حرية ومسؤولية
اللاذقية – ألقى فرع المباحث الجنائية في محافظة اللاذقية القبض على خمسة أشخاص متورطين في اختلاس مبالغ مالية ضخمة من المال العام تقدّر بعشرات ملايين الليرات السورية، عقب استكمال عمليات جمع المعلومات وإجراء التحقيقات الأولية المكثفة وتنظيم الضبط القانوني اللازم لإحالتهم مباشرة إلى القضاء المختص.
تأتي هذه الضربة الأمنية المشددة ضمن خطة عمل واسعة تقودها قيادة الأمن الداخلي في الساحل السوري لتتبع قضايا الفساد المالي وملاحقة المتورطين في التعدي على أموال الدولة وحماية الممتلكات العامة من الهدر والنهب الممنهج. وشهدت المحافظة خلال الأيام القليلة الماضية تصعيداً لافتاً في ملاحقة شبكات السرقة والسلب المنظم؛ إذ أوقف قسم شرطة الشاطئ في السادس عشر من أيلول ثلاثة متورطين بسلب دراجات نارية، قبل أن تكشف التحقيقات ضلوعهم في سلسلة جرائم سرقة موسعة شملت مواقع مختلفة بالمدينة. وتركز الأجهزة الشرطية جهودها الميدانية على تجفيف منابع الجرائم الجنائية التي تستهدف الاستقرار المجتمعي والاقتصادي، مستندة إلى تحريات دقيقة وتنسيق مباشر مع الجهات القضائية لضمان محاسبة المرتكبين وفرض سيادة القانون على الجميع بحزم وتجرد كاملين. ويعكس تسارع وتيرة هذه العمليات رغبة معلنة من المؤسسات الأمنية والرقابية في حماية مقدرات الاقتصاد الوطني واسترداد المبالغ المختلسة إلى خزينة الدولة، بما يضمن صيانة الحقوق العامة ومحاصرة شبكات التربح غير المشروع في المؤسسات الخدمية والمدنية كافة.
القدس – حذّرت دراسة نشرتها صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية وأعدها المستشار الاستراتيجي جوناثان أديري، ونقلت مضامينها شبكة "آر تي"، من خطر إخفاق تل أبيب في ترجمة مكاسبها العسكرية الميدانية إلى نفوذ اقتصادي وبنية تحتية مستدامة، مؤكدة أن تركيا ودول الخليج تفرضان واقعاً جغرافياً جديداً عبر شبكات السكك الحديدية والموانئ وممرات التجارة الإقليمية.
تكتسب هذه الرؤية أهميتها من تركيزها على الصراع الصامت لإعادة رسم شبكات الإمداد والطاقة العالمية، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لحسم التموضع الاستراتيجي للدول. ويتابع صناع القرار في المنطقة هذا التحول عن كثب، نظراً لأن مسارات الممرات البرية والبحرية تحدد تدفقات رؤوس الأموال ومراكز الثقل الاقتصادي لعقود مقبلة.
يعود مفهوم "الشرق الأوسط" تاريخياً إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما صاغه مكتب الهند البريطاني في لندن لوصف المنطقة كممر عبور إمبراطوري، قبل أن يرسخه المنظر البحري ألفريد ماهان عام 1902 لضبط الممرات نحو الهند. وتوضح الدراسة أن هذا المفهوم يتفكك حالياً لصالح فضاء "غرب آسيا"، وهو المجال الذي تتصدره قوى اقتصادية نامية، وفي مقدمتها الهند التي بلغ حجم تبادلها التجاري مع الإمارات أكثر من 100 مليار دولار سنوياً.
تسبب الصراع الممتد لنحو ألف يوم في تبدلات جذرية طالت الهياكل الأمنية التقليدية، ما أفرز فراغاً جيوسياسياً واسعاً في الفضاء الإقليمي. وتؤكد الدراسة أن الفراغات الاستراتيجية لا تظل شاغرة بطبيعتها، حيث تسابقت أطراف إقليمية بارزة لملء المساحات الناشئة بمشاريع نقل واستثمارات طويلة الأجل.
أوضحت الصحيفة العبرية أن أنقرة بادرت سريعاً إلى تعزيز تموضعها عبر حزمة من مشاريع النقل العابرة للحدود، تجسيداً لمبدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المعلن عام 2023 بأنه لا ممر تجارياً قابلاً للحياة دون تركيا. وتشمل التحركات التركية الدفع بمشروع "طريق التنمية" الرابط بين ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق والحدود الأوروبية بمشاركة خليجية، فضلاً عن توسيع مسارات "الممر الأوسط" القادم من آسيا الوسطى، والربط السككي عبر القوقاز بين أذربيجان وناختشيفان وصولاً إلى ولاية قارص التركية.
في المقابل، سجلت القراءة الإسرائيلية تعثراً ملموساً يواجه الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا المعروف باسم "آيمك" (IMEC)، والذي أُعلن في قمة مجموعة العشرين بنيودلهي أواخر عام 2023. ويعاني هذا المشروع من غياب التزامات تمويلية ملزمة وجداول تنفيذية واضحة، إلى جانب مشكلات فنية وهيكلية تواجه الموانئ الإسرائيلية المفترضة لاستقبال البضائع.
حددت الدراسة نقطة الاختناق الرئيسية في ميناء حيفا، الذي يفترض أن يشكل البوابة البحرية للممر نحو القارة الأوروبية. وتظهر البيانات الفنية أن الطاقة الاستيعابية السنوية للميناء تبلغ قرابة 1.5 مليون حاوية فقط، وهي سعة متواضعة تجعل المرفأ الحلقة الأضعف أمام التدفقات المتوقعة، في حين تتوسع دول الخليج في بناء قدرات لوجستية وتنموية ضخمة تتيح لها توجيه حركة الإعمار والتجارة في سوريا ولبنان وبقية دول الإقليم.
ربط التحليل بين التنافس الجغرافي في الشرق الأوسط وعودة أزمات الملاحة الدولية في المضائق البحرية الرئيسية، مستشهداً بالاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز وباب المندب، وما تلاها من تحول التركيز الدفاعي الدولي نحو مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا. وتسرّع الهند استثماراً بقيمة 9 مليارات دولار في جزيرة "نيكوبار الكبرى" لتشييد ميناء حاويات وقاعدة طيران تشرف على المدخل الغربي للمضيق، بينما تسلك الصين ممرات بديلة عبر القطب الشمالي بمساعدة كاسحات الجليد الروسية تفادياً لمخاطر الإغلاق.
أمام هذا التسابق، طرح جوناثان أديري في دراسته نموذجاً أطلق عليه اسم "هندسة الماس"، في محاولة للالتفاف على شبكات النقل البرية التي تسعى أنقرة إلى ترسيخها في غرب آسيا. ويهدف هذا الإطار المقترح إلى بناء شراكة تربط الهند وأذربيجان واليونان وقبرص ودول القرن الإفريقي، على أن تكون دولة الإمارات في مركز هذا التحالف، للاستفادة من تقاطع المصالح الاقتصادية وتوسيع الربط الكهربائي وشبكات الألياف البصرية وحركة الموانئ.
جاء في نص تحليل أديري المنشور عبر صحيفة "يسرائيل هيوم" حول ضرورة الانتقال إلى خطوات عملية:
مهمة إسرائيل في العام العبري الجديد هي تحويل المصالح المشتركة إلى مؤسسات دائمة، وإطلاق منتدى ثلاثي مع الهند والإمارات، وتوقيع اتفاقيات بنية تحتية ملموسة، وتحويل الزخم الدبلوماسي إلى خطط عمل بميزانيات ومواعيد نهائية.
تُظهر المعطيات المتاحة أن الصراع في الإقليم يتحول تدريجياً من حسم المواجهات الميدانية إلى فرض الأمر الواقع عبر البنية التحتية والممرات اللوجستية. ويُرجَّح أن تواجه الرؤية الإسرائيلية عقبات تنفيذية معقدة في بناء تحالفات تتجاوز أنقرة، نظراً لتشابك المصالح الاقتصادية بين دول الخليج وتركيا، واعتماد مسارات النقل البرية على معطيات الجغرافيا التي تمنح الجانب التركي أفضلية الربط المباشر بالقارة الأوروبية.
قد تفضي التحركات الراهنة إلى استمرار تفوق مشروع "طريق التنمية" والممر الأوسط على حساب ممر "آيمك"، ما لم تقدم واشنطن وشركاؤها التزامات مالية صريحة لتطوير البنية المرفئية والسككية في إسرائيل. كما تشير القراءات الاستراتيجية إلى إمكانية نشوء شبكات نقل متوازية ومتنافسة، تحتفظ فيها الموانئ الخليجية بدور الموزع المركزي لحركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا دون الاعتماد الحصري على الواجهة المتوسطية الجنوبية.
تبقى المرحلة المقبلة معلقة على قدرة الأطراف الإقليمية على تدبير التمويل اللازم للمشاريع المعلنة، في انتظار ما ستسفر عنه اجتماعات الممرات الاقتصادية وخطط الاستثمار المشتركة لتحديد المسار الفعلي لتدفق التجارة العالمية.
الرقة – استنفرت فرق البيئة والري في محافظة الرقة اليوم السبت عقب رصد نفوق جماعي مفاجئ لآلاف الأسماك طافية على ضفاف نهر الفرات وقنوات الري الرئيسية، مما أثار هلعاً متصاعداً بين الأهالي والمزارعين من كارثة بيئية ومائية مجهولة الأسباب قد تهدد مياه الشرب والثروة السمكية.
بادرت اللجان الفندقية المتخصصة على الفور بسحب عينات متعددة من المياه والرواسب والأسماك النافقة لنقلها إلى المخابر المركزية، بهدف فحص نسب الأكسجين المنحل والتأكد من خلو المجرى المائي من المبيدات الحشرية الخطرة أو متبقيات الصرف الزراعي والصناعي السام. ويتزامن هذا التدهور البيئي الحاد مع تراجع ملحوظ في مناسيب تدفق النهر وسرعة جريانه، وهي ظاهرة تنشط خلالها الطحالب الخضراء السامة وتهبط بمستويات الأكسجين إلى مستويات قاتلة للأحياء المائية. أصدرت مديريات الزراعة والصحة في المنطقة تعميمات عاجلة حظرت بموجبها صيد الأسماك أو بيعها في الأسواق المحلية مؤقتاً، وشددت الرقابة على محطات تصفية مياه الشرب المغذية لقرى الريف كإجراء احترازي وقائي لحين صدور النتائج المخبرية الرسمية. ويخشى السكان المحليون الذين يعتمدون كلياً على صيد الفرات في تأمين قوتهم اليومي من اتساع رقعة التلوث، إذ تؤكد مراجع بيئية أن أي خلل كيميائي أو تسمم بالمجرى قد يستنزف تعافي المخزون السمكي لأشهر طويلة، فضلاً عن تهديده للأمن المائي المباشر للبلدات المحاذية للمجرى الرئيسي.
معاذ محارب إعلامي وطبيب سوري، ولد في بلدة موثبين بمحافظة درعا في أواخر ثمانينيات القرن العشرين. يُمثل محارب واحدة من الشخصيات الإعلامية السورية البارزة التي واكبت التحولات الجيوسياسية في البلاد، حيث انتقل من العمل في منصات الإعلام المعارض بالمهجر إلى تصدّر المشهد في التلفزيون الرسمي بدمشق إبان التغيير السياسي الشامل في شباط/فبراير 2025، قبل أن يستقيل متجهاً إلى فضاء الإعلام الإقليمي.
ينحدر محارب من بيئة مشبعة بالتحولات السياسية والاجتماعية في محافظة درعا جنوبي سوريا، والتي تُعد مهد الثورة السورية، مما أسهم في تشكيل وعيه السياسي واهتمامه المبكر بقضايا الشأن العام وحقوق الإنسان. يحمل محارب ازدواجية أكاديمية نادرة في الوسط الإعلامي؛ حيث درس الطب البشري، وتلقى في الوقت ذاته تعليمه الجامعي في تخصص الصحافة والإعلام بجامعة دمشق، فحصل على درجة البكالوريوس التي أسست لدخوله الاحترافي لعالم الصحافة. وقد أسهمت خلفيته الطبية في منحه قدرة تحليلية منهجية لتفكيك الأزمات السياسية وتشخيصها بعقلية استقصائية دقيقة.
بدأ معاذ محارب مسيرته الإعلامية بتدرج مهني مدروس كمراسل صحفي، ثم تنقل بين مؤسسات إعلامية محلية ودولية. وقد ارتبطت النقلة الاستراتيجية في مساره بانضمامه إلى "تلفزيون سوريا" الذي كان يبث من مدينة إسطنبول التركية كمنصة إعلامية معارضة لنظام بشار الأسد.
عبر شاشة "تلفزيون سوريا"، قدم محارب برنامجه التحليلي الشهير "ما تبقى"، الذي عُرف بأسلوبه النقدي الجريء. لم يقتصر البرنامج على نقد النظام السوري، بل أسس لمرحلة من "النقد الذاتي" الصارم لأداء مؤسسات المعارضة السورية والميليشيات المسلحة على اختلاف تبعياتها[1]. شملت تغطيات البرنامج ملفات شائكة ومعقدة، منها:
إثر السقوط النهائي لنظام الأسد في شباط/فبراير 2025 والشروع في هيكلة مؤسسات الدولة السورية وإعلامها الرسمي، كان انتقال معاذ محارب إلى العاصمة دمشق خطوة استراتيجية بالغة الدلالة. اختير محارب ليقود الحوار الوطني المفتوح عبر القناة "الإخبارية السورية" الحكومية، في مسعى صريح لاستعادة ثقة الشارع السوري بالإعلام الرسمي وإبعاده عن لغة التلقين الأحادية[2].
أطلق محارب برنامجه اليومي "على الطاولة"، والذي استضاف عبره صنّاع القرار ومسؤولين نافذين لمساءلتهم بشفافية. ومن أبرز المحطات الاستثنائية للبرنامج، استضافته لوزير الطوارئ رائد الصالح لمناقشة خطط التعافي وإعادة الإعمار، إضافة إلى محاورته الصريحة لرجل الأعمال غسان عبود، وتغطيته المعمقة لإلغاء مجلس الشعب لـ "محكمة الإرهاب" الاستثنائية وإرساء العدالة الانتقالية. أثبتت هذه المحطات نجاح محارب في تحويل شاشة التلفزيون الرسمي إلى منصة للحوار السوري المفتوح الذي يتسع لكافة الأطياف.
رافقت المسيرة المهنية لمحارب جملة من التحديات والمواقف الجدلية، التي وضعته تحت مجهر النقد والمتابعة المستمرة:
في أيلول/سبتمبر 2026، فاجأ محارب جمهوره بإعلان استقالته من "الإخبارية السورية". وتزامناً مع الاستقالة، انتشرت شائعات حول تراجع مستوى الحريات وعودة الرقابة للقناة، غير أن محارب تدخل شخصياً وفنّد ذلك عبر تصريحات لصحيفة "زمان الوصل"، مؤكداً أن الاستقالة تمثل انتقالاً مهنياً طبيعياً، وداعياً لعدم ظلم الإدارة الجديدة للقناة، ومثبتاً أن الإعلام السوري بات يتمتع بهوامش حرية فعلية[6].
وقد أشارت معلومات صحفية متطابقة إلى أن وجهة محارب القادمة ستكون شبكة "الجزيرة" الإعلامية، في خطوة تمثل صعوداً لافتاً وخروجاً من الإطار المحلي إلى الفضاء الدولي الرحب.
يُعرف الدكتور معاذ محارب بحرصه الشديد على إبقاء تفاصيل حياته الشخصية والعائلية بعيدة عن التداول الإعلامي. وهو متزوج ولديه أبناء، ويحظى باحترام واسع في الوسطين الصحفي والمجتمعي نظراً لالتزامه المهني العميق، وتمسكه بالاشتباك المعرفي الهادئ بعيداً عن الاستقطاب الانفعالي.
دير الزور – شيّعت وزارة الدفاع السورية اليوم السبت أحد عشر عسكرياً لقوا حتفهم إثر دوي انفجار مجهول المصدر داخل مقر تابع للجيش السوري في منطقة عياش بريف دير الزور الغربي، وسط تكتم رسمي حول مسببات الحادثة الدقيقة.
وتضاف هذه الحادثة الدامية إلى سلسلة انفجارات ضربت مستودعات للأسلحة والذخيرة في مناطق متفرقة من البلاد خلال الأسابيع الأخيرة. وتتمركز وحدات الجيش السوري وفصائل رديفة بكثافة في ريف دير الزور الغربي، حيث تمثل منطقة عياش نقطة عسكرية استراتيجية تضم معسكرات متقدمة. وشهدت المنطقة ذاتها استهدافات متكررة في السنوات الماضية نُسبت غالباً إلى الضربات الإسرائيلية أو هجمات جوية مباغتة، فضلاً عن نشاط خلايا مسلحة في عمق البادية السورية، غير أن القيادة العسكرية لم توجه حتى اللحظة أصابع الاتهام لأي طرف خارجي. انطلقت مراسم التشييع الرسمية للقتلى من المشفى الوطني في قلب مدينة دير الزور، بحضور لافت لقيادات أمنية ومسؤولين محليين. يفرض تكرار حوادث التفجير داخل المقرات العسكرية، والتي أسفر أحدها عن مقتل 14 شخصاً في شمال غربي البلاد مطلع أيلول الجاري، تحديات متزايدة حول معايير تأمين مستودعات الذخيرة وصيانتها في ظل استمرار التأهب الأمني. تكتسب هذه الإجراءات أهمية مضاعفة بالتزامن مع مساعي دمشق المستمرة لتعزيز قدراتها الدفاعية في مجمل المنطقة الشرقية، التي تحاذي مباشرة خطوط التماس مع مناطق سيطرة قسد والقواعد الأمريكية التابعة للتحالف الدولي.
واشنطن – ألغت الإدارة الأمريكية اليوم كافة القيود التاريخية المفروضة على مبيعات الأسلحة والتمويل العسكري لسوريا، عقب دخول قرار رسمي صادر عن السجل الفيدرالي حيز التنفيذ الفعلي، لينهي بذلك حظراً مشدداً استمر عقوداً بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الصادر في عام 1991.
يمثل هذا الإجراء الاستثنائي تحولاً جذرياً في مسار العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ودمشق، ويطوي صفحة طويلة من العزلة العسكرية والاقتصادية الخانقة. وتتبع هذه الخطوة المفصلية سلسلة قرارات أمريكية متسارعة بدأت أواخر آب الماضي، حين شطبت وزارة الخزانة سوريا نهائياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وألغت التصنيفات العقابية المتعلقة بهيئة تحرير الشام، إلى جانب إنهاء العمل بالترخيص العام رقم 25. وتتيح الإعفاءات الجديدة للحكومة السورية استئناف استيراد المواد والخدمات الدفاعية بشكل رسمي، وتفتح الباب واسعاً أمام تلقي تمويل عسكري أجنبي كان محظوراً بالكامل بموجب لوائح سابقة. ورغم هذه التسهيلات غير المسبوقة، أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن دمشق لا تزال خاضعة لبعض الضوابط الرقابية المتعلقة بتصدير التقنيات الحساسة ذات الاستخدام المزدوج، والتي يديرها مكتب الصناعة والأمن. ويمهد إنهاء حظر التسليح الطريق عملياً لإعادة تأهيل المؤسسات العسكرية السورية بدعم دولي مباشر، ويسرع في دمج دمشق ضمن المنظومة الأمنية الإقليمية والدولية بعد قطيعة استمرت لسنوات طويلة. وتشكل هذه التطورات رسالة سياسية واضحة تدعم استقرار المرحلة الانتقالية السورية، وتسهل عملية إعادة هيكلة قطاع الدفاع بما ينسجم مع المعطيات الجيوسياسية الجديدة في الشرق الأوسط.
مضر العكلة عالم كيمياء سوري، يشغل منصب المدير العام لهيئة الطاقة الذرية السورية. برز كشخصية قيادية تكنوقراطية لعبت دوراً محورياً في إعادة هيكلة البرنامج النووي السوري السلمي وتصحيح مساره الدبلوماسي. قاد جهوداً استثنائية أثمرت في سبتمبر عام 2026 عن طي ملف "عدم الامتثال" لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معيداً دمج سوريا في منظومة التعاون النووي الإقليمي والدولي.
يحمل الدكتور مضر العكلة درجة الدكتوراه في الكيمياء، مع تخصص دقيق ومتقدم في الكيمياء الفيزيائية والكيمياء التطبيقية. يعكس مساره الأكاديمي التزاماً بالبحث العلمي المنهجي، حيث تركزت أبحاثه على تصميم وتحضير المواد الحفازة (Catalysts) ودراسة التفاعلات الحركية، وهي مجالات أساسية لفهم سلوك المواد الكيميائية في بيئات المفاعلات والعمليات الصناعية الدقيقة[1].
يملك رصيداً كبيراً من الأبحاث المنشورة في دوريات علمية عالمية مرموقة مثل Kinetics and Catalysis و Applied Catalysis، بالتعاون مع أكاديميين سوريين ودوليين. ومن أبرز إسهاماته العلمية دراساته المتقدمة حول استخدام أكسيد الكوبالت (Co3O4) لأكسدة الأمونيا، والتي تتقاطع مباشرة مع مفاهيم الكيمياء الخضراء والحد من الملوثات الصناعية، وتقليل الكلف التشغيلية للطاقة[2].
تسلم العكلة إدارة هيئة الطاقة الذرية السورية في مرحلة شديدة التعقيد، اتسمت بالعزلة الدولية بسبب قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر عام 2011، والذي اعتبر سوريا في حالة "عدم امتثال" لالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات الشاملة، وذلك إثر تداعيات أزمة موقع "الكبر" في دير الزور. اعتمد العكلة استراتيجية متكاملة لفك هذه العزلة، ارتكزت على الشفافية المحسوبة والتعاون الدبلوماسي العلمي مع المفتشين الدوليين.
تحت إدارته، حققت الهيئة السورية مجموعة من الاختراقات الاستراتيجية الكبرى، وتم دمجها كرافعة أساسية في خطط إعادة الإعمار الوطنية. من أبرز الإنجازات التي سُجلت في حقبته:
أسس الدكتور العكلة لما عُرف بعقيدة "الشفافية السيادية"، رافضاً نهج السرية المطلقة الذي قد يُتخذ كذريعة للاستهداف الخارجي. تمسك في خطاباته المتعددة بعدم تسليم المواد النووية السورية السلمية لدول أجنبية كجزء من تسويات، مصراً على إخضاعها لرقابة الوكالة داخل سوريا لحفظ أصول الدولة التقنية.
كما تبنى موقفاً خطابياً يتسم بالبراغماتية والفصل الزمني، مبيناً في مفاوضاته مع الوكالة الدولية أن قيادة الدولة الحالية تعالج التداعيات والخروقات المنسوبة لحقبة ماضية، ما أتاح للهيئة الحالية التنصل من الأعباء الأمنية السابقة وبدء صفحة جديدة مبنية على لغة العلم التجريبي الدقيق[5].
لم يقتصر دور العكلة على تفكيك الألغام القانونية والأزمات الدبلوماسية، بل أعاد تشكيل الآفاق المستقبلية لبرنامج الطاقة النووية السوري. وضع أسس رؤية وطنية تهدف إلى إدخال محطات الطاقة النووية كحل مستدام لتوليد الكهرباء لسد العجز الوطني الخانق.
على المستوى الخدمي، أعطى العكلة أولوية قصوى للطب النووي والإشعاعي، وأشرف على إنجاز إعادة تشغيل مسرّع الجسيمات "السيكلوترون" المحلي لإنتاج النظائر الطبية المستخدمة في تشخيص الأورام السرطانية، وهو إنجاز أسهم بشكل فوري في تغطية العجز الطبي المترتب على العقوبات الاقتصادية[6]. واستطاع عبر ذلك تحويل هيئة الطاقة الذرية إلى شريك أساسي في مشاريع التعافي المدني والتنموي لعموم البلاد.
دمشق – أطلقت هيئة الطاقة الذرية السورية اليوم رسمياً منصة "خبراء سورية للطاقة النووية"، لتكون أول شبكة وطنية رقمية مخصصة لجمع الكفاءات والخبرات السورية المتخصصة في مجالات الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، بهدف ربط الباحثين والأكاديميين والمهنيين العاملين داخل البلاد مع نظرائهم المنتشرين في الخارج لتبادل المعارف ودعم مشاريع البحث العلمي والتطبيقي.
وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية كمحاولة جادة ومؤسساتية لاستعادة التواصل مع العقول السورية المهاجرة التي تمتلك رصيداً علمياً متقدماً على مستوى العالم، وذلك بعد سنوات طويلة عانى فيها قطاع البحوث النووية السلمية من التهميش وغياب الرؤية التنموية الشاملة خلال الحقبة السياسية الماضية. وتسعى الإدارة الحالية للهيئة عبر هذه البوابة إلى توجيه الطاقات المتخصصة نحو قطاعات حيوية تمس احتياجات المجتمع المحلي بشكل مباشر، لتشمل مجالات دقيقة مثل الطب النووي، والصيدلة الإشعاعية، والتقانة الحيوية، والفيزياء النووية، إلى جانب تطبيقات زراعية وصناعية تلعب دوراً محورياً في تحقيق الأمن الغذائي والمائي. ويرى أكاديميون ومتابعون للشأن العلمي أن ربط الخبرات المشتتة وتوحيد جهودها عبر منصة موحدة سيؤسس لقاعدة بيانات وطنية ضخمة تتيح تشكيل فرق عمل بحثية مشتركة، مما يسرّع من وتيرة نقل التكنولوجيا الحديثة وتوطينها داخل المؤسسات السورية المختصة. ومن المقرر أن ينبثق عن هذه المنصة قريباً الملتقى الأول لخبراء الطاقة النووية، والذي سيشكل نواة أساسية لتأطير الجهود ووضع خطط تنفيذية تضمن تحويل الأفكار النظرية إلى مشاريع ابتكارية ملموسة. وتعكس هذه التحركات مساعي حثيثة تبذلها دمشق لتجاوز تداعيات العزلة العلمية التي فرضتها ظروف الحرب، وفتح قنوات تعاون مرنة ومستدامة توظف الكفاءات الوطنية في مسيرة النهوض بالقطاعين الصحي والاقتصادي.
الملك تشارلز الثالث (تشارلز فيليب آرثر جورج)، ملك المملكة المتحدة وأربع عشرة دولة أخرى من دول الكومنولث. وُلد في العاصمة البريطانية لندن عام 1948، واعتلى العرش في الثامن من سبتمبر/أيلول 2022 عقب وفاة والدته الملكة إليزابيث الثانية. يُعدّ تشارلز الوريث الشرعي الأطول خدمة في التاريخ البريطاني، حيث حمل لقب "أمير ويلز" لأكثر من ستة عقود، تميزت بانخراطه الواسع في القضايا البيئية، ورعاية الشباب، والعمارة التراثية، قبل أن ينتقل لقيادة المؤسسة الملكية نحو حقبة جديدة.[1]
وُلد تشارلز في قصر باكنغهام ليكون الحفيد الأول للملك جورج السادس والملكة إليزابيث (الملكة الأم)، والابن البكر للأميرة إليزابيث (الملكة لاحقاً) والأمير فيليب دوق إدنبرة. أصبح وريثاً واضحاً للعرش في سن الثالثة عند اعتلاء والدته العرش عام 1952، مما منحه فوراً ألقاباً وراثية متعددة أبرزها دوق كورنوال ودوق روثساي.[1]
خلافاً للتقاليد الملكية السابقة التي كانت تعتمد على المعلمين الخصوصيين داخل القصر، تلقى تشارلز تعليمه في المدارس العامة. التحق بمدرسة "تشيم" في بيركشاير، ثم انتقل إلى مدرسة "غوردونستون" الداخلية الصارمة في اسكتلندا، وهي ذات المدرسة التي درس فيها والده. أتم تعليمه الجامعي في كلية الثالوث (تيرينيتي) بجامعة كامبريدج، حيث تخرج عام 1970 بدرجة البكالوريوس في الفنون (تخصص التاريخ)، ليصبح أول وريث للعرش البريطاني يحصل على شهادة جامعية. كما أمضى فصلاً دراسياً في جامعة كوليج ويلز لتعلم اللغة والتاريخ الويلزي استعداداً لتنصيبه الرسمي.[1]
تدرج تشارلز في أداء الواجبات الملكية والعسكرية بصورة مكثفة، وتخللت مسيرته محطات أسست لحضوره القيادي لاحقاً:[1]
استثمر تشارلز فترة ولايته الطويلة للعرش لتأسيس دور استباقي وغير تقليدي لأمير ويلز. أسس عام 1976 مؤسسة "The Prince's Trust" بمنحة تقاعده العسكري، وهي مؤسسة خيرية دعمت مئات الآلاف من الشباب المهمشين في بريطانيا لتأسيس أعمالهم واستكمال تعليمهم.[1]
على الصعيد العالمي، برز تشارلز كواحد من أقدم الأصوات المنادية بحماية البيئة والتنمية المستدامة والزراعة العضوية. حذر من التغير المناخي منذ سبعينيات القرن العشرين قبل أن يصبح قضية عالمية كبرى. كما اشتهر بنقده الحاد لبعض اتجاهات العمارة الحديثة، داعياً إلى الحفاظ على التراث العمراني الكلاسيكي والتخطيط الحضري المتوافق مع الطبيعة، وهو ما جسده عملياً في تخطيط وبناء قرية "باونبوري" (Poundbury) النموذجية في مقاطعة دورست.[1]
تعرض تشارلز لانتقادات إعلامية واسعة خلال التسعينيات إبان انهيار زواجه من الأميرة ديانا، حيث حمّله الرأي العام والصحافة الصفراء مسؤولية التعقيدات الزوجية والمأساة التي رافقت الحادث الذي أودى بحياتها عام 1997. كما واجه جدلاً دستورياً عُرف إعلامياً بـ"مذكرات العنكبوت الأسود" (Black Spider Memos)، وهي رسائل وجهها سراً إلى وزراء في الحكومة البريطانية، مما اعتبره نقاد تدخلاً غير دستوري من وريث العرش في الشأن السياسي التنفيذي.[1]
أثار كتاب مذكرات لتشارلز سبنسر (شقيق الأميرة ديانا) جدلاً تاريخياً عندما زعم أن تشارلز أخبره إبان وفاتها بأن ديانا "ستُنسى قريباً". استدعى هذا الادعاء تدخلاً نادراً من الدوائر المقربة من الملك تشارلز الثالث، التي ردت على الانتقادات رافضةً هذا التوصيف، ومشددة على أن الملك يكنّ احتراماً تاريخياً عميقاً لتأثير ديانا وأمومتها لنجليه، معتبرة أن إعادة اجترار الحوارات القديمة يُخرجها عن سياق الانفعال اللحظي الذي رافق تلك الأزمة المعقدة.[2]
في حادثة تسلط الضوء على حروب التضليل الإعلامي الحديثة، انتشر في مارس/آذار 2024 خبر مفبرك حول وفاة الملك تشارلز، بعد أن تداولت وسائل إعلام روسية بياناً مزوراً منسوباً لقصر باكنغهام يزعم وفاته المفاجئة، وترافق ذلك مع تنكيس الأعلام في بعض السفارات البريطانية لأسباب أخرى، مما أثار بلبلة دولية استدعت نفياً قاطعاً وعاجلاً من السفارات البريطانية ومكاتب القصر، في وقت كان الملك يواصل فيه تلقي العلاج من مرض السرطان.[3]
يسعى الملك تشارلز الثالث إلى تشكيل إرثه الخاص كـ"ملك انتقالي" ومصلح للمؤسسة، معتمداً استراتيجية "الملكية المخففة" (Slimmed-down monarchy) التي تهدف إلى تقليص عدد كبار أفراد العائلة المالكة العاملين والمدعومين من المال العام، بغية جعل المؤسسة أكثر مرونة وأقل كلفة وأقرب لنبض الشارع البريطاني المعاصر.[1]
ويُسجل له نجاحه في عبور مرحلة الانتقال المعقدة والصعبة التي أعقبت رحيل الملكة إليزابيث الثانية بعد 70 عاماً من حكمها، محاولاً التوازن بين الحفاظ على الجلال الدستوري والبروتوكولي للتاج، وبين تبني لغة أكثر انفتاحاً على التنوع الثقافي والديني في بريطانيا الحديثة ودول الكومنولث.[1]
الوثيقة العظمى (باللاتينية: Magna Carta)، وثيقة تاريخية إنجليزية أُبرمت في 15 يونيو 1215 بين الملك جون والبارونات المتمردين في منطقة رانيميد بإنكلترا. تُعدّ هذه الوثيقة من أهم المعاهدات في التاريخ السياسي والقانوني الغربي؛ إذ أسست لمبدأ أن سلطة الملك ليست مطلقة، وأن الجميع—بما في ذلك التاج—يخضعون لسلطة القانون. ورغم فشلها الأولي في إنهاء الصراع وقيام البابا بإلغائها بعد أسابيع من توقيعها، إلا أنها تحولت لاحقاً إلى أيقونة عالمية للنضال من أجل الحريات المدنية وأسست المفاهيم الدستورية الحديثة وحقوق الإنسان.[1], [2]
جاء توقيع "الوثيقة العظمى" نتيجة تفاقم أزمة سياسية واقتصادية خانقة في إنجلترا مطلع القرن الثالث عشر. فقد انخرط الملك جون، الذي خلف شقيقه ريتشارد قلب الأسد، في سلسلة من الحروب الكارثية مع فرنسا أدت إلى فقدان إنجلترا لأراضٍ شاسعة في نورماندي. لتمويل هذه الحروب، فرض الملك جون ضرائب باهظة وغير مسبوقة على النبلاء (البارونات)، وصادر الممتلكات، ومارس انتهاكات سلطوية واسعة أساءت إلى الأعراف الإقطاعية المتوارثة.[1], [4]
إلى جانب ذلك، دخل الملك في صراع حاد مع الباباوية في روما حول تعيين رئيس أساقفة كانتربري، مما أدى إلى حرمان إنجلترا كنسياً (Interdict). هذه الضغوط المتراكمة دفعت البارونات إلى تنظيم تمرد مسلح عام 1215، والزحف نحو لندن. وتحت وطأة التهديد بفقدان عرشه وعاصمته، اضطر الملك جون للرضوخ لمطالب البارونات، والتقى بهم في مرج رانيميد (Runnymede) حيث وُضع ختمه على مسودة الوثيقة التي عُرفت لاحقاً باسم "الوثيقة العظمى" في 15 يونيو 1215.[1], [4]
تضمنت النسخة الأصلية للميثاق 63 بنداً، كُتبت باللغة اللاتينية على رق من جلد الخراف. لم تكن الوثيقة في جوهرها إعلاناً عصرياً لحقوق الإنسان والمساواة، بل كانت أقرب إلى معاهدة سلام وميثاق لتنظيم العلاقات الإقطاعية؛ إذ ركزت معظم بنودها على قضايا آنية تتعلق بضبط الضرائب، وحقوق الميراث، واستقلالية الكنيسة، وتوحيد الموازين والمكاييل.[1], [2]
ومع ذلك، احتوت الوثيقة على بنود جوهرية أسست لمفاهيم دستورية عميقة، أبرزها البند 39 الذي حظر الاعتقال التعسفي أو مصادرة الأملاك أو النفي دون حكم قضائي عادل من أقران المتهم وبموجب قانون البلاد. كما رسخ البند 40 مبدأ عدم بيع العدالة أو تأخيرها أو إنكارها. وتضمن الميثاق بنداً استثنائياً شكّل لجنة من 25 باروناً لمراقبة التزام الملك بوعوده، مع منحهم حق التمرد المسلح ومصادرة قلاعه إن أخلّ بالاتفاق.[1], [4]
عُدّت الوثيقة باطلة ومُلغاة بعد تسعة أسابيع فقط من صدورها بموجب مرسوم بابوي من البابا إينوسنت الثالث، بناءً على طلب الملك جون الذي ادعى أنه وقّعها تحت الإكراه، مما أشعل حرب البارونات الأولى. ومع ذلك، توفي الملك جون في العام التالي (1216)، وقام أوصياء العرش لولده القاصر الملك هنري الثالث بإعادة إصدار الوثيقة (مع حذف البنود الراديكالية المتعلقة بلجنة المراقبة) لكسب ولاء النبلاء. أُعيد إصدارها لاحقاً عدة مرات (1217، 1225)، وأصبحت نسخة عام 1225 الأساس القانوني المعتمد.[1], [2]
تجاوز تأثير الماغنا كارتا سياقها الإقطاعي لتصبح رمزاً تاريخياً عالمياً. استند إليها البرلمان الإنجليزي في القرن السابع عشر لصياغة وثيقة التماس الحقوق (1628) لتقييد سلطة الملك تشارلز الأول. كما عبرت المحيط لتُلهم الآباء المؤسسين للولايات المتحدة في صياغة إعلان الاستقلال والدستور الأمريكي ووثيقة شرعة الحقوق (Bill of Rights). وفي العصر الحديث، وصفها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 بأنها من مصادره التأسيسية التاريخية.[1], [4]
لا يجوز القبض على أي رجل حر أو سجنه، أو تجريده من ممتلكاته أو حرياته أو عاداته الحرة، أو إخراجه عن القانون أو نفيه، أو تدميره بأي شكل من الأشكال... إلا بموجب حكم قانوني صادر عن أقرانه، أو بموجب قانون البلاد.
البند 39 من الوثيقة العظمى الأصلية لعام 1215
يرى بعض المؤرخين أن الأهمية الرمزية للوثيقة تفوق حجمها الفعلي في سياقها التاريخي. فالنصوص الأصلية لم تكن تستهدف تحرير "الشعب" بالمعنى المعاصر، بل كانت تعبيراً عن صراع نخبوي بين الملك وطبقة النبلاء (البارونات) لحماية امتيازاتهم الإقطاعية. ومصطلح "الرجل الحر" الوارد فيها لم يكن يشمل الغالبية العظمى من السكان الذين كانوا من الأقنان المربوطين بالأرض.[1], [2]
ومع ذلك، يؤكد فقهاء القانون الدستوري أن القيمة الحقيقية للماجنا كارتا تكمن في قدرتها على "التمدد التأويلي"؛ فالمبادئ التي وُضعت لحماية النبلاء اتسعت تدريجياً عبر القرون، بقوة السوابق القضائية والتطور الديمقراطي، لتشمل جميع المواطنين، ولتُرسّخ القاعدة الذهبية بأن السلطان يُقيد بالقانون.[1]
يوجد اليوم أربع نسخ أصلية فقط من ميثاق عام 1215؛ تُحفظ اثنتان منها في المكتبة البريطانية، وواحدة في كاتدرائية لينكولن، والرابعة في كاتدرائية سالزبوري، وتُعد كنوزاً وطنية بريطانية تخضع لعناية بالغة. ورغم إلغاء معظم بنود الوثيقة من قانون العقوبات البريطاني الحديث لتجاوزها الزمن (كنظام المقاييس القديم)، إلا أن ثلاثة بنود من نسخة 1225 لا تزال سارية حتى اليوم: البند المتعلق بحرية الكنيسة، وحماية امتيازات مدينة لندن، والأهم هو البند 39 (الذي أصبح البند 29) الضامن لحق المحاكمة العادلة والحماية من الاعتقال التعسفي.[1], [2]
أكدت كلية الحقوق بجامعة هارفارد في عام 2025 أن نسخة من الوثيقة العظمى كانت قد اشترتها عام 1908 مقابل 27 دولاراً (حوالي 880 دولاراً بقيمة اليوم) هي في الواقع إحدى النسخ الأصلية والنادرة التي صدرت في عهد الملك هنري الثالث عام 1217. تُعد هذه الوثيقة واحدة من ست نسخ أصلية فقط من ذلك العام، مما يرفع قيمتها التاريخية والمادية بشكل كبير.[5]