفاصل الدولة، عبر إعادة تموضع رموز "الحرس القديم"3.
خلال فترة رئاسته لشعبة الأمن السياسي، سعى كنعان إلى إعادة هيكلة الجهاز وتعزيز هيبته وقبضته في الداخل السوري، كما واصل لعب دور في الملفات الأمنية الإقليمية، بما في ذلك التعاون الأمني الحدودي وتنسيق الملفات المخابراتية مع الدول المجاورة، والتعامل مع التداعيات الأمنية الخطيرة للغزو الأمريكي للعراق عام 2003. أظهر كنعان قدرة مستمرة على التكيف، إلا أن طموحه السياسي وتاريخه الأمني الثقيل كانا يجعلانه شخصية ذات ثقل مركزي يتجاوز حدود منصبه1.
وفي خطوة وُصفت بأنها ترفيع يمهد لخروجه من الخدمة العسكرية لبلوغه السن القانونية للتقاعد، عُين غازي كنعان وزيراً للداخلية بصفته المدنية في تشرين الأول/أكتوبر 2004 في حكومة محمد ناجي العطري. من موقعه كوزير، عمل كنعان على فرض سلطة الوزارة الإدارية والأمنية، وأصدر قرارات صارمة شملت محاسبة وسجن عدد من الضباط والمسؤولين لفرض الانضباط واستئصال التسيب، مستفيداً من تاريخه المهاب وسمعته الأمنية. غير أن دوره كوزير للداخلية سرعان ما واجه أصعب اختباراته الدبلوماسية والأمنية مع اندلاع أزمة التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود، وما تبعها من سلسلة تفجيرات واغتيالات سياسية في لبنان4.
شهدت السنوات والأشهر الأخيرة من مسيرة غازي كنعان تقلبات عاصفة وضغوطاً دولية غير مسبوقة. فبعد الجريمة المروعة لاغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005، وُجهت أصابع الاتهام اللبنانية والدولية بشكل مباشر وصريح إلى الأجهزة الأمنية السورية وحلفائها اللبنانيين. وعلى الرغم من أن كنعان كان قد غادر الملف اللبناني رسمياً قبل حادثة الاغتيال بنحو ثلاث سنوات، إلا أن ارتباط اسمه التاريخي بالمنظومة الأمنية في لبنان، ومعرفته العميقة بتفاصيل الساحة اللبنانية، جعلته في صلب العاصفة السياسية والإعلامية5.
تصاعدت الضغوط الدولية على دمشق بشكل متسارع، وصدر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1559 الذي طالب بانسحاب كافة القوات الأجنبية من لبنان، ما أدى في نهاية المطاف إلى انسحاب الجيش السوري بالكامل في نيسان/أبريل 2005. تزامناً مع ذلك، شُكلت لجنة تحقيق دولية مستقلة برئاسة القاضي [[ديتليف ميليس|محقق دولي ألماني]] (Detlev Mehlis) للتحقيق في جريمة الاغتيال. وفي إطار عمل اللجنة، طلب ميليس الاستماع إلى شهادات عدد من كبار المسؤولين الأمنيين السوريين كشهود، وكان اللواء غازي كنعان في طليعتهم. وفي أيلول/سبتمبر 2005، التقى كنعان بمحققي اللجنة في منتجع "مونتي روزا" (Monte Rosa) الجبلي القريب من دمشق، وهو اللقاء الذي أُحيط بسرية تامة وتكتم شديد، وتسربت حوله لاحقاً شائعات كثيرة5.
بالتوازي مع مجريات التحقيق، استبقت الإدارة الأمريكية صدور أي نتائج رسمية، وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تجميد الأصول والممتلكات الخاصة بغازي كنعان ورستم غزالة في لبنان والولايات المتحدة، بتهمة زعزعة استقرار لبنان ودعم الإرهاب، في خطوة اعتبرتها دمشق تدخلاً مسيساً يستهدف النيل من سيادتها. وجدت القيادة السورية نفسها في موقف دفاعي حرج للغاية، بينما تناقلت وسائل الإعلام اللبنانية والدولية تقارير وتسريبات تتهم كنعان بالفساد المالي وتلقي رشاوى ضخمة وتغطية عمليات تصفية سياسية، وهو ما اعتبره كنعان شخصياً حملة تشويه ممنهجة استهدفت تدمير تاريخه العسكري وصورته التي بناها على مدى عقود4.
في ظهيرة يوم الأربعاء 12 تشرين الأول/أكتوبر 2005، وقبل صدور تقرير ديتليف ميليس بأيام قليلة، اهتزت العاصمة السورية والمنطقة العربية بخبر إعلان وفاة وزير الداخلية اللواء غازي كنعان داخل مكتبه في مبنى الوزارة بدمشق. وفي تصريح سريع ومقتضب، أعلنت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) أن كنعان قد أقدم على الانتحار بواسطة مسدس. ولاحقاً في اليوم ذاته، أعلن المحامي العام الأول في دمشق انتهاء التحقيقات الرسمية، مؤكداً أن كنعان أدخل فوهة المسدس في فمه وأطلق رصاصة واحدة أودت بحياته فوراً، وأن الحادثة موثقة بناءً على شهادات العاملين في مكتبه، ومنهم مدير مكتبه الذي أفاد بأن الوزير غادر لفترة قصيرة إلى منزله ثم عاد وأغلق باب مكتبه قبل سماع دوي الرصاصة6.
ما زاد من كثافة الغموض حول الحادثة هو الاتصال الهاتفي الأخير والمفاجئ الذي أجراه كنعان قبل نحو ساعة من إعلان وفاته مع إذاعة مسموعة في لبنان، حيث تحدث مع الإعلامية اللبنانية وردة الزامل. في تلك المكالمة الصوتية المسجلة، نفى كنعان بشدة وبنبرة قاطعة الاتهامات بالرشوة والفساد التي أوردتها إحدى المحطات التلفزيونية اللبنانية حول تلقيه أموالاً من الحريري. وأبدى خيبة أمله وأسفه العميق من مواقف بعض السياسيين والإعلاميين اللبنانيين الذين هاجموا سوريا بضراوة، مذكراً بـ"التضحيات" التي قدمتها بلاده. وقد ختم كنعان المكالمة بعبارة شهيرة ومقتضبة أثارت وابلاً من التأويلات الأمنية والسياسية:
أعتقد أن هذا آخر تصريح ممكن أن أعطيه.
غازي كنعان في مكالمته الهاتفية الأخيرة
رفضت شرائح واسعة من الأوساط السياسية والإعلامية، وخاصة المعارضة السورية والسياسيين اللبنانيين المناهضين لدمشق، تصديق الرواية الرسمية للانتحار. ورجحت تقارير عديدة أن يكون كنعان قد تعرض لعملية "تصفية" واغتيال سياسي محكم من قبل أجهزة النظام السوري نفسه. واستند أصحاب هذا الطرح إلى تحليلات تفيد بأن كنعان ربما كان يعتزم تقديم معلومات حاسمة تدين شخصيات عليا للجنة التحقيق الدولية، أو أنه كان ينسق سرياً للإطاحة بالقيادة السورية بالتعاون مع جهات خارجية بعد تدهور الثقة بينه وبين الدائرة الضيقة للرئيس السوري، مما جعله "صندوق أسرار" وعبئاً أمنياً لا يمكن احتماله، فصدر القرار بإسكاته للأبد3.
على الصعيد السياسي، سارع وزير الخارجية السوري آنذاك [[فاروق الشرع|وزير خارجية سوريا الأسبق]] إلى تحميل وسائل الإعلام اللبنانية مسؤولية الانتحار، معتبراً أن حملات التشهير الكاذبة والتسريبات الظالمة كانت أشد فتكاً من الرصاص. في المقابل، تباينت ردود الفعل في لبنان؛ فاعتبر الزعيم الدرزي [[وليد جنبلاط|سياسي لبناني]] أن الانتحار، إن كان احتجاجاً على المس بكرامته، هو "عمل شجاع لرجل شجاع"، بينما علق النائب ميشال عون ببرود قائلاً إن كنعان "خدم النظام السوري حتى الانتحار". وعلى المستوى الدولي، رفضت واشنطن الإدلاء بأي تعليق رسمي، في حين اتهمت إسرائيل النظام السوري صراحة بقتله لطمس الأدلة المتعلقة باغتيال الحريري6.
ترك غازي كنعان خلفه إرثاً شديد التعقيد والتناقض والتشابك. ففي القراءة الرسمية للقيادة السورية الكلاسيكية، كان كنعان ضابطاً كفؤاً ورجل دولة حازماً وبراغماتياً، استطاع إدارة أعقد الملفات الإقليمية في أحلك الظروف الإقليمية والدولية. ويُنسب إليه الفضل سورياً في إنهاء حمام الدم اللبناني، وضمان استقرار نسبي في الخاصرة الغربية لسوريا، وحماية المصالح الاستراتيجية العليا لبلاده دون التورط في مستنقع المواجهات العسكرية المفتوحة التي كانت تستنزف المنطقة1.
أما في الذاكرة السياسية والشعبية اللبنانية، فيمثل اسم غازي كنعان التجسيد الحي لـ"الوصاية السورية" والقبضة الأمنية الصارمة. بالنسبة لمعارضيه، كان كنعان الحاكم المطلق الذي هندس قوانين الانتخابات المجحفة، وفرض الرؤساء والوزراء، وقمع الحركات السيادية المناهضة للوجود السوري. ورغم ذلك، يعترف الكثير من السياسيين اللبنانيين بأنه كان يتمتع بدهاء سياسي عالٍ وقدرة على فهم سيكولوجية المجتمع اللبناني وتناقضاته الطائفية أفضل من غيره من الضباط السوريين3.
دُفن غازي كنعان في مسقط رأسه بقرية بحمرا الجبلية ضمن مراسم تشييع ودفن أُحيطت بمراقبة أمنية كثيفة وصمت رسمي ملحوظ. وبوفاته الدرامية، طُويت واحدة من أهم الصفحات في تاريخ المخابرات السورية والسياسة الإقليمية، تاركاً وراءه كماً هائلاً من الأسرار المدفونة التي تتعلق بخفايا الحرب الأهلية اللبنانية، واتفاق الطائف، ومرحلة الاغتيالات التي غيّرت وجه الشرق الأوسط الحديث6.
محمد غانم هو ضابط استخبارات سوري بارز، وأول رئيس لـ "فرع الأمن والاستطلاع" التابع للمخابرات العسكرية السورية في [[لبنان|الجمهورية اللبنانية]]. أدّى دوراً تأسيسياً ومفصلياً في تثبيت النفوذ الأمني والسياسي السوري إبّان دخول قوات الردع العربية إلى الأراضي اللبنانية، وأدار الملف اللبناني المعقد عسكرياً وأمنياً من مقره في بلدة شتورة البقاعية منذ عام 1976 وحتى منتصف عام 1983. يُعد غانم المهندس الأول للهيكلية الاستخباراتية السورية التي حكمت مفاصل السياسة اللبنانية لعقود، قبل أن يَخلفه في المنصب العقيد [[غازي كنعان|رئيس جهاز الاستطلاع اللاحق]].
نشأ محمد غانم في بيئة عسكرية ارتبطت بصعود حزب البعث العربي الاشتراكي وتوطيد أركان حكم الرئيس [[حافظ الأسد|الرئيس السوري الراحل]]. انخرط مبكراً في صفوف الجيش العربي السوري وتدرج في الرتب العسكرية ضمن القوات البرية، قبل أن ينتقل للعمل في صفوف المخابرات العسكرية، التي كانت تُعد العمود الفقري للنظام الأمني السوري وحامية توجهاته الاستراتيجية داخلياً وخارجياً.1
في حقبة السبعينيات، وبُعيد ما عُرف بالحركة التصحيحية، برزت حاجة القيادة في دمشق إلى ضباط يمتلكون ولاءً مطلقاً للمؤسسة العسكرية، وقدرة صارمة على التعامل مع الملفات الإقليمية الشائكة. وكان غانم من ضمن النخبة العسكرية التي أوكل إليها الأسد مهام حساسة لضمان أمن النظام وحماية المصالح السورية خارج الحدود.1 ورغم شحّ المعلومات المفتوحة والبيانات الرسمية حول تواريخ ولادته أو تفاصيل نشأته الأولى، إلا أن صعوده العسكري تزامن مع إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية السورية، حيث باتت المخابرات العسكرية اللاعب الأبرز في رسم السياسات وتطبيقها على الأرض.
لم يكن الدخول السوري إلى لبنان عام 1976 مجرد تحرك عسكري عابر لوقف إطلاق النار، بل جاء تتويجاً لمسار سياسي معقد أُقر في قمتي الرياض والقاهرة، حيث مُنحت دمشق غطاءً شرعياً واسعاً تحت مسمى "قوات الردع العربية" لإنهاء [[الحرب الأهلية اللبنانية|النزاع المسلح اللبناني]]. رافق هذا الانتشار العسكري الكثيف، والذي شمل عشرات الآلاف من الجنود السوريين، حاجة ماسة واستراتيجية لإنشاء جهاز استخباراتي مركزي يُشرف على إدارة العمليات على الأرض، ويجمع المعلومات، ويضبط التوازنات الدقيقة بين الفصائل اللبنانية والفلسطينية المتناحرة.2
وقع الاختيار على العقيد محمد غانم (رتبته آنذاك) ليكون أول رئيس لـ "فرع الأمن والاستطلاع" للقوات السورية العاملة في لبنان. لم يكن هذا الفرع مجرد وحدة تقليدية لجمع المعلومات التكتيكية للجيش، بل تطور سريعاً، بفضل الصلاحيات الواسعة التي مُنحت لغانم، ليصبح الحاكم الفعلي والمُوجه الأساسي للسياسة اللبنانية.3 اتخذ غانم من "فيللا الطباع" في بلدة شتورة الاستراتيجية في سهل البقاع مقراً رئيسياً لقيادته، متجنباً العاصمة بيروت التي كانت تغلي بالاشتباكات العنيفة وخطوط التماس.2 ومن هذا المقر الهادئ ظاهرياً، بدأ غانم برسم خيوط شبكة واسعة ومعقدة من العلاقات مع الزعامات السياسية التقليدية، وقادة الميليشيات المسيحية والإسلامية، والشخصيات الدينية والإعلامية، ليؤسس قاعدة النفوذ السوري العميقة في لبنان.
تطلبت إدارة الملف اللبناني في تلك الحقبة براعة قاسية في نسج التحالفات وتفكيكها وفقاً للمصلحة السورية العليا. واجه غانم تحديات كبرى، بدءاً من احتواء طموحات الحركة الوطنية اللبنانية، مروراً بمراقبة وتطويق الفصائل الفلسطينية التي كانت تتخذ من لبنان قاعدة لعملياتها واستقلال قرارها، وصولاً إلى التصدي لمحاولات اختراق الساحة اللبنانية من قبل الاستخبارات الإسرائيلية والغربية.
كانت فترة تولي محمد غانم لفرع الأمن والاستطلاع من أشد الفترات دموية وتعقيداً في تاريخ لبنان الحديث. ارتكزت سياسته الأمنية على مبدأ احتكار السيطرة ومنع أي فصيل، سواء كان لبنانياً أو فلسطينياً، من تحقيق انتصار عسكري أو سياسي حاسم قد يُخل بالتوازن الذي ترعاه دمشق. أدار غانم شبكة واسعة من المخبرين والعملاء، وعمل على استغلال الصراعات الداخلية وتشكيل تحالفات جديدة عبر تقديم الدعم العسكري والمالي لأطراف محددة وحجبه عن أطراف أخرى.3
شهدت حقبته أحداثاً عسكرية وأمنية مفصلية غيّرت وجه المنطقة، من أبرزها:
إلى جانب مهامه الاستخباراتية الصرفة، تكشف بعض المصادر التأريخية الموثقة أن غانم كان يمارس أدواراً ميدانية وعسكرية قيادية مباشرة. في خريف عام 1982، وإبّان الترتيبات المعقدة لانسحاب القوات الفلسطينية وتجميعها في البقاع، تعرض القيادي الفلسطيني البارز سعد صايل (أبو الوليد) لكمين مسلح استهدفه شخصياً. وبحسب مراجع تأريخية لتلك الواقعة، تم الاتصال الفوري بالعميد محمد غانم، بصفته قائداً للواء 91 المدرع السوري المتمركز في المنطقة، لإرسال مروحية طبية لإنقاذ صايل بشكل عاجل، إلا أن غانم اتصل بعد دقائق ليعتذر عن تلبية الطلب، ما أدى إلى تأخر الإنقاذ ووفاة القيادي الفلسطيني لاحقاً متأثراً بجراحه.4
تميزت قيادة محمد غانم بالصرامة الشديدة والقبضة الحديدية التي لم تترك مجالاً للتفاوض المستقل للسياسيين اللبنانيين، حيث أسس ثقافة "الاستدعاء" الأمني لمقر المخابرات. استطاع خلال سنواته السبع في شتورة أن يفرض رهبة كبيرة في نفوس القادة اللبنانيين، إلى درجة أن الكثيرين منهم كانوا يتجنبون اللقاء به لتفادي الإملاءات القاسية أو التورط في صفقات سياسية تفرضها دمشق.2
ينقل الكاتب والنائب اللبناني السابق إيلي الفرزلي في مذكراته أن محمد غانم تمتع بصلاحيات مطلقة ومستقلة جعلت منه الحاكم الفعلي الذي لا يُرد له طلب. ويذكر الفرزلي أنه شخصياً، ورغم قربه اللاحق من الإدارة السورية، حرص على عدم اللقاء بغانم أو إقامة أي علاقة معه طوال فترة وجوده بين عامي 1976 و1983، مبرراً ذلك بأن "ما تسامع عنه وما راج، وكان يصلني، لم يشجِّع على ذلك".2
امتد نفوذ غانم ليشمل ليس فقط المشهد السياسي والعسكري، بل حتى الأوساط الثقافية والإعلامية التي طالما تميز بها لبنان. تشير بعض الشهادات إلى قيام دوريات مسلحة تابعة لفرع المخابرات في شتورة، بتوجيهات مباشرة من غانم، باستدعاء ناشرين وكتاب لبنانيين وعرب للتحقيق معهم بشأن منشورات أو كتب اعتُبرت مسيئة للنظام السوري أو لسياساته الإقليمية، ما يعكس شمولية الرقابة العسكرية التي فرضها الجهاز الأمني في مناطق نفوذه المباشر.5
شكل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 منعطفاً خطيراً في الحضور العسكري والأمني السوري. فقد كشف الغزو عن ثغرات أمنية وعسكرية واسعة في الشبكة التي أسسها غانم، وأدى إلى تغيير ديموغرافي وسياسي كبير في لبنان مع صعود بشير الجميل ثم أمين الجميل إلى سدة الرئاسة اللبنانية، وتنامي النفوذ الإسرائيلي والأميركي المباشر في بيروت والجبل.
أمام هذا المشهد المعقد واختلاط الأوراق، أدركت القيادة في دمشق ضرورة ضخ دماء جديدة في الاستخبارات العسكرية العاملة في لبنان، وتغيير الاستراتيجية للتعامل مع ما سُمي بـ "العصر الإسرائيلي" ومفرزات اتفاق 17 أيار (مايو) 1983. في الأول من تموز (يوليو) 1983، صدر قرار صارم من الرئيس حافظ الأسد بإعفاء العميد محمد غانم من مهامه رئيساً لفرع الأمن والاستطلاع في لبنان، وتعيين العقيد [[غازي كنعان|...]] خلفاً له، ليتم نقل مقر القيادة لاحقاً من شتورة إلى عنجر.3
تضاربت التحليلات حول الأسباب المباشرة والكامنة لإعفاء غانم؛ فبينما ذهب بعض المراقبين والمؤرخين، أمثال نقولا ناصيف في كتابه "جيوش لبنان"، إلى أن التغيير كان ضرورة استراتيجية فرضتها مرحلة ما بعد الاجتياح وحاجة دمشق لشخصية تمتلك ديناميكية وحيوية مختلفة كـ غازي كنعان لترتيب البيت الداخلي اللبناني الموالي لسوريا، أشارت مصادر سياسية أخرى إلى أن غانم أُعفي على خلفية شكوك متراكمة وتجاوزات تتعلق بصلات مالية وإدارية مع بعض أمراء الحرب اللبنانيين، استوجبت سحبه الفوري من موقعه وإعادته إلى دمشق.13
على الرغم من أن اسم غازي كنعان، ومِن بعده رستم غزالي، طغيا لاحقاً على الذاكرة السياسية والإعلامية المتعلقة بالوجود السوري في لبنان لارتباطهما المباشر بتأسيس مقرات "عنجر" الشهيرة التي استمرت حتى عام 2005، إلا أن محمد غانم يبقى المؤسس الأول والحقيقي للهيكلية الاستخباراتية السورية. أرسى غانم القواعد العملية للتعامل مع النخب السياسية اللبنانية، وأسس شبكة العلاقات المالية والإعلامية والأمنية العميقة التي اعتمد عليها واستثمرها مَن جاء بعده في إدارة الشأن اللبناني.
توارى محمد غانم عن المشهد السياسي والإعلامي بشكل شبه كامل بعد انتهاء مهامه في لبنان، ولم تُسجل له مواقف علنية أو أدوار سياسية بارزة في السنوات اللاحقة داخل سوريا، ليبقى واحداً من الشخصيات الأمنية التأسيسية الغامضة التي تركت بصمة ثقيلة في ملف العلاقات السورية اللبنانية، وطوتها سجلات التاريخ الأمني بعيداً عن التوثيق المعمق الذي نالته شخصيات أمنية سورية أخرى.
دمشق – اتفق وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، خلال اتصال هاتفي اليوم، على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في تفاصيل الضربات الجوية الأردنية الأخيرة ومتابعة تداعياتها، بعدما استهدفت مواقع لتنظيم داعش وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين جنوبي البلاد.
جاء الاتصال بعد ساعات من إعلان دمشق رفضها القاطع لعمليات القصف الجوي التي نفذتها القوات المسلحة الأردنية واختراقها الأجواء السورية دون تنسيق مسبق، في وقت أكد فيه الصفدي أن الضربات استندت إلى معلومات ميدانية استباقية لتحييد تهديدات إرهابية كانت تستهدف أمن بلاده، معرباً عن بالغ أسفه لتعرض المدنيين لأضرار ومقدماً التعازي لعائلات الضحايا. وتواجه الحدود المشتركة بين البلدين، الممتدة لنحو ثلاثمئة وخمسة وسبعين كيلومتراً، تحديات أمنية متراكمة منذ سنوات، إذ نشطت عبرها شبكات تهريب السلاح والمخدرات، إلى جانب تحركات خلايا متفرقة لتنظيم داعش استغلت التضاريس الوعرة في البادية والمناطق الجنوبية لشن هجمات مباغتة. ويسعى الجانبان من خلال اللجنة الأمنية الجديدة إلى وضع آليات تنسيق ميداني واستخباري مباشر يمنع تكرار الخروقات الجوية ويضمن صون السيادة السورية وحماية الأبرياء، بالتوازي مع تعزيز القنوات المؤسسية القائمة لمكافحة شبكات التهريب العابرة للحدود. وتأتي هذه التهدئة الدبلوماسية السريعة لتعكس حرص العاصمتين على احتواء التوتر الميداني، في ظل رهان مشترك على استقرار الجنوب السوري بوصفه ركيزة حيوية لأمن المنطقة وخطوط التجارة الإقليمية.