أسرار باريس ودمشق: ضوء أخضر أميركي يُنهي "قسد" لصالح الشرع
في تطور جيوسياسي دراماتيكي يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط، كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى عن كواليس الاتفاق الذي أدى إلى انهيار مشروع "الإدارة الذاتية" شمال شرق سوريا، وسيطرة القوات الحكومية بقيادة الرئيس أحمد الشرع على معاقل "قسد".
هذا التحول لم يكن مجرد نصر عسكري خاطف، بل نتاج صفقة سياسية معقدة جرت فصولها بصمت بين دمشق، باريس، وواشنطن، ممهدة الطريق لعودة الدولة السورية كشريك استراتيجي وحيد.
التحول الكبير: من "الحليف" إلى "الورقة المحروقة"
تشير المعلومات الحصرية التي تحصلت عليها وكالتنا، نقلاً عن تسريبات لوكالة "رويترز"، إلى أن السيطرة الميدانية للجيش السوري على أربع محافظات لم تكن لتتم لولا موافقة ضمنية من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
الاجتماعات الماراصونية التي عُقدت خلف الأبواب المغلقة في كل من دمشق وباريس مطلع يناير 2026، أسفرت عن قناعة أميركية جديدة مفادها أن الرئيس أحمد الشرع أثبت جدارة استراتيجية وقدرة على توحيد البلاد، ما جعل واشنطن ترفع الغطاء عن حليفها الكردي القديم.
يُظهر هذا التحول تغييراً جذرياً في العقيدة السياسية الأميركية تجاه سوريا؛ إذ انتقلت واشنطن من دعم "الكانتونات" شبه المستقلة إلى الرهان على "المركزية القوية" في دمشق لضمان الاستقرار الإقليمي، وهو ما يُعد ضربة قاضية لأحلام الانفصال أو الحكم الذاتي، ورسالة واضحة بأن زمن الميليشيات قد ولى.
اجتماع باريس.. كلمة السر
أخطر ما كُشف عنه هو اجتماع باريس الذي جمع وفداً سورياً بمسؤولين إسرائيليين بوساطة أميركية.
المصادر أكدت أن دمشق طرحت خطتها لاستعادة الأراضي، ولم تواجه اعتراضاً إسرائيلياً، شريطة تحجيم النفوذ الكردي دون إشعال حرب إقليمية.
هذا التنسيق غير المسبوق يعكس براغماتية عالية من "الشرع" الذي نجح في تحييد الخصوم التقليديين لتحقيق أهداف وطنية.
بين الانتصار والشعور بالخيانة
الموقف الأميركي: صرح المبعوث الأميركي توم براك بوضوح صادم أن "الحاجة لوجود قوات سوريا الديمقراطية انتهت"، مؤكداً جاهزية دمشق لتولي الملف الأمني، وهو ما يُعد إعلاناً رسمياً بوفاة التحالف مع الأكراد.
الموقف الكردي: خيم شعور بالمرارة على القيادات الكردية؛ حيث وصفت السياسية هدية يوسف ما جرى بـ "الخيانة"، متسائلة عن المبادئ الأميركية. وتزامنت هذه التصريحات مع انسحاب فوضوي لقوات "قسد" تسبب بفرار معتقلي تنظيم "الدولة" من سجن بريف الحسكة، في محاولة أخيرة للضغط بالورقة الأمنية.
الموقف الإسرائيلي: حاول السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر النأي ببلاده عن الهجوم العسكري المباشر، لكنه أكد حضوره الاجتماع الثلاثي، ما يثبت علم تل أبيب المسبق بالعملية.
الواقع الميداني: خروقات وتثبيت نفوذ
رغم إعلان الرئيس الشرع وقفاً لإطلاق النار لمنح فرصة للاندماج السلمي، أكدت وزارة الدفاع السورية أن "قسد" خرقت الاتفاق أكثر من 35 مرة، ما أدى لارتقاء 11 شهيداً.
هذا التصعيد الميداني من طرف "قسد" يبدو كـ "رقصة الديك المذبوح" أمام الأمر الواقع الذي فرضه الجيش السوري بدعم دولي، حيث باتت القوات الحكومية تطوق آخر المعاقل، منهيةً بذلك حقبة الانقسام الجغرافي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات