فلسطين
دول عربية أخرى
استمرار خروقات الهدنة في غزة: ضحايا جدد وسط قصف إسرائيلي مكثف
تستمر معاناة أهالي قطاع غزة في ظل استمرار القوات الإسرائيلية بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، مسجلةً المزيد من الضحايا والدمار في مختلف أنحاء القطاع.
ففي أحدث التطورات الميدانية، قُتل الشاب أكرم حسن العرجاني إثر قصف إسرائيلي استهدف منطقة "أرض الليمون" جنوبي مدينة خان يونس، بينما تعرض شخص آخر لإصابة برصاص طائرة مسيرة من نوع "كواد كوبتر" بالقرب من مدرسة أبو حسين في شمال القطاع.
ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل أصيبت فتاة برصاص الاحتلال في منطقة قيزان أبو رشوان، وسط تحليق مكثف للطيران الحربي على ارتفاعات منخفضة، وشن غارات جوية طالت شرقي مدينة غزة وشرق "الخط الأصفر" بخان يونس.
وتزامنت هذه الهجمات المروعة مع عمليات نسف لمبانٍ سكنية، وقصف مدفعي عنيف استهدف شرق حي الشجاعية ومخيم البريج، بالإضافة إلى إطلاق نار متكرر شرقي حي الزيتون.
وتعكس هذه الخروقات المتكررة واقعاً مأساوياً متصاعداً؛ حيث تشير المصادر الطبية إلى ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول 2023 إلى أرقام مفجعة بلغت 72,082 قتيلاً وما يزيد عن 171 ألف مصاب.
وتؤكد الأرقام أن نزيف الدم لم يتوقف حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول الماضي، والذي سجل وحده سقوط 618 قتيلاً وإصابة أكثر من 1,600 آخرين.
وزير إسرائيلي يرفع العلم فوق قمة "سرطبة" بغور الأردن
في خطوة يراها الفلسطينيون تمهيداً فعلياً لضم الضفة الغربية، قام وزير التراث الإسرائيلي المتطرف، عميحاي إلياهو ، برفع العلم الإسرائيلي فوق قمة جبل "قرن سرطبة" الاستراتيجي المطل على غور الأردن.
ونشر إلياهو (ينتمي لحزب "القوة اليهودية" اليميني) مقطع فيديو مساء الإثنين يوثق الواقعة، زاعماً أن الضفة الغربية هي "جزء من أرض إسرائيل". وأعلن عن نيتة إحياء طقوس دينية يهودية (إشعال المشاعل) على القمة في شهر نيسان المقبل، في إشارة إلى فرض واقع ديني وسياسي جديد على المنطقة الأثرية.
أهمية موقع "قرن سرطبة"
يعد جبل قرن سرطبة من أبرز المواقع الأثرية والجغرافية في الأغوار الفلسطينية؛ حيث يرتفع 650 متراً فوق مستوى غور الأردن، ويقع في منتصف الطريق بين بيسان وأريحا.
وتكمن خطورة هذه الخطوة في كون غور الأردن يشكل نحو 30% من مساحة الضفة الغربية، ويقع ضمن المناطق المصنفة "ج" التي يسعى اليمين المتطرف لضمها رسمياً.
سجل حافل بالتطرف
يُعرف إلياهو بمواقفه العدائية المتطرفة، حيث سبق وأن أثار تنديداً دولياً واسعاً في عام 2023 بعد دعوته لاستخدام السلاح النووي في قطاع غزة. وتأتي خطوته الأخيرة في غور الأردن لتعزز المخاوف من تسارع وتيرة الاستيطان ومحاولات طمس الهوية التاريخية والأثرية للمناطق الفلسطينية المحتلة.
صرخة عربية من منبر الأمم المتحدة: فلسطين عصية على التجزئة والضم
في لحظة فارقة من تاريخ الصراع، وحاملةً أمانة الرئاسة السورية للمجموعة العربية، صدحت كلمات المندوب الدائم إبراهيم علبي في أروقة مجلس الأمن لتعري مخططات الاحتلال الساعية لفرض الهيمنة وتصفية القضية الفلسطينية.
التقرير العربي جاء بمثابة "وثيقة إدانة" شاملة لسياسات التهجير القسري وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، معتبراً إياها محاولة يائسة لاغتيال حلم الدولة الفلسطينية المستقلة.
اللافت في هذا التحرك هو الثناء العربي على موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرافض للضم، والمطالبة بترجمة هذا الموقف إلى خطوات عملية تلجم غطرسة الاحتلال قبل اجتماع واشنطن المرتقب.
ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، حذرت المجموعة من مغبة استباحة الدم الفلسطيني وتدنيس المقدسات في القدس، مؤكدة على وحدة الأرض والجغرافيا بين غزة والضفة تحت راية الدولة الواحدة على حدود 1967.
إن هذا الموقف الموحد يعيد التأكيد على أن استقرار الشرق الأوسط يمر حتماً عبر بوابة "الأرض مقابل السلام"، وينهي أوهام الاحتلال في شرعنة الاستيطان أو القفز فوق قرارات الشرعية الدولية والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وسط إصرار عربي على كسر حصار غزة وتدفق المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط.
لهيب الغضب في ميلانو: الشعلة الأولمبية تواجه صرخة "فلسطين حرة"
تحت ظلال الألعاب الأولمبية الشتوية التي كان من المفترض أن تكون رمزاً للسلام العالمي، شهدت شوارع ميلانو "الخميس" مشهداً يضج بالاحتجاج الإنساني؛ حيث اعترض مئات الطلاب مسار الشعلة الأولمبية تنديداً بمشاركة إسرائيل في الدورة.
لم تكن مجرد مظاهرة طلابية، بل صرخة ضمير انطلقت من أمام جامعة ميلانو الحكومية، حيث امتزج دخان المشاعل الاحتجاجية بالأعلام الفلسطينية، في رسالة حازمة ترفض "تلميع" صورة ممارسات الإبادة الجماعية عبر الرياضة.
هذا الحراك يعكس شرخاً عميقاً في الوجدان الطلابي الأوروبي الذي لا يرى في وقف إطلاق النار الهش منذ أكتوبر 2025 نهايةً للمأساة، بل استمراراً لخرق الاتفاقات وسط نزيف لم يتوقف في غزة.
التحليلات تشير إلى أن هذه الاحتجاجات تضع اللجنة الأولمبية الدولية أمام مأزق أخلاقي متصاعد، فبينما تتجه الشعلة نحو "كورتينا"، يصر هؤلاء الشباب على أن القيم الأولمبية لا تستقيم مع دماء 72 ألف ضحية.
إن ما حدث في شارع "فرانشيسكو سفورزا" هو تذكير للعالم بأن العدالة لا يمكن تغييبها بهتافات الملاعب، وأن صوت غزة سيبقى حاضراً في قلب كل محفل دولي ما لم يتحقق السلام العادل.
أردوغان في الرياض والقاهرة لرسم ملامح استقرار المنطقة
في لحظة فارقة تتجه فيها الأنظار نحو ترتيب بيت المنطقة من الداخل، يستهل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جولة دبلوماسية رفيعة المستوى إلى السعودية ومصر مطلع فبراير، حاملًا في جعبته ملفات تتجاوز حدود السياسة التقليدية لتلامس عمق الجرح الفلسطيني.
إن هذه الزيارة ليست مجرد لقاءات بروتوكولية، بل هي حراك إنساني وسياسي يهدف لوضع خارطة طريق لإنهاء مأساة غزة عبر مبادرات نوعية كـ "مجلس السلام"، ومناقشة آليات إعادة الإعمار التي تعيد الأمل لآلاف العائلات المنكوبة في فلسطين وسوريا.
وبالتوازي مع هذا المسار العاطفي والسياسي، تبرز لغة المصالح الاستراتيجية من خلال منتديات الأعمال وتدشين حقبة جديدة من التعاون الدفاعي (التركي-السعودي-الباكستاني)، ما يعكس رغبة حقيقية في بناء درع إقليمي يحمي الاستقرار.
إن مرافقة كبار المستثمرين للوفد التركي تؤكد أن الرؤية القادمة تمزج بين "رغيف الخبز" و"الأمن القومي"، حيث تلتقي التكنولوجيا والبنية التحتية بروح التضامن الإقليمي، لترسل رسالة للعالم بأن دول المنطقة قادرة على صياغة مستقبلها بيدها، وتضميد جراحها بعيداً عن الإملاءات الخارجية، في خطوة شجاعة نحو تكامل اقتصادي وعسكري يحقق السلام المستدام.
"مجلس السلام": رؤية أمريكية تتجاوز غزة لتهز عرش الأمم المتحدة
من قلب دافوس، لم يكتفِ الرئيس دونالد ترامب بإطلاق "مجلس السلام" كضمادة لجراح غزة فحسب، بل حوّله مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف إلى مشروع أممي بديل يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي.
ففي تصريحات تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية، أكد ويتكوف أن طموح المجلس لن يتوقف عند حدود القطاع، بل سيمتد ليصبح "المنقذ" في بؤر الصراع المشتعلة، مشيراً بلهجة مفعمة بالمشاعر إلى نجاحهم في "إغلاق جرح" ملف الرهائن وإعادة الجثامين كبارقة أمل للمستقبل.
لكن خلف هذه اللغة الإنسانية الدافئة، يكمن تحليل سياسي عميق يشير إلى رغبة واشنطن الجامحة في تهميش دور الأمم المتحدة التقليدي، حيث يطرح ترامب هذا المجلس كبديل أكثر فاعلية وبراغماتية لحل النزاعات.
نحن إذن أمام لحظة مفصلية؛ فالمجلس ليس مجرد مبادرة عابرة، بل هو إعلان صريح عن رغبة أمريكية في هندسة نظام عالمي جديد يحتكر "صناعة السلام" بعيداً عن أروقة نيويورك، واضعاً المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لجدوى المؤسسات القائمة.
فجر جديد لغزة: علي شعث يقود سفينة الأمل والإعمار
في لحظة فارقة ينتظرها المكلومون بين أنقاض غزة، يبزغ بصيص أمل مع اقتراب الإعلان الرسمي عن اللجنة الإدارية برئاسة الدكتور المهندس علي شعث؛ هذا الرجل الذي لا يحمل مجرد لقب أكاديمي من جامعة كوينز، بل يحمل إرثاً من الخبرة الهندسية والوطنية التي صُقلت بين أزقة خان يونس وطموحات العودة.
تمثل هذه اللجنة، التي باتت قاب قوسين أو أدنى من الظهور، طوق نجاة مهني (تكنوقراط) يترفع عن التجاذبات السياسية ليضع معاناة المواطن في صلب أولوياته، حيث يأتي اختيار شعث، وكيل وزارة المواصلات السابق، كرسالة طمأنة ببدء مرحلة هندسة التعافي وإعادة بناء ما دمره الشتات.
إن تحرك الأعضاء لبدء مهامهم الميدانية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو نبضٌ يعود لقطاعات الخدمات والاقتصاد، وعهدٌ جديد يسعى لترميم الروح قبل الحجر.
نحن أمام تشكيل لا يدير أزمة فحسب، بل يصيغ ملامح غدٍ يستحقه الفلسطينيون، بعيداً عن صراعات النفوذ وقريباً من لقمة العيش وكرامة المسكن، لتكون هذه اللجنة الجسر الذي يعبر بالقطاع من الركام إلى التنمية المستدامة والعيش الكريم.
"السلام المستحيل".. تقرير دولي يفضح "الخطة الممنهجة" لإسرائيل لابتلاع الجولان ورفضها للحدود
ففي الجولان السوري المحتل، الخطة ليست عشوائية، بل هي "مضاعفة" ممنهجة لعدد المستوطنين، في صفعة مباشرة للقانون الدولي والإنساني. هذا التوسع لا يتوقف عند سوريا، بل يمتد إلى فلسطين وجنوب لبنان. لكن "القلب" المدمر لهذا التقرير هو فضح "العقيدة" الإسرائيلية.
فادعاء إسرائيل بأنه "لا حدود واضحة لها" هو، في نظر اللجنة، "العقبة الأساسية" أمام السلام. إنه إعلان صريح بأن السلام "العادل والشامل" مستحيل طالما استمر هذا الادعاء. لهذا، لم تكتفِ اللجنة بالإدانة، بل طالبت بتحرك "عاجل" لمحاسبة إسرائيل على سياسات تقوض أي فرصة للاستقرار.
"السلام" الوصاية.. العالم يقرر مصير غزة: "مجلس سلام" أجنبي، وقوة دولية، وفصائل تصرخ: "هذا مساس بالسيادة"
إنها لحظة "السلام" التي تبدو كـ "الوصاية". ففي الخامسة مساءً، سيصوت مجلس الأمن على "مستقبل غزة" كما تراه واشنطن، وسط انقسام فلسطيني عميق.
"المشروع الأمريكي"، المستند إلى نقاط ترامب (خطة 29 سبتمبر)، ليس مجرد وقف للنار؛ إنه "هندسة" كاملة للقطاع. فبينما نجحت واشنطن في حشد "دعم عربي وإسلامي" (من 9 دول كالسعودية ومصر وتركيا)، فإن الثمن يبدو باهظاً على الأرض.
الخطة تنشئ "مجلس سلام انتقالي" (بدون محاسبة دولية) وقوة دولية (ISF) لتأمين الحدود والإشراف على "نزع السلاح". هذا هو ما دفع الفصائل الفلسطينية لرفض المشروع ووصفه بـ"الخطير"، معتبرة إياه "وجوداً عسكرياً أجنبياً" يمهد لهيمنة خارجية.
وبينما ترحب السلطة الفلسطينية (التي يهمشها القرار ويجعل عودتها مشروطة)، من المتوقع أن تمتنع روسيا والصين، احتجاجاً على "غياب المساءلة الدولية". إنه سلام يُفرض من الخارج، بوعد "دولة مشروطة"، وبإدارة غريبة عن أهلها.
"الشرطة" بدلاً من "الحرب".. أوروبا تضع "خارطة طريق" لغزة: تدريب 3000 شرطي فلسطيني
هذه ليست مجرد أرقام؛ إنه رهان أوروبي (بقيادة EUPOL COPPS) على أن "الأمن الفلسطيني الداخلي" هو الضمان الوحيد للاستقرار الإقليمي.
هذا التحرك، الذي يسير جنباً إلى جنب مع إعادة تفعيل الرقابة الأوروبية على معبر رفح (EUBAM)، هو الترجمة العملية للالتزام بـ "حل الدولتين".
فبدلاً من ترك غزة للفوضى، يضع الاتحاد الأوروبي ثقله لبناء مؤسسات فلسطينية قادرة على فرض القانون. إنها رسالة واضحة بأن السلام والأمن الدائمين في غزة يجب أن يأتيا من الفلسطينيين أنفسهم، وأن أوروبا مستعدة للاستثمار في "الشرطة" بدلاً من "الحرب".
زيارة واشنطن الحاسمة: لماذا تضع السعودية "الدفاع" أولاً و"التطبيع" على الرف؟
لن تكون هذه الرحلة لحظة التطبيع المنتظرة. لقد أوضحت الرياض موقفها بحزم عبر قنوات دبلوماسية: لا علاقات مع إسرائيل دون مسار موثوق وواضح لإقامة دولة فلسطينية. هذا الشرط، الذي يمثل ثقلاً هائلاً للمملكة في العالم الإسلامي، أصبح أكثر تعقيداً واستحالة في ظل معارضة نتنياهو الشديدة وما خلفته حرب غزة من انعدام ثقة شعبي.
لذلك، وبدلاً من الخوض في ملف سياسي مشحون، يبدو أن الرياض وواشنطن ستوجهان دفة الحوار نحو ما هو ممكن: اتفاق دفاعي، وإن كان مصغراً، وتعزيز الاستثمار. إنها استراتيجية لبناء "حجر أساس" أمني فوري مع واشنطن، مع إبقاء ورقة التطبيع الثمينة رهينة بحل الصراع الأقدم في المنطقة.
"غزة هي تازة".. المغرب يودع ضميره الحر: رحيل صهيون أسيدون، اليهودي الذي ارتدى الكوفية وحارب "المشروع العنصري"
لم يكن مجرد ناشط، بل كان ضميراً حياً ودفع ثمن مواقفه 12 عاماً في سجون وطنه. وُلد يهودياً في أكادير، لكنه اختار أن يكون إنسانياً، مؤمناً بأن "غزة هي تازة" وأن كل القضايا العادلة تتكامل.
ارتدى الكوفية الفلسطينية كأنها جلده، ليس كرمز سياسي، بل كإعلان بأن "الإسرائيليين ليسوا مواطنين عاديين" بل "يشاركون في جرائم الحرب". بصفته منسق BDS، لم يحارب التطبيع فحسب، بل حارب فكرة "التسامح مع المجرمين"، ورفض أن يجتمع الظالم والمظلوم.
كان يرى الصهيونية عدواً للإنسانية، حتى أنه طلب الانضمام لصفوف منظمة التحرير. برحيله، تخسر فلسطين صوتاً صادقاً، ويخسر المغرب ضميراً نادراً أثبت أن الحرية لا تعرف ديناً ولا حدوداً.
فتحي الشقاقي: الطبيب الذي أسس "الجهاد" ورسم مسار المقاومة المسلحة
النشأة والتحولات الفكرية
وُلد فتحي الشقاقي عام 1951 في مخيم للاجئين بقطاع غزة، لأسرة هُجّرت من قرية "زرنوقة" قضاء الرملة خلال نكبة 1948. حملت نشأته في بيئة اللجوء والفقر أثراً عميقاً في تكوينه. درس في مدارس وكالة الغوث (الأونروا)، قبل أن يلتحق بجامعة بيرزيت لدراسة الرياضيات، ثم سافر إلى مصر في منتصف السبعينيات لدراسة الطب في جامعة الزقازيق.
كانت فترة مصر هي المرحلة التكوينية الحاسمة في حياته. كغيره من شباب جيله، بدأ الشقاقي متأثراً بالفكر القومي الناصري، لكن هزيمة 1967 دفعته نحو مراجعات فكرية عميقة، ليجد ضالته في التيارات الإسلامية. انضم في البداية إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكن حدثاً مفصلياً غيّر مساره: انتصار الثورة الإيرانية عام 1979.
رأى الشقاقي في الثورة الإيرانية نموذجاً حياً لقدرة الإسلام على إحداث تغيير ثوري سياسي وعسكري. وسرعان ما عبّر عن هذا الانبهار في كتيب شهير بعنوان "الخميني.. الحل الإسلامي والبديل"، وهو ما أدى إلى اعتقاله من قبل السلطات المصرية عام 1979. كانت هذه اللحظة بمثابة الإعلان عن ولادة فكر جديد.
تأسيس حركة الجهاد الإسلامي
بعد تخرجه عام 1981، عاد الشقاقي إلى فلسطين ليعمل طبيباً في مستشفى "فيكتوريا" بالقدس ثم طبيب أطفال في غزة. لكن عمله الأساسي كان سرياً: بناء نواة تنظيمية لما سيُعرف لاحقاً بـ "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين".
انطلق الشقاقي من فرضية أساسية: فلسطين هي "القضية المركزية" للأمة الإسلامية، والحل الوحيد لتحريرها هو "الجهاد المسلح" الفوري، وليس عبر العمل السياسي أو التربوي طويل الأمد الذي انتهجته جماعة الإخوان آنذاك. استقطب الشقاقي ورفيقه الشيخ عبد العزيز عودة مجموعة من الشباب المتحمسين لهذا الطرح، وبدأوا بتنظيم خلايا عسكرية.
أدى هذا النشاط إلى اعتقاله مرتين من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مرة عام 1983 ومرة أخرى عام 1986، قبل أن يتم إبعاده بشكل نهائي عام 1988 إلى لبنان، ومنها انتقل إلى دمشق التي أصبحت مقراً لقيادته.
القيادة من المنفى والاغتيال
من دمشق، أدار الشقاقي حركة الجهاد الإسلامي، محولاً إياها من خلايا محلية صغيرة إلى تنظيم له وزن سياسي وعسكري مؤثر. رفض الشقاقي بشدة اتفاقيات أوسلو (1993)، معتبراً إياها تفريطاً في الثوابت الفلسطينية. صعّدت الحركة من عملياتها العسكرية ضد أهداف إسرائيلية، وكان أبرزها عملية "بيت ليد" الاستشهادية المزدوجة في يناير 1995، والتي أسفرت عن مقتل 22 جندياً إسرائيلياً، واعتُبرت ضربة نوعية غيرت قواعد الاشتباك.
هذه العملية وضعت الشقاقي على رأس قائمة الاغتيالات الإسرائيلية. في 26 أكتوبر 1995، وأثناء عودته من زيارة لليبيا (كان يسعى خلالها لوقف ترحيل الفلسطينيين من هناك)، تم رصده من قبل وحدة اغتيالات تابعة للموساد في جزيرة مالطا. وبينما كان متوجهاً إلى فندقه في مدينة سليما، حاملاً جواز سفر ليبياً مزوراً باسم "إبراهيم الشاويش"، اقترب منه مسلح على دراجة نارية وأطلق عليه عدة رصاصات أردته قتيلاً.
الإرث والتأثير
لم يكن اغتيال الشقاقي نهاية لحركته، بل ربما كان ترسيخاً لنهجه. يُنظر إليه اليوم باعتباره "الأب الروحي" للجهاد الإسلامي، والمُنظّر الذي نجح في "أسلمة" الكفاح المسلح الفلسطيني وربطه ببعد عقائدي يتجاوز الجغرافيا الوطنية. ترك الشقاقي إرثاً فكرياً وتنظيمياً لا يزال يشكل، حتى اليوم، أحد أهم ركائز "محور المقاومة" الرافض للتسوية والداعم لاستمرار الكفاح المسلح كخيار استراتيجي وحيد.
زلزال قانوني: كيف تشرعن إسرائيل الإعدام وتؤسس قضاءً موازياً؟
رسالة أردوغان من "الكومسيك": عين على غزة ويد لسوريا وقلب على السودان
وضع ثقله خلف حماس، مؤكداً التزامها بوقف النار، بينما وجّه اتهاماً مباشراً لإسرائيل بخرق الهدنة وقتل المئات، مجدداً خطوطه الحمراء: لا لضم الضفة ولا للمساس بقدسية الأقصى.
لكن رؤيته تجاوزت فلسطين؛ فبينما أعلن "رفعاً تدريجياً" للعقوبات عن سوريا بـ"جهودنا"، أطلق برنامج دعم اقتصادي خاص لدمشق عبر المنظمة، في خطوة تحمل دلالات استراتيجية.
ولم يغب جرح السودان، إذ ندد بـ"قلب غير متحجر" بمجازر الفاشر، داعياً العالم الإسلامي لحماية وحدة السودان. خطاب أردوغان اليوم لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان محاولة لرسم دور تركي قيادي يمتد من غزة المكلومة إلى دمشق المحاصرة فالسودان الجريح.
"نخشى إسرائيل قانونياً": تغريدة البرادعي تصفع الصمت العربي وتشعل "إكس"
"قائمة العار": كيف حاولت إسرائيل إخفاء مقتل 52 طفلاً بـ "أسماء وهمية"؟
ففي 12 ساعة فقط، ارتكبت إسرائيل مجزرة مروعة، 70% من ضحاياها من النساء والأطفال (52 طفلاً و 23 امرأة).
لكن الرعب الحقيقي لم يكن في القصف، بل في "الرواية المضللة" التي تلته. ففي محاولة لتبرير الجريمة، نشرت إسرائيل قائمة بـ 26 اسماً زعمت أنهم "إرهابيون" قتلتهم. لقد كانت "قائمة عار" بكل معنى الكلمة. المكتب الإعلامي الحكومي فضح التزييف: القائمة ضمت 3 أسماء غير عربية، وأسماء وهمية، وأربعة أشخاص "لا يزالون على قيد الحياة"، وآخرين قُتلوا في أزمنة مختلفة.
وبينما تصف واشنطن هذه المجزرة بـ "الرد المحدود"، صرخت "حماس" بأن أمريكا "تغفل الحقائق". لقد لخص المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل المأساة بسؤال مدوٍ: "أين الضامنون؟ أين الوسطاء؟ أين العالم الذي وعدنا بالسلام؟".
"الهدنة" الملطخة بالدم: إسرائيل تقتل 104 فلسطينياً، تعلن "الالتزام"، ثم تقصف خان يونس
لكن هذه العودة لم تدم طويلاً.
فجر اليوم، انهمرت 10 غارات على خان يونس وقتل اثنان في بيت لاهيا. وبينما تدعي إسرائيل استهداف "أسلحة وشيكة"، تصرخ وزارة الصحة بأن الضحايا مدنيون.
الكارثة الأكبر هي الغطاء الأمريكي؛ فبينما تؤكد حماس التزامها وتتهم واشنطن بـ "التواطؤ"، يصف مسؤول أمريكي مجزرة الـ 100 قتيل بأنها "رد محدود وانتهى".
هذا "الرد المحدود" هو الذي أعطى الضوء الأخضر لغارات اليوم. لقد ارتفعت حصيلة "الهدنة" وحدها إلى 211 قتيلاً، مما يثبت أن إسرائيل تستخدم الاتفاق فقط "لفرض وقائع جديدة تحت النار".
"العودة" الملطخة بالدم: إسرائيل تقتل 100 فلسطيني.. ثم تعلن "التزامها المتجدد" بالهدنة
لكن هذه العودة جاءت بعد 12 ساعة من "الجحيم" المتعمد، أسفر عن مجزرة راح ضحيتها 100 فلسطيني، بينهم 35 طفلاً.
لم يكن هذا "خرقاً" عادياً؛ لقد كان هجوماً منظماً غرب "الخط الأصفر" – الخط الذي كان من المفترض أن يكون "آمناً" للفلسطينيين وفق الاتفاق. لقد قُصفت المنازل، والمستشفيات، وخيام النازحين.
إسرائيل بررت حمام الدم هذا بأنه "رد" على خرق مزعوم لحماس في رفح (نفته الحركة)، وزعمت قتل 30 مسلحاً.
لكن الرسالة الحقيقية جاءت من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي توعد بأن "لا حصانة لأحد" وأن "من يرفع يده ستُقطع يده".
لقد أثبتت تل أبيب أن الهدنة هي قرار إسرائيلي بحت، يمكن تعليقه لإراقة الدماء، ثم إعادة تفعيله، تاركةً الفلسطينيين بلا أي ضمانة حقيقية.
نار في أرض الزيتون: رصاص الاحتلال يغتال ثلاثة شبان في جنين ويحتجز جثامينهم
لم يجد ثلاثة شبان فلسطينيين أي فرصة للنجاة، حيث اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتعزيزاتها أراضيهم الزراعية، وحاصرتهم، وأطلقت عليهم الرصاص الحي بدم بارد.
العقاب لم يتوقف عند الموت؛ فالاحتلال، في ممارسة قاسية معهودة، احتجز جثامينهم، حارماً عائلاتهم حتى من حق الوداع.
ولإكمال مشهد القوة الغاشمة، قصفت القوات مركبتهم، لتلتهم النيران السيارة وتتفحم معها أشجار الزيتون المحيطة، وكأن العقاب يطال البشر والشجر معاً.
وبينما سارع جيش الاحتلال لتبرير "العملية" بأنها ضد "نشاط إرهابي"، فإن الواقع على الأرض، وحرق الأرض، هو استمرار مباشر لسياسة القبضة الحديدية المدمرة التي شهدها مخيم جنين في كانون الثاني الماضي.



















