حرية ومسؤولية
الاثنا عشرية (وتُعرف أيضاً باسم الإمامية أو الجعفرية) هي كبرى الفرق الإسلامية المنتمية إلى تيار [[التشيع|موالاة علي بن أبي طالب وآله]]، حيث تشكل الأغلبية الساحقة من الشيعة في العالم المعاصر بنسبة تتجاوز خمسة وثمانين بالمئة من مجموعهم الإجمالي1. يقوم المذهب في جوهره العقائدي على الإيمان بإمامة اثني عشر إماماً معصوماً من ذرية النبي محمد، يبدأون بعلي بن أبي طالب وينتهون بمحمد بن الحسن العسكري الملقب بالمهدي، والذي يعتقد أتباع المذهب بغيبته واستمرار حياته حتى ظهوره في آخر الزمان لتحقيق العدل2. تميزت الاثنا عشرية عبر مسيرتها بإنتاج فكري وفقهي كثيف عبر مدارسها الحوزوية في النجف وقم، ولعبت تحولاتها التاريخية والسياسية أدواراً مركزية في صياغة التاريخ الإسلامي الوسيط والحديث.
تعود الجذور الأولى لنشأة التيار الإمامي إلى الخلاف السياسي والفقهي حول مسألة خلافة النبي محمد عقب وفاته؛ إذ رأى أنصار [[علي بن أبي طالب|رابع الخلفاء الراشدين وأول الأئمة]] أنه الأحق بالقيادة الدينية والسياسية استناداً إلى نصوص نبوية يفسرونها بأحقية الوصية، ومن أبرزها خطبة غدير خم وحديث الثقلين3. تبلور هذا الانتماء تدريجياً عبر القرنين الأول والثاني الهجريين ليتحول من مساندة سياسية لآل البيت إلى مذهب ديني متمايز البنية والحدود، وخاصة خلال مرحلة الإمام الخامس محمد الباقر والإمام السادس جعفر الصادق في [[المدينة المنورة|المدينة المنورة مهد الرسالة والتاريخ الإسلامي]]، حيث وُضعت القواعد الفقهية والتفسيرية التي عُرفت لاحقاً باسم "الفقه الجعفري"1.
شهد خط الإمامة تحولات مفصلية عند انتقال الإمامة بالوصية والنص من إمام إلى لاحق، وواجهت الجماعة الشيعية تحديات كبرى في ظل الرقابة السياسية المفروضة من الخلافة العباسية، مما أدى إلى حصر نشاط الأئمة في التوجيه العلمي السري والتواصل مع شيعتهم عبر شبكة من الوكلاء. ومع وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري بسامراء، دخل المذهب منعطفاً جذرياً في مساره التاريخي، والذي تبلور عبر ثلاث محطات رئيسية توّجت بمرحلتي "الغيبة":
تنتظم الرؤية الكلامية عند الإمامية الاثني عشرية ضمن أصول الدين الخمسة التي تشكل الإطار الحاكم للاعتقاد، وتتطابق في مجملها مع التوجه العقلاني المتأثر بمدارس العدل والتوحيد. وتتوزع هذه الأصول على النحو التالي:
| الأصل العقائدي | المضمون والمفهوم عند الاثني عشرية |
|---|---|
| التوحيد | الإقرار بوحدانية الله ونفي الشريك والتركيب والتشبيه، وتوحيد الصفات مع الذات نفياً للتعدد. |
| العدل | التأكيد على أن الله لا يفعل القبيح ولا يجور في حكمه، واعتماد مسألة الحسن والقبح العقليين والاختيار الإنساني. |
| النبوة | الإيمان بجميع الأنبياء وبعثة النبي محمد خاتماً للمرسلين، واشتراط العصمة المطلقة للأنبياء من الذنوب والخطأ. |
| الإمامة | اعتقاد أن منصب الإمامة امتداد إلهي للنبوة بالنص والتعيين لا بالانتخاب، لحفظ الشريعة وهداية الأمة. |
| المعاد | الإيمان بالبعث والحساب والجزاء الأخروي بالجسد والروح بعد فناء العالم المشهود. |
تعتبر "الإمامة" الركن الذي تتمايز به الاثنا عشرية عن سائر المذاهب الإسلامية؛ حيث ترى أن الأرض لا تخلو من حجة ظاهر أو مستور، وأن الإمام يمتلك مؤهلات استثنائية من أبرزها "العصمة"، وهي ملكة إلهية تمنع الإمام من ارتكاب المعاصي والزلل في التبليغ والفتوى، فضلاً عن حيازته لعلوم الشريعة حفظاً وبياناً2. وتكتمل سلسلة الأئمة الاثني عشر بالترتيب: علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي زين العابدين، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن العسكري، ومحمد المهدي2.
وعلى مستوى القواعد المرافقة، يؤمن المذهب بمفاهيم كلامية مثل "التقية"، والتي تُعرّف بإبطان العقيدة ودفع الخطر عند الخوف الشديد من الاضطهاد والقتل حفظاً للنفس والعرض، كما يقولون بمبدأ "البداء" بمعناه الدقيق القائم على إظهار الله لأمر كان خافياً على خلقه دون طروء جهل على علمه الأزلي، إضافة إلى الإيمان برجعة جماعة من المؤمنين والظالمين إلى الدنيا عند قيام المهدي1.
يعتمد الفقه الإمامي على أربعة مصادر رئيسية لاستنباط الأحكام الشرعية: القرآن الكريم، والسنة المطهرة (وتشمل أحاديث النبي وأقوال الأئمة المعصومين وأفعالهم وتقريراتهم)، والعقل المجرد، والإجماع الكاشف عن رأي المعصوم3. وتخضع رواية الحديث عند الاثني عشرية لشرط ثبوت عدالة الراوي ووثاقته، وتتركز مدوناتهم الحديثية الكبرى في "الكتب الأربعة" التي تم تدوينها وتنقيحها بين القرنين الرابع والخامس الهجريين:
| اسم المصنف | المؤلف | تاريخ وفاة المؤلف | طبيعة المحتوى |
|---|---|---|---|
| الكافي | محمد بن يعقوب الكليني | 329 هـ | أصول العقائد وفروع الفقه ورسائل ومواعظ متنوعة. |
| من لا يحضره الفقيه | محمد بن علي بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) | 381 هـ | أحاديث الأحكام الفقهية العملية والفروع. |
| تهذيب الأحكام | محمد بن الحسن الطوسي (شيخ الطائفة) | 460 هـ | شرح استدلالي موسع لأحاديث الفقه والأحكام. |
| الاستبصار فيما اختلف من الأخبار | محمد بن الحسن الطوسي (شيخ الطائفة) | 460 هـ | جمع الروايات المتعارضة والترجيح والجمع بينها. |
تطور المنهج الفقهي عبر صراع علمي واسع بين تيارين رئيسيين في العصر الصفوي: "المدرسة الأخبارية" التي نادت بالاكتفاء بنصوص الروايات والأخبار والحد من استخدام القواعد الأصولية والاستدلال العقلي، و"المدرسة الأصولية" التي أسسها وقواها علماء كبار كالوحيد البهبهاني والشيخ مرتضى الأنصاري. استقر المذهب بالكامل تقريباً على اعتماد المنهج الأصولي، القائم على فتح باب الاجتهاد الحي وإلزام المكلفين غير المجتهدين بـ "التقليد"، أي الرجوع إلى مرجع ديني جامع للشرائط يسمى [[مرجع التقليد|الفقيه المجتهد المؤهل للإفتاء]]2.
عاشت المجتمعات الاثنا عشرية فترات طويلة كأقليات فكرية وسياسية بعيدة عن مقاليد السلطة المركزية، معتمدةً مبدأ التكيف السلمي وانتظار الفرج. غير أن المذهب اكتسب زخماً ودعماً سياسياً في فترات تاريخية فارقة، كان أبرزها بروز الدولة البويهية في بغداد والتي أتاحت حرية ممارسة الشعائر وتدوين التراث الشيعي، تلتها لاحقاً الدولة الإلخانية بعد تحول بعض سلاطينها، ثم الدولة الصفوية في بلاد فارس التي أعلنت المذهب الاثني عشري مذهباً رسمياً للدولة، واستقدمت العلماء والفقهاء من [[جبل عامل|منطقة جنوب لبنان الحاضنة العلمية]] والبحرين والعراق لبناء المؤسسات الدينية والقضائية1.
في العصر الحديث، قادت الحوزات العلمية تحولات سياسية جوهرية تجاوزت النظرة الكلاسيكية السلبية تجاه إدارة الحكم أثناء الغيبة الكبرى؛ فمن حركة المشروطة (الدستور) في مطلع القرن العشرين ومقاومة النفوذ الأجنبي، إلى ثورة العشرين في العراق، تبلورت أدوار سياسية للمراجع. وشهد الفكر السياسي تحولاً نوعياً بصياغة نظرية "ولاية الفقيه المطلقة" على يد آية الله الخميني، والتي نقلت الفقيه من دائرة الإفتاء والأمور الحسبية المحدودة إلى سدة الحكم وقيادة الدولة بعد نجاح الثورة الإسلامية في [[إيران|دولة في غرب آسيا ذات ثقل إقليمي]]، مما أعاد رسم الخرائط السياسية والتحالفات في الشرق الأوسط2.
شكلت الاثنا عشرية مادة خصبة للمساجلات الفكرية والمناظرات العقدية مع سائر التيارات الإسلامية، لا سيما أهل السنة والجماعة والمذاهب الشيعية الأخرى كالزيدية والإسماعيلية. تركزت محاور الجدل في قضايا جوهرية:
ينتقد علماء السنة الاثني عشرية في مسألة عدالة الصحابة؛ إذ يرفض الإمامية القول بعدالة جميع الصحابة مطلقاً ويخضعونهم لقواعد الجرح والتعديل وفق مواقفهم من علي بن أبي طالب، في حين يرى أهل السنة أن الطعن في الصحابة مساس بعدالة نقلة الشريعة والقرآن. كما يشتد الخلاف حول حصر الإمامة في اثني عشر إماماً، وعقيدة الغيبة والرجعة، والقول بمشروعية زواج المتعة، واعتبار العصمة لغير الأنبياء تجاوزاً للحدود الشرعية للنبوة2.
في المقابل، يدافع متكلمو وفقهاء الاثني عشرية عن مواقفهم بالاستناد إلى أدلة نقلية من كتب الحديث السنية والشيعية معاً (مثل أحاديث الأئمة الاثني عشر القرشيين الواردة في صحيحي البخاري ومسلم)، ويؤكدون أن مواقفهم الفقهية كالجمع بين الصلاتين والمسح على القدمين وزواج المتعة تعود لأحكام أصلية لم يثبت نسخها عندهم1. كما برزت محاولات تقريبية حديثة، لعل من أشهرها فتوى شيخ الأزهر محمود شلتوت بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الجعفرية شأنه شأن المذاهب السنية الأربعة، في إطار السعي نحو الوحدة الإسلامية والتقارب المذهبي.
يقدر عدد أتباع المذهب الاثني عشري بما يتراوح بين مئتي مليون ومئتين وخمسين مليون نسمة عالمياً، ويشكلون الأغلبية السكانية في كل من إيران وأذربيجان والعراق والبحرين، بينما يشكلون نسبة وازنة ذات تأثير سياسي واجتماعي في لبنان، والكويت، وشرق المملكة العربية السعودية، وسوريا، فضلاً عن وجود مجتمعات كبرى في شبه القارة الهندية، وتحديداً في باكستان والهند، وأفغانستان عبر قومية الهزارة2.
تتمحور القيادة الروحية والثقافية للمذهب حول "الحوزات العلمية"، وتأتي حوزة [[النجف|مدينة عراقية ومقر الحوزة العلمية التاريخية]] وحوزة مدينة [[قم|مدينة إيرانية تضم مركزاً حوزوياً رئيساً]] في مقدمة المراكز الدينية المسؤولة عن إعداد الفقهاء وإصدار الفتاوى وإدارة شبكات التكافل الاجتماعي وأموال الخمس. وتكتسب العتبات المقدسة في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء ومشهد أهمية رمزية وشعائرية كبرى، حيث تشهد مواسم زيارات مليونية دورية، تتصدرها زيارة أربعينية الحسين بن علي، والتي تعد واحدة من أكبر التجمعات البشرية الدينية في العالم المعاصر1.
دمشق – تجاوزت قيمة التداولات في سوق دمشق للأوراق المالية سبعة ملايين ليرة سورية، وسط صعود لافت لأسهم ثلاثة مصارف خاصة تصدرها بنك قطر الوطني، في جلسة شهدت تنفيذ مئة وإحدى عشرة صفقة على نحو سبعمئة وسبعين ألف سهم، مع تسجيل تركز ملحوظ للسيولة النقدية في تعاملات القطاع المصرفي السوري.
واستحوذت صفقتان فقط على الحصة الأكبر من قيمة التعاملات بإجمالي وصل إلى ثلاثة ملايين وستمئة واثني عشر ألف ليرة سورية عبر تداول 427 ألف سهم، ليتركز الجزء الأعظم من النشاط المالي في عدد محدود من العمليات النوعية. وتصدر سهم بنك قطر الوطني-سورية قائمة الارتفاعات بنسبة 4.41 بالمئة ليغلق عند 20.12 ليرة، تلاه بنك البركة-سورية بارتفاع بلغ 0.37 بالمئة مسجلاً 8.21 ليرات، في حين صعد سهم البنك الوطني الإسلامي بنسبة 0.05 بالمئة مسجلاً 21.80 ليرة للسهم الواحد. وفي المقابل، سجّل بنك الائتمان الأهلي التراجع الوحيد في الجلسة بنسبة 4.89 بالمئة ليستقر عند 10.11 ليرات، بينما غابت الصفقات عن بقية الشركات المدرجة لتبقى أسعار أسهمها ثابتة بلا تغيير. ويأتي هذا الأداء امتداداً لهيمنة القطاع المصرفي على حركة التداول في البورصة السورية منذ انطلاق جلساتها مطلع عام 2009، حيث تشكل أسهم البنوك الوعاء المالي الأكثر استقطاباً للمستثمرين والمحافظ المحلية الباحثة عن عوائد تشغيلية وتحوط نقدي مستقر، وسط مساعٍ مصرفية وتنظيمية مستمرة لتنشيط حركة الإدراج وتوسيع عمق سوق المال لدعم خطط التمويل والاستثمار في البلاد.
واشنطن – كشف المدير الإقليمي لصندوق النقد الدولي [[جهاد أزعور|مسؤول مالي واقتصادي دولي بارز]] أن تداعيات هجمات جماعة الحوثي على الاقتصاد السعودي ما تزال محدودة، موضحاً في تقرير إقليمي صدر أمس الخميس أن قوة الطلب الداخلي ومتانة القطاع العام يمنحان أسواق المملكة حصانة متقدمة أمام اضطرابات المنطقة والتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر.
ويربط التقرير هذه المرونة المالية بقدرة الرياض على تنويع موارد الدخل واستيعاب الصدمات اللوجستية، على الرغم من توقعات انكماش الناتج المحلي الإجمالي في السعودية بنسبة 3.3 بالمئة خلال العام الجاري بفعل تداعيات النزاع العسكري وتراجع إنتاج المحروقات في معظم بلدان الخليج العربي باستثناء سلطنة عمان. وتشير تقديرات الصندوق إلى أن اقتصاد المنطقة ككل يتجه نحو انكماش بمعدل 4.8 بالمئة في عام 2026، قبل أن يسجل ارتداداً إيجابياً بنمو يقارب 9.1 بالمئة خلال العام المقبل شريطة ثبات أسعار النفط وتجنب وقوع أضرار إضافية في البنى التحتية ومسارات التصدير الدولية. وحذر أزعور من أن تكلفة التوترات ستكون باهظة في حال تجدد القتال الميداني، مشدداً على أن استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة واستقطاب الكفاءات العالمية يعتمدان بصورة جوهرية على ترسيخ الاستقرار الأمني المستدام في الممرات المائية الحيوية. وتواكب المملكة هذه المستجدات بإبرام شراكات استراتيجية دولية لتوسيع المخزون النفطي وبحث مسارات بديلة للشحن، بما يدعم استقرار أسواق الطاقة العالمية ويحافظ على استمرارية خطط التحول الاقتصادي وبرامج التنمية الوطنية دون تباطؤ.
عمر سامر الحلبي هو مهندس ومستشار اقتصادي وقيادي سوري متخصص في السياسات العامة وإدارة الاستثمارات السيادية والتحول الاقتصادي. برز اسمه في الأوساط الاقتصادية والسياسية السورية بشكل لافت في الربع الأخير من عام 2026، إثر صدور قرارات رئاسية بتعيينه في مناصب قيادية حساسة تهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وإدارة أصول الدولة، حيث كُلّف بمهام مستشار الشؤون الاقتصادية لدى [[رئاسة الجمهورية العربية السورية|أعلى سلطة تنفيذية سورية]]، ورئيس مجلس إدارة [[الصندوق السيادي السوري|صندوق استثماري حكومي]].1
يتمتع الحلبي بمسيرة مهنية دولية وإقليمية متشعبة، جمعت بين العمل في قطاعات الهندسة التشغيلية، وشركات الاستشارات العالمية، وإدارة الأصول السيادية. وقد أسهمت خبرته السابقة في [[صندوق الاستثمارات العامة|الصندوق السيادي للسعودية]]، وقيادته لقطاع الاستشارات الاقتصادية في شركة [[كي بي إم جي|شبكة خدمات مهنية عالمية]] بمنطقة الشرق الأوسط، في بلورة رؤيته الاستراتيجية التي تتمحور حول ربط الأولويات الحكومية بالفرص الاستثمارية القابلة للتنفيذ، وتطوير البنى المؤسسية لتحقيق الاستدامة الاقتصادية بعيداً عن تقلبات الأسواق.2
وُلد عمر سامر الحلبي في الأول من مارس عام 1982 في العاصمة السورية دمشق. أظهر منذ مرحلة مبكرة اهتماماً بالعلوم التطبيقية، مما قاده إلى دراسة هندسة الاتصالات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، والتي نال منها درجة البكالوريوس في عام 2006. شكلت هذه الخلفية الهندسية القاعدة التحليلية التي استند إليها لاحقاً في معالجة القضايا الاقتصادية المعقدة، حيث تمنح دراسة الهندسة قدرة على التفكير النسقي المترابط وفهم آليات عمل النظم المعقدة.3
ومع تطور مسيرته وانتقاله تدريجياً نحو مواقع الإدارة والتخطيط الاستراتيجي، أدرك الحلبي الحاجة الماسة لتعزيز معرفته الأكاديمية في علوم الإدارة والاقتصاد. فالتحق بكلية آي إي للأعمال (IE Business School) المرموقة في إسبانيا، وحصل منها على درجة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA) في عام 2016.3 ولم يكتفِ بذلك، بل سلك مساراً مكثفاً من التعليم التنفيذي المتخصص في كبرى الجامعات العالمية لتعميق فهمه في السياسات العامة والاقتصاد الكلي، في خطوة تعكس تحولاً واعياً من التخصص الهندسي البحت إلى رسم السياسات التنموية.
شمل مساره في التعليم التنفيذي حضور برامج متقدمة في الاستراتيجية والابتكار في [[معهد ماساتشوستس للتقنية|جامعة أمريكية رائدة بحثياً]] (MIT)، وبرنامجاً في الاستراتيجية التحويلية (Disruptive Strategy) في كلية هارفارد للأعمال (Harvard Business School). كما وسع مداركه تجاه محركات النمو في الاقتصادات الشرقية عبر دراسة ممارسة الأعمال ومحركات الاقتصاد العالمي في آسيا لدى [[جامعة فودان|جامعة بحثية في شنغهاي]] بالصين، متزامناً ذلك مع تعمقه في تحليل السياسات العامة عبر دراسات متخصصة في [[كلية لندن للاقتصاد|جامعة بريطانية للعلوم الاجتماعية]] (LSE).4 وقد منحه هذا التنوع الأكاديمي، الذي جمع بين المدارس الغربية المتقدمة ونماذج النمو الآسيوية المتسارعة، قدرة استثنائية على فهم التحولات الاقتصادية العالمية وسبل تطبيقها في الاقتصادات الناشئة ومراحل التعافي الاقتصادي.
بدأ عمر الحلبي حياته المهنية بالانخراط في القطاع الخاص، حيث أمضى قرابة عقد من الزمن في شركة [[جونسون كنترولز|شركة أمريكية متعددة الجنسيات]] (Johnson Controls). تدرج خلال هذه الفترة في عدة مسؤوليات قيادية تركزت حول تطوير الأعمال والاستراتيجيات التجارية على مستوى منطقة الشرق الأوسط. أسهمت هذه المرحلة في إكسابه فهماً عميقاً للديناميكيات التشغيلية والاستثمارية للشركات الكبرى، وآليات التوسع في الأسواق الإقليمية والتحديات التي تواجه القطاع الخاص في بيئات الأعمال المختلفة.2
مثّل انتقال الحلبي للعمل مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) محطة مفصلية في مسيرته. يُعد هذا الصندوق أحد أبرز الصناديق السيادية عالمياً والمحرك الأساسي لـ"رؤية السعودية 2030". وخلال فترة عمله هناك، انخرط الحلبي في مبادرات تركز على قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للاستثمارات الكبرى، إضافة إلى العمل على هيكلة الاستثمارات الاستراتيجية الوطنية.5 ركزت مهامه على إيجاد العلاقة التكاملية بين توجيه رؤوس الأموال السيادية وتحقيق التنمية المستدامة، من خلال إجراء دراسات الجدوى الاقتصادية والمالية للمبادرات الضخمة، وتطوير الأدوات الاستثمارية اللازمة لتنفيذها. وقد أكسبته هذه التجربة دراية نادرة بآليات عمل الصناديق السيادية وكيفية تحويلها إلى أذرع تنموية قادرة على تنويع مصادر الدخل القومي وتوطين التقنية وإيجاد فرص العمل.
في مرحلة لاحقة، انتقل الحلبي ليأخذ دوراً قيادياً واستشارياً أوسع من خلال انضمامه إلى شركة "كي بي إم جي" (KPMG) في الشرق الأوسط. وقد شغل فيها منصب شريك ورئيس الاستشارات الاقتصادية والسياسات العامة للمنطقة. من خلال هذا الموقع، قاد فرقاً استشارية عملت عن كثب مع حكومات ومؤسسات سيادية عدة في المنطقة للتعامل مع ملفات شديدة الحساسية، مثل التحول الاقتصادي الوطني، وبرامج التنويع الاقتصادي، والتنمية الصناعية، وإصلاح المؤسسات العامة وتطوير أسواق العمل.6 كما ساهم في تصميم برامج تهدف إلى تحسين التنافسية وتنمية القطاع الخاص وإعداد استراتيجيات الاستثمار السيادي، مع التركيز على ترتيب الأولويات الاستثمارية وهيكلة صفقات الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).2
طوال مسيرته، تقلّد الحلبي أدواراً تجاوزت النطاق التنفيذي المباشر لتصل إلى مستويات القيادة والتوجيه الاستراتيجي على مستوى مؤسسات وهيئات إقليمية ودولية. وتتجلى أبرز إنجازاته ومناصبه في قدرته على بناء استراتيجيات اقتصادية قابلة للقياس والتنفيذ. من أهم المناصب والأدوار التي لعبها قبل توليه المناصب السورية المرموقة:
وقد مكّنته هذه المواقع من صياغة إطار عمل متكامل يدمج بين الرؤية الاستراتيجية الكلية (Macroeconomic Vision) والتفاصيل التشغيلية (Micro-level execution)، وهو ما يتطلب قدرة توازنية نادرة في عالم الإدارة الاقتصادية.
رغم أن عمر سامر الحلبي لا يزال في ذروة عطائه المهني، إلا أن تأثيره الفكري والعملي في مجال السياسات الاقتصادية قد تبلور عبر العديد من الإسهامات والمقالات والمقاربات التي طرحها، خاصة في ملفات سلاسل الإمداد والتنافسية الحضرية.
يتبنى الحلبي مقاربة اقتصادية تؤكد على ضرورة وجود مؤسسات قوية قادرة على نقل السياسات من حيز النظريات إلى واقع التنفيذ. ويشدد في رؤيته على توجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات الإنتاجية التي تولّد قيمة مضافة، مع توفير بيئة تشريعية جاذبة تسمح للقطاع الخاص بالتمدد وخلق فرص عمل مستدامة.2
إن المرحلة التالية من تحول المدن تتمحور حول ترجمة نقاط قوتها إلى نتائج قابلة للقياس تعود بالنفع على الشركات والمستثمرين والسكان، وذلك بتنمية المواهب وتعزيز الابتكار والارتقاء بجودة الحياة.
عمر سامر الحلبي - تعليقاً على التنافسية الحضرية، أغسطس 2026
ففي صيف عام 2026، ومع تصاعد النقاش حول مرونة الاقتصادات في الشرق الأوسط، نشر الحلبي تحليلات استراتيجية تناولت كيفية تحويل تقلبات سلاسل الإمداد العالمية إلى ميزة تنافسية إقليمية. وأشار إلى أن منطقة الشرق الأوسط تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل سلاسل إمدادها عبر تعزيز التعاون الإقليمي وتبني سياسات تجارية مرنة، مما يضمن حصانة الاقتصادات ضد الصدمات الخارجية، ويجعل من المنطقة مركزاً استقطابياً لا يقتصر على استهلاك التقنية بل يساهم في إنتاجها.8
وفي أغسطس من العام ذاته، وفي سياق تعليقه على تقرير أعدته شركته حول "مستقبل التنافسية الحضرية" لمدينة الرياض، أكد الحلبي أن نجاح أي تحول اقتصادي يعتمد على مدى قدرة الحكومات على ترجمة الاستراتيجيات الكبرى إلى عوائد يلمسها المواطنون والمستثمرون على حد سواء، معتبراً أن "تنمية المواهب" و"جودة الحياة" هما المحركان الرئيسيان لضمان استدامة النمو.9
في 18 أكتوبر 2026، وضمن مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا تلت تحولات سياسية عميقة وتولي الرئيس أحمد الشرع سدة الحكم، برز اسم عمر سامر الحلبي كواحد من أبرز الكفاءات التكنوقراطية التي جرى استقطابها لإدارة الملف الاقتصادي الشائك. فقد أصدرت القيادة السورية مراسيم تقضي بتعيين الحلبي في منصبين بالغي الأهمية؛ الأول كمستشار للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية، والثاني كرئيس لمجلس إدارة "الصندوق السيادي السوري" المكلف بإدارة أصول الدولة الاستراتيجية.10
تأتي خطوة تعيين خبير قادم من مؤسسات دولية وصناديق سيادية كبرى في قيادة الاقتصاد السوري كرسالة واضحة من القيادة الجديدة بتبني نهج الانفتاح الاقتصادي، والسعي لإعادة هيكلة أصول الدولة بآليات السوق الحديثة بعيداً عن البيروقراطية التقليدية، لاسيما وأن الصندوق السيادي الجديد صُمم لإدارة الأصول بقيم استثمارية وشفافية عالية لجذب رؤوس الأموال.
يتولى الحلبي من خلال موقعه كمستشار رئاسي مسؤولية التنسيق بين الجهات الاقتصادية المختلفة لضمان تناغم السياسات، والإسهام في رسم أولويات الإصلاح الاقتصادي والمالي وتنفيذها. ويشمل دوره العمل على رفع كفاءة الأطر المؤسسية وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة لرؤوس الأموال المحلية والعربية والدولية، وهي خطوة تعتبر حجر الزاوية في مشاريع إعادة الإعمار والتعافي المبكر.11
أما على صعيد رئاسة مجلس إدارة "الصندوق السيادي السوري"، فقد أُسندت للحلبي مهمة شاقة تتمثل في تفعيل هذا الكيان الوليد وتأسيس حوكمة صارمة له. يعتمد الصندوق في عمله على نظام تقارير ربع سنوية وسنوية تُرفع مباشرة إلى رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى خضوعه لتدقيق مالي من قبل أجهزة مستقلة لضمان الشفافية العالية. وتهدف القيادة من وراء هذا الصندوق، تحت إدارة الحلبي، إلى تحقيق رقابة آنية على مشاريع الدولة واستثماراتها، وتوجيه العوائد نحو التنمية وتصويب مسارات الاستثمار بما يعظم من القيمة المضافة للأصول السورية.4
يشكل هذا التكليف المزدوج اختباراً فعلياً لقدرة الحلبي على نقل خبراته من بيئات اقتصادية مستقرة وثرية بالموارد (كما في السعودية والشركات العالمية)، إلى بيئة اقتصادية تعاني من تحديات ما بعد الأزمات وتحتاج إلى حلول غير تقليدية، وابتكار أدوات استثمارية لاستعادة الثقة في السوق السورية.
دمشق – أكد مستشار الشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية رئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي [[عمر الحلبي|...]]، أن العمل خلال المرحلة المقبلة سيركز على دعم جهود الإصلاح الاقتصادي وتطوير الصندوق وفق أسس الحوكمة والشفافية لحماية أصول الدولة وتنميتها وتوليد عوائد مستدامة.
وأوضح الحلبي أن الفترة المقبلة، وتحديداً خلال التسعين يوماً الأولى، ستشهد تقييماً شاملاً لأوضاع الصندوق السيادي، يغطي الأصول والموارد والالتزامات وارتباطاتها بالمنظومة المالية والموازنة العامة للدولة، مع الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية في إدارة الاستثمارات وأطر الرقابة والمساءلة. ويأتي هذا التحرك الاقتصادي في أعقاب صدور المرسوم رقم 191 لعام 2026 عن الرئاسة السورية القاضي بتعيينه في المنصب، وسط مساعٍ حثيثة لتفعيل دور المؤسسات الوطنية ورفع كفاءتها الإدارية والتشغيلية بعد سنوات طويلة من التحديات. وتراهن الدوائر الرسمية على أن هيكلة الصندوق وإدارته بمهنية عالية ستسهمان في جذب استثمارات نوعية، وتوفير بيئة أعمال ملائمة وجاذبة للقطاع الخاص، بما ينعكس إيجاباً على زيادة فرص العمل الحقيقية ورفع القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين مستوى معيشتهم. ويشدد خبراء المال والأعمال على أن القيمة الفعلية لأي صندوق سيادي لا تقاس بحجم الأصول المُعلنة فحسب، بل بقدرتها الحقيقية على تحفيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل القومي، وخفض التكاليف التشغيلية. ومن المقرر أن تعود إدارة الصندوق إلى الرأي العام بشفافية تامة بعد استكمال فترة التقييم لعرض النتائج التفصيلية والخطوات العملية القادمة أمام المواطنين.
فضل شاكر هو مطرب لبناني يُعدّ واحداً من أبرز الأصوات الرومانسية في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة. وُلد في مدينة صيدا بجنوب لبنان، وتميّز بصوته الدافئ وإحساسه العالي الذي منحه لقب "ملك الإحساس" بين جمهوره العريض. امتدت مسيرته الفنية الحافلة عبر العقود، محققاً مبيعات هائلة لألبوماته ونجاحات باهرة في الحفلات والمهرجانات العربية. غير أن حياته الشخصية والمهنية شهدت منعطفاً دراماتيكياً عام 2012 عندما أعلن اعتزاله الغناء وانخرط في نشاطات سياسية ودينية مثيرة للجدل، قادته لاحقاً إلى مواجهات قانونية وأحكام غيابية بالسجن. وبعد سنوات طويلة من التواري عن الأنظار والاكتفاء بإصدار أغانٍ منفردة عبر منصات التواصل، عاد إلى الواجهة بقوة في عامي 2025 و2026 إثر تسليم نفسه للقضاء اللبناني، ما أسفر عن تبرئته في بعض القضايا وإخلاء سبيله في أخرى، ليعلن عن عودة فنية شاملة توّجت بجدولة حفلات جماهيرية ضخمة.
وُلد فضل عبد الرحمن شمندر في الأول من أبريل عام 1969 في مدينة [[صيدا|مدينة ساحلية في جنوب لبنان]]. نشأ في بيئة متواضعة داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، رغم أن أصوله تعود إلى أب وأم لبنانيين. تركت هذه النشأة المختلطة أثراً كبيراً في تكوينه الإنساني والاجتماعي، حيث تشرّب الثقافة اللبنانية والفلسطينية على حد سواء. بدأ ولعه بالموسيقى والغناء يظهر في سن مبكرة جداً؛ ففي سن الخامسة عشرة، كان يؤدي الأغاني الطربية الكلاسيكية لكبار فناني الزمن الجميل، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، فوق أسطح المنازل وفي الأعراس المحلية والحفلات الصغيرة في منطقته1.
على الصعيد الشخصي والعائلي، تزوّج فضل شاكر في عام 1989 من سيدة فلسطينية تُدعى نادية، وأنجب منها ثلاثة أبناء هم: ألحان، ومحمد، وندى. وقد ورث ابنه محمد موهبة الغناء عن والده، ودخل المجال الفني لاحقاً ليقدم أعمالاً خاصة به، إلى جانب مشاركته والده في بعض الحفلات والمناسبات. وفي مرحلة متقدمة من شبابه، خاض فضل شاكر صراعاً عائلياً وقانونياً لتغيير كنيته؛ فبعد أن قام عمه بتغيير اسم العائلة من "شمندر" إلى "شاكر"، رفع فضل دعوى قضائية مماثلة وربحها، ليصبح اسمه رسمياً "فضل شاكر"2.
لم يتلقّ فضل تعليماً أكاديمياً متخصصاً في الموسيقى، بل اعتمد على موهبته الفطرية وأذنه الموسيقية الدقيقة التي صقلتها تجارب الغناء الحي المباشر لسنوات طويلة قبل الاحتراف. هذا المسار العصامي منحه قدرة استثنائية على أداء المقامات العربية والتحكم بعُرب صوته بأسلوب يجمع بين سلاسة موسيقى البوب (Pop) الحديثة وأصالة الطرب الشرقي.
بدأت المسيرة الاحترافية الفعلية لفضل شاكر في أواخر التسعينيات. في عام 1998، شهدت حياته الفنية نقطة تحول جوهرية عندما التقى بالموسيقار المصري البارز صلاح الشرنوبي، الذي آمن بموهبته وساهم في دعمه. في العام ذاته، وقّع شاكر عقداً لمدة عشر سنوات مع شركة "الخيول" للإنتاج والتوزيع الفني، وأصدر أول ألبوماته بعنوان "والله زمان". احتوى الألبوم على ثماني أغنيات، قام شاكر بتلحين ثلاث منها بنفسه، وبرزت فيه أغنيات مثل "متى حبيبي متى" التي لحنها هو، وأغنية "نظرة واحدة" و"والله زمان" من ألحان الشرنوبي1.
في عام 1999، أطلق ألبومه الثاني "بياع القلوب"، الذي شكّل انطلاقة صاروخية له في العالم العربي. تزامن نجاح الألبوم مع تصويره أول فيديو كليب (Video Clip) في مسيرته لأغنية الألبوم الرئيسية، مما أسهم في انتشار صورته وصوته على نطاق واسع عبر شاشات التلفزة العربية. توالت بعد ذلك النجاحات، حيث أصدر ألبوم "الحب القديم" في عام 2000، والذي تضمن أغنية "عاش من شافك" التي لاقت صدى إيجابياً واسعاً. وفي عام 2001، انضم شاكر إلى شركة [[روتانا|شركة إنتاج وتوزيع موسيقي سعودية]]، وأصدر ألبوم "حبك خيال"، قبل أن يقع خلاف بينه وبين الشركة في عام 2002 أدى إلى توترات مؤقتة في مسيرته2.
وصل فضل شاكر إلى ذروة مجده الفني في عام 2003، عندما أصدر أغنيته المنفردة "يا غايب"، المأخوذة من لحن يوناني مع كلمات للشاعر تركي. حققت هذه الأغنية نجاحاً كاسحاً وتصدرت سباقات الأغاني في مختلف الدول العربية لأشهر طويلة، ونالت لقب أفضل أغنية في ذلك العام. بفضل هذا النجاح، بات شاكر رقماً صعباً في معادلة المهرجانات العربية الكبرى، وأثبت قدرته الفائقة على أداء الألوان اللبنانية والمصرية والخليجية بلكنة سليمة وإحساس طاغٍ1.
أثرى فضل شاكر المكتبة الموسيقية العربية بمجموعة قيّمة من الألبومات التي حفرت مكانتها في وجدان المستمعين. من أبرز هذه الألبومات: ألبوم "سيدي روحي" (2003)، ألبوم "سهرني الشوق" (2004)، وألبوم "الله أعلم" (2006)، وصولاً إلى ألبوم "بعدا عالبال" (2009) الذي كان آخر ألبوماته الكاملة قبل توقفه الطويل، وتضمن أغاني حققت انتشاراً واسعاً مثل "نسيت أنساك" و"روح"1.
إلى جانب الألبومات المنفردة، تميّز شاكر في فن "الديو" (Duet) (الثنائيات الغنائية)، حيث قدّم مجموعة من أنجح الأعمال المشتركة في العقد الأول من الألفية الثالثة. بدأ ذلك في عام 2001 بتعاون مع الفنانة نوال الكويتية في الأغنية الخليجية الرومانسية "أحاول". وفي عام 2004، اشترك مع الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب في الديو الشهير "العام الجديد" الذي أخرجه سعيد الماروق، وأصبح بمثابة أغنية كلاسيكية تُبث مع كل احتفال برأس السنة. كما تعاون مع الفنانة يارا في أغنية "أخذني معك" عام 2006، ومع إليسا في أغنية "جوا الروح" ضمن ألبوم "بعدا عالبال" عام 20091.
ورغم فترة انقطاعه الطويلة، لم يفقد بريقه الفني. فقد سجل عودة تدريجية ابتداءً من عام 2018 عبر إطلاق أغانٍ منفردة حققت ملايين المشاهدات على منصات الاستماع الرقمي وموقع يوتيوب (YouTube)، مثل "مع السلامة" (2018)، "بتوحشيني" و"إبقى قابلني" (2020)، وصولاً إلى إصدار ألبوم قصير (Extended Play - EP) بعنوان "بجامل ناس" في عام 2022. هذه الإصدارات أكدت احتفاظه بقاعدته الجماهيرية العريضة وتوق المستمعين إلى خامة صوته المتميزة2.
شكّل عام 2012 صدمة كبيرة لجمهور فضل شاكر وللوسط الفني العربي، عندما أعلن فجأة اعتزاله الغناء لأسباب دينية، وأطلق لحيته وبدأ يظهر في تجمعات سياسية ودينية ذات طابع متشدد. تقرّب شاكر خلال تلك الفترة من [[أحمد الأسير|شيخ سلفي لبناني مثير للجدل]]، وشارك في اعتصامات وتظاهرات في مدينة صيدا ومحيطها، مناهضة للنظام السوري وللأطراف اللبنانية الداعمة له3.
بلغت الأمور ذروتها في يونيو 2013، حين اندلعت مواجهات مسلحة دامية في منطقة عبرا بصيدا بين أنصار أحمد الأسير والجيش اللبناني، أسفرت عن سقوط شهداء من العسكريين وعدد كبير من القتلى بين المسلحين. عُرفت هذه الحادثة إعلامياً بـ"أحداث عبرا". وفي أعقاب المعارك، توارى فضل شاكر عن الأنظار واختبأ داخل مخيم عين الحلوة. أصدر القضاء العسكري اللبناني مذكرات توقيف بحقه، ولاحقاً صدرت أحكام غيابية ضده وصلت إلى السجن لمدة 22 عاماً مع الأشغال الشاقة، وتجريده من حقوقه المدنية، بتهم تمويل مجموعة مسلحة والمشاركة في أعمال إرهابية4.
من مخبئه، أجرى فضل شاكر عبر السنوات عدة مقابلات إعلامية نفى فيها بشدة مشاركته الشخصية في القتال ضد الجيش اللبناني أو إطلاق النار على أي عسكري، مؤكداً أن تصريحاته الانفعالية السابقة نُقلت في سياق مشوّه وأن علاقته بالأسير انقطعت قبل وقوع الاشتباكات الدموية. وقد تولّت وكيلته القانونية تقديم مستندات وإفادات لمسؤولين أمنيين تُفيد بعدم ثبوت مشاركته الميدانية في القتال المباشر ضد وحدات الجيش خلال تلك المواجهات5.
على الرغم من السنوات الطويلة من القطيعة والملاحقات القانونية والمواقف الجدلية، أثبتت تجربة فضل شاكر أن إرثه الفني يمتلك مناعة استثنائية. استطاع شاكر أن يحافظ على مكانته في قلوب ملايين المستمعين الذين فصلوا بين مسيرته الغنائية الرومانسية ومواقفه السياسية. أُطلق عليه مراراً لقب "ملك الإحساس"، وتعد مكتبته الغنائية مرجعاً أساسياً للأداء العاطفي والطربي المتقن في العالم العربي2.
علاوة على ذلك، حظي شاكر بتقدير خاص من أطراف متعددة؛ فبناءً على نشأته وارتباطه الوثيق بالقضية الفلسطينية وزواجه من فلسطينية، قرر [[محمود عباس|رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية]] منحه الجنسية الفلسطينية وإصدار جواز سفر باسمه كبادرة تقدير لتاريخه الطويل من التعاطف والدعم المعنوي. كما شهد شهر أبريل من عام 2025 لفتة أخرى إثر التغيرات السياسية الواسعة في المنطقة، حيث أعلنت نقابة الفنانين السورية منح فضل شاكر عضوية النقابة بمرتبة الشرف، تقديراً لمسيرته الفنية ومواقفه الداعمة لقضايا الشعوب3.
شهد عامي 2025 و2026 تحولات جذرية في المسار القانوني والمهني لفضل شاكر، ممهداً الطريق لإنهاء حقبة التخفي والمحاكمات الغيابية. في أكتوبر 2025، دخلت مسيرته مرحلة فاصلة بعدما قام بتسليم نفسه طوعاً للجيش اللبناني والجهات القضائية المختصة، بهدف الخضوع لمحاكمة وجاهية في الملفات الأمنية التي صدرت فيها أحكام غيابية سابقة بحقه6.
أسفرت المحاكمات الوجاهية عن تطورات قانونية متسارعة لصالح الفنان. ففي مايو 2026، أصدرت محكمة جنايات بيروت حكماً ببراءته من تهمة محاولة قتل مسؤول في سرايا المقاومة بمدينة صيدا، في قضية تعود لعام 20134. وتكللت هذه التطورات في مطلع يوليو 2026، حين أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد وسيم فياض قراراً بالموافقة على إخلاء سبيل فضل شاكر في أربع قضايا أمنية رئيسية، أبرزها "ملف عبرا". تم إخلاء السبيل مقابل كفالات مالية بلغت قيمتها الإجمالية 500 مليون ليرة لبنانية. وبعد مرور أسبوع على قرار الإفراج، وافق القضاء اللبناني على رفع حظر السفر المفروض عليه، ما منحه حرية التنقل مجدداً7.
ورغم تبقي بعض الجلسات الإجرائية التي أُجّلت حتى أواخر عام 2026 لأسباب صحية استدعت راحة الفنان، فإن إخلاء سبيله واستعادته لحرية السفر شكّلا إشارة الانطلاق لعودة فنية غير مسبوقة. سارعت الهيئات الترفيهية لتنظيم حفلات جماهيرية كبرى له بعد انقطاع دام قرابة 14 عاماً عن المسرح. أُدرجت حفلاته ضمن فعاليات [[موسم الرياض|مهرجان ترفيهي ثقافي في السعودية]] لعام 2026، حيث جُدولت له حفلتا "عودة الغايب" ليلتي 22 و23 أكتوبر على مسرح أبو بكر سالم في بوليفارد سيتي (Boulevard City)، ونفدت تذاكرهما الرسمية خلال دقائق من طرحها. كما تم تنظيم حفل ضخم له في مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية يوم 30 أكتوبر على مسرح الخبر أرينا (Arena)8. وامتدت هذه العودة إلى دولة قطر، حيث ضُرب له موعد مرتقب مع جمهوره بمشاركة نجله محمد شاكر يوم 12 نوفمبر 2026 على مسرح كتارا المكشوف في الدوحة9.
الرياض – دمرت الدفاعات الجوية التابعة لتحالف دعم الشرعية في اليمن أربع طائرات مسيّرة مفخخة حاولت استهداف أعيان مدنية في منطقتي الرياض والمدينة المنورة صباح اليوم، بحسب ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، مؤكداً نجاح المنظومات الصاروخية في تحييد الأهداف المعادية بدقة عالية في الجو وإحباط الهجوم دون تسجيل أي خسائر مادية أو بشرية بين المدنيين.
ويواكب هذا التصدي تصاعداً ملحوظاً في وتيرة التهديدات الجوية عبر الحدود خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري، إذ أسقطت وسائط الدفاع الجوي صواريخ باليستية ومسيّرات انتحارية أطلقتها جماعة الحوثي نحو قواعد ومنشآت حيوية داخل الأراضي السعودية. وكانت قيادة التحالف قد أعلنت في وقت سابق تدمير منصة إطلاق صواريخ باليستية ومستودعات عسكرية تابعة للمسلحين داخل محافظة صعدة الجبلية لمنع تنفيذ هجمات متزامنة، إلى جانب إحباط محاولات استهدفت محيط مطار الملك خالد الدولي في العاصمة. وتستخدم الميليشيا أسراب الطائرات غير المأهولة منخفضة التحليق لشن ضربات متفرقة تهدف إلى مباغتة الرادارات والضغط على منظومات الصواريخ الاعتراضية الموزعة لحماية المراكز الحضرية والمطارات، غير أن الجاهزية العملياتية للقوات المشتركة حالت دون وصولها إلى أهدافها. ويأتي توسيع دائرة الاستهداف ليشمل مناطق متباعدة داخل المملكة تزامناً مع اضطرابات أمنية تعصف بممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ما يبقي خيارات التحالف مفتوحة للرد الحاسم على مصادر النيران وتحييد ورش التصنيع ومخازن التذخير داخل مناطق سيطرة الجماعة في اليمن.
دمشق – انطلقت يوم أمس الخميس فعاليات المؤتمر العلمي أكاديميا – سوريا 2026 بنسخته الثانية، الذي تقيمه أكاديمية سنجاب لطب العيون برعاية وزارتي التعليم العالي والبحث العلمي والصحة، وبالتعاون مع مستشفى المواساة الجامعي ومستشفى وبنك العيون الجراحي بدمشق، بمشاركة واسعة من أطباء وباحثين من داخل سوريا وخارجها.
ويشهد المؤتمر الذي يُعقد في المركز الوطني للفنون البصرية على مدار ثلاثة أيام تنظيم جلسات وورشات عمل تخصصية تسلط الضوء على أحدث التقنيات الطبية وجراحات العيون المتقدمة. ويأتي هذا الحدث ليمثل منصة علمية هامة لتبادل الخبرات وتطوير المهارات الطبية، والاطلاع على المستجدات العلاجية والتشخيصية التي تسهم في الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية المقدمة للمرضى.
الرياض – وصل الفنان اللبناني [[فضل شاكر|...]] إلى العاصمة السعودية برفقة نجله محمد لإحياء حفلين غنائيين يومي الخميس والجمعة على مسرح أبو بكر سالم ضمن فعاليات موسم الرياض، في أول ظهور جماهيري مباشر له بعد سنوات طويلة من الغياب عن خشبة المسرح، بعدما استقبله رئيس الهيئة العامة للترفيه تركي آل الشيخ، فيما أعلنت الشركة المنظمة نفاد تذاكر الليلة الأولى في وقت قياسي وإضافة حفل ثانٍ استجابة للإقبال الجماهيري الواسع.
أطلقت شركة "بنش مارك" المنظمة للحدث عنوان "عودة الغايب" على الأمسيتين، حيث خاض شاكر تدريباته الموسيقية المكثفة رفقة فرقته لأداء باقة من أشهر أغانيه الكلاسيكية إلى جانب أعماله الأخيرة مثل أغنية "أحلى رسمة"، تمهيداً لجولة عربية أوسع تضم إحياء حفل غنائي على مسرح الخبر أرينا في الثلاثين من تشرين الأول الجاري، تتبعه أمسية على مسرح كتارا المكشوف بالعاصمة القطرية الدوحة، ثم حفل مشترك في منطقة البحر الميت بالأردن. وبرز اسم شاكر في الساحة الفنية العربية أواخر تسعينيات القرن الماضي عبر أعمال وألبومات رومانسية لاقت رواجاً كبيراً في المشرق والخليج، قبل أن يعتزل الظهور المسرحي عام 2012، مكتفياً في السنوات اللاحقة بإطلاق أغنيات منفردة عبر المنصات الرقمية حصدت ملايين المشاهدات. وتترقب الأوساط الموسيقية لقاء الفنان بجمهوره وجهاً لوجه، في تجربة استعادية تهدف إلى اختبار متانة حضوره الفني وتفاعله مع أجيال مختلفة من المستمعين بعد انقطاع طويل.
الحوثيون أو ما يُعرف رسمياً باسم "أنصار الله"، هي جماعة سياسية وعسكرية يمنية مسلحة، انبثقت في محافظة صعدة شمالي اليمن في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، متخذة من المذهب الزيدي منطلقاً فكرياً لها، قبل أن تشهد تحولات أيديولوجية وتنظيمية واسعة جعلتها من أبرز الفاعلين في المشهد اليمني والإقليمي. انتقلت الجماعة من تنظيم دعوي يحمل اسم "الشباب المؤمن" إلى قوة عسكرية خاضت عدة حروب دموية ضد الدولة، وصولاً إلى سيطرتها المسلحة على العاصمة اليمنية في سبتمبر 2014، مما أدخل البلاد في حرب أهلية طاحنة وتدخل إقليمي واسع. واليوم، تحكم الجماعة قبضتها بقوة السلاح على مساحات ذات كثافة سكانية عالية في اليمن، وتدير اقتصاداً موازياً ومؤسسات بديلة، معتمدة على شبكات مالية معقدة وتحالفات خارجية لترسيخ سلطتها كأمر واقع.
تعود الجذور العميقة لحركة الحوثيين إلى المذهب الزيدي، وهو أحد فروع الشيعة الذي استقر في شمال اليمن منذ قرون طويلة. هيمنت الإمامة الزيدية على مقاليد الحكم في أجزاء واسعة من البلاد لأكثر من ألف عام، واستمرت بأشكال مختلفة حتى أُسقطت إثر الثورة الجمهورية التي أنهت حكم الأئمة وأسست لواقع سياسي جديد1. مع تهميش مناطق الشمال، وتحديداً محافظة [[صعدة|معقل الحركة شمالي اليمن]]، جغرافياً وتنموياً، وتصاعد نفوذ المدارس السلفية والوهابية بدعم خارجي في مناطق النفوذ الزيدي التاريخية، بدأت تتشكل إرهاصات رد فعل محلي يهدف إلى الحفاظ على الهوية المذهبية. في عام 1992، تأسس منتدى [[الشباب المؤمن|نواة التأسيس الأولى]] كحركة دعوية وثقافية بقيادة عدد من المرجعيات، وكان من أبرز قادتها حسين بدر الدين الحوثي. تركزت جهود المنتدى في البداية على إقامة المخيمات الصيفية وبناء المدارس الدينية لإعادة إحياء التراث الزيدي واستقطاب الشباب، وحظيت في سنواتها الأولى بتغاضٍ، وربما دعم تكتيكي غير معلن، من الرئيس [[علي عبد الله صالح|الرئيس اليمني الأسبق]] لموازنة قوى وتيارات إسلامية أخرى منافسة لسطوته السياسية.
بمرور الوقت، لم تقتصر الحركة على إحياء [[الزيدية|أحد مذاهب الشيعة]] التقليدية، بل شهدت انزياحاً فكرياً عميقاً نحو مفاهيم أقرب إلى [[الاثني عشرية|المذهب الشيعي السائد في إيران]]. لعب بدر الدين الحوثي، الذي يصفه الباحثون بالأب الروحي للحركة، دوراً محورياً في هذا التحول من خلال توفير غطاء شرعي وفكري لاقتراب الجماعة من العقائد الإمامية2. ظهر هذا التحول العقائدي في إقرار مبدأ التقية، والإيمان بعقائد المهدي والبداء بصيغتها الإمامية، واتخاذ مواقف حادة من الصحابة، مما أحدث قطيعة صريحة مع العديد من مرجعيات الزيدية التقليدية المعتدلة.
لم يكن هذا الاختراق العقائدي عفوياً، بل نُفذ عبر عمل مؤسسي دقيق تضمن إنشاء مراكز علمية موجهة لتأطير الأتباع، مثل مركز الهادي في صعدة ومركز بدر العلمي. كما تبنت الجماعة شعارات راديكالية صاخبة، واستغلت شعار مظلومية آل البيت كغطاء عاطفي وديني لتمرير مشروعها السياسي المتشدد2. وقد ترافق ذلك مع ترويج إعلامي مكثف لإثارة النعرات الاجتماعية ضد النظام الحاكم، وتقديم قيادات الأسرة الحوثية بصفة تمتلك قداسة دينية ومرجعية لا تُناقش.
تحول الصراع من المربع الثقافي والاستقطاب الديني إلى المواجهة المسلحة المباشرة في عام 2004، حين شنت القوات الحكومية حملة عسكرية أدت إلى مقتل حسين الحوثي، ليتولى شقيقه [[عبد الملك الحوثي|الزعيم الحالي للحركة]] قيادة زمام الجماعة. توالت بعد ذلك المعارك، ليخوض الطرفان ست حروب مدمرة انتهت عام 2010. ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في عام 2011، استغلت الجماعة الفراغ الأمني لتوسيع رقعتها الجغرافية. بدأ الطريق الفعلي للسيطرة على الدولة بتوسيع العمليات العسكرية انطلاقاً من صعدة، حيث سقطت محافظة عمران في منتصف عام 2014 إثر معارك عنيفة. ومن عمران، زحفت الميليشيات نحو [[صنعاء|عاصمة الجمهورية اليمنية]] تحت ذريعة رفض جرعة سعرية حكومية على المشتقات النفطية3.
في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، تمكن الحوثيون من السيطرة الكاملة على صنعاء ومؤسسات الدولة الحيوية بمساعدة وحدات عسكرية موالية للرئيس الأسبق. ورغم توقيع "اتفاق السلم والشراكة الوطنية" برعاية أممية، استمرت الجماعة في فرض سيطرتها المسلحة بقوة الأمر الواقع، ووضعت رئيس الجمهورية والوزراء تحت الإقامة الجبرية، لتصدر بعد أشهر "الإعلان الدستوري" الذي حلت بموجبه البرلمان واستكملت أركان انقلابها، متجهة بقواتها نحو محافظات الوسط والجنوب ومُدخلة البلاد في حرب طاحنة3.
في مناطق سيطرتها، عملت الحركة على تفكيك مؤسسات الدولة الاقتصادية المتبقية واستبدالها بشبكات جباية معقدة لتمويل مجهودها الحربي العابر للمحافظات. انتقلت الجماعة من فرض الجبايات العشوائية عبر نقاط التفتيش الأمنية إلى تأسيس هيكل بيروقراطي صارم عبر ما يقارب خمس وعشرين محطة جمركية رئيسية ومئة وخمسين نقطة فرعية داخل الأراضي اليمنية نفسها4. خلق هذا النظام "حدوداً اقتصادية" داخلية تفصل مناطقها عن بقية البلاد، بحيث تُفرض رسوم ضخمة ومضاعفة على البضائع القادمة من الموانئ الحكومية، مما رفع القيمة التقديرية للبضائع بنسب تتراوح بين أربعين وثمانين بالمئة4.
شهد الاقتصاد في تلك المناطق عملية هندسة شاملة؛ إذ تم منح عشرات الآلاف من السجلات التجارية لتجار وشركات تابعة لقيادات الجماعة، في حين هُمشت وصودرت أملاك البيوت التجارية اليمنية التقليدية5. ووفقاً لدراسات اقتصادية شاملة نُشرت عام 2026، بلغت الإيرادات التي جمعتها الميليشيات في عام 2023 أكثر من تريليوني ريال يمني حصيلة الضرائب والجمارك وهيئة الزكاة المستحدثة، جرى توجيه الجانب الأكبر منها خارج الدورة النقدية الرسمية لتمويل عمليات التصنيع العسكري وصناديق دعم الجبهات، بينما حُرم مئات الآلاف من الموظفين من رواتبهم الأساسية. أدى هذا الاستنزاف المنظم إلى إغلاق مئات المنشآت الاقتصادية، وارتفاع حاد في كلفة المعيشة، وتحول الاقتصاد المحلي من محفز للعمل إلى أداة لترسيخ السيطرة5.
لم تتوقف تداعيات السيطرة الحوثية عند تحطيم البنية السياسية في الداخل اليمني، بل امتدت لتشكل اختلالاً أمنياً وعسكرياً في الإقليم، استدعى تشكيل [[التحالف العربي|تحالف عسكري لدعم الشرعية]] انطلق في ربيع عام 2015. طوال سنوات الصراع، كشفت التقارير الأممية عن تلقي الجماعة دعماً تقنياً وعسكرياً واسعاً من إيران والشبكات الموالية لها، ما مكن الحوثيين من تطوير قدرات تسليحية غير تقليدية شملت الصواريخ الباليستية المتطورة والطائرات المسيرة الملغمة والمسيّرات البحرية، والتي استُخدمت لاستهداف الملاحة الدولية ومنشآت حيوية ومدنية في الدول المجاورة. داخلياً، أفرزت سياسات الجماعة التوسعية، بما فيها حصار المدن الكبرى كتعز والزراعة العشوائية المكثفة للألغام الأرضية، أزمات إنسانية تعد من الأسوأ في العصر الحديث، حيث شُرد الملايين وفقدوا مأواهم وباتوا يعتمدون كلياً على المساعدات الإغاثية الشحيحة3.
بقي المشهد اليمني خلال عام 2026 رهينة لحالة من الجمود العسكري المتقطع وتفجر بؤر الصراع بين الحين والآخر، دون أفق حقيقي لحل سياسي مستدام. فقد واصلت الجماعة توظيف مكاسبها المالية والعسكرية لترسيخ إدارتها الأحادية، مكثفة من شبكات الجباية وإحكام الرقابة الأمنية الصارمة على الأسواق والتحويلات المالية. وميدانياً، استمرت الميليشيات في استغلال الهدن غير المعلنة لتطوير إمكاناتها الهجومية، ونفذت استهدافات متباعدة بالطائرات المسيرة شملت محيط مدينة عدن، رافقها تصعيد مستمر في مسارات الملاحة البحرية المحاذية للساحل الغربي لليمن، وهو ما قابلته عمليات اعتراض مستمرة، لتبقى الأزمة اليمنية تدور في فلك اقتصاديات الحرب وتكريس الانقسام العميق في بنية الدولة والمجتمع اليمني.