حرية ومسؤولية
فجر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، سلسلة من المفاجآت السياسية خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي بتركيا، حيث كشف عن رسائل مباشرة نقلها الرئيس السوري أحمد الشرع تؤكد رغبة دمشق الأكيدة في تجنب أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
وأشاد براك بالموقف السوري "المنضبط"، مشيراً إلى أن عدم إطلاق أي صاروخ من الجبهة السورية خلال التصعيد الأخير يعكس توجهاً استراتيجياً جديداً يعطي الأولوية لإعادة الإعمار والاندماج الإقليمي على حساب جبهات القتال التقليدية.
الضغط على تل أبيب: أكد براك أن الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو لم يكتفيا بالوساطة، بل مارسا "ضغطاً مباشراً" على الحكومة الإسرائيلية، مبلّغين إياها بأن "ساعة وقف النار قد حانت"، وهو ما أفضى إلى الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ اليوم لمدة 10 أيام.
نزع سلاح "حزب الله": شدد المبعوث الأمريكي على أن أي اتفاق مستدام في لبنان يجب أن يمر عبر إنهاء "ازدواجية السلاح"، مؤكداً أن واشنطن ترفض بقاء قوة مسلحة موازية للدولة اللبنانية، وتعمل على تصحيح ثغرات اتفاقات 2024 التي شهدت انتهاكات متكررة.
سوريا كعامل استقرار: تأتي هذه التصريحات متناغمة مع خطاب الرئيس الشرع في المنتدى، حيث طرح رؤية سورية قائمة على ترسيخ الهدنات الطويلة وتحويل "المناطق المشتعلة" إلى ممرات أمن وتجارة، مؤكداً أن مصلحة سوريا تكمن في تبريد الجبهات لضمان تدفق الاستثمارات وإكمال دمج القوى المحلية.
إن "براغماتية أنطاليا" التي ظهرت اليوم تعكس تفاهمات غير معلنة بين واشنطن ودمشق برعاية تركية؛ فبينما تلتزم سوريا بالصمت العسكري على جبهة الجولان، تمنحها واشنطن "غطاءً سياسياً" يعزز شرعيتها الدولية الجديدة.
ومع دخول وقف إطلاق النار في لبنان مرحلة الاختبار، يبدو أن الرهان الأمريكي بات يعتمد على دمشق كلاعب عقلاني يمكنه المساهمة في لجم التصعيد الإقليمي، وهو ما يفتح الباب لمرحلة جديدة من العلاقات السورية-الغربية قد تتجاوز ملفات الأمن إلى آفاق سياسية أوسع في صيف عام 2026.
في خطوة مفاجئة قلبت الطاولة على الميدان، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توصل إسرائيل ولبنان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ حيز التنفيذ مساء اليوم الخميس.
وجاء هذا الإعلان بعد ماراثون من الاتصالات الهاتفية أجراها ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون، واصفاً المحادثات بـ "الممتازة" ومؤكداً دعوة الزعيمين إلى البيت الأبيض لعقد أول مفاوضات سلام حقيقية بين البلدين منذ عام 1983.
الضغط الأمريكي المباشر: كشفت المصادر أن ترامب "دفع" بهذا الاتفاق عبر منشور على منصة "تروث سوشال" بينما كان الكابينت الأمني الإسرائيلي لا يزال في بداية اجتماعه، مما جعل الوزراء الإسرائيليين يسمعون بالإعلان قبل مناقشته رسمياً.
مذكرة التفاهم: الهدنة تُعرف بأنها "بادرة حسن نية" إسرائيلية لإطلاق مفاوضات السلام. وبينما تحتفظ إسرائيل بحق "الدفاع عن النفس" ضد أي هجوم وشيك، التزم لبنان باتخاذ خطوات ملموسة لمنع "حزب الله" والجماعات المسلحة الأخرى من تنفيذ هجمات.
المعادلة الإيرانية: رغم أن المسارين منفصلان رسمياً، إلا أن طهران تعتبر الهجمات في لبنان خرقاً لهدنتها مع واشنطن. ترامب يسعى من خلال "تهدئة لبنان" إلى سحب هذه الذريعة وتأمين مساحة "لالتقاط الأنفاس" تضمن نجاح مفاوضاته الجارية مع إيران، والتي شهدت تقدماً ملحوظاً في الـ 48 ساعة الأخيرة.
السيادة والحدود: يتضمن الاتفاق قيام الولايات المتحدة بتسهيل مفاوضات مباشرة لترسيم الحدود البرية. وأكد البيان المشترك اعتراف الدولتين بسيادة بعضهما، مع اشتراط تمديد الهدنة بمدى قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية.
وجه ترامب نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، بالتعاون مع رئيس الأركان، للعمل فوراً مع الطرفين لتحقيق "سلام دائم".
ومن المتوقع أن يُعقد اللقاء التاريخي في البيت الأبيض خلال الأسبوعين القادمين، وهو ما يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما ولادة "سوريا ولبنان" جديدتين ضمن منظومة استقرار إقليمي، أو انفجار الموقف حال فشل لبنان في لجم الجماعات المسلحة أو استمرار إسرائيل في احتلال "المنطقة العازلة" بعمق 6 أميال التي رفض نتنياهو إخلاءها حالياً.
في إطار تعزيز التعاون الأمني بين دمشق وبيروت، استقبل رئيس هيئة الأركان العامة، اللواء علي النعسان، وفداً رفيع المستوى من الجيش اللبناني برئاسة مسؤول الارتباط العميد ميشيل بطرس.
وشكل اللقاء، الذي عقد في العاصمة دمشق، منصة لبحث ملفات أمنية شائكة ومفصلية، تصدرها تأمين الحدود المشتركة ومكافحة شبكات التهريب، في خطوة تهدف لترسيخ الاستقرار الميداني الذي تسعى إليه الحكومة السورية الجديدة.
وأوضحت وزارة الدفاع السورية أن المباحثات شملت التنسيق "على جميع الأصعدة"، مع التركيز على آليات ضبط المعابر ومنع الأنشطة غير القانونية التي تهدد أمن البلدين.
ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة من التحركات الدولية للواء النعسان، شملت مباحثات سابقة مع قيادات عسكرية من تركيا وفرنسا، مما يعكس الثقة الدولية المتزايدة في قدرة قيادة الأركان السورية الجديدة على إدارة ملفات الأمن القومي بكفاءة عالية.
وتركزت النقاشات على ضرورة تبادل المعلومات الاستباقية لدرء مخاطر "الخلايا النائمة" وشبكات الجريمة المنظمة التي تستغل الطبيعة الجغرافية الوعرة للحدود.
إن هذا التنسيق المباشر يرسل رسالة واضحة بأن سوريا عام 2026 لم تعد تسمح بأن تكون حدودها "خاصرة رخوة"، بل هي شريك فاعل وقوي في حماية الاستقرار الإقليمي، مؤكدة أن السيادة تبدأ من ضبط المنافذ وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية للدولة.
ومع توجه الأنظار إلى واشنطن لبحث ترتيبات سلام إقليمي محتمل، يضع العسكريون في دمشق وبيروت الأساس التقني والميداني لأي استقرار قادم، محولين "اتفاقات الغرف المغلقة" إلى إجراءات عملية على الأرض تضمن أمن المواطن السوري واللبناني على حد سواء.
أعلن نائب رئيس المجلس السياسي لـ "حزب الله"، محمود قماطي، اليوم الأربعاء، موافقة الحزب على وقف إطلاق النار مع إسرائيل، واصفاً الخطوات الحالية بأنها "جدية" هذه المرة.
وفي تصريح لقناة "الجديد"، شدد قماطي على أن الحزب لن يقبل بتكرار سيناريو اتفاق عام 2024، الذي اعتبره اتفاقاً من "طرف واحد" تنصلت فيه إسرائيل من التزاماتها، ناصحاً النازحين بالتريث وعدم العودة إلى القرى الحدودية في الجنوب حالياً خشية "الغدر الإسرائيلي".
وتأتي هذه الليونة في الموقف السياسي للحزب وسط ضغوط ميدانية وشروط إسرائيلية قاسية كشفت عنها صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وتتضمن:
منطقة عازلة: خالية تماماً من الحزب وبناه التحتية حتى نهر الليطاني.
حرية العمل العسكري: منح الجيش الإسرائيلي الحق في ضرب أي تهديدات حتى شمال الليطاني.
نزع السلاح: إطلاق آلية طويلة الأمد لنزع سلاح الحزب تحت رقابة أمريكية مباشرة.
وفي حين تتحدث المصادر عن جولة ثانية من المحادثات بمشاركة السفير سيمون كرم، يبقى التحدي الأكبر هو ردم الفجوة بين "موافقة الحزب" المشروطة بضمانات الالتزام الإسرائيلي، وبين "التشدد الإسرائيلي" الذي يسعى لفرض واقع أمني جديد ينهي الوجود المسلح جنوب الليطاني كلياً.
أصدرت المديرية العامة للأمن العام اللبناني، تعميماً جديداً يتضمن تعديلات جوهرية على آلية مغادرة الرعايا العرب والأجانب للأراضي اللبنانية.
وبموجب القرار الجديد، سيتم وقف العمل بكافة الإعفاءات التي كانت تُمنح سابقاً بخصوص رسوم التأخير (الغرامات الناتجة عن انتهاء صلاحية الإقامة)، مع إلغاء شرط الحصول على "براءة ذمة" ورقية عند المغادرة، والاكتفاء بالتدقيق المالي الإلكتروني.
وأكدت المديرية أن هذه الإجراءات ستدخل حيز التنفيذ الفعلي اعتباراً من 20 نيسان 2026، مهيبة بجميع الوافدين والمقيمين الأجانب ضرورة مراجعة الدوائر المختصة لتسوية أوضاعهم القانونية ودفع المستحقات المالية المترتبة عليهم قبل موعد سفرهم، لتجنب المنع من المغادرة أو اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم.
ويأتي هذا القرار في إطار سعي السلطات اللبنانية لضبط ملف الإقامات وتعزيز الموارد المالية للدولة عبر تحصيل الرسوم المتأخرة بشكل دقيق وشامل.
تنطلق في العاصمة الأمريكية واشنطن، اليوم الثلاثاء 14 نيسان 2026، أول جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
ويمثل الجانب اللبناني السفيرة ندى حمادة معوض، بينما يقود الوفد الإسرائيلي السفير يهيل ليتر، الذي تلقى تعليمات مشددة من حكومته بعدم الموافقة على وقف إطلاق النار خلال فترة التفاوض، في إشارة إلى رغبة تل أبيب في استمرار الضغط العسكري الميداني لانتزاع تنازلات سياسية.
وذكرت تقارير إعلامية نقلاً عن إذاعة الجيش الإسرائيلي أن سقف المطالب الإسرائيلية تجاوز التهدئة التقليدية، حيث تسعى تل أبيب للتوصل إلى "اتفاق سلام دائم" يشمل ترسيم الحدود البرية والبحرية ومعالجة الملفات الاقتصادية، مع التركيز بشكل جوهري على ملف نزع سلاح حزب الله.
وتأتي هذه المحادثات بعد تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد فيها انفتاحه على السلام، تزامناً مع استمرار العمليات العسكرية، مما يجعل مسار التفاوض الحالي محفوفاً بالتعقيدات الأمنية والسياسية التي قد تحدد مصير الاستقرار في المنطقة لسنوات قادمة.
في وقفة تضامنية حاشدة مع الدولة اللبنانية، أعلن كبار نجوم الغناء في لبنان والوطن العربي تعليق كافة أنشطتهم الفنية وتأجيل حفلاتهم المقررة، وذلك على خلفية الهجمات الإسرائيلية المستمرة التي تضرب البلاد.
وأعلنت الفنانة نانسي عجرم توقف التزاماتها لمدة شهر، بينما أكدت إليسا أن هويتها كمواطنة تسبق صفتها كفنانة، وهو ما شاطرها فيه النجم وائل جسار، في حين اتخذت السيدة ماجدة الرومي قراراً جذرياً بإلغاء كافة ارتباطاتها داخل وخارج لبنان.
ولم يقتصر هذا الحراك على النجوم اللبنانيين فحسب، بل امتد ليشمل قامات فنية عربية عبّرت عن وحدة المصير؛ حيث أعلن تامر حسني وأصالة نصري تأجيل عروضهما في العاصمة بيروت، وانضم إليهما محمد رمضان بتأجيل حفله المرتقب هناك.
تعكس هذه الخطوات الجماعية حالة من الحداد الفني والوعي القومي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي لهؤلاء النجوم إلى ساحات للدعاء والتضامن، مؤكدين أن "صوت الوطن" هو الوحيد الذي يعلو الآن فوق أي نغم.
لم تكن بنت جبيل يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل هي حكاية صمود ومأساة متوارثة، تتأرجح اليوم بين رمزية "عاصمة التحرير" وبين واقع عسكري مرير يهدد بمسح هويتها التاريخية.
المدينة التي "عُبّدت" طرقاتها يوماً نحو ديترويت الأميركية هرباً من النيران، تجد نفسها الآن خالية تماماً من سكانها في ما يوصف بـ "التهجير الأخطر" في تاريخها، وسط معارك "عظم تكسير" تدور في أزقتها وتلالها الاستراتيجية.
تجاوزت المعركة الحالية في بنت جبيل الجانب العسكري الصرف لتتحول إلى صراع إرادات ومعانٍ:
القيمة الاستراتيجية: السيطرة على المدينة تعني التحكم في القطاع الأوسط بالكامل، وتأمين قاعدة انطلاق نحو وادي السلوقي ونهر الليطاني، مما يجعلها "جائزة كبرى" للجيش الإسرائيلي.
الرمزية المعنوية: بالنسبة لـ حزب الله، الدفاع عن بنت جبيل هو دفاع عن "بيت العنكبوت"؛ العبارة التي أطلقها الراحل حسن نصر الله عام 2000 من قلب ساحتها. سقوطها عسكرياً يمثل ضربة قاصمة لصورة الردع والانتصار التي كُرست على مدى ربع قرن.
تغريب الهوية: يشير الواقع الميداني والاجتماعي إلى أن المدينة دُفعت نحو "هوية مستوردة" خلال سنوات هيمنة الحزب، مما أفقدها طابعها التراثي وسوقها التاريخي، لتتحول في الحرب الحالية إلى ساحة قتال "مغلقة" بعيدة عن نسيجها الأهلي الذي كان يوماً بوابته فلسطين والجليل.
الجانب الإسرائيلي: تشير المعطيات إلى اعتماد سياسة "التطويق والالتفاف"، مع تقارير تتحدث عن دخول فعلي إلى منطقة السوق التجارية في وسط المدينة لتحويلها إلى جيب معزول.
حزب الله: يبدي مقاومة شرسة لمنع السقوط الرمزي للمدينة، معتمداً تكتيكات مرنة لا تتشبث بالجغرافيا الثابتة بقدر ما تسعى لاستنزاف القوات المهاجمة.
ردود الفعل: (لم تصدر بيانات سياسية دولية مخصصة لبنت جبيل وحدها)، لكن التحركات في ديربورن الأميركية (جمهورية بنت جبيل في المهجر) بدأت تضغط سياسياً، كما فعل صاحب المطعم حسن عباس بانتزاع تعهد من ترمب، في محاولة لاستخدام نفوذ الاغتراب لحماية ما تبقى من الوطن الأم.
شهد قضاء صور بجنوب لبنان، يوماً دامياً إثر سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة، أسفرت عن سقوط ضحايا من اللاجئين السوريين والكوادر الإنسانية.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن غارة استهدفت بستاناً قبالة حرج العباسية أدت إلى مقتل عدد من العمال السوريين المتواجدين في المكان. وفي تصعيد خطير، تعرض مركز للصليب الأحمر اللبناني في صور لضربة مباشرة أثناء محاولة إسعاف أحد المصابين، مما تسبب بمقتله وتضرر آليات الإسعاف بشكل كبير.
ولم تتوقف الهجمات عند الجنوب، حيث استهدفت طائرة مسيّرة بلدة سحمر في البقاع الغربي، مخلفة قتيلين وجرحى آخرين. وتأتي هذه الغارات ضمن موجة التصعيد المستمرة منذ مطلع آذار الماضي، والتي حولت حياة السوريين المقيمين في لبنان إلى جحيم جديد؛ حيث يواجهون خطر الموت اليومي في مناطق عملهم وسكنهم.
ومع استمرار استهداف المنشآت الإغاثية والمدنية، تتعالى التحذيرات من انهيار كامل للمنظومة الإنسانية في المناطق الحدودية اللبنانية تحت وطأة القصف المتواصل.
وسط مشهدٍ تراجيدي يدمي القلوب، استيقظ لبنان اليوم على حصيلةٍ مفجعة أعلنها وزير الصحة، حيث ارتفع عدد ضحايا الغارات الإسرائيلية إلى 203 قتلى ونحو ألف جريح، في موجة تصعيدٍ وصفت بالأعنف.
وفي تطورٍ ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي اغتيال "علي يوسف حرشي"، السكرتير الشخصي لأمين عام حزب الله نعيم قاسم، في عمليةٍ استهدفت قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، زاعماً تدمير مفاصل حيوية ومستودعات ذخيرة ومعابر تربط شمال الليطاني بجنوبه.
هذه الضربات المتلاحقة تأتي كصفعةٍ لآمال التهدئة؛ فرغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنةٍ "مشروطة" مع إيران، سارعت إسرائيل لعزل الساحة اللبنانية عن الاتفاق، ممعنةً في تمزيق الهدوء الهش بغاراتٍ فجرية لم توفر بشراً ولا شجراً.
وبينما يطلق وزير الخارجية اللبناني صرخات استغاثة للمجتمع الدولي للضغط على تل أبيب واستعادة السيادة المهدورة، يبدو أن لبنان بات "الخاصرة الرخوة" في صراعات الكبار، حيث يدفع المدنيون ضريبة صمت العالم أمام آلة حربية لا تعترف بالحدود، تاركةً بيروت تواجه مصيرها وحيدةً تحت ألسنة اللهب وركام الأبنية التي لم تعد تتسع لأوجاع النازحين.
في مشهدٍ يبعث الأمل وسط ركام التحديات، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء اللبناني عن إعادة فتح معبر "المصنع" الحدودي مع سوريا اعتباراً من مساء الأربعاء، منهيةً بذلك حالة من الشلل القسري التي فرضتها التهديدات الإسرائيلية باستهدافه.
هذا المعبر، الذي يُعد الرئة الحيوية للاقتصادين السوري واللبناني، عاد لينبض بالحركة بعد جهود دبلوماسية "حثيثة" ومنسقة بين دمشق وبيروت نجحت في تجنيبه ضربة عسكرية كانت وشيكة، بعد مزاعم اتهمت المعبر بخدمة أغراض عسكرية.
ومع فتح البوابات، لم تكتفِ السلطات بالجانب التشغيلي، بل عززت المعبر بإجراءات أمنية مشددة ومعدات حديثة لقطع الطريق أمام أي محاولات للتهريب، بما يضمن سلامة المسافرين وانسيابية البضائع.
إن إعادة افتتاح "المصنع" في هذا التوقيت الحساس ليس مجرد إجراء لوجستي، بل هو "انتصار ميداني" للمدنيين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين مطرقة التهديد وسندان الحاجة؛ مما يؤكد أن التنسيق المشترك قادر على انتزاع الحلول وحماية السيادة الوطنية من الانتهاكات.
إنها رسالة صمود تعك إصرار البلدين على إبقاء جسور التواصل قائمة، رغم كل الضغوط الرامية لقطع أواصر الجغرافيا والتاريخ.
في مشهدٍ يدمي القلوب، وصفت الأمم المتحدة القصف الإسرائيلي المستمر على لبنان بـ "المروع"، حيث خرج المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان، ثمين الخيطان، لينقل فزع المفوض السامي فولكر تورك من حجم الدمار والنزيف البشري الذي لم يرحم شجراً ولا حجراً.
يأتي هذا النداء الأممي الصارم للمطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة الجناة، في وقتٍ تعيش فيه قرى الجنوب ومدينة صور تحت وطأة غاراتٍ لا تهدأ، رغم رياح "الهدنة" الهشة التي أعلنها دونالد ترامب بين واشنطن وطهران.
إنها مفارقة مؤلمة؛ فبينما يُفتح مضيق هرمز وتتنفس الأسواق العالمية الصعداء، يبقى الشعب اللبناني وحيداً تحت النيران، خارج حسابات الاتفاقات الكبرى، يطارده الخوف والنزوح القسري.
إن هذا التجاهل المتعمد للساحة اللبنانية في صفقات خفض التصعيد يجعل من دعوات التحقيق الدولية "اختباراً أخلاقياً" أخيراً للمجتمع الدولي؛ فإما العدالة وإما ترسيخ شريعة الغاب، حيث يُترك المدنيون لقمة سائغة في صراع القوى، طالما أن وقف إطلاق النار استثنى صرخاتهم من بنوده الرسمية.
في لحظة فارقة تتصاعد فيها نبرة التصعيد في المنطقة، رفعت دمشق صوتها اليوم الأربعاء لتدين بلهجة حازمة العدوان الإسرائيلي الغاشم على الأراضي اللبنانية، واصفة إياه بالانتهاك الصارخ للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
التقرير الصادر عن وزارة الخارجية السورية لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حمل رسائل تضامن عميقة في وقت نزفت فيه المدن اللبنانية دماً، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا إلى رقم مفجع بلغ 254 قتيلاً وأكثر من ألف جريح وفقاً للدفاع المدني اللبناني.
سوريا، التي تدرك تماماً حجم التحديات الوجودية، دعت المجتمع الدولي للخروج عن صمته وتحمل مسؤولياته لفرض وقف فوري لإطلاق النار، مشددة على دعمها الكامل لسيادة الدولة اللبنانية وبسط سيطرتها على أراضيها.
هذا الموقف السوري يتقاطع مع صرخة الرئاسة اللبنانية التي حذرت من نهج تدميري يهدد ما تبقى من استقرار في الشرق الأوسط، مما يعكس وحدة المصير أمام آلة حربية لا تفرق بين مدني وعسكري، ويضع العالم أمام اختبار أخلاقي وقانوني لوقف هذه المجازر التي تضرب بجذورها في عمق الإنسانية والسيادة الوطنية.
في نبرةٍ يملؤها القهر وتغلفها القوة، خرجت الرئاسة اللبنانية اليوم ببيانٍ شديد اللهجة يندد بالاعتداءات الإسرائيلية "الهمجية" التي حولت سماء لبنان إلى كتلة من النار والرماد.
بعباراتٍ صحفيةٍ واضحة، وصفت الرئاسة ما جرى بأنه استخفافٌ صارخ بالقيم الإنسانية، حيث لم تشفع 15 شهراً من "الهدنة" المزعومة في كبح جماح الانتهاكات التي بلغت ذروتها الأربعاء؛ حين سقط 254 شهيداً في مجزرةٍ مروعة هزت ضمير الإنسانية.
وبينما يتباهى رئيس الأركان الإسرائيلي بإمطار 100 هدف بـ160 قذيفة خلال عشر دقائق فقط، كانت رائحة الموت تفوح من بيروت إلى البقاع وصولاً للجنوب الصامد.
إن هذا التصعيد "الخطير" ليس مجرد خرقٍ عسكري، بل هو إعلان صريح عن ضرب جميع جهود التهدئة عرض الحائط، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لوقف هذا النهج التدميري.
إن لبنان اليوم، بآلام جرحاه الـ1165، لا يطلب الشفقة بل يطالب بردع عدوٍ لا يحترم عهداً ولا ميثاقاً، محملاً إسرائيل كامل المسؤولية عن انزلاق المنطقة نحو فوهة بركان لن ينجو منه أحد إذا استمر هذا الصمت الدولي المريب.
في تطور هو الأول من نوعه منذ اندلاع المواجهات، وجه الجيش الإسرائيلي، الأحد 5 نيسان، تحذيراً عاجلاً للمدنيين والمسافرين المتواجدين في منطقة معبر المصنع الحدودي وعلى طول طريق M30 الدولي الواصل بين لبنان وسوريا.
وبرر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي هذا الإجراء باعتزام قواته شن غارات جوية وشيكة على المعبر، بدعوى استخدامه من قبل "حزب الله" لنقل وتهريب وسائل قتالية وأغراض عسكرية.
وطالب التحذير الإسرائيلي جميع المتواجدين في "المنطقة الحمراء" المحددة في الخرائط العسكرية بالإخلاء الفوري حرصاً على سلامتهم، مؤكداً أن البقاء في محيط المعبر يعرض الحياة للخطر الداهم.
يأتي هذا التهديد في ظل استراتيجية إسرائيلية واضحة لإنشاء منطقة أمنية عازلة وتجفيف منابع الإمداد البري، بينما يواصل "حزب الله" عمليات الاستنزاف الصاروخي للمستوطنات الشمالية، مما يضع آلاف النازحين والمسافرين العالقين بين الحدود في مواجهة كارثة إنسانية محققة حال خروج المعبر الأهم عن الخدمة.
في تصعيد عسكري هو الأعنف ضمن عمليات التوغل البري، الخميس 2 نيسان، نفذت القوات الإسرائيلية المتوغلة في بلدات الناقورة والبياضة ودبل عمليات "إبادة عمرانية" شملت جرف وتفجير المنازل وإحراق المزارع والمحال التجارية تحت جنح الظلام.
وتزامن هذا التدمير الممنهج مع موجة غارات جوية وقصف مدفعي عنيف طال مدينة الخيام ومنطقة الفيلات، مستخدماً القذائف العنقودية المحرمة دولياً في أطراف بلدة راشيا الفخار.
ولم تسلم العائلات اللبنانية من آلة الحرب، حيث تسببت الغارات بسقوط ضحايا مدنيين، أبرزهم سيدة وطفلان قُتلوا تحت أنقاض منزلهم في بلدة زبدين، بالإضافة إلى مقتل ثلاثة أشخاص في استهداف مبنى ببلدة كفرصير.
وتستمر أعمال الإغاثة لانتشال المفقودين في بلدات كفرا وبرج رحال وسط قصف مدفعي لا يتوقف على صديقين وجبال البطم، مما يعكس رغبة إسرائيلية في توسيع "الحزام الناري" ليشمل كامل القطاعين الغربي والأوسط، وتحويل القرى الحدودية إلى ركام في ظل غياب حصيلة نهائية للضحايا وحجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمساحات الزراعية.
كشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، في بيان رسمي اليوم الأربعاء 1 نيسان، عن عبور أكثر من 200 ألف شخص للحدود اللبنانية السورية خلال الفترة ما بين 2 و27 آذار الماضي.
وأوضحت المفوضية أن الكتلة البشرية الأكبر تتألف من سوريين عائدين ونازحين سابقين، إضافة إلى نحو 28 ألف لبناني فروا من شدة القصف الإسرائيلي.
وفي ظل هذا التدفق المباغت، حذرت المنظمة من فجوة تمويلية هائلة؛ حيث لم يتم تأمين سوى 30% فقط من الميزانية المطلوبة لعام 2026 والبالغة 324 مليون دولار.
وتتركز الاحتياجات العاجلة للواصلين حول "الغذاء والمأوى والرعاية الصحية"، فضلاً عن المساعدة القانونية لاستخراج الوثائق المدنية المفقودة.
وبينما تمكنت فرق المفوضية من دعم 20 ألف عائلة حتى الآن وتأمين وسائل نقل لوجهاتهم النهائية، يبقى النقص الحاد في الموارد يهدد بتحول هذه الموجة إلى أزمة إنسانية متفاقمة داخل الأراضي السورية التي بدأت لتوها رحلة التعافي وإعادة الإعمار.
في حراك دبلوماسي مكثف يعكس خطورة المرحلة، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اتصالاً هاتفياً مع نظيره التركي هاكان فيدان، الثلاثاء 31 آذار، لمناقشة التداعيات المتسارعة للحرب الدائرة في المنطقة منذ 28 شباط الماضي.
وبحسب مصادر دبلوماسية، تركزت المباحثات على سبل تحييد الأراضي السورية والتركية عن الهجمات المتبادلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، خاصة بعد تسجيل سقوط ضحايا وأضرار مدنية في دول عربية جراء رشقات صاروخية ومسيرات إيرانية استهدفت ما وصفته طهران بـ "القواعد والمصالح الأمريكية".
ويأتي هذا التنسيق في ظل قلق أنقرة ودمشق المشترك من تحول الصراع إلى "فوضى شاملة" تعيد رسم التوازنات العسكرية في الشمال السوري ولبنان، حيث يسعى الوزيران لتعزيز قنوات التواصل الأمنية لمنع أي خروقات لمجالاتهما الجوية، وضمان عدم انزلاق المنطقة نحو مواجهة برية قد تنطلق شرارتها من الجزر الاستراتيجية أو القواعد الحدودية، مما يجعل من "التفاهم السوري التركي" حجر الزاوية في بناء جدار صد دبلوماسي يحمي استقرار البلدين من تداعيات "حرب هرمز" وتداعياتها الإقليمية.
في تصعيد إسرائيلي دموية طال التجمعات المدنية في قضاء صور، أعلنت السفارة السورية لدى بيروت يوم السبت 28 آذار، استنفار كوادرها لمتابعة تداعيات الغارة التي أدت لمقتل 7 مواطنين سوريين وإصابة 8 آخرين.
وأكدت السفارة في بيان رسمي أنها تعمل على تسهيل إجراءات نقل جثامين الشهداء إلى الداخل السوري، بالتوازي مع متابعة أوضاع الجرحى القابعين في المشافي اللبنانية جراء القصف الذي استهدف بلدة الحنية.
وتأتي هذه المأساة الإنسانية في سياق العدوان الإسرائيلي المتصاعد منذ 2 آذار الجاري، والذي تحول إلى غارات يومية وتوغل بري شمل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وسط اشتباكات عنيفة يخوضها "حزب الله" بالصواريخ والمسيّرات.
إن سقوط الضحايا السوريين في قلب المعارك اللبنانية يعكس حجم المخاطر التي تحدق بمئات الآلاف من اللاجئين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة النزوح وسندان الحرب الإقليمية، لتتحول رحلة البحث عن الأمان إلى جنائز تعبر الحدود نحو الوطن المثقل بالجراح، في وقت تتسع فيه رقعة الاستهداف لتطال كل من يتحرك في جغرافيا الجنوب الملتهبة.
رغم مرور سنة كاملة على سقوط النظام السابق واستئناف العلاقات الدبلوماسية، أعلنت الحكومة الفدرالية الكندية بوضوح أنه لا خطط حالية لإعادة فتح سفارتها في العاصمة السورية، والمغلقة منذ عام 2012.
وخلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم، كشف السفير غريغوري غاليغان، الذي يدير الملف السوري من مقره في بيروت، أن أوتاوا لا تضع "شروطاً سياسية" تعجيزية، بل تربط العودة بزاوية اقتصادية بحتة.
إن هذا الموقف الكندي الحذر يرهن فتح الأبواب الدبلوماسية بمدى اهتمام الشركات الكندية وتدفق أعداد ملموسة من السياح نحو سوريا، في إشارة إلى أن المصالح التجارية هي المحرك الفعلي للقرار القادم.
وبينما كانت كندا من أوائل الدول التي علقت أنشطتها قبل نحو 14 عاماً، فإنها اليوم تبدو الأكثر تريثاً في العودة إلى دمشق، تاركةً التمثيل الدبلوماسي معلقاً بين بيروت ودمشق بانتظار "ضوء أخضر" من قطاع الأعمال.
هذا التريث يعكس مأساة غياب الاستثمارات الدولية التي قد تؤخر تعافي سوريا الاقتصادي، حيث يظل المشهد السوري في عيون أوتاوا مجرد ملف إقليمي يدار عن بُعد، بانتظار واقع جديد يغري المستثمرين الكنديين لكسر حالة الجمود التي طالت لأكثر من عقد من الزمان.