حرية ومسؤولية
قبل يومين، جلست على ذلك الكرسي البارد، أستسلم لمبضع الطبيب وقرار حاسم باقتلاع جزء مني. لم يكن الأمر مجرد ضرس يُخلع ويُرمى، بل كان مشهداً مصغراً لانتزاع جذورٍ تغلغلت في لحمي وعظمي لسنوات طوال.
وحين بدأ تأثير المخدر يتلاشى ببطء، اجتاحني ألم فظيع؛ ألم نابض ومستبد، يفرض سطوته على حواسي كلها، ولا يترك لي مجالاً للهروب.
وسط هذه العاصفة من الوجع، وفي تلك اللحظات التي يتنحى فيها ضجيج العالم الخارجي ليترك الساحة لتأملات الذات، سافر بي الزمن إلى الوراء بعيداً.
تذكرت طفولتي، وتلك الفرحة الغامرة التي كانت تملأ وجوه عائلتي حين شقّ أول أسناني طريقه إلى النور. تذكرت كيف كان بروز ذلك السن الصغير الأبيض إعلاناً مبتهجاً ببدء مرحلة جديدة من الحياة، وكيف كنا نحتفي بالنمو والاكتمال.
يا لها من مفارقة فلسفية عجيبة تختصر عبثية التعلق بالأشياء؛ كيف يكون قدوم هذا السن مصحوباً بالابتسامات والاحتفال، دليلاً على الحياة التي تتفتح، بينما خروجه اليوم لا يجلب سوى الدماء، والألم المبرح، وشعوراً عميقاً بالفقد!
نحن في هذه الحياة نحتفي بالبدايات ونبني آمالنا عليها، نزرع جذورنا في أرض هذا العالم كما تُزرع أسناننا في فكوكنا، نعضّ على دنيانا بالنواجذ، ونظن واهمين أننا مخلدون فيها، وأن ما نملكه أصبح جزءاً لا يتجزأ من كينونتنا.
ولكن الحقيقة الفلسفية الصارمة تؤكد أن كل ما ينمو فينا ويشتد، يحمل في طياته بذور فنائه، وأننا في حالة تخلٍّ تدريجي ومستمر عن أجزائنا، وعن أحلامنا، وعن الأشخاص من حولنا، حتى نصل إلى التخلي الأكبر.
وأنا الذي طالما تأملت هذا الجسد البشري المذهل، وكيف تتشابك فيه الأعصاب والأنسجة في لوحة ربانية بالغة التعقيد، وقفت مذهولاً أمام هشاشتنا الإنسانية.
كيف لقطعة صغيرة من العاج الميت، لا تتجاوز حجم عقلة الإصبع، أن تستعبد الوعي بأكمله حين يُكشف عصبها؟
كيف تتشبث جذورها باللثة والعظم، تقاوم الانتزاع، وترفض المغادرة بكل ما أوتيت من قوة وتاريخ، وكأنها ترفض حتمية الزوال!
وفي ذروة تلك اللحظة القاسية، وحين اختلط ألم الجسد بوهج البصيرة، قفزت إلى ذهني صورة مهيبة أوقفتني عن التفكير في وجعي الصغير: لحظة خروج الروح عند الممات.
إذا كان اقتلاع جزء مادي صغير من الجسد يترك فينا كل هذا الخراب والوجع، وتلك المقاومة الشرسة للانفصال، فكيف ستكون إذن لحظة انتزاع الروح من الجسد بأكمله؟
كيف سيكون انفكاك هذا الكيان النوراني الخفي الذي تغلغل في كل خلية من خلايانا، وسرى في دمائنا، وعاش معنا كل ذكرياتنا وضحكاتنا ودموعنا عبر عشرات السنين؟
كيف ستنسحب الروح من أطرافنا التي ألفتها، ومن قلوبنا التي سكنتها، لتترك الجسد في سكونه الأبدي، كقميصٍ بالٍ خُلع للتو؟
هنا يتجلى البعد الديني بأعمق صوره، مذكراً إياي بقوله تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا}.
تذكرت أن هذا الجسد ليس ملكاً لي، بل هو "أمانة" وعارية مستردة، أودعها الخالق فينا لأجل مسمى. وأن الروح حين يحين أجلها، ستُنزع كما يُنزع هذا السن، ولكن شتان بين ألمٍ يعقبه شفاء دنيوي، وبين سكرات موتٍ تفتح الباب على اليقين المطلق.
تذكرت قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ}، حيث تقف كل علوم البشر ومهاراتهم عاجزة أمام تلك اللحظة الجليلة التي تُسلم فيها الروح لخالقها.
إن السن الذي خلعته لم يكن مجرد جزء مريض تخلصت منه، بل كان واعظاً صامتاً، ودرساً بليغاً في الفناء.
لقد أيقظني من غفلة التعلق بالدنيا، وذكّرني بأننا عابرو سبيل.
وبين ضحكة الفرح الأولى بقدوم أجزائنا، وأنّة الوجع الأخيرة عند رحيلها، رحلة قصيرة نتعلم فيها أن كل شيء هالك إلا وجهه، وأن الألم ما هو إلا جرس إنذار يطهرنا، ويدعونا لنستعد للحظة الكبرى...
اللحظة التي نرجو فيها من الله أن يكون خروج أرواحنا كانسياب قطرة الماء من السقاء، لا كشوكٍ يُنتزع من صوفٍ مبتل، وأن يكون لقاؤنا به، بعد كل هذا الألم، برداً وسلاماً.
في السياسة، لا تُقاس النوايا بصدى الشعارات المرفوعة في الساحات، بل ببرودة التوقيعات على الطاولات الخشبية في الغرف المغلقة. طوال عقود، صدّرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها للعالم العربي والإسلامي على أنها "قلعة المقاومة" والمدافع الحصري عن المستضعفين، واضعةً تحرير القدس ومقارعة "الاستكبار العالمي" في قلب ديباجتها الدستورية والسياسية.
لكن التاريخ الحديث، وتحديداً في العقد الأخير، كشف عن هوة ساحقة بين "أيديولوجيا الثورة" التي تعتاش على العاطفة الدينية، و"براغماتية الدولة" التي لا تعترف إلا بلغة المصالح والبقاء. عندما دنت ساعة الحقيقة، واقترب سيف العقوبات الاقتصادية من عنق النظام الإيراني، تبخرت شعارات جبهة المقاومة، ووضعت طهران مقدساتها المعلنة على الرف، لتخوض واحدة من أكثر المفاوضات انتهازية وواقعية في التاريخ الحديث مع من تسميه في أدبياتها "الشيطان الأكبر".
لا يمكن فهم الهرولة الإيرانية نحو طاولات التفاوض في سلطنة عُمان، والتنازل المفاجئ عن أدبيات "مقارعة الاستكبار"، دون العودة خطوة إلى الوراء لتفكيك المشهد الذي وضع حبل المشنقة الاقتصادي حول عنق النظام في طهران. لقد كانت رحلة التخلي عن "المبادئ" نتيجة حتمية لسنوات من العناد النووي الذي كاد أن يودي بالدولة نفسها.
بدأت شرارة الأزمة في أغسطس/آب من عام 2002، عندما كشفت جماعات المعارضة الإيرانية في الخارج عن وجود منشآت نووية سرية تحت الأرض في "نطنز" (لتخصيب اليورانيوم) ومفاعل للماء الثقيل في "أراك" (قادر على إنتاج البلوتونيوم). هذا الكشف المفاجئ دمر الرواية الإيرانية حول "شفافية" برنامجها، ووضعها في مواجهة مباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. رغم محاولات التهدئة في أواخر عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، إلا أن النظام كان يشتري الوقت فقط لبناء بنيته التحتية النووية.
مع صعود التيار المتشدد ووصول محمود أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة (أغسطس 2005 - أغسطس 2013)، دخلت إيران مرحلة "الصدام المفتوح والاستفزاز المتبادل". تبنى نجاد خطاباً راديكالياً، وفي عام 2006، أعلنت طهران رسمياً إزالة الأختام التابعة للأمم المتحدة عن منشآتها واستئناف عمليات التخصيب. كان الرد الدولي حاسماً؛ ففي الفترة الممتدة بين (2006 و 2010)، استصدرت واشنطن وحلفاؤها سلسلة من قرارات مجلس الأمن (1696، 1737، 1747، 1803، وصولاً للقرار القاصم 1929 في عام 2010). نقلت هذه القرارات الملف الإيراني من خانة "الرقابة" إلى خانة "التهديد للسلم والأمن الدوليين"، وبدأت بفرض عقوبات استهدفت التكنولوجيا، والشركات المرتبطة بالحرس الثوري، وحظر تصدير السلاح.
لم تكن قرارات الأمم المتحدة سوى الغطاء القانوني، لكن الضربة الحقيقية جاءت عبر العقوبات الأحادية الأمريكية والأوروبية التي بلغت ذروتها في عام 2012، وتحولت إلى "حرب مالية واقتصادية شاملة":
حظر النفط: في منتصف 2012، فرض الاتحاد الأوروبي حظراً شاملاً على شراء النفط الإيراني، وترافق ذلك مع عقوبات أمريكية استهدفت أي بنك مركزي أجنبي يتعامل مع البنك المركزي الإيراني. النتيجة كانت هبوط الصادرات النفطية الإيرانية من 2.5 مليون برميل يومياً إلى بالكاد مليون برميل.
العزل عن العالم (SWIFT): في مارس/آذار 2012، طُردت البنوك الإيرانية من نظام "سويفت" المالي العالمي. تحولت إيران إلى "جزيرة معزولة"، عاجزة عن استلام ثمن نفطها المتبقي أو تسديد فواتير وارداتها.
الانهيار الداخلي: فقد الريال الإيراني أكثر من ثلثي قيمته، وتجاوز التضخم حاجز الـ 40%. بدأ "البازار" (تجار طهران) بالتململ، وبات شبح "ثورة الجياع" يهدد بإسقاط النظام من الداخل.
في ذروة هذا الاختناق، وتحت وطأة العقوبات التي هددت استمرارية "ولاية الفقيه"، حدث الانعطاف التاريخي. أدرك المرشد الأعلى علي خامنئي أن "بقاء النظام" أهم من أي اعتبار آخر، ليطلق في عام 2013 مصطلحه الشهير "البطولة المرنة" (Narmesh-e Ghahremananeh)، والذي كان بمثابة الفتوى السياسية للتفاوض مع "الشيطان الأكبر". في أروقة "قصر البستان" الفارهة في العاصمة العمانية مسقط، وتحت ثرياته الكريستالية، لم تكن هناك لافتات تندد بـ "الاستكبار العالمي"، ولم تُرفع شعارات تنادي بتحرير القدس أو نصرة المستضعفين. كانت الطاولات المستديرة هناك مخصصة لشيء واحد فقط: لغة الأرقام، وحسابات الربح والخسارة، وهندسة بقاء النظام.
لم تكن لقاءات مسقط وليدة اللحظة، بل بدأت عبر قناة خلفية بالغة السرية في أواخر عام 2012 وبدايات 2013. أوفد الرئيس الأمريكي باراك أوباما كبار مستشاريه للقاء مبعوثين مباشرين من خامنئي. في تلك اللقاءات التمهيدية، تم الاتفاق على المبدأ الذهبي الذي سيحكم كل ما تلاها: "قاعدة العزل الجراحي للملفات". تعني هذه القاعدة أن المفاوض الإيراني وافق طواعية بل وسعى حثيثاً، لفصل البرنامج النووي عن أي نقاش يخص نفوذ إيران الإقليمي. في تلك الغرف المغلقة، تجلت البراغماتية الإيرانية بأبشع صورها الانتهازية. سقطت فلسطين من جداول الأعمال، وتلاشى الحديث عن حصار غزة، ولم يطرح الإيرانيون أي شرط يتعلق بحماية وكلائهم في لبنان أو العراق أو سوريا. كان العرض الإيراني واضحاً: "دعونا ننسى حلفاءنا وحلفاءكم في الخارج، ولنتحدث عما يجري داخل حدودنا".
بينما كانت الابتسامات الدبلوماسية تُوزع بسخاء في قاعات "قصر البستان" العمانية، كانت آلة القتل تحصد الأرواح في شوارع المدن السورية. إن وحدة الحقيقة تقتضي تفكيك هذا التناقض المرعب؛ فالمفاوض الإيراني الذي بدا ناعماً وبراغماتياً أمام الغرب في مسقط، كان يدير في دمشق واحدة من أشرس حروب الوكالة دمويةً في العصر الحديث.
لفهم حجم السقوط الأخلاقي والسياسي للسياسة الخارجية الإيرانية، يجب العودة إلى اللحظات الأولى لانطلاق "الربيع العربي" في أواخر 2010 وبدايات 2011. في تونس ومصر، سارعت الآلة الإعلامية والسياسية الإيرانية إلى مباركة التظاهرات، وأطلق المرشد الأعلى علي خامنئي على تلك الثورات وصف "الصحوة الإسلامية"، معتبراً إياها امتداداً طبيعياً لثورة بلاده عام 1979 ضد الأنظمة الديكتاتورية الموالية للغرب. بلغت هذه النشوة السياسية ذروتها التاريخية في أغسطس/آب 2012، عندما استقبلت طهران الرئيس المصري حينها (محمد مرسي) في أول زيارة لرئيس مصري منذ أكثر من ثلاثة عقود، في محاولة إيرانية لركوب موجة التغيير وتقديم نفسها كحاضنة لثورات الشعوب. لكن، وبمجرد أن امتدت شرارة الحرية إلى شوارع درعا، ووصلت هتافات المتظاهرين إلى أبواب الجامع الأموي في دمشق، انقلبت الآية 180 درجة. فجأة، اختفى مصطلح "الصحوة الإسلامية" من القاموس الإيراني، وتحول المتظاهرون السلميون إلى "إرهابيين"، والثورة الشعبية إلى "مؤامرة كونية صهيو-أمريكية". هذا الانقلاب الفج أثبت للعالم العربي أن بوصلة طهران لا تشير إلى "حقوق الشعوب"، بل تشير حصراً إلى مصالحها الجيوسياسية.
لم تكن المظاهرات التي عمت المدن السورية مجرد حراك شعبي في نظر الاستراتيجية الإيرانية، بل كانت زلزالاً يهدد بابتلاع عمقها الاستراتيجي. ومع دخول الصراع عامه الثاني، وتحديداً بحلول صيف عام 2013، بدأت الآلة العسكرية لنظام الأسد تتصدع بشكل بنيوي، حيث أدت موجات الانشقاق الواسعة إلى إنهاك القوات النظامية وتراجعها الدراماتيكي. في تلك اللحظة، أيقنت طهران أن النظام لم يعد قادراً وحده على حماية هيكله من السقوط، فقررت التدخل المباشر وبكل ثقلها العسكري والميليشياوي، متخلية عن كل ادعاءاتها بدعم "المستضعفين".
لم تنظر القيادة الإيرانية إلى سوريا يوماً من زاوية المبادئ، بل نظرت إليها بعيون الخرائط العسكرية الباردة. لقد صاغ علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، العقيدة الإيرانية تجاه سوريا بوضوح صارخ عندما وصفها بأنها "الحلقة الذهبية في سلسلة المقاومة". في الميزان الإيراني، لم تكن هذه الحلقة "ذهبية" لقداستها، بل لموقعها الحيوي كجسر بري ضخم يربط طهران ببغداد، ثم دمشق، وصولاً إلى بيروت والبحر المتوسط. سقوط هذه الحلقة كان يعني قطع الشريان اللوجستي الذي يغذي نفوذها، وعزل إيران داخل حدودها الجغرافية. من هنا، أصبحت دماء السوريين، وتدمير حواضرهم التاريخية، مجرد "ضريبة جغرافية" تدفعها طهران رخيصةً للحفاظ على خطوط إمدادها.
لإدارة هذه الحرب العابرة للحدود، واجهت إيران معضلة كبرى: كيف تقنع الآلاف من الشبان الشيعة في أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان بالذهاب للموت في سوريا من أجل حماية مسار إمداد لوجستي؟ هنا، تجلت أبشع صور التوظيف السياسي للدين. استدعت طهران المظلوميات التاريخية، ورفعت شعار "حماية المقامات" ومقولة "لن تُسبى زينب مرتين". لقد تم تغليف المصلحة الجيوسياسية الباردة بغلاف ديني عاطفي حارق، وتحولت سوريا إلى بؤرة استقطاب طائفي؛ حيث استُجلبت ميليشيات مثل "الفاطميون" و"الزينبيون"، ليس لمحاربة إسرائيل، بل لسحق المعارضة السورية وتأمين طريق النفوذ الإيراني.
لم يكن الصمت المطبق في "قصر البستان" حيال ملفات المنطقة كافياً لإخفاء الحقائق للأبد؛ إذ سرعان ما بدأت التناقضات الإيرانية تخرج إلى العلن، ليس عبر تقارير استخباراتية غربية فحسب، بل على ألسنة كبار قادة النظام الإيراني وأعمدته التاريخية. في هذا المحور، نكشف كيف فضحت التصريحات المسربة والمواقف العلنية لرموز مثل رفسنجاني وأحمدي نجاد زيف ادعاءات "المقاومة" وكشفت الوجه الحقيقي للتدخل في سوريا.
في سبتمبر 2013، وبينما كان العالم يغلي بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية بدمشق، فجر هاشمي رفسنجاني — أحد أبرز مؤسسي الجمهورية الإسلامية ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آنذاك — قنبلة سياسية من العيار الثقيل. في خطاب مسجل له بمدينة سوادكوه بمحافظة مازندران، قال رفسنجاني بوضوح لا يقبل التأويل:
"الشعب السوري الذي تعرض لهجمات كيماوية من قبل حكومته، يجب أن يواجه الآن خطر التدخل الأجنبي.. الشعب السوري ذاق الأمرين في السجون، والملاعب امتلأت بالمعتقلين".
كانت هذه الكلمات بمثابة "زلزال" في طهران؛ فرفسنجاني لم يكتفِ بالاعتراف بأن نظام الأسد هو من خنق شعبه بالغازات السامة، بل وصف السجون السورية بما هي عليه فعلاً. سارعت الماكينة الإعلامية التابعة للحرس الثوري إلى حذف التصريح ونفيه، لكن التسجيل كان قد طار في الآفاق، ليثبت أن "عقل النظام الإيراني" يدرك تماماً حجم الجريمة التي يرتكبها حليفه، لكنه يختار الاستمرار في دعمها حمايةً لـ "المصلحة" التي تسبق "المقدسات".
المفاجأة الأكبر جاءت من محمود أحمدي نجاد، الرجل الذي قاد مرحلة التصعيد النووي وصاحب الخطابات الأكثر تشدداً. نجاد، الذي كان رئيساً لإيران عند اندلاع الثورة السورية (2011-2013)، بدأ تدريجياً في اتخاذ مسافة من الانغماس المطلق في المستنقع السوري، خاصة بعد خروجه من السلطة. في تصريحات لاحقة ومقابلات صحفية، لم يتردد نجاد في وصف ما يجري في سوريا بأنه صراع على السلطة بعيد كل البعد عن "المقاومة". وفي مفارقة تاريخية، انتقد نجاد الأسلوب الأمني القمعي لنظام الأسد، مشيراً إلى أنه "لا يمكن لأي حاكم أن يبقى في السلطة عبر قتل شعبه". وصفُ نجاد للأسد ضمناً بـ "الديكتاتور العربي" واعترافه بحق الشعوب في قرير مصيرها، كشف عن شرخ عميق داخل النخبة الإيرانية؛ حيث بدأ حتى "الصقور" يشعرون بأن كلفة الدفاع عن نظام متهالك أخلاقياً باتت تهدد سمعة "الثورة" وصورتها أمام الشعوب المسلمة.
لقد وضعت هذه التصريحات القيادة العليا في إيران (مكتب المرشد والحرس الثوري) في زاوية حرجة. فكيف يمكن تفسير مباركة "الثورة" في مصر وتونس ووصفها بـ "الصحوة الإسلامية"، بينما تُعتبر الثورة في سوريا "مؤامرة صهيونية"؟ لقد نطق رفسنجاني بما يخفيه الصدر، ونطق نجاد بما يمليه العقل السياسي الباحث عن الشعبوية؛ وكلاهما أثبت أن السردية الإيرانية حول "المقدسات" و"المقاومة" لم تكن سوى "بروباغندا وظيفية".
كشفت هذه التصدعات أن إيران لم تكن كتلة واحدة حيال ملف سوريا. كان هناك تيار "البراغماتيين" (الذي مثله رفسنجاني ومن بعده روحاني وظريف) الذي يرى في الانغماس السوري استنزافاً قد يؤدي لانهيار إيران اقتصادياً وسياسياً، وتيار "العقائديين العسكريين" (الحرس الثوري) الذي يرى في جغرافيا سوريا "متراساً متقدماً" لحماية طهران. لكن في نهاية المطاف، انتصر تيار الحرس الثوري، ليس لأنه الأكثر "مبدئية"، بل لأنه الأكثر قدرة على تحويل الدماء إلى أوراق تفاوضية. لقد استخدمت إيران صمتها في "قصر البستان" لتمرير اتفاقها النووي، واستخدمت ضجيجها وصواريخها في سوريا لتثبيت نفوذها، ضاربةً عرض الحائط بشهادات قادتها أنفسهم الذين أقروا بظلم النظام الذي يدافعون عنه.
طوال أربعين عاماً، استثمرت طهران في "القدس" كعلامة تجارية عابرة للحدود، محاولةً من خلالها كسر العزلة المذهبية والسياسية، وتقديم نفسها كقائدة للعالم الإسلامي في مواجهة "الاستكبار". لكن الفجوة بين "يوم القدس العالمي" (الذي يُحتفل به في شوارع طهران) وبين "فيلق القدس" (الذي يقاتل في شوارع حلب وصنعاء وبغداد)، تكشف أن فلسطين في العقل الاستراتيجي الإيراني هي "أداة وظيفية" لا أكثر.
يُعد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الأداة الضاربة لإيران في الخارج، وحمل اسمه تيمناً بمدينة القدس ليعطي شرعية أخلاقية لعملياته. لكن المفارقة الصارخة هي أن هذا الفيلق، وبقيادة قاسم سليماني، خاض مئات المعارك، وحاصر عشرات المدن، وهجّر الملايين، لكنه لم يطلق رصاصة واحدة نحو القدس أو حدود فلسطين المحتلة. لقد كانت الخريطة التي يتحرك عليها "فيلق القدس" هي خريطة "الهلال الخصيب" الذي تسعى إيران للهيمنة عليه. بالنسبة لطهران، فإن "تحرير القدس" هو الهدف المؤجل للأبد، بينما "احتلال العواصم العربية" هو الإنجاز المحقق فعلاً. لقد استُخدم اسم القدس كغطاء لتبرير التمدد الاستعماري الإيراني، وتحويل المليشيات إلى "جيوش احتلال" محلية تخدم أجندة الولي الفقيه.
في مفاوضات "قصر البستان" بمسقط (2014) وما تلاها في فيينا، ظهرت فلسطين كـ "ورقة" تُوضع على الطاولة وتُسحب منها حسب درجة حرارة العقوبات. إيران لا تدعم "حماس" أو "الجهاد الإسلامي" حباً في القضية الفلسطينية، بل لتمتلك "حق الفيتو" على أي استقرار في المنطقة قد يهمش دورها. هي تدعمهم لتقول لواشنطن وتل أبيب: "أنا أملك مفاتيح الانفجار في خاصرتكم، فماذا ستعطونني في المقابل؟". هنا تكمن الانتهازية السياسية؛ فبينما يدفع الفلسطينيون ثمن الحصار والحروب، تقبض طهران ثمن "التهدئة" أو "التصعيد" في صفقاتها الدولية؛ سواء عبر تخفيف العقوبات النووية أو الاعتراف بنفوذها الإقليمي.
تستخدم إيران الصور البصرية للمقدسات الإسلامية (قبة الصخرة، المسجد الأقصى) في كل جدارياتها وبروباغنداها العسكرية، لكنها في اللحظات الحاسمة تغلّب "المصلحة القومية الفارسية" على "المقدس الإسلامي". لقد رأينا كيف صمتت طهران عن قضايا إسلامية كبرى عندما تعارضت مع مصالح حلفائها (مثل قضية الإيغور في الصين)، وكيف أنها مستعدة للتضحية بأي فصيل فلسطيني إذا كان الثمن هو حماية مفاعلاتها النووية. فلسطين بالنسبة لإيران هي "ستار دخان" كثيف؛ خلفه يتم بناء إمبراطورية نفوذ، وتحته يتم دفن أحلام الشعوب العربية في الاستقلال والحرية.
إن أقوى صور البحث تتبدى في مراقبة طائرات الشحن الإيرانية التي كانت تحط في مطار دمشق؛ لم تكن تحمل أدوية لأطفال غزة، بل كانت تحمل صواريخ "فاتح" و"فجر" لتثبيت أركان نظام الأسد.
لقد سقطت ورقة التوت عن ادعاءات إيران؛ فالقدس التي يتباكون عليها في الإعلام، هي نفسها التي يتاجرون بدمائها في الغرف المغلقة. لقد أثبتت سنوات الصراع أن إيران لم تكن يوماً "خندقاً للمقاومة"، بل كانت "بنكاً للمصالح"، يستخدم القدس كعملة صعبة لرفع رصيده في بورصة القوى العظمى.
لم تكن مفاوضات مسقط وسوريا هي المحطات الوحيدة لسقوط الأيديولوجيا أمام الحسابات الباردة؛ ففي مارس 2023، وتحت الرعاية الصينية في بكين، وقعت طهران اتفاقاً لاستئناف العلاقات مع السعودية، منهيةً بذلك سبع سنوات من القطيعة والخطاب التصعيدي الحاد.
تكمن أهمية هذه الواقعة في توقيتها؛ حيث كانت إيران تعيش تحت وطأة عزلة دولية خانقة واحتجاجات داخلية غير مسبوقة وهبوط حاد للعملة. هنا، وبضغطة زر واحدة، توقفت الماكينة الإعلامية الإيرانية عن مهاجمة "الخصوم الإقليميين"، وتم تجميد شعارات "تصدير الثورة" في الخليج مقابل وعود باستثمارات اقتصادية وتهدئة تضمن استقرار النظام. إن "اتفاق بكين" هو البرهان الأحدث على أن طهران مستعدة لطي صفحة أي "عداء عقائدي" فور شعورها بتهديد حقيقي لمركز السلطة، مؤكدةً مرة أخرى أن شعاراتها هي مجرد "تكتيكات متغيرة" بينما البقاء هو "الاستراتيجية الثابتة".
عندما نربط خيوط البحث ببعضها؛ من صمت "قصر البستان" النووي، إلى دماء "الحلقة الذهبية" في سوريا، وصولاً إلى اعترافات رفسنجاني وتجارة "القدس"، تكتمل الصورة: إيران هي دولة "البراغماتية المطلقة" بامتياز. نظامٌ يجيد العزف على أوتار العاطفة الدينية ليحشد المليشيات، ويجيد لغة الصمت الدبلوماسي ليحصد المليارات. إنها الحكاية القديمة المتجددة؛ حيث تذهب الشعوب كوقود للمحارق، ويبقى القادة في طهران يوزعون الابتسامات فوق جثث "المستضعفين" الذين وعدوهم يوماً بالتحرير، فما منحوهم إلا التدمير والتهجير.
عندما نتأمل المشهد السوري المثقل بالجراح، تبرز الحاجة الماسة إلى مقاربة إنسانية تنصف عذابات السوريين وتتفهم تعقيدات واقعهم السياسي، بعيداً عن صخب الاتهامات وإطلاق الأحكام القاسية.
ورغم القسوة البالغة في الخطاب الذي يتبناه الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى تجاه الملف السوري، إلا أن تفكيك هذا الخطاب بهدوء وموضوعية يمنحنا فرصة للوقوف على شرعية الثورة السورية من جهة، وفهم التحولات السياسية المعقدة التي يتصدرها "الرئيس الشرع" من جهة أخرى.
أولاً: أصالة الحلم الإنساني في الثورة السورية
يحاول البعض طمس الذاكرة السورية عبر إنكار وجود الثورة ووصفها بعبارات قاسية ومؤلمة للملايين ممن فقدوا أحباءهم وديارهم.
ولكن، ومن منظور إنساني بحت، يعترف إبراهيم عيسى نفسه بأن ما حدث في البداية كان "انتفاضة" حقيقية نبعت من عواطف مشتعلة لدى الناس أملاً في "الخلاص من ديكتاتور زي الأسد".
إن هذه الغضبة الشعبية لم تكن "هراء" أو اختلالاً، بل كانت تطلعاً إنسانياً طبيعياً للكرامة والحرية.
وعندما نتساءل: لماذا تعقدت الأمور؟ تأتي الإجابة المنصفة من رحم الانتقاد ذاته؛ فقد أُجهضت هذه الانتفاضة وتحولت إلى صراع مرير وحرب أهلية بسبب "استبداد الأسد" في المقام الأول.
إن تحميل السوريين مسؤولية ما آلت إليه الأمور هو تجنٍ على شعب يقر عيسى بأنه “مكره ومغلوب على أمره ومعذب بما فيه الكفاية”.
السوريون كانوا ضحايا لآلة قمع وحشية، وثورتهم في جوهرها كانت صرخة إنسانية محقة.
ثانياً: الشرع بين مطرقة الاتهامات وسندان الواقعية السياسية
في الجانب الآخر من المشهد، يُساق هجوم عنيف ضد "الجولاني" (أبو محمد الشرع)، حيث يُتهم بأنه مجرد "عميل" أو "موظف" جيء به بقرار أمريكي وبريطاني وتركي.
لكن القراءة المتأنية والعميقة للسياسة الدولية، والتي تظهر بين سطور هذا الهجوم، تكشف مشهداً مختلفاً تحكمه البراغماتية والواقعية السياسية.
إن قدرة شخصية قيادية على التحول من خنادق القتال إلى رئيس "معترف به من أمريكا، معترف به من الدول الأوروبية، ومن الدول العربية" لا تعكس بالضرورة عمالة، بل تعكس دهاءً سياسياً استثنائياً وقدرة على فرض واقع جديد
في عالم السياسة القاسي، لا تُمنح الاعترافات الدولية و"الوساطات العربية" مجاناً، بل تُنتزع عبر تثبيت الأقدام على الأرض .
أكثر من ذلك، تبرز ضرورة وجود قوة متماسكة في سوريا لحماية ما تبقى من البلاد من التدخلات الخارجية الأكثر خطورة.
وهنا يشير عيسى إلى نقطة جوهرية، وهي أن بقاء سلطة الجولاني يُمثل في نظر الحلفاء الإقليميين "مواجهة للمد الشيعي ومواجهة لإيران".
في ظل التمدد الإيراني الذي أثخن في الجسد السوري، يمثل تشكيل حائط صد سياسي وعسكري ضرورة إقليمية وسورية داخلية.
هذا يفسر قلق النظام الإيراني من التحولات الحالية، ويفسر أيضاً التقاطعات الدولية التي أدت لرفع العقوبات والتعامل المباشر مع هذا الواقع الجديد،
خاتمة
في النهاية، لا يمكننا قراءة المشهد السوري بمعزل عن الألم البشري والتدافع السياسي.
إن الثورة السورية ستبقى في وجدان التاريخ أنبل محاولة لشعب أعزل سعى للخلاص من الاستبداد.
وفي الوقت ذاته، فإن إدراك التحولات التي قادها "الرئيس الشرع"، ونجاحه في انتزاع اعتراف إقليمي ودولي وفرض نفسه كرقم صعب في مواجهة النفوذ الإيراني، يتطلب نظرة تتجاوز التخوين المباشر، لتقرأ المشهد بعيون الواقعية السياسية التي تفرض شروطها على الدول الكبرى قبل الصغرى.
السوريون يستحقون الاحترام لآلامهم، ويستحقون أيضاً من يقرأ واقعهم المعقد بعقل مفتوح وضمير حي.
في مشهد يُعيد رسم ملامح الخريطة السياسية السورية، كشفت متابعات Syria11News، استنادًا إلى تقارير محلية بينها ما رصده موقع "ألترا سوريا"، عن استمرار جزئي لنشاط عدد من أحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية"، وتحديدًا اليسارية منها، وذلك رغم القرار الرسمي الصادر عن سلطات العهد الجديد والقاضي بحلّها جميعًا.
فبينما تم تفكيك حزب البعث، الحاكم المطلق لعقود، بشكل شبه كامل، اختارت أحزاب تاريخية أخرى، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي، تحدي قرار الحل الصادر عن "مؤتمر انتصار الثورة السورية" في 25 كانون الثاني/يناير 2025، معتبرة إياه "جائرًا" ومتناقضًا مع وعود الحرية السياسية.
تعاملت السلطات الجديدة بحزم مع تركة "البعث".
فبعد ثلاثة أيام فقط من سقوط النظام، دُعي أعضاء الحزب لتسليم أسلحتهم، ليتبع ذلك قرار الحل الرسمي.
الأهم كان القرار رقم 53 الصادر عن وزارة الخارجية، والذي نص على "توظيف أصول حزب البعث وأحزاب الجبهة" لخدمة المهام الوطنية.
وعلى أرض الواقع، تحولت معظم المقرات الحزبية الرئيسية، كما في درعا وحلب، إلى مكاتب لـ "إدارة الشؤون السياسية"، وهو جهاز حكومي جديد يُعتقد أنه سيشرف على النشاط السياسي في المرحلة الانتقالية.
وفي خطوة لافتة، أعلن وزير التعليم العالي في شباط/فبراير الماضي، تحويل مقر الحزب في السويداء إلى فرع لجامعة دمشق، بينما تحولت مقرات أخرى في الساحل، بمبادرات أهلية، إلى مراكز ثقافية واجتماعية.
يُظهر هذا التباين في المصير إشكالية أساسية تواجه الإدارة الجديدة. فبينما نجحت في تفكيك الهيكل الصلب للنظام القديم (البعث)، فإنها تواجه الآن أول اختبار حقيقي لوعودها بضمان "حرية العمل السياسي".
إن رفض هذه الأحزاب اليسارية للحل لا يمثل فقط تمسكًا بوجودها القانوني، بل هو تحدٍ مباشر لسلطة "مؤتمر النصر" وتفرده بالقرارات المصيرية.
هذه الأحزاب، التي تحالفت مع "البعث" لكنها لم تكن جزءًا منه، تحاول اليوم رسم "خط أحمر" خاص بها، مطالبةً بمكان على طاولة سوريا الجديدة، ورافضةً أن يقرر الآخرون مصيرها بالنيابة.
لم يكن الرفض صامتًا.
الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي رفض بيان "مؤتمر النصر" سابقًا، أكد قيادي فيه، طارق الأحمد، في تصريحات صحفية، الرفض المطلق للقرار "الجائر"، ملمحًا في الوقت ذاته إلى إمكانية المشاركة في الحكومة الانتقالية "إذا دُعي لذلك" وبعيدًا عن المحاصصة.
على الجبهة الشيوعية، لا يزال الحزب الشيوعي الموحد يصدر جريدته "النور" ويحدّث موقعه الرسمي، واصفًا القرار بأنه "يتناقض مع الوعود بعدم التفرد بالسلطة".
أما الموقف الأكثر تحديًا فجاء من الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي (من خارج الجبهة)، الذي يستمر في إصدار جريدة "المسار".
وأكد الحزب في بيان أن تاريخه الممتد لمئة عام "لن يخضع لهذا القرار الجائر"، مضيفًا في تحدٍ صريح: "نحن الشيوعيين السوريين لا نهاب القمع والملاحقات".
وتطور هذا الموقف مؤخرًا بمشاركة الحزب في بيان صادر عن "هيئة التنسيق الوطنية" المعارضة، اعتبر أن انتخابات مجلس الشعب الجديد "لا تعبر عن الإجماع الوطني السوري".
على الصعيد المحلي، لم تكن كل القوى رافضة للقرار.
فقد أظهر بحثنا أن جماعة "الإخوان المسلمين" في سوريا كانت من أبرز الداعمين، حيث أعربت عن دعمها الصريح لحل حزب "البعث" وأحزاب "الجبهة الوطنية"، معتبرة ذلك خطوة ضرورية في تفكيك بنية النظام السابق.
دوليًا، لم تصدر مواقف محددة حول "حل الأحزاب اليسارية" بحد ذاتها، لكن المواقف العامة (الأمريكية والأوروبية) رحبت بمجمل خطوات المرحلة الانتقالية وتفكيك مؤسسات النظام السابق، مع التركيز على حماية الأقليات وضمان عملية سياسية شاملة.
ويبقى المشهد مفتوحًا على تساؤلات حول مدى سماح السلطات الجديدة بهامش للمناورة لهذه الأحزاب التاريخية، أم أن قرار "الحل" سيكون نهائيًا وبقوة الأمر الواقع.
نُشر المقال التحليلي في موقع "الجمهورية نت"، ويُحذّر فيه الحاج صالح من اختزال مفهوم "الديمقراطية" (Democracy)، أي حكم الشعب، إلى مجرد "جينوقراطية" (Genocracy)، أي حكم "الجينوس" (العرق أو الطائفة)، حتى لو كانت هذه الطائفة تمثّل الأكثرية.
يطرح الحاج صالح إشكالية جوهرية تواجه السوريين اليوم: هل الهدف هو بناء "ديموس" (Demos)، أي "شعب" سوري موحّد سياسياً يتشارك المواطنة، أم تكريس حكم "الجينوس" (Genos)، أي الجماعة الأهلية (الدينية أو الإثنية) الأكبر؟
ويوضح الكاتب أن التركيز على الديمقراطية الإجرائية (صناديق الاقتراع) فقط، خاصة من منظور بعض التيارات الإسلامية، قد يُفضي إلى "إسلامُقراطية" أو حكم "الجنس السُنّي الأكبر"، وهو ما لا يختلف في جوهره، بحسب المقال، عن أي حكم استبدادي آخر قائم على الغلبة الطائفية، مثل "الجينوقراطية العلوية" التي مثّلها نظام الأسد، أو "التفوقية البيضاء" في أمريكا و"الصهيونية" في إسرائيل.
يُحلل المقال هذه النقطة باعتبارها لبّ الأزمة السورية؛ فالحكم القائم على هوية أهلية موروثة، سواء كانت أقلية أو أكثرية، هو بطبيعته حكم استبدادي يُلغي الآخر ويفتح الباب على مصراعيه لأسوأ سيناريوهين: "الجينوسايد" (الإبادة الجماعية) و"التقسيم".
ويشير التحليل إلى أن المجازر التي شهدتها سوريا، ودعوات الانفصال المتصاعدة مؤخراً، ليستا سوى "الوجهين المتلازمين للحكم الجينوقراطي".
في واحدة من أكثر نقاط المقال إثارة للجدل، يطرح الحاج صالح مفارقة جريئة، مُشيراً إلى أن بناء "الديموس" (الشعب) السوري يتطلب سياسات "صنع شعب" حقيقية، مثل توحيد القوانين واحتكار الدولة للعنف وإنهاء التمييز.
ويرى أن هذه السياسات قد تحتاج، بشكل مفارق، إلى ما يُشبه "ديكتاتورية وطنية" مؤقتة وتدخلية لفرض القانون وعقلنة الإدارة وقمع النزعات التجزيئية.
ويخلص إلى أن المسافة بين "الديكتاتورية الوطنية" (التي تبني دولة) و"الديمقراطية" (التي تحكم بها الدولة) هي أقصر من المسافة بينهما وبين "الجينوقراطية" (حكم الطائفة) التي تُدمّر الدولة والمجتمع معاً.
يُعتبر هذا التحليل إنذاراً مبكراً للقوى السياسية الفاعلة على الأرض اليوم، بأن الانجرار وراء "الرغبة المُحاكية" (أي رغبة كل جماعة في استنساخ نموذج غلبتها الخاص) لن يؤدي إلا إلى استمرار العنف المهول وتدمير السياسة ذاتها. ويختم بأن الأفق الديمقراطي الوحيد الممكن يكمن في الاعتراض على كافة المشاريع "الجينوقراطية" المتنازعة، سواء كانت سافرة أم مُقنّعة.
بينما تتجه الأنظار بترقب نحو مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، التي تلوح كبارقة أمل إنسانية في سماء قطاع غزة المدمّر، يتصاعد همس تحليلي مقلق يشبّه هذه المبادرة الاستراتيجية بـ "حصان طروادة" عصري.
فالجوهر التحليلي يكمن في التساؤل: هل تخفي هذه الفرصة الإنسانية خطراً استراتيجياً يهدد صميم الحلم الوطني الفلسطيني؟
الهدف الفعلي، بحسب هذه القراءات المعمقة، يتجاوز بكثير الأفق الضيق للتهدئة المؤقتة أو صفقات الإفراج. إنه يتعلق بتحويل مأساة إنسانية إلى مشروع إعادة هندسة جيوسياسية عميقة، تُملي واقعاً جديداً على الأرض، وتفصيلاً للمستقبل لا يمتّ للرواية الفلسطينية بصلة.
يكشف التحليل عن ثلاثة عناصر محورية تشكّل ركائز هذه "الأجندة الخفية" المزعومة، والتي تلامس البعد الإنساني مباشرة في محاولة لتغيير البنية التحتية للحياة ذاتها:
1. الهندسة الديموغرافية والجغرافية تحت الركام:
إنّ المشهد الإنساني المأساوي، المتمثل في التدمير الهائل للأحياء السكنية وتهجير مئات الآلاف من منازلهم، ليس مجرد نتيجة حرب، بل قد يكون تمهيداً لـ "خلق واقع جديد".
القلق يتمحور حول استغلال هذا الدمار لمنع عودة السكان لأسباب "أمنية"، ما يرسخ تغييراً دائماً في الخريطة الديموغرافية والجغرافية للقطاع.
البعد البشري: هذه ليست مجرد خرائط، إنها أحلام وبيوت وذكريات جيل كامل. التهديد هنا يكمن في تحويل اللجوء المؤقت إلى تهجير دائم، وسرقة حق العودة من أفواه الآباء والأطفال العائدين إلى أطلال لم يعد بإمكانها احتضانهم.
2. الفراغ السياسي والأمني: وصفة لـ "الإدارة الخارجية":
إنّ الدعوات المترافقة لنزع سلاح الفصائل المقاومة لا تستكمل بوضع بديل وطني متفق عليه أو بتمكين سلطة فلسطينية موحدة وفاعلة. هذا النقص مقصود، ومن شأنه أن يخلق فراغاً سياسياً وأمنياً خطيراً في القطاع.
هذا الفراغ المنظّم يهدف إلى جعل غزة "أكثر تقبلاً" لأشكال غير تقليدية من الحكم أو لـ "إدارة خارجية" تُملى عليها. وهو ما يفسح المجال أمام تحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى "مشروع استثماري وإعادة إعمار مُدار خارجياً".
3. ترسيخ الوجود الدولي كأداة للسيطرة:
فكرة نشر قوات دولية أو مراقبين، التي تُطرَح غالباً تحت غطاء إنساني لحماية المساعدات، قد تتحول من أداة إنقاذ إلى آلية لفرض الحقائق الجديدة وضمان استمراريتها.
هذا السيناريو يعيد إلى الواجهة التصورات القديمة لبعض صناع القرار الأمريكيين حول تحويل غزة إلى "منتجع سياحي يشبه موناكو" (كما تداولته بعض الأوساط في عهد ترامب وكوشنر)، مع تجاهل متعمّد لشرط "إخلاء" السكان الأصليين الذي كان يرافق هذا التصور.
إنّ الهاجس الأكبر هو أن تتحول هذه الفرصة الإنسانية الملحة إلى مصيدة استراتيجية. إذا تمكنت هذه الأجندة من فرض نفسها، فإن غزة ستُنزع من سياقها الوطني لتتحول إلى "كيان وظيفي" يخدم مصالح إقليمية ودولية، ما يهدد بتبديد حلم الدولة الفلسطينية ككل.
يُرجّح أن تُواجه أي خطوة لـ "نزع السلاح" أو التلاعب بملف "عودة المهجّرين" برفض قاطع وعنيف من قبل فصائل المقاومة وحلفائها الإقليميين، الذين يرون في هذه الشروط استسلاماً.
في المقابل، من المتوقع أن تحظى المبادرة، بشروطها القاسية، بدعم ضمني من حكومات إقليمية تسعى إلى "الاستقرار" بأي ثمن، حتى لو كان على حساب تفكيك المشروع الوطني الفلسطيني.
ليست سوريا مجرد بقعة جغرافية، بل هي ذاكرة التاريخ التي لم تنم، وجرح الحضارة الذي لا يندمل. هنا، في قلب الشرق الأوسط، تتلألأ دمشق كنجمة في سماء الزمن، مدينةٌ أقدم من التاريخ، وأصيلة كأول حرفٍ نُقش على حجر. إنها أرضٌ وُلدت من رحم الحضارات، وعاشت على ضفاف الأنهار الخالدة، كأنها تحفة فنية رسمتها يد السماء، لتكون مهدًا للبشرية وموطنًا للآلهة.
في كل زاوية من زواياها، تهمس سوريا بحكايات عتيقة. هنا قامت أوغاريت لتخط أول أبجدية للبشرية، وهناك ازدهرت مملكة ماري لتشهد على عظمة الممالك القديمة. لكن الإرث السوري لم يتوقف عند الأقدمين؛ فالحضارة الآرامية، التي نشأت في قلبها، تركت بصمتها على هوية البلاد، لتصبح لغة وتراثاً يمتد لقرون. وعندما أشرقت شمس الإسلام، تحولت دمشق إلى عاصمة للدولة الأموية، لتكون منارة للعلم، وحاضرة لأكبر إمبراطورية في التاريخ.
كل حجر في سوريا هو شاهد على قصة: من جدران قلعة حلب الصامدة، إلى أعمدة تدمر الشامخة، ومن قنوات إيبلا المنسية، إلى أزقة دمشق القديمة التي تفوح منها رائحة الياسمين. إنها قصة وطن بُني بالكلمة، وصُقل بالحضارة، ونُقش في ذاكرة العالم.
بعد كل هذا المجد، تعرضت سوريا لجرح عميق. ففي عام 2011، تحولت إلى ساحة لصراع أليم، ألقى بظلاله على كل شيء. باتت المدن القديمة أطلالاً، وتناثرت أرواح أبنائها في بقاع الأرض. لكن روح سوريا، كطائر الفينيق، لا تنكسر. فمن بين الركام، يخرج أمل جديد.
ورغم كل الصعوبات، لا يزال الشعب السوري يحمل في قلبه ثقافة غنية وتنوعًا فريدًا. فرغم التمزق، يظل نسيجه الاجتماعي فسيفساءً فريدة من الأديان والأعراق، لا يمكن للحرب أن تمحوها. إن مستقبل سوريا قد يكون مجهولاً، لكنه يحمل في طياته وعداً بإعادة بناء ما دمره الصراع، ليس بالحجر فقط، بل بالذاكرة والروح التي لا تموت.
هل يمكن للماضي أن يكون جسرًا نحو مستقبل أفضل، أم أن جراح الحاضر أعمق من أن تشفيها قراءة التاريخ؟
إنّ النقد الذي يُوجّه إلى القيادة الجديدة يرتكز في جوهره على تجاهل كامل للظروف التي تعمل في ظلها هذه القيادة. فمن غير المنطقي تقييم أداء أي إدارة دون الأخذ في الاعتبار الإرث الثقيل من الصراع، والتدخلات الخارجية، والعقوبات الاقتصادية الخانقة. هذه العوامل ليست مجرد تفاصيل عابرة؛ بل هي عوائق أساسية تضع أي جهود للتنمية والاستقرار تحت اختبار قاسٍ.
وعلى عكس ما يروجه الخطاب التهكمي، فإنّ القيادة الجديدة لا تظهر أي انفصال عن الواقع، بل على العكس، تعمل على أرضية صلبة من التحديات اليومية. فبينما ينشغل البعض بالتحليل السياسي البعيد عن الواقع، تتجه جهود القيادة نحو مهام أساسية وحيوية لا يمكن تجاهلها: إعادة الأمن إلى المناطق المستعادة، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وإعادة بناء ما دمره الصراع. هذه الإنجازات الملموسة على الأرض هي التي يجب أن تكون معيار التقييم الحقيقي، لا السرديات المتحيزة.
إنّ الحوار الدبلوماسي، الذي يُنظر إليه على أنه "عودة إلى المربع الأول"، يمكن أن يكون في حقيقته خطوة استراتيجية نحو الخروج من العزلة الدولية. إنّ الانفتاح على الحوار مع المنظمات الدولية والأطراف المختلفة ليس ضعفاً، بل هو دليل على الثقة بالقدرة على إيجاد حلول سياسية، وتجنب مسار العزلة الذي لا يخدم مصالح الشعب السوري. فالقيادة التي تسعى إلى الحوار وتوحيد الصفوف هي قيادة واقعية ومسؤولة، تدرك أن الحلول المستدامة لا يمكن أن تأتي إلا عبر الحوار البناء.
إنّ وصف الإدارة بـ"الجهل" أو "اللاخبرة" هو تبسيط مخلّ للواقع. فالإدارة التي تتمكن من الصمود في وجه التحديات الاقتصادية والأمنية الهائلة هي إدارة تمتلك قدراً كبيراً من الحنكة والقدرة على التكيف. إنّ هذه الإدارة هي التي تسعى إلى بناء جسور الثقة بين مختلف المكونات السورية، بعيداً عن خطاب الإقصاء، وتعمل بجد لإعادة النسيج الاجتماعي الذي تمزّق بفعل الصراع.
وفي الختام، يجب أن يكون النقد موجهاً نحو التقييم البنّاء الذي يساعد على التطور، لا نحو التهكم الذي يهدف إلى الهدم. فالرد القوي على السرديات السلبية ليس بالهجوم المقابل، بل بتقديم الحقائق والإنجازات التي تتحدث عن نفسها. إنّ مستقبل سوريا يستحق نقاشاً جاداً ومسؤولاً، بعيداً عن السخرية والتهكم، ويستحق قراءةً منصفة للواقع الذي يظهر حجم الجهود المبذولة، رغم كل الصعوبات.
في قلب كل ثورة، يقبع صوت يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. صوت لا يرى في الواقع إلا وجهًا واحدًا، ويحكم على كل من يختلف معه بالتهوّر أو الغباء. في المشهد السياسي الملتهب، حيث تتبدل الوجوه وتتغير السلطة، يبرز صحفيون يرفعون لواء النقد، لكنهم في الحقيقة لا يهاجمون النظام بقدر ما يهاجمون أنفسهم.
يا سيدي، لا يمكن إنكار أنك تحمل عباءة الثائر الذي لا يهادن.لغتك الحادة، وتحليلاتك القاسية، تضعك في خانة من يرى الأشياء بوضوح لا يراه الآخرون. أنت تصف النظام الحالي بـ"المراهقة الأمنية"، وتفضح ما تراه "شبيحة" جديدة، وتربط موكب رئيس الدولة بمواكب "أبناء المسؤولين". كل هذا يجعلك تبدو في عين جمهورك كصوت العقل والمنطق في مواجهة التهور واللامبالاة. لكن، اسمح لي أن أسألك: هل هذا النقد موجه بالفعل إلى السلطة أم هو انعكاس لصراعاتك الداخلية؟
إن كل ما تقدمه من تحليل سياسي، من مقالات ومقابلات، ليس إلا ساحة لتصفية حساباتك الشخصية. إنك لا تنتقد "أحمد الشرع" بقدر ما تنتقد الفشل الذي قد يكون لازمك في ماضيك. ربما كنت تطمح إلى مكانة لم تنلها في ظل النظام السابق، أو شعرت بأن جهودك لم تلقَ التقدير الذي تستحقه. هذا الشعور بالدونية، هذه العقدة المستترة، هي التي تدفعك اليوم للهجوم بضراوة على رموز السلطة الحالية، لتثبت لنفسك وللآخرين أنك أفضل منهم وأكثر حكمة.
تضخيمك لأهمية "مقابلة حسين الشرع" ليس تحليلاً مهنيًا، بل هو دليل على محاولتك المستميتة لإعادة بناء سرديتك عن "النظام العائلي" الفاسد، وهي السردية التي تسمح لك بصب جام غضبك على شخصية تتخيلها مرآة تعكس خيباتك. إنك تستخدم هذا النقد القاسي كوقود لتبرير عدائيتك.
وهذا الصراع الداخلي لا يبقى حبيسًا في داخلك، بل يتسرّب إلى كل عمل تقوم به. عندما تطرح حلولًا متطرفة مثل الانفصال أو التفكك، فإنك لا تفكر في مستقبل البلد الذي تدّعي الدفاع عنه، بل في مستقبل دورك كمعارض. الخوف من أن تصبح شخصية هامشية، أو أن تفقد مصداقيتك تدريجيًا إذا استمر النظام الحالي، يدفعك إلى طرح أفكار قد تكون خطيرة وغير مسؤولة.
إن تناقضاتك الداخلية تصنع حاجزًا بينك وبين من حولك. كيف يمكن لزميل أو صديق أن يثق بشخص يعيش في "وضعية المعركة" دائمًا، ويخفي جزءًا كبيرًا من دوافعه الحقيقية؟ كيف يمكن لأقرب الناس إليك أن يفهموا هذا التناقض بين الخطاب الثوري الذي تتبناه والتوتر الذي قد يسكنك في حياتك الشخصية؟
في الختام، إنك لا تحلل شخصية أحمد الشرع فقط، بل ترى نفسك في مرآتها. إنك تستخدم نقد الآخرين كمنصة لإعادة إنتاج صراعاتك الخاصة، وتستسلم لعقدك بدلاً من أن تتغلب عليها. هذا هو الوجه الآخر لـ"الحقيقة" التي تبحث عنها، وجه قد يكون أكثر قسوة من كل ما تهاجمه في السلطة.