حرية ومسؤولية
تستيقظ دمشق اليوم على إيقاع متناقض، يجمع بين رائحة الياسمين العتيقة وغبار تحولات جيوسياسية تعصف بالمنطقة. المدينة التي استعادت طبيعتها، تقف الآن على خط التماس بين الثابت والمتحول، بين شيخوخة أبنيتها المترهلة المستلقية على كتف قاسيون، وبين مكاتبها المتيقظة التي تضج بأحلام كبيرة وملفات طموحة.
في شوارعها الفضية المعتقة، يتجاور الفقراء والمتسولون مع السيارات الفخمة، ويلتقي الخائفون بالمتفائلين، في مشهد سريالي يجسد دولة تخرج من رماد أزماتها لتجد نفسها أمام زلزال إقليمي جديد: الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
لفهم الموقف السوري الحالي من هذا الصدام الإقليمي، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء، إلى الروزنامة السورية الجديدة. لقد تسلم الحكم الجديد بلاداً مثخنة بالجراح؛ مدمرة، محاصرة، ومنقسمة.
كانت خطة التعافي واضحة ومدروسة: عام 2024 كان مخصصاً للتغيير السياسي الداخلي، و2025 كان عام كسر العزلة، رفع العقوبات، وتثبيت دعائم الأمن.
وقد نجحت دمشق في ذلك إلى حد كبير؛ فطبعت علاقاتها مع محيطها العربي والدولي، من الرياض وأبوظبي إلى واشنطن وباريس وبكين.
انسحب الجيش الأمريكي وتغيرت قواعد الاشتباك إلى تنسيق أمني بحت، بينما فككت روسيا الكثير من قواعدها وسحبت مرتزقتها. الأهم من ذلك كله، كان طي صفحة الانقسام الداخلي الملتهب.
مشهد مظلوم عبدي وسبان حمو وهما يسيران في شوارع دمشق، وتسلل اللغة الكردية إلى قلب الأبنية الحكومية، لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل كان إعلاناً عن ولادة عقد اجتماعي جديد يعيد للدولة مركزيتها وسيطرتها على حدودها.
كان من المخطط أن يكون عام 2026 هو عام الانطلاق، عام دوران عجلة التنمية وإعادة الإعمار. وُقعت مذكرات التفاهم الاستراتيجية في أجواء احتفالية، وارتفعت سقف التوقعات. لكن الشرق الأوسط، كعادته، لا يعترف بالخطط، بل يقتحم الأولويات ويقلب الحسابات رأساً على عقب.
اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتشكل واحدة من تلك الحروب المفصلية في تاريخ المنطقة. في الماضي، كانت سوريا لتكون الساحة البديلة أو خط الدفاع الأول في هذا الصراع، لكن دمشق الجديدة اتخذت موقفاً مغايراً تماماً، يعكس براغماتية سياسية حادة وانسلاخاً عن محاور الماضي.
نجحت الحكومة السورية في "فك الارتباط" وتجنب الشظايا المباشرة للحرب. فرغم موقعها في قلب التقاطع النيراني الملتهب، اختارت دمشق الانحياز لمصالحها الوطنية أولاً. تمثلت المواقف السورية الاستراتيجية في عدة محاور:
التضامن الإقليمي: وقفت دمشق سياسياً وأمنياً إلى جانب الدول الخليجية ضد أي اعتداءات قد تطالها نتيجة الردود الإيرانية، مما عزز من ثقة المحيط العربي بالقيادة السورية الجديدة.
الحياد الإيجابي النشط: لم تكتفِ سوريا بالنأي بالنفس عسكرياً، بل سارعت إلى تقديم نفسها كطوق نجاة لوجستي واقتصادي للمنطقة.
البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز: مع تصاعد التهديدات في الخليج العربي ومضيق هرمز، فتحت دمشق موانئها على البحر المتوسط، وطرحت مشاريع استراتيجية ضخمة لشبكات الغاز، النفط، والسكك الحديدية التي تربط الخليج بأوروبا وتركيا عبر الأراضي السورية.
هذا التموضع الذكي جعل من دمشق نقطة ارتكاز لا غنى عنها في النظام الإقليمي الجديد، وحوّل الجغرافيا السورية من "ساحة تصفية حسابات" إلى "ممر آمن للتجارة العالمية".
رغم هذا النجاح الدبلوماسي والاستراتيجي المبهر، فإن تداعيات الحرب على الداخل السوري كانت، ولا تزال، إيلاماً وقسوة. لقد طالت شظايا الحرب الدول المستقرة، فكيف ببلد يخرج للتو من غرفة الإنعاش؟
الهم الاقتصادي هو الحاكم الفعلي للشارع السوري اليوم. الحرية والأمن المستتب نعمتان لا تقدران بثمن، كما يعبر ذلك الرجل المسن في المقهى الدمشقي، حيث زال الخوف من الجدران والحواجز الأمنية. لكن الحرية لا تطعم جائعاً. يقول المسن بمرارة: "وضعنا المعيشي دون الصفر. لا أدفع الفواتير، ليس تمرداً، بل لأنني لا أملك المال".
لقد وجهت الحرب الإقليمية ضربة قاسية لخطط التعافي السورية من خلال عدة نوافذ:
هروب رأس المال وتباطؤ الاستثمارات: الدول الخليجية والأوروبية، التي كانت دمشق تعول عليها لضخ مليارات الدولارات في مشاريع إعادة الإعمار، وجدت نفسها مضطرة لإعادة توجيه ميزانياتها نحو تعزيز أمنها القومي ومواجهة أزمة ارتفاع أسعار الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب.
التضخم وغلاء المعيشة: أدى اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى قفزات جنونية في أسعار المحروقات والمواد الغذائية داخل سوريا. فواتير الكهرباء والاتصالات باتت كابوساً يؤرق المواطن العادي.
الفجوة بين الحلم والواقع: المشاريع الاستراتيجية الكبرى (كخطوط الأنابيب وسكك الحديد) هي طموحات عظيمة ومهمة لمستقبل سوريا المتوسط والبعيد، لكن المواطن السوري المحاصر بلقمة عيشه لا يملك ترف الانتظار.
أمام هذه التداعيات المعقدة، تدرك القيادة في دمشق أن الوضع الاقتصادي لم يعد مجرد ملف على طاولة الحكومة، بل هو "سكة عربة الانتقال السلس إلى المستقبل"، وهو الصمغ الوحيد القادر على جمع المكونات السورية ومنع انزلاق البلاد نحو فوضى الجوع.
الواضح للعيان، كما يشير الخبراء، أن الأمن قد استتب، لكن المعيشة تتدهور. وهذا يتطلب انتقالاً فورياً من إدارة "السياسة الخارجية الماهرة" إلى "الجراحة الداخلية العميقة". الطموحات الكبيرة التي رسمتها مذكرات التفاهم الدولية يجب أن تترافق مع إنجازات صغيرة وملموسة على الأرض.
العلاجات السريعة التي تهمس بها أروقة صنع القرار في دمشق باتت ضرورة حتمية، وتشمل:
إطلاق ثورة في الحوكمة وإصلاح النظام المصرفي ليكون قادراً على استيعاب الاستثمارات البديلة.
تغيير حكومي هيكلي عميق يبتعد عن البيروقراطية القديمة ويقود البلاد بعقلية إدارة الأزمات الاقتصادية.
إنجاز تشكيل البرلمان ليكون ممثلاً حقيقياً للقوى الصاعدة والمكونات التي انضوت تحت لواء الدولة مجدداً.
لقد أثبتت سوريا في تعاطيها مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أنها قادرة على خلع عباءة الماضي، وقراءة التحولات الدولية بعيون براغماتية مفتوحة. نجحت في حماية أرضها من نيران المعارك، بل وحولت التهديد الإقليمي إلى فرصة استراتيجية لتكون جسر الطاقة والتجارة البديل.
لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه دمشق اليوم ليس في أروقة الأمم المتحدة، ولا في غرف العمليات العسكرية، بل في البيوت السورية المستلقية على كتف قاسيون، وفي جيوب سائقي السيارات الصفراء المنهكين وزبائنهم المتعبين.
إن نجاح الدولة السورية في عبور هذا النفق المظلم يعتمد على قدرتها على الموازنة الدقيقة بين تحقيق الطموحات الاستراتيجية الكبيرة، وتلبية الأحلام الصغيرة والضرورية لمواطنيها.. أحلام تتلخص في فاتورة مقبولة، ووجبة دافئة، ووطن يمنحهم الأمان والخبز معاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات