حرية ومسؤولية
إن في صرخة التحذير التي أطلقها السيناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز اليوم، أكثر من مجرد تباين في وجهات النظر؛ إنها معركة على "روح" الردع الغربي في لحظة تاريخية فارقة.
فالقلق البالغ الذي أبداه رئيسا لجنتي القوات المسلحة حيال سحب لواء أمريكي من ألمانيا ليس مجرد دفاع عن حضور عسكري، بل هو تنبيه من مقامرة قد تُضعف هيبة الردع في القارة العجوز.
لقد استجابت برلين لمطالب الرئيس ترامب ورفعت إنفاقها الدفاعي بشكل غير مسبوق، وأبدت تعاوناً استراتيجياً فائقاً في ملفات معقدة كالحرب على إيران؛ لذا يبدو التلويح بسحب 5000 جندي كمن يسحب البساط قبل أن تتحول النفقات الألمانية إلى قوة فعلية على الأرض.
إن المقترح بنقل هؤلاء الجنود إلى "الشرق" بدلاً من إعادتهم للقارة الأمريكية، مع غياب المعلومات الرسمية حول كتيبة الأسلحة بعيدة المدى، يضع المصالح الحيوية للولايات المتحدة في مواجهة مع قرارات قد توصف بـ "المتسرعة".
نحن أمام مشهد يعاد فيه رسم خارطة النفوذ، حيث يخشى الصقور في واشنطن أن يؤدي الفراغ الذي يتركه "العم سام" في برلين إلى إغراء الخصوم، مما يحول حماية الحلفاء من التزام صلب إلى ورقة تجاذب سياسي قد تدفع ثمنها أمن القارة الأوروبية بأكملها.
أن استنفار "برلين" لتجهيز بنيتها التحتية المدنية للأغراض العسكرية، وفق ما كشفته "بلومبرغ"، ليس مجرد ميزانية مرصودة، بل هو إعلان صريح عن عودة هواجس "الحروب الكبرى" إلى قلب أوروبا.
ففي خطوة تعكس جدية المخاوف من صدام مستقبلي، باشرت ألمانيا تحديث ميناء "بريمرهافن" على بحر البلطيق بتكلفة باهظة تصل إلى 1.35 مليار يورو ضمن ميزانية 2026؛ ليس لاستقبال السفن التجارية فحسب، بل لتعزيز منصات التحميل لتكون قادرة على شحن دبابات "ليوبارد" الثقيلة نحو الخطوط الأمامية.
الحقيقة المرة أن الدولة التي اعتمدت لعقود على "القوة الناعمة"، تجد نفسها اليوم مضطرة للاستعانة بالقطاع الخاص لسد عجز موارد جيشها، في ظل أزمة خانقة تضرب شبكات الطرق والسكك الحديدية التي قد لا تصمد أمام تعبئة جماهيرية سريعة لحماية حلفاء "الناتو".
هذا التحول الاستراتيجي، الذي يمزج بين المدني والعسكري، يضع ألمانيا في سباق مع الزمن لاستعادة موقعها كخزان إمداد لوجستي لأوروبا، وسط مخاوف إنسانية من تحول المدن الوديعة إلى أهداف عسكرية في صراع عالمي يلوح في الأفق.
أكدت وزارة الإعلام السورية احتجاز الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشيلمان وزميلها التركي أحمد بولاد بعد أشهر من الاختفاء الغامض.
القصة بدأت في يناير الماضي حين فقد أثرهما في الرقة وسط ضبابية العمليات العسكرية؛ لتكشف دمشق اليوم الخميس 30 نيسان 2026 عن عثورها عليهما داخل مقر أمني سابق لقوات "قسد".
الرواية الرسمية تتحدث عن "رفض كشف الهوية" ومحاولة فرار، بينما تضغط لجنة حماية الصحفيين والمحامي الألماني فرانك ياسينسكي للإفراج الفوري، محذرين من تدهور حالتها الصحية.
هذا الحدث يضع السلطة الجديدة أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها الدولية؛ فبينما تحاول دمشق فرض سيادتها بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، تبرز قضية "ميشيلمان" كشرخ في جدار الثقة مع المجتمع الدولي، خاصة مع ادعاء السلطات وجود شبهة "مقاتلين أجانب".
إن احتجاز صحفيين يعملان لصالح وكالة "إتكين" وقناة "أوزغور تي في" تحت ذريعة العمل غير القانوني، يعيد إلى الأذهان هواجس التضييق الإعلامي، في وقت تحتاج فيه سوريا لكل صوت ينقل مرحلة التعافي بدلاً من الدخول في أزمات دبلوماسية مع برلين وبروكسل.
كشف استطلاع "مؤشر أرباب العمل" الصادر عن الاتحاد الفيدرالي لروابط أرباب العمل الألمان (BDA)، السبت 4 نيسان، عن قتامة غير مسبوقة في نظرة قطاع الأعمال للمستقبل القريب.
وأظهرت البيانات أن 63% من الشركات الألمانية تتوقع تراجعاً اقتصادياً خلال الأشهر الستة المقبلة، بزيادة قدرها 11 نقطة موية عن نهاية عام 2025، في حين لم تتجاوز نسبة المتفائلين عتبة الـ 6%.
وتشير التفاصيل إلى أن قطاع البناء يتصدر قائمة المتشائمين، متأثراً بتكاليف التمويل والتعقيدات الإدارية، حيث أجمع 83% من المشاركين على أن "البيروقراطية واللوائح التنظيمية" هي الخطر الأكبر الذي يهدد استمرارية أعمالهم.
اللافت في النتائج هو تدهور "الثقة السياسية"، حيث انخفضت نسبة الرضا عن السياسات الاقتصادية للحكومة إلى 10% فقط، مما دفع رئيس الاتحاد "راينر دولجر" للتحذير من أن ألمانيا تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إطلاق حزمة إصلاحات جذرية وفورية، أو الاستسلام لمسار تراجع اقتصادي طويل الأمد قد يفقدها ميزتها التنافسية العالمية.
في خطوة وصفت بـ "الاستراتيجية والمفصلية"، أعلن رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، عمر الحصري، الأربعاء 1 نيسان، عن توقيع اتفاقية تعاون شاملة مع ألمانيا في مجال النقل الجوي.
وتأتي هذه الاتفاقية، التي تم توقيعها في العاصمة برلين على هامش زيارة الرئيس أحمد الشرع، لتضع حجر الأساس لإعادة تفعيل حركة الطيران المباشر والشحن الجوي بين البلدين وفق المعايير الدولية الحديثة.
وأكد الحصري أن الأولية الآن هي لتحديث البنية التحتية للمطارات السورية وتطوير الأسطول الجوي عبر شراكات استثمارية ونقل التكنولوجيا الرقمية والبيئية الألمانية، مشيراً إلى أن الاتفاقية تفتح آفاقاً واسعة لاتفاقيات "المشاركة بالرمز" (Code-share) وتعزز مكانة سوريا كجسر حيوي يربط المنطقة بالعالم، مما سينعكس إيجاباً على حركة الاستثمار والسياحة والتبادل التجاري مع القارة العجوز.
في مؤتمر صحفي ببرلين اليوم الاثنين 30 آذار، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع والمستشار الألماني فريدريش ميرتس عن تدشين مرحلة "الشراكة الاستراتيجية" لإعادة إعمار سوريا.
وبرز برنامج "الهجرة الدوارة" (Circular Migration) كأهم مخرجات هذه القمة، وهو نظام مبتكر يسمح لـ 1.3 مليون سوري في ألمانيا، بينهم 6 آلاف طبيب وآلاف المهندسين، بالمساهمة في إعمار وطنهم عبر فترات عمل مرنة دون فقدان حق الإقامة أو العمل في ألمانيا.
وكشف المستشار ميرتس عن طموح مشترك لعودة نحو 800 ألف سوري (أي 80% من اللاجئين) طوعياً خلال السنوات الثلاث القادمة، معلناً تأسيس لجنة عمل مشتركة ستبدأ نشاطها ميدانياً في دمشق الأيام المقبلة.
من جانبه، أكد الرئيس الشرع أن سوريا "تعود بقوة" كدولة قانون ترفض الدويلات وتحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، معرباً عن امتنانه لاحتضان ألمانيا للسوريين في محنتهم، ومشدداً على الحاجة لدستور عصري يحمي المواطن.
هذا الانفتاح الألماني، الذي ترافق مع طاولة مستديرة اقتصادية رفيعة المستوى، يضع سوريا على سكة التنمية المستدامة والاندماج المالي الدولي، محولاً ملف "اللاجئين" من عبء سياسي إلى "قوة بشرية" فاعلة ستكون حجر الزاوية في بناء الجمهورية الجديدة.
في لقاء دبلوماسي رفيع المستوى بالعاصمة الألمانية برلين، اليوم الاثنين 30 آذار، بحث وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني مع نظيره الألماني يوهان فاديفول سبل الانتقال من "الإغاثة الإنسانية" إلى "التنمية المستدامة".
وتركزت المباحثات، التي تأتي ضمن الزيارة الرسمية للرئيس الانتقالي أحمد الشرع، على تفعيل دور المجتمع الدولي في تمويل مشاريع إعادة الإعمار الحيوية، وتذليل العقبات اللوجستية أمام الشركات الألمانية الراغبة في دخول السوق السورية.
وبالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، أضفى الرئيس الشرع بُعداً شعبياً على الزيارة بلقائه وفداً من الجالية السورية في برلين، مؤكداً على دور المغتربين كجسر حيوي لنقل الخبرات والتكنولوجيا.
إن هذا التنسيق المباشر بين الشيباني وفاديفول يعكس رغبة برلين في قيادة قاطرة الدعم الأوروبي لدمشق، شريطة الالتزام بمسار الإصلاح المؤسساتي، مما يفتح الباب أمام استثمارات مليارية قد تغير وجه الاقتصاد السوري في غضون الأشهر الـ 12 القادمة، ويحول "برلين" من منفي للاجئين إلى شريك استراتيجي في بناء الدولة السورية الحديثة.
تتجه أنظار العواصم الكبرى نحو العاصمة الألمانية برلين يوم الاثنين المقبل، حيث تلوح في الأفق زيارة تاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع، تأتي كحلقة وصل انقطعت في كانون الثاني الماضي لتعود اليوم بزخم سياسي وإنساني مضاعف.
إن اللقاء المرتقب مع المستشار فريدريش ميرتس يمثل النقطة الأولى في تحول جذري للسياسة الأوروبية تجاه دمشق، إذ لم تعد الدبلوماسية ترفاً بل ضرورة تفرضها المتغيرات. ثانياً، يبرز ملف مستقبل اللاجئين السوريين كحجر زاوية في جدول الأعمال، وسط رغبة ألمانية جامحة في صياغة "خارطة طريق" للعودة، وهي الخطوة التي وصفها مراقبون بأنها اختبار حقيقي لنوايا التعاون الدولي.
أما النقطة الثالثة، فهي المؤشرات الرقمية الصادمة؛ إذ يكشف تراجع طلبات اللجوء من 151 ألفاً في عام 2024 إلى 42 ألفاً في عام 2025 عن تبدل جذري في المشهد الميداني السوري، ما يمنح ميرتس والشرع أرضية واقعية للتفاوض.
إن هذا اللقاء لا يهدف فقط لترتيب حقائب العائدين، بل يسعى لترميم جسور الثقة المتهدمة، وتحويل عبء اللجوء إلى فرصة للاستقرار، في مشهد إنساني يترقبه الملايين الذين ضاقت بهم بلاد الغربة ويحلمون بوطن آمن.
في خطوة تعكس تسارع الخطوات الدبلوماسية السورية واستعادة دورها الفاعل، وصل وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني إلى مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الثانية والستين، حاملاً معه رؤية الدولة السورية الجديدة لمستقبل الاستقرار في المنطقة.
إن حضور سوريا في هذا المحفل العالمي، الذي يعد "البرلمان الأمني" الأبرز دولياً، يتجاوز المشاركة البروتوكولية؛ فهو يمثل منصة حيوية لطرح الملفات السياسية والإنسانية في ظل التحولات الكبرى التي يقودها الرئيس أحمد الشرع.
ومن خلال تحليل سياق المشاركة، يتضح أن دمشق تسعى لتعزيز "دبلوماسية الواقعية والتعاون" التي بدأت تتبلور ملامحها في بون، لتصل اليوم إلى أروقة ميونخ، حيث تلتقي القوى العظمى لبحث توازنات القوى.
إن وجود الشيباني هناك، وسط حضور قادة وصناع قرار عالميين، يمنح الجالية السورية في أوروبا والعالم شعوراً بالفخر والثقة في استعادة هيبة الحضور الخارجي، ويؤكد أن سوريا ليست مجرد جغرافيا متأثرة بالأحداث، بل هي فاعل سياسي يساهم في صياغة الحلول الأمنية الشاملة ومكافحة الإرهاب من منظور سيادي وإنساني يلامس تطلعات أبنائها في كل مكان.
في لحظة غامرة بالمشاعر والدلالات السياسية، ارتفع علم الجمهورية العربية السورية في سماء مدينة بون الألمانية، ليعلن وزير الخارجية أسعد الشيباني افتتاح القنصلية العامة وسط حضور دبلوماسي دولي رفيع.
لم يكن هذا الحدث مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو تجسيد لرؤية الرئيس أحمد الشرع في جعل "كرامة المواطن السوري" بوصلة للسيادة الوطنية. يتجاوز هذا الافتتاح رمزية المكان ليعكس عمق الروابط الإنسانية مع ألمانيا، واعترافاً بقصص نجاح السوريين الذين أضحوا جسوراً ثقافية نابضة.
إن التحليل العميق لهذا التحول يشير إلى انتقالية جذرية في الدبلوماسية السورية؛ فإعلان عام 2026 "عام البعثات الجديدة" يبرهن على إرادة سياسية لإنهاء عزلة المسافات، حيث ستتبع بون قنصليات في غازي عنتاب وجدة.
إننا أمام منظومة مؤسسية حديثة لا تكتفي بتقديم الخدمات، بل تسعى لاستقطاب الكفاءات الوطنية المهاجرة ودمجها في مسيرة البناء، مؤكدةً أن الوطن، برغم الجراح، يمد ذراعيه لأبنائه أينما وجدوا، ليتحول العمل القنصلي من روتين إداري إلى ملاذ آمن يصون حقوق الإنسان السوري ويعزز حضوره العالمي.
أعلنت شركة "فولكسفاغن" إغلاق خط الإنتاج في مصنع دريسدن، وهو قرار وصفه رئيس العلامة التجارية، توماس شيفر، بأنه "ضروري من منظور اقتصادي"، ويمثل خطوة صغيرة ضمن خططها لخفض الطاقة الإنتاجية في ألمانيا وخفض 35,000 وظيفة بالتعاون مع النقابات.
هذا الإغلاق يأتي في وقت تواجه فيه عملاقة السيارات الأوروبية ضغوطاً هائلة على التدفق النقدي، نتيجة لضعف المبيعات في الصين والطلب البطيء في أوروبا، بالإضافة إلى الرسوم الجمركية الأمريكية.
وقد أنتج المصنع، الذي كان يوماً رمزاً لبراعة "فولكسفاغن" الهندسية، أقل من 200,000 مركبة منذ عام 2002، ليصبح رمزا لتحول الشركة نحو الكهرباء بإنتاجه الأخير لسيارة ID.3 الكهربائية.
وتواجه "فولكسفاغن" تحدياً صعباً في تخصيص ميزانيتها الاستثمارية البالغة حوالي 160 مليار يورو للسنوات الخمس المقبلة، وهي ميزانية تم تخفيضها بشكل كبير.
وبينما يشير المدير المالي إلى احتمال أن يصبح صافي التدفق النقدي لعام 2025 إيجابياً بشكل طفيف، حذر المحللون من استمرار الضغوط على التدفق النقدي في 2026.
وللتعامل مع هذه التحديات "واسعة النطاق"، بما في ذلك العمر المتوقع الأطول لمحركات الوقود الأحفوري الذي يتطلب استثمارات جديدة، يرى المحللون ضرورة إلغاء بعض المشاريع من خطط الإنفاق.
وفي خطوة مبتكرة، سيتم تأجير موقع دريسدن لجامعة دريسدن التقنية ليصبح حرماً جامعياً للبحث والتطوير في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، باستثمار مشترك قدره 50 مليون يورو.
هؤلاء، الذين كانوا تروساً في آلة القمع التابعة للمخابرات العسكرية وميليشيات "النظام السابق" بين 2012 و2014، يواجهون اليوم "أشباح" ضحاياهم. التهمة الأقسى التي تدمي القلوب هي قمع مظاهرة 13 تموز 2012، التي انتهت بإزهاق أرواح 6 مدنيين، بينهم طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، اغتيلت أحلامه بدم بارد.
استناداً لمبدأ "الولاية القضائية العالمية"، تؤكد برلين أن الجغرافيا لا تحمي "مجرمي الحرب"، وأن الزمن لا يسقط حق الضحايا. إنها رسالة مدوية لكل ناجٍ: صوتك مسموع، والعدالة، وإن تأخرت، فإنها آتية لتقتص من القتلة أينما هربوا.
لم يكن شهر أكتوبر عادياً للاجئين السوريين في ألمانيا. فجأة، اهتز "الحلم الألماني" بواقع مرير: 1906 طلبات لجوء رُفضت في 30 يوماً فقط، وهو رقم صادم مقارنة بـ 163 رفضاً طوال الأشهر التسعة السابقة مجتمعة.
يبدو أن "شهر العسل" الإنساني، الذي بدأ بتعليق القرارات بعد سقوط الأسد، قد انتهى. المكتب الاتحادي للهجرة لم يعد يكتفي برفض مرتكبي الجرائم والمصنفين "خطرين أمنياً"، بل عاد لفتح الملفات الشائكة، بادئاً بـ "الشباب القادرين على العمل وغير المصحوبين بذويهم".
القاعدة الجديدة واضحة وقاسية: إن لم تثبت تعرضك "لاضطهاد فردي"، فإن استقرار "سوريا الجديدة" سبب كافٍ لرفضك. هذا ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تحول سياسي عميق.
وزير الداخلية دوبرينت أكد هذا المسار، معلناً رغبته بالتوصل لاتفاق "ترحيل" مع دمشق قبل نهاية العام، ليبدأ بالمجرمين، ثم بمن لا يملكون حق الإقامة.
هذه المقارنة، التي وصفت بـ "الكارثية"، فجّرت غضباً عارماً داخل التحالف المسيحي. ففي حين يضغط المستشار فريدريش ميرتس بقوة لتسريع ترحيل "الجناة" السوريين مؤكداً انتهاء الحرب، جاءت "الصحوة الإنسانية" لوزيره لتقوّض هذه الرواية.
لقد كشف فاديفول عن استحالة عودة كريمة للاجئين، مما أغضب النواب الذين وصفوا ظهوره بـ "السيء".
ورغم محاولته المتأخرة لتدارك الموقف وتأكيد دعمه لترحيل الخطرين أمنياً، إلا أن الصمت المطبق الذي قوبلت به مقارنته بـ 1945 يشي بعمق الأزمة: أزمة بين الواقع المرير على الأرض، والسياسة الباردة التي تبحث عن حلول سريعة لملف اللاجئين.
من غانا، وبخبرة الدبلوماسي العريق الذي "شاهد" دمار الحروب، لم يكتفِ شتاينماير بالرفض، بل رسم صورة حية للألم، مستحضراً "أنقاض الحرب" والخوف المشروع لمن يتساءل "إن كان بمقدور المرء العيش هناك".
موقفه الإنساني العميق جاء كصفعة مباشرة لتصريحات المستشار فريدريش ميرتس المثيرة للجدل، الذي هدد بالترحيل مسبقاً بحجة "انتهاء الحرب" الواهية.
وبينما يثق شتاينماير "دبلوماسياً" بالحكومة لاتخاذ القرار "المناسب"، فإن رسالته كانت واضحة: الواقع السوري المدمّر أهم من الفضائح السياسية التي تسببها خطابات ميرتس، والقرار يجب أن يحكمه "الخوف" الإنساني، وليس الرغبة السياسية في إغلاق الملف.
ميرتس، وبلهجة تخاطب قاعدته الداخلية المتشددة، أعلن أن "الحرب انتهت" وأن ألمانيا "ستبدأ بالتنفيذ العملي" لترحيلهم. هذه الدعوة هي "جزرة وعصا" بامتياز؛ فمقابل استعادة اللاجئين (طوعاً أو قسراً)، تلوّح برلين بـ"دعم سريع لإعادة الإعمار"، لأن سوريا "تحتاج أبناءها" لإعادة البناء.
هذا الموقف المتشدد يتجاهل ببرود تقرير وزير خارجيته "فاديفول" الذي عاد للتو من دمشق ليؤكد أن الدمار هائل والعودة "محدودة جداً". إنه فصل جديد من "الواقعية السياسية" الألمانية، حيث تتغلب ضغوط الهجرة الداخلية على الحقائق الإنسانية على الأرض، ويضع الشرع أمام اختبار صعب: هل يقبل بصفقة "الإعمار مقابل الترحيل"؟
في ليلةٍ حبست الأنفاس، انكسر الحلم المصري على صخرة "المانشافت" الألماني في نهائي النسخة الأولى من كأس العالم للناشئين لكرة اليد بالمغرب.
لم تكن مجرد مباراة، بل "ملحمة ماراثونية" ستبقى خالدة في الذاكرة. "الفراعنة" الصغار قدموا كل شيء، وبعد تأخرهم في الشوط الأول (17-18)، انتفضوا وكانوا على بعد ثوانٍ معدودة من معانقة الذهب.
لكن الألمان، الذين لا يعرفون اليأس، خطفوا هدف التعادل القاتل (37-37) في الرمق الأخير، ليجرّوا المباراة إلى التمديد. في الشوطين الإضافيين، تحولت المواجهة إلى حرب أعصاب، حيث فرضت ألمانيا سيطرتها التكتيكية، وحسمت اللقب التاريخي بنتيجة 44-43.
ورغم المرارة، قدمت مصر أبطالاً للمستقبل. وفي مباراة البرونزية، أكدت إسبانيا تفوقها على العنابي القطري (35-23)، لتترك قطر في المركز الرابع المشرف.
أكدت وزارة الداخلية الاتحادية، بعد دراسة متأنية، رفضها القاطع للسماح بزيارات مؤقتة، مغلقةً بذلك نافذة الأمل التي فُتحت لفترة وجيزة بعد سقوط نظام الأسد.
ففيما كانت الحكومة السابقة تدرس بجدية فكرة "رحلات استطلاعية" تمهيداً لعودة طوعية محتملة، جاء القرار الحالي ليؤكد ببرود أن العودة، حتى اللحظية، تُعتبر دليلاً قاطعاً على زوال خطر الحماية.
هذا الموقف يضع آلاف العائلات أمام خيار إنساني مستحيل، حيث لا يُسمح بالاستثناء إلا في أضيق الظروف، كوداع قريب على فراش الموت.
وبينما يستأنف مكتب الهجرة (Bamf) معالجة الطلبات المتوقفة، يبقى الواقع المرير الذي اعترف به وزير الخارجية ماثلاً: سوريا مدمرة، والعودة الطوعية حلم بعيد. لقد أصبح القرار الألماني بمثابة رسالة واضحة: إما الغربة الكاملة، أو العودة إلى الأبد.
هذه الصدمة الإنسانية تحولت فوراً إلى قرار سياسي حاسم؛ عودة اللاجئين السوريين "مستحيلة" في المدى القصير، فالبنية التحتية مدمرة و"الناس بالكاد يستطيعون العيش بكرامة".
لكن ألمانيا، التي تدرك أن "ما يحدث في سوريا يؤثر مباشرة علينا"، لن تقف متفرجة. لقد أعلنت عن حزمة مساعدات فورية بنحو 40 مليون يورو لسوريا (ضمن 81 مليوناً هذا العام)، ستذهب مباشرة لإزالة الألغام، وتأمين الغذاء والمأوى.
إنها رسالة مزدوجة: نعم، الشباب السوري المندمج "مرحب به" في ألمانيا، لكننا سندفع الملايين لإعادة بناء "أساس جديد" لوطنهم، وهو أساس يبدأ بـ "الغذاء" ويمر عبر "محاسبة" مرتكبي جرائم عهد الأسد.