حرية ومسؤولية
أحمد حسين الشرع، المعروف في الأوساط السياسية والعسكرية باسمه الحركي "أبو محمد الجولاني"، هو قائد سياسي وعسكري سوري، يُقدَّر أنه وُلد عام 1982. يُعد من أبرز الشخصيات المؤثرة في المشهد السوري منذ اندلاع الثورة السورية؛ إذ تدرج من قيادة العمل المسلح وتأسيس "جبهة النصرة"، مروراً بتشكيل "هيئة تحرير الشام"، وصولاً إلى قيادة التحالف العسكري الذي أنهى حكم النظام السوري وتوليه قيادة المرحلة الانتقالية.
ولد أحمد الشرع في العاصمة السعودية الرياض لعائلة سورية تنحدر من بلدة "فيق" في هضبة الجولان السوري. كان والده، حسين علي الشرع، باحثاً اقتصادياً اضطر لمغادرة سوريا والعمل في السعودية إثر نكسة حزيران 1967 واحتلال الجولان. تركت هذه النشأة المشبعة بقضايا فقدان الأرض والتهجير أثراً مبكراً في وعيه السياسي.[1]
في عام 1989، عادت العائلة إلى العاصمة دمشق حيث تلقى الشرع تعليمه الأساسي والثانوي. عُرف بشغفه بالقراءة واهتمامه بالتاريخ والفكر، والتحق لاحقاً بكلية الإعلام في جامعة دمشق، إلا أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة حالت دون إكمال دراسته الجامعية.
مع بداية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، اتخذ الشرع قراراً بترك مقاعد الدراسة الجامعية والتوجه إلى العراق للانخراط في صفوف الفصائل المسلحة المقاومة للوجود الأمريكي. تدرج سريعاً في المهام التنظيمية والميدانية.[2]
في عام 2006، اعتقلته القوات الأمريكية وأُودع في سجن "[[بوكا|...]]"، الذي مثّل بيئة احتكاك واسعة مع قادة العمل المسلح. استمر اعتقاله هناك حتى أُطلق سراحه عام 2011، تزامناً مع استعداد القوات الأمريكية للانسحاب من العراق، وهو العام الذي انطلقت فيه شرارة الربيع العربي والثورة السورية.
تُعد عودة الشرع إلى سوريا أواخر عام 2011 نقطة تحول كبرى في مسيرته؛ حيث أسس تنظيماً عسكرياً حمل اسم "جبهة النصرة لأهل الشام" أُعلن عنه رسمياً في يناير 2012. برز التنظيم كقوة ضاربة ضد قوات النظام السوري. ويمكن تلخيص أبرز محطاته القيادية في الآتي:
شهدت شخصية أحمد الشرع تحولات براغماتية واسعة؛ إذ انتقل من العمل العسكري الصرف إلى بناء مؤسسات إدارة مدنية متمثلة في "حكومة الإنقاذ السورية". قاد حملات أمنية صارمة لتفكيك الفصائل الراديكالية المتطرفة، وبدأ بالظهور الإعلامي باللباس المدني الغربي لإجراء مقابلات مع صحفيين دوليين، مقدماً نفسه ومشروعه كقوة وطنية سورية معتدلة ترفض استهداف المصالح الغربية وتسعى للشراكة السياسية.
في عام 2021، أجرى الشرع مقابلة مطولة مع شبكة "PBS" الأمريكية، شكّلت نقطة مفصلية في تغيير خطابه الموجه للمجتمع الدولي، حيث أكد صراحة غياب أي نية لهيئة تحرير الشام لشن هجمات خارج الحدود السورية.
بلغ مسار الشرع العسكري والسياسي ذروته في خريف وشتاء عام 2024، حين قاد ونسّق مع فصائل "الجيش الوطني السوري" والقوى المحلية أضخم عملية هجومية مباغتة. أسفرت العملية عن انهيار سريع ومتلاحق لقوات النظام في حلب وحماة وحمص، وصولاً إلى دخول دمشق في 10 ديسمبر 2024 وإسقاط نظام الأسد بالكامل.
ألقى الشرع "خطاب النصر" من الجامع الأموي بدمشق، معلناً حل الفصائل العسكرية ودمجها في جيش وطني احترافي، ومؤكداً على مبادئ العفو العام وحماية الأقليات. وتوافقياً، تولى في 29 يناير 2025 منصب رئيس الجمهورية العربية السورية لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، متعهداً بإعادة إعمار البلاد وتأسيس حكم ديمقراطي مؤسساتي مدعوم بانفتاح دولي متزايد.
خالد فواز زعرور أكاديمي وباحث سياسي وإعلامي سوري، من مواليد عام 1990. يُعد من الوجوه الأكاديمية الشابة البارزة في مجال الإعلام الرقمي وتطوير المؤسسات الإعلامية. برز اسمه على الساحة السياسية والأكاديمية السورية بقوة إثر تعيينه وزيراً للإعلام في الحكومة السورية عام 2026، بعد مسيرة حافلة قضاها كأستاذ جامعي وعميد لكلية الإعلام في جامعة دمشق، فضلاً عن جهوده في تطوير المناهج الأكاديمية وعقد شراكات دولية.
وُلد خالد فواز زعرور في سوريا عام 1990، وتوجه مبكراً نحو دراسة الصحافة والإعلام، مواكباً التحولات السريعة في هذا القطاع. نال إجازة جامعية في الإعلام من جامعة دمشق عام 2011، في فترة شهدت فيها البلاد بداية تحولات سياسية وإعلامية كبرى.[1]
استكمل زعرور مسيرته الأكاديمية في لبنان، حيث حصل على درجة الماجستير في تخصص "تقييم وتطوير المؤسسات الإعلامية" من الجامعة اللبنانية عام 2014. ثم تُوّج مساره البحثي بالحصول على درجة الدكتوراه في "الإعلام الرقمي" من الجامعة ذاتها عام 2019، مما منحه أساساً نظرياً وعملياً متيناً لفهم آليات اندماج الإعلام التقليدي مع التقنيات الحديثة.[2]
زاوج زعرور بين البحث العلمي والتدريس الأكاديمي، حيث عمل محاضراً في عدة جامعات سورية ولبنانية خلال الفترة الممتدة من 2015 حتى 2024. وقد ركز في تدريسه على تقاطعات الإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني المرتبط بالممارسات الصحفية.
لم يقتصر دوره على التدريس النظري، بل انخرط في العمل الميداني الأكاديمي عبر مشاركته الفعالة في تطوير المناهج الإعلامية، وتحديداً في مناطق شمال غرب سوريا، مساهماً في تأهيل أكثر من 100 خريج وطالب لتلبية احتياجات سوق العمل الإعلامي المتغير.[3] في عام 2025، تقلد منصب عميد كلية الإعلام في جامعة دمشق، ليقود مرحلة من التحديث المؤسسي داخل الكلية.
شهد عام 2026 تحولاً مفصلياً في مسيرة الدكتور خالد زعرور، حيث انتقل من الساحة الأكاديمية إلى سدة القرار السياسي التنفيذي. أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم (100) لعام 2026، والذي قضى بتعيين خالد فواز زعرور وزيراً للإعلام.[4]
جاء هذا التعيين في إطار إعادة هيكلة مؤسسات الدولة والدفع بالكفاءات الأكاديمية الشابة لقيادة المشهد الجديد، خصوصاً في قطاع الإعلام الذي يتطلب رؤية حديثة تواكب التطورات الرقمية وتحديات الأمن السيبراني.
خلال مسيرته، حقق زعرور مجموعة من الإنجازات التي عززت من مكانته كخبير إعلامي، أبرزها:
يُمثل انتقال الدكتور خالد زعرور إلى وزارة الإعلام محاولة لدمج النظريات الأكاديمية الحديثة في هيكلية الإعلام الرسمي. وتتركز رؤيته، كما تتجلى من مسيرته البحثية، على تحويل المؤسسات الإعلامية السورية من القوالب التقليدية إلى منصات رقمية متطورة، قادرة على استثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإدارة المحتوى باحترافية تلبي تطلعات المرحلة القادمة.
شكري القوتلي (1891 - 1967) زعيم وطني وسياسي سوري بارز، يُعد أول رئيس للجمهورية السورية بعد الاستقلال الفعلي. ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، بدءاً من النضال السري ضد الحكم العثماني، مروراً بمقاومة الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى تحقيق «الجلاء» عام 1946. عُرف بلقب «المواطن الأول» بعد أن تنازل طوعاً عن منصب الرئاسة عام 1958 لصالح جمال عبد الناصر إيذاناً بقيام «الجمهورية العربية المتحدة». جسّد القوتلي تيار القومية العربية المدنية، وعانى من الانقلابات العسكرية التي عصفت بسوريا، لينهي حياته منفياً بعد انهيار الوحدة ونكسة حزيران.
ولد شكري بن محمود القوتلي في حي الشاغور بدمشق عام 1891، لأسرة دمشقية عريقة وثرية عُرفت بنشاطها الاقتصادي ومكانتها الاجتماعية. تلقى تعليمه الأولي في مدارس دمشق، ثم التحق بـ«مكتب عنبر» الذي كان يُعد أهم مدرسة ثانوية في بلاد الشام حينها. انتقل بعدها إلى إسطنبول ملتحقاً بالمدرسة الشاهانية (مدرسة المُلْكية) لدراسة العلوم السياسية والإدارية، وتخرج فيها عام 1913.[1]
خلال دراسته في إسطنبول، تشرّب القوتلي الأفكار القومية العربية وانضم إلى جمعية «العربية الفتاة» السرية التي كانت تطالب بحقوق العرب داخل الدولة العثمانية، ثم تحولت إلى المطالبة بالاستقلال التام.
في عام 1916، اعتقله الحاكم العسكري العثماني جمال باشا (السفاح) بتهمة النشاط القومي. تعرض القوتلي لتعذيب وحشي في سجن خان الباشا بدمشق. وخوفاً من أن يضعف تحت التعذيب ويفشي أسماء رفاقه في الحركة السرية، أقدم على محاولة انتحار بقطع شرايين معصمه، إلا أن رفاقه في الزنزانة أنقذوه في اللحظات الأخيرة، وبقيت ندوب تلك المحاولة على معصمه طوال حياته كشاهد على صلابته.[2]
بدأت مسيرة القوتلي السياسية العلنية مع قيام الحكومة العربية في دمشق برئاسة الملك فيصل الأول (1918-1920)، حيث عُين في مناصب إدارية هامة. ومع دخول الفرنسيين وإعلان الانتداب، تحول إلى معارض شرس، فحُكم عليه بالإعدام غيابياً، مما اضطره للجوء إلى مصر وأوروبا، حيث ساهم في تأسيس «المؤتمر السوري الفلسطيني» لتمويل المقاومة وتسليح الثورة السورية الكبرى (1925).
عاد القوتلي إلى سوريا إثر عفو عام 1932، وبرز كأحد قادة «الكتلة الوطنية»، وهي التنظيم السياسي الرئيسي الذي قاد المفاوضات والمظاهرات ضد الفرنسيين. في عام 1943، ووسط ظروف الحرب العالمية الثانية والضغط الشعبي، أُجريت انتخابات نيابية أوصلت القوتلي إلى سدة الرئاسة للمرة الأولى.
بعد سقوط الأنظمة العسكرية وعودة الحياة النيابية، انتُخب القوتلي رئيساً للمرة الثانية عام 1955. اتسمت هذه المرحلة بصراع الحرب الباردة في الشرق الأوسط. قاد القوتلي سياسة حازمة برفض الدخول في «حلف بغداد» الغربي، ووجّه سوريا نحو محور الحياد الإيجابي والتقارب مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر، والتعاون الاقتصادي والعسكري مع الاتحاد السوفيتي.[3]
لم يقتصر دور القوتلي على كونه زعيماً سياسياً، بل كان رجل دولة ساهم في وضع أسس المؤسسات السورية الحديثة:
أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس! لقد أخذت شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ونصفه يعتقد أنه زعيم، وربعه يعتقد أنه نبي، وعُشره يعتقد أنه إله!
مقولة تُنسب للقوتلي موجهاً كلامه لجمال عبد الناصر بعد توقيع ميثاق الوحدة
رغم مكانته التاريخية كـ«بطل الجلاء»، واجه القوتلي انتقادات شديدة في محطات عدة، أبرزها:
يرى بعض المؤرخين والسياسيين المعاصرين له أن قبوله السريع والمندفع بالوحدة الاندماجية غير المشروطة مع مصر عام 1958 كان "خطأً استراتيجياً" أدى إلى إلغاء التعددية الحزبية في سوريا وتمهيد الطريق للانفصال عام 1961، في حين يدافع أنصاره بأن الجيش والشعب فرضا الوحدة، وأن القوتلي اختار حقن الدماء وتلبية الحلم القومي.
كما وُجهت له انتقادات خلال حرب 1948 لعدم جاهزية الجيش السوري، وهو ما استغله العسكر بقيادة حسني الزعيم لتبرير انقلابهم الأول عام 1949 والذي أسس لسلسلة من التدخلات العسكرية التي دمرت الحياة الديمقراطية الناشئة في سوريا.
بعد وقوع الانفصال عام 1961، أصدر القوتلي بياناً شهيراً أدان فيه أخطاء الوحدة ولكنه رفض بالمطلق شرعنة الانفصال وحذر من مخاطر تدخل العسكر في السياسة. غادر سوريا ليعيش سنواته الأخيرة في المنفى ببيروت. [5]
تدهورت صحته بشدة بعد اندلاع حرب 5 حزيران 1967 (النكسة) واحتلال الجولان، وتوفي بعدها بأسابيع في 30 يونيو 1967 إثر أزمة قلبية. شُيع جثمانه في دمشق بجنازة شعبية ورسمية مهيبة. يُذكر القوتلي اليوم كرمز للاستقلال المدني، ونموذج للسياسي الذي زهد بالسلطة من أجل المبدأ، وصاحب الأيادي البيضاء في الذمة المالية مقارنة بتعقيدات المشهد السوري اللاحق.
حلب (تُلقب بـ الشهباء) هي أكبر المدن السورية من حيث التعداد السكاني قبل اندلاع الأزمة السورية، وتُعد العاصمة الاقتصادية والصناعية للبلاد. تقع في شمال غرب سوريا وتتميز بكونها إحدى أقدم المدن المأهولة باستمرار في التاريخ البشري. بفضل موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة العالمية القديمة مثل طريق الحرير، تراكمت فيها طبقات من الحضارات المتنوعة التي شكلت هويتها المعمارية والثقافية الفريدة، مما جعل مدينتها القديمة تُدرج ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1986.
تعود جذور الاستيطان البشري في حلب إلى الألفية السادسة قبل الميلاد، وقد برزت كعاصمة لمملكة «يمحاض» الأمورية في الألفية الثانية قبل الميلاد، والتي كانت إحدى أقوى ممالك الشرق الأدنى القديم. توالت على حكمها إمبراطوريات عديدة شملت الحيثيين، والآشوريين، والفرس، واليونان، والرومان، والبيزنطيين.[1]
في العصر الإسلامي، فُتحت حلب عام 637م على يد القائد أبو عبيدة بن الجراح. وشهدت عصرها الذهبي سياسياً وثقافياً في القرن العاشر الميلادي عندما اتخذها سيف الدولة الحمداني عاصمة لإمارته، فباتت مقصداً لكبار الشعراء والعلماء كالمتنبي والفارابي. لاحقاً، خضعت لحكم الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ثم العثمانيين لأربعة قرون تقريباً.
إبان الانتداب الفرنسي على سوريا، أُعلن عن تأسيس «دولة حلب» ككيان سياسي مستقل ضمن خطة التقسيم الفرنسية. شملت هذه الدولة مناطق واسعة من الشمال السوري وحوض الفرات، قبل أن تُدمج لاحقاً مع دولة دمشق لتشكيل «الدولة السورية» عام 1924، نتيجة الرفض الشعبي والوطني للتقسيم.[2]
تتمتع حلب بموقع جغرافي استراتيجي يمثل نقطة التقاء بين البحر الأبيض المتوسط غرباً وبلاد الرافدين شرقاً، وبين الأناضول شمالاً والجزيرة العربية جنوباً. هذا الموقع جعلها العقدة التجارية الأهم في الشرق الأوسط لفترات طويلة، والنهاية الغربية لطريق الحرير.
تتوسط المدينة هضبة حلب، ويخترقها نهر قويق الذي كان شريان الحياة للمدينة ومصدر ريها الزراعي تاريخياً. أسهم هذا التموضع الجغرافي في حمايتها من الغزوات من جهة، وفي ازدهارها كمركز لتبادل البضائع والثقافات من جهة أخرى.
عُرفت حلب تاريخياً بتنوعها الديموغرافي والديني الواسع، الذي يمثل فسيفساء المجتمع السوري. تضم المدينة أغلبية عربية سنية، إلى جانب مكونات أصيلة من الأكراد، والتركمان، والشركس، والأرمن. كما تحتضن حلب واحدة من أكبر وأقدم المجتمعات المسيحية في المشرق بطوائفها المتعددة.
على الصعيد الثقافي، تتميز حلب بهويتها الفنية والموسيقية العريقة، فهي مهد «القدود الحلبية» والموشحات الأندلسية التي أُدرجت على لائحة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو. كما يشتهر المطبخ الحلبي بتنوعه الشديد وابتكاراته التي تأثرت باختلاط شعوب طريق الحرير، حتى صُنفت حلب من قبل منظمات دولية كعاصمة لفن الطهي.
مثّلت حلب المحرك الاقتصادي الأول لسوريا حتى عام 2011، حيث تمركزت فيها الصناعات النسيجية، والدوائية، والغذائية، والصناعات الهندسية الثقيلة. ضمت المدينة مدينة الشيخ نجار الصناعية، وهي واحدة من كبريات المدن الصناعية في الشرق الأوسط.
تزخر حلب بالمعالم الأثرية التي تجسد تاريخها الممتد، وتعد مدينتها القديمة متحفاً حياً ينبض بعبق الماضي:
لحقت أضرار جسيمة بمعالم حلب التاريخية، ولا سيما مئذنة الجامع الأموي والأسواق القديمة، جراء المعارك. كما فاقم زلزال 6 فبراير 2023 المدمر من معاناة المدينة، مما أدى إلى انهيار مئات المباني السكنية وتضرر أجزاء من القلعة والسور القديم، وتستمر حتى اليوم جهود الترميم المحلية والدولية البطيئة لاستعادة وجه المدينة الحضاري.
عين العرب (وتُعرف محلياً باسم كوباني) مدينة سورية تقع في أقصى الشمال من محافظة حلب، ملاصقة للحدود السورية التركية، وتشكل مركزاً إدارياً لمنطقة عين العرب ونواحيها. اكتسبت المدينة موقعاً جغرافياً حساساً واهتماماً إقليمياً ودولياً واسعاً إثر الأحداث العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.[1]
ترجع البدايات الأولى للاستيطان الحضري في موقع عين العرب الحديث إلى أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى نشأة تجمع سكني صغير بالقرب من نبع مياه كان يُعرف محلياً بـ"عين العرب" أو "كانيا عربان" في نحو عام 1892، في عهد الدولة العثمانية.[2]
تحوّل الموقع إلى نواة بلدة حقيقية مع بدء أعمال مد خط سكة حديد بغداد (سكة حديد برلين–بغداد) عام 1912، حيث شيّدت الشركة الألمانية المنفذة محطة ومخازن للعمال والمعدات. ويُرجّح لغوياً وتاريخياً أن الاسم المتداول "كوباني" يعود إلى تحوير محلي للفظ الإنجليزي والألماني للشركة (Company / Kompanie) التي أقامت مشاريع السكك في المنطقة.[1]
شهدت المدينة تدفقاً للمهجرين الأرمن الفارين خلال أحداث عام 1915، والذين بنوا أحياءً متكاملة حول محطة القطار وأسهموا في تطوير الحرف اليدوية والبناء. وعقب ترسيم الحدود السورية التركية بموجب اتفاقية أنقرة عام 1921، قُسمت المنطقة فباتت محطة القطار داخل الحدود السورية في حين بقيت بلدة سروج التوأم شمال خط السكة داخل الأراضي التركية.[3]
تتمتع مدينة عين العرب بموقع جغرافي مميز في الشمال السوري، إذ تمتد على هضبة سهلية تبعد قرابة 150 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة حلب، ونحو 30 كيلومتراً شرق نهر الفرات. يحدها من الشمال مباشرة الأراضي التركية عند بلدة مرشد بينار التابعة لقضاء سروج.[2]
وفقاً للتعداد السكاني الرسمي الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء في سوريا لعام 2004، بلغ عدد سكان مدينة عين العرب نحو 44,821 نسمة، في حين تجاوز عدد سكان المنطقة الإدارية التابعة لها 192,000 نسمة موزعين على مركز المدينة ونواحي شيوخ تحتاني، وصرين، والجلابية.[4]
يتميز النسيج الاجتماعي للمدينة بغالبية كردية إلى جانب وجود تاريخي للمكونين العربي والأرمني. وتتسم العلاقات الاجتماعية بترابط عشائري ممتد عبر جانبي الحدود السورية والتركية، حيث تتشارك العديد من العائلات في عين العرب صلات قرابة مباشرة مع سكان ريف أورفا وسروج.[3]
أدت المعارك والنزاعات العسكرية في أواخر عام 2014 إلى موجة نزوح واسعة طالت غالبية سكان المدينة باتجاه تركيا ومحافظات سورية أخرى، قبل أن يعود قسم كبير منهم بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى وإعادة تأهيل البنية التحتية.
يرتكز النشاط الاقتصادي في عين العرب وريفها بشكل أساسي على قطاعي الزراعة والتجارة المحلية، مستفيداً من خصوبة أراضي سهل سروج ووفرة الإنتاج الحيواني والنباتي:[2]
تضم المدينة عدداً من المعالم والرموز المرتبطة بتاريخها الحديث، من أبرزها بقايا مباني محطة القطار التاريخية، وتل مشتى النور (مشتنور) الواقع جنوب المدينة والذي يطل على كامل السهل والبلدة ويشكل متنزهاً ونقطة استراتيجية بارزة.[2]
برز اسم المدينة عالمياً في أواخر عام 2014 ومطلع عام 2015 أثناء معركة عين العرب/كوباني، حين حاصرها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وسيطر على أجزاء واسعة منها، قبل أن تتمكن القوات الكردية (وحدات حماية الشعب) بدعم جوي مكثف من التحالف الدولي من استعادة السيطرة عليها في يناير 2015.[1] شكّلت تلك المعركة نقطة تحول محورية في مسار النزاع في الشمال السوري، وخلّفت دماراً واسعاً في الأبنية السكنية والمرافق العامة، مما دفع المجتمع المحلي والمنظمات الإنسانية لإطلاق مشاريع إعادة إعمار واسعة لاحقاً.[3]
جبل قاسيون هو المعلم التضاريسي الأبرز المشرف على العاصمة السورية دمشق، إذ يرتفع لنحو 1151 متراً فوق مستوى سطح البحر، محتضناً المدينة من جهتيها الشمالية والشمالية الغربية. اقترن الجبل بالهوية البصرية والروحية لدمشق عبر العصور، واكتسب هالة قدسية واسعة لما ارتبط به من روايات وأساطير دينية ومزارات تاريخية، إلى جانب تحوله إلى ركيزة دفاعية واستراتيجية حاكمة للمنطقة الحضرية المحيطة به بأكملها[1].
تشير الروايات التاريخية والأدبيات البلدانية القديمة إلى أن جبل قاسيون كان مأهولاً ومقصوداً منذ فجر الحضارات، حيث نسجت حوله الذاكرة الشعبية والدينية قصصاً تربطه ببدء الخليقة. ومما تناقله المؤرخون الأوائل كابن عساكر وياقوت الحموي، أن الجبل شهد أول جريمة قتل في تاريخ البشرية بمقتل هابيل على يد شقيقه قابيل، وتُنسب إلى تلك الحادثة صخرة حمراء ومغارة دُعيت باسم "مغارة الدم" أو "مقام الأربعين"، زاعمة أن الجبل بكى لهول الواقعة فشُقّت فيه المغارة[2].
كما ارتبطت بالجبل مقامات وأماكن اعتزال نُسبت إلى أنبياء وصالحين، من بينها مغارة الجوع ومقام إبراهيم الخليل عليه السلام في منطقة برزة عند سفح الجبل. وقد ترسخ الحضور العمراني المنظم على سفوح قاسيون في أواخر العصر الأيوبي خلال القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، حين هاجرت جماعات من بيت المقدس وفلسطين بقيادة آل قدامة هرباً من الغزو الصليبي، وأسسوا حي الصالحية على سفح الجبل، والذي سرعان ما تحول إلى قطب علمي وفقهي يعج بالمدارس والمساجد والزوايا الصوفية[3].
سُمي الجبل بـ"قاسيون" بحسب ابن منظور لقسوته وصلابة صخوره وامتناعه، كما عُرف في بعض الفترات بـ"جبل الصالحية" نسبة إلى الصالحين والعلماء الذين قطنوا سفوحه وشيدوا مدارسه التاريخية.
يمثل جبل قاسيون الامتداد الجنوبي الغربي لسلسلة جبال القلمون، التابعة لمنظومة جبال لبنان الشرقية، ويحده وادي بردى والربوة من الجنوب والغرب، بينما ينحدر بانحدار حاد وشبه عمودي نحو دمشق وواحتها الغوطاوية. يبلغ ارتفاع أعلى قممه قرابة 1151 متراً، ما يمنحه إشرافاً بانورامياً كاسحاً على كامل حوض دمشق وسهول حوران وصولاً إلى بادية الشام شرقاً، وجبل الشيخ جنوباً وغرباً.
هذا الموقع الحاكم جعل من قاسيون صمام أمان عسكري ونقطة رصد استراتيجية لا غنى عنها على مر العصور المتعاقبة:
تدرجت الطبيعة السكانية لقاسيون من عزلة نُسكية وزهدية في العصور الوسطى إلى كثافة سكانية وحضرية كبرى في العصر الحديث. فبعد تأسيس حي الصالحية التاريخي في أسفل السفح، توسع النطاق العمراني تدريجياً ليتسلق المنحدرات الوعرة خلال القرن العشرين، مشكلاً أحياء متعددة مثل المهاجرين، وركن الدين، والشيخ محي الدين، وصولاً إلى انتشار الأحياء العشوائية في الهزيع الأخير من القرن الماضي كحي قاسيون ووادي السفيرة وحي الأكراد[4].
يتميز النسيج السكاني المستقر على سفوح الجبل بتنوع اجتماعي وثقافي واسع، إذ استقر فيه تاريخياً الدمشقيون، والمهاجرون الشراكسة، والأكراد، ومهاجرون قادمون من كريت وبلاد الشام، ما أضفى على أحيائه تنوعاً في العادات والتقاليد واللهجات، في حين حافظت أزقته الجبلية وأدراجه الطويلة الحادة على طابع اجتماعي متماسك.
يشكل جبل قاسيون متنفساً سياحياً وترفيهياً رئيسياً لسكان دمشق وزوارها؛ إذ تنتشر على طول طريق القمة والشرفات الجبلية شبكة واسعة من المقاهي والمطاعم والمطلات السياحية التي تنشط خلال فترات المساء للاستمتاع بالمشهد الليلي للمدينة. كما تتركز على قممه العالية أبراج البث الإذاعي والتلفزيوني ومحطات الإرسال اللاسلكي والاتصالات الخلوية المغذية للعاصمة ومحيطها.
واجهت البنية التحتية في سفوح قاسيون تحديات جمة ناجمة عن وعورة التضاريس والانحدار الشديد؛ ما فرض اعتماد شبكات مياه وصرف صحي معقدة تعتمد على محطات الضخ، فضلاً عن صعوبة المواصلات التي جعلت من "الأدراج الحجرية" الطويلة وسيلة التنقل الإلزامية في الأحياء العليا، مع وجود مخاطر بيئية تتعلق بالانزلاقات الصخرية والتمدد العمراني غير المنظم على حساب طبيعة الجبل الجيولوجية[5].
يزخر الجبل بمجموعة فريدة من الصروح الدينية والأثرية والحديثة التي تعكس تعاقب العصور على سفوحه ومحيطه:
| المعلم | الموقع / العصر | الوصف والأهمية |
|---|---|---|
| مغارة الدم (مقام الأربعين) | أعالي جبل قاسيون | مغارة تاريخية ارتبطت برواية مقتل هابيل ومصلى الأربعين ولياً. |
| جامع الشيخ محيي الدين | حي الصالحية (السفح) | شيده السلطان سليم العثماني ويضم ضريح المتصوف محيي الدين بن عربي. |
| قبة السيار | الربوة المشرفة على بردى | أثر أيوبي شُيِّد للمراقبة والرصد وإطلالة متنزهات دمشق. |
| محطة بث قاسيون | أعلى القمة (1151 م) | المركز الرئيسي للإرسال والبث التلفزيوني والاتصالات في دمشق. |
خلال أحداث الحرب السورية بعد عام 2011، تحول الجبل إلى مسرح عسكري مفصلي، حيث اتخذت قوات النظام السوري من قممه وسفوحه منصات مدفعية ومراكز قيادية لاستهداف مناطق الغوطة الشرقية ومحيط العاصمة، كما تعرضت مواقعه لضربات جوية متكررة من قِبل إسرائيل استهدفت مستودعات ومقرات تسليح[1]. ومع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، بدأت مرحلة جديدة شملت إخلاء المواقع العسكرية الثقيلة من القمة وإطلاق مبادرات بلدية وأهلية لتأهيل شرفات الجبل ومقاهيه وإعادة دمجه كفضاء مدني وسياحي مفتوح لأهالي المدينة.
يوسف محمد يوسف قبلاوي مهندس ميكانيكي وإداري سوري في قطاع الطاقة، يشغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول (SPC). وُلد في حلب عام 1974، وتعود أصول عائلته إلى بلدة ترشيحا في الجليل بفلسطين قبل استقرارها في الشمال السوري.[1] برز اسمه كأحد أبرز الكوادر التقنية والتنفيذية المساهمة في إدارة وإعادة هيكلة البنية التحتية لمنشآت النفط والغاز في سوريا خلال مراحل التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.[2]
نشأ قبلاوي في مدينة حلب، وقضى مرحلة مبكرة من حياته متنقلاً مع عائلته في المملكة العربية السعودية حيث أتم تعليمه المدرسي بمراحله الابتدائية والإعدادية والثانوية.[1] عاد لاحقاً إلى مسقط رأسه لمتابعة دراسته الجامعية في كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة حلب، وتخرج فيها حاملاً درجة البكالوريوس عام 1998.
عزز مسيرته الأكاديمية بالاطلاع على المستجدات العالمية في إدارة الطاقة النظيفة ومصادرها البديلة، ونال عام 2025 شهادة الماجستير في تخصص «الطاقة المتجددة وأنظمة الاستدامة» من جامعة ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة، مما وفّر له خلفية مزدوجة تجمع بين الهندسة التقليدية والحلول الحديثة لتقليل الانبعاثات وتحسين كفاءة الإنتاج.[1]
امتدت المسيرة المهنية لقبلاوي على مدى أكثر من عقدين خارج سوريا وداخلها، متدرجاً في المواقع الهندسية وإدارة المشروعات الكبرى في بيئات عمل دولية معقدة:[2]
تركّز نشاط قبلاوي في الشركة السورية للبترول على تنفيذ استراتيجية شاملة لاستعادة الجاهزية التشغيلية للمصادر الهيدروكربونية.[2] تضمنت هذه الخطة الإشراف المباشر على مشاريع التوسعة والصيانة الدورية لمصفاة بانياس بغية رفع طاقتها التكريرية من 80 ألف برميل إلى نحو 130 ألف برميل يومياً لتقليص عجز المشتقات النفطية في السوق المحلية.[1]
كما شملت جهوده إعادة تشغيل حقل غاز الطابية (المعروف بمنشأة كونيكو)، واستكمال أعمال الصيانة الطارئة لخط غاز الجبسة الحيوي، وهو ما حسّن من معدلات توريد الغاز لمحطات توليد الطاقة الكهربائية.[2] وعلى الصعيد الخارجي، شارك في مباحثات مع وفود تقنية وشركات إقليمية من تركيا وإقليم كردستان العراق لبحث التعاون الاستثماري وإعادة ربط الشبكات وتأمين قطع الغيار المتخصصة.[1]
تبنّى قبلاوي سياسة تهدف إلى توطين الكفاءات في المناطق الغنية بالثروات الباطنية، حيث أقر خطة لتوظيف الكوادر الهندسية الشابة من أبناء محافظة دير الزور والمنطقة الشرقية ضمن منشآت الحقول مباشرة لتعزيز الاستقرار المهني وتقليص البطالة.[3] ورغم ما نالته خططه من ترحيب واسع على المستويين الخدمي والرياضي، واجهت إدارته تحديات تتعلق ببطء سلاسل التوريد والحاجة لموارد مالية ضخمة لاستكمال وتيرة الإصلاحات الشاملة في قطاع الطاقة.[2]
يمثل يوسف قبلاوي نموذجاً لعودة الكفاءات والخبرات السورية المهاجرة لتولي المسؤوليات التنفيذية المباشرة داخل مؤسسات الدولة في أصعب مراحلها.[1] ساهم جمعه بين الممارسة الميدانية في المشاريع النفطية الدولية وبين مفاهيم استدامة الطاقة في إدخال منهجيات إدارة جديدة إلى قطاع البترول الحكومي السوري، مما شكّل دافعاً لاستمرار صمود البنية التحتية للطاقة وتحقيق درجات متقدمة من الاعتماد على الذات في أعمال الترميم والتأهيل.[2]
مطار المزة العسكري هو قاعدة جوية عسكرية سورية استراتيجية تقع في حي المزة جنوب غرب العاصمة دمشق. يُعد المطار من أقدم المنشآت الجوية في سوريا، حيث لعب دوراً محورياً في النقل المدني والعسكري قبل أن يتحول تدريجياً إلى قاعدة عسكرية مغلقة ومركز أمني شديد الحساسية، نظراً لقربه الشديد من مراكز صنع القرار والمقرات السيادية في دمشق.
تعود بدايات تأسيس مطار المزة إلى حقبة الانتداب الفرنسي على سوريا في عشرينيات القرن العشرين. أنشأت القوات الفرنسية المطار ليكون نقطة ارتكاز لعملياتها الجوية في الشرق الأوسط ومحطة عبور استراتيجية نحو مستعمراتها الأخرى. بعد استقلال سوريا، انتقلت إدارة المطار إلى السلطات الوطنية، وأصبح يُمثل البوابة الجوية الرئيسية لدمشق، حيث كان يُستخدم كمطار مدني وعسكري في آن واحد. استمر هذا الوضع حتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين، عندما تم افتتاح مطار دمشق الدولي الجديد، ليقتصر استخدام مطار المزة منذ ذلك الحين على الأغراض العسكرية والأمنية وبعض رحلات الشخصيات الرسمية[1].
يكتسب مطار المزة العسكري أهمية استراتيجية بالغة تنبع من موقعه الجغرافي الحساس؛ فهو يقع على بعد كيلومترات قليلة من قصر الشعب (القصر الرئاسي) ومربع دمشق الأمني. كما يُشرف جغرافياً على مناطق حيوية في محيط العاصمة، مثل مدينة داريا ومعضمية الشام في الغوطة الغربية. هذا التموضع جعله قلعة عسكرية متقدمة لحماية العاصمة من بوابتها الجنوبية الغربية، ونقطة انطلاق سريعة للعمليات الأمنية والعسكرية داخل دمشق وريفها.
لا تقتصر وظيفة المطار على كونه قاعدة لسلاح الجو، بل يتجاوز ذلك ليُشكل مجمعاً أمنياً وعسكرياً متكاملاً. يضم المطار في جنباته مقارَّ حساسة تابعة لإدارة المخابرات الجوية السورية، التي تُعد من أقوى الأجهزة الأمنية في البلاد. وارتبط اسم المطار وبعض مرافقه بمعتقلات ومراكز تحقيق اكتسبت سمعة قاسية، حيث استُخدمت منشآته كمركز لاحتجاز واستجواب المعارضين والمشتبه بهم على مدى عقود، وخاصة بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011[2].
خلال الحرب الأهلية السورية، تحول مطار المزة العسكري إلى مركز ثقل مدفعي وصاروخي وجوي. استُخدمت مرابض المدفعية والمروحيات المتمركزة فيه بشكل مكثف لقصف الأحياء والمناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة في ريف دمشق، لا سيما داريا المجاورة.
وفي السنوات اللاحقة، أصبح المطار مسرحاً لتوترات إقليمية واسعة، حيث تعرض لسلسلة من الغارات الجوية والقصف الصاروخي المنسوب إلى إسرائيل. استهدفت هذه الغارات المتكررة مستودعات أسلحة، ومراكز قيادة، وشحنات عسكرية زُعم أنها تابعة للحرس الثوري الإيراني والميليشيات الحليفة له، مما جعل المطار نقطة تماس ساخنة في صراع النفوذ الإقليمي الممتد في سوريا[3].
ماهر مروان إدلبي سياسي وإداري سوري، من مواليد العاصمة السورية دمشق. يشغل منصب محافظ دمشق منذ 15 ديسمبر 2024، وبرز كشخصية رئيسية وفاعلة في مرحلة ما بعد التغيير السياسي الشامل في سوريا. يُعد مروان من الدائرة المقربة لصناع القرار الجدد نظراً لصلات القرابة والمصاهرة التي تجمعه بالرئيس السوري أحمد الشرع، وقد تولى ملف إدارة العاصمة في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية.
ولد ماهر مروان ونشأ في مدينة دمشق. توجه في مسيرته الأكاديمية نحو الدراسات الدينية، حيث حصل على إجازة (بكالوريوس) في الشريعة الإسلامية. قبل أن ينخرط في الشأن السياسي والإداري، أمضى مروان حوالي عشر سنوات يعمل في قطاع إدارة الأعمال، مما أكسبه خبرة إدارية وعملية زاوجت بين خلفيته الشرعية ومتطلبات العمل المؤسسي[1].
أحدثت الحرب الأهلية السورية عام 2011 انعطافة جذرية في حياة مروان. إثر الملاحقات الأمنية من قبل الأجهزة التابعة للنظام السوري آنذاك، اضطر إلى مغادرة مسقط رأسه دمشق والانتقال إلى محافظة إدلب في الشمال السوري. هناك، انخرط بشكل مباشر في هياكل المعارضة، وعُرف في بعض الأوساط الحركية بلقب "أبو ماجد الشامي"[2].
في 15 ديسمبر 2024، وعقب سقوط نظام الأسد ودخول القوات الجديدة إلى العاصمة، صدر قرار رسمي بتعيين ماهر مروان محافظاً لمدينة دمشق ضمن حكومة تسيير الأعمال. يواجه في منصبه هذا تحديات استثنائية، على رأسها إعادة تفعيل وتأهيل البنية التحتية، وضبط الأمن الحضري، والإشراف على خطط إعادة إعمار الأحياء والمناطق التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب مثل جوبر والقابون، فضلاً عن إعادة تنظيم الخدمات الأساسية لملايين السكان في العاصمة[2].
شهدت الأسابيع الأولى لتوليه المنصب تفاعلات سياسية وإعلامية واسعة النطاق. في أواخر ديسمبر 2024، أدلى مروان بمقابلة صحفية مع الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية (NPR)، صرح فيها قائلاً: "إننا لا نخشى إسرائيل، ولا نرغب في الانخراط في أي أمر يهدد أمنها أو أمن أي دولة أخرى"، ووجه رسالة عبر الولايات المتحدة للمساعدة في إرساء السلام.
أثارت تلك التصريحات جدلاً كبيراً، مما دفع مروان إلى إصدار توضيح عاجل أكد فيه أن كلامه فُهم خارج سياقه. وشدد على أن أولويته المطلقة تكمن في تحقيق السلام الداخلي وإعادة بناء سوريا، نافياً أن يكون قد أطلق دعوة مباشرة لإبرام معاهدة سلام مع إسرائيل، ومعتبراً أن استقرار الدولة السورية هو الهدف المرحلي الأهم.
أما على الصعيد الفكري والسياسي، فقد حرص مروان على نفي أي ارتباط له أو لتياره بالجماعات المتشددة مثل تنظيم القاعدة. وقد أبدى دعمه الصريح والمبكر للخطوات التي اتخذتها "هيئة تحرير الشام" لفك ارتباطها بالتنظيمات العابرة للحدود، مؤكداً أن مسار الإدارة الجديدة يتجه نحو بناء دولة مؤسسات وإصلاح وطني شامل[1].
إلى جانب نفوذه الإداري، يستمد ماهر مروان جزءاً مهماً من ثقله السياسي من شبكة علاقاته العائلية المتشابكة مع هرم السلطة الجديد في سوريا. فهو يجمع بين صلة القرابة والمصاهرة مع الرئيس السوري أحمد الشرع؛ حيث يُعد ابن خاله، كما أنه متزوج من شقيقة السيدة الأولى لطيفة الدروبي. يجسد صعوده السياسي نموذجاً للقيادات الجديدة التي تعتمد على الثقة المتبادلة ضمن الدائرة الضيقة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، ويمثل حلقة وصل بين الخلفية الشرعية والإدارة التكنوقراطية في سوريا الجديدة.
ثانوية جودت الهاشمي هي أول مدرسة ثانوية رسمية أُسست في العاصمة السورية دمشق، وتُعدّ من أبرز المعالم التعليمية والتاريخية في سوريا. عُرفت عند تأسيسها باسم "المدرسة التجهيزية" أو "التجهيز الأولى"، ولعبت دوراً محورياً في تخريج نخبة من الشخصيات السياسية والثقافية والعلمية التي ساهمت في بناء الدولة السورية الحديثة. تقع المدرسة في منطقة الحلبوني المتاخمة لحي البرامكة، وقد استمدت المنطقة المحيطة بها اسم "حي التجهيز" نسبةً إليها.
بدأت فكرة إنشاء مدرسة ثانوية حديثة في دمشق خلال فترة الانتداب الفرنسي لتلبية الحاجة المتزايدة للتعليم المتقدم وتجهيز الطلاب للمرحلة الجامعية، ومن هنا جاءت تسميتها بـ "المدرسة التجهيزية". وُضع حجر الأساس للمبنى عام 1933، واكتمل بناؤه وافتُتح رسمياً في عام 1936. لاحقاً، أُطلق عليها اسم "ثانوية جودت الهاشمي" تكريماً للمربي والعالم السوري جودت الهاشمي، الذي كان من أوائل وأبرز مديري المدرسة وأحد مؤسسي الجامعة السورية[1].
يحتل مبنى الثانوية موقعاً استراتيجياً وتراثياً في وسط دمشق، بالقرب من معالم تاريخية بارزة مثل التكية السليمانية والمتحف الوطني ووزارة السياحة الحالية. شكلت المدرسة ومحيطها نقطة انطلاق تاريخية للعديد من المظاهرات الطلابية والحركات الوطنية المناهضة للانتداب الفرنسي، مما جعلها رمزاً للوعي الوطني السوري المبكر.
لم تكن ثانوية جودت الهاشمي مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت بوتقة انصهرت فيها شرائح المجتمع السوري. درّس فيها قامات فكرية بارزة، وتخرجت من قاعاتها شخصيات تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ سوريا والوطن العربي، من أدباء وشعراء مثل نزار قباني، وفنانين مثل ياسر العظمة، إضافة إلى عدد كبير من الوزراء وصناع القرار والعلماء الذين قادوا مسيرة التنمية في فترات مختلفة[2].
يتميز مبنى الثانوية بطراز معماري مهيب يعكس فن العمارة الكلاسيكية الممزوجة ببعض اللمسات المحلية في فترة الثلاثينيات. يضم المبنى أجنحة واسعة، وقاعات صفية ذات أسقف عالية لتوفير تهوية وإضاءة طبيعية، بالإضافة إلى مختبرات علمية متقدمة في وقتها، ومسرح وقاعات أنشطة ومكتبة غنية. كما تحيط بالمبنى باحات واسعة كانت تُستخدم للأنشطة الرياضية والاصطفاف الصباحي.
شهدت ثانوية جودت الهاشمي خلال تاريخها الحديث عدة عمليات ترميم وتحديث للحفاظ على بنيتها الإنشائية ورمزيتها التاريخية. ومع ذلك، ارتبطت المدرسة مؤخراً ببعض الجدل إثر عمليات ترميم متعمقة؛ حيث أشارت تقارير وتحقيقات صحفية إلى اكتشاف "غرف أمنية" داخل أقبية المدرسة. بحسب تلك المصادر، استُخدمت هذه الغرف المخفية في فترات سابقة كأقبية للتحقيق والمراقبة من قبل الأجهزة الأمنية، مما سلط الضوء على التداخل المعقد بين الفضاءات التعليمية والقبضة الأمنية خلال العقود الماضية في سوريا[3].
حسان عبد المجيد الضويحي (مواليد عام 1975)، هو طبيب اختصاصي في الجراحة العامة ومطور برمجيات سوري. يمثل نموذجاً مهنياً متقاطع التخصصات، حيث جمع في مسيرته بين الممارسة الجراحية الميدانية في المراكز الاستشفائية السورية والتركية، وبين تطوير النظم البرمجية للتعليم الطبي والتحرير الموسوعي الرصين.
نشأ حسان عبد المجيد الضويحي في سوريا، وأبدى منذ وقت مبكر اهتماماً متوازياً بالعلوم التطبيقية والإنسانية. توجه لدراسة الطب البشري في جامعة حلب، التي تُعد من أعرق الجامعات السورية، وتخرج منها حائزاً على الإجازة في الطب عام 2006[1]. واصل مساره الأكاديمي والسريري بالالتحاق ببرنامج الاختصاص الجراحي التابع لوزارة الصحة السورية، حيث نال شهادة الاختصاص في الجراحة العامة في عام 2011.
إلى جانب تكوينه العلمي التخصصي في الطب، عني الضويحي بدراسة اللسانيات وعلوم اللغة العربية وفقهها، وأتقن اللغتين الإنجليزية والتركية، مما منحه قاعدة معرفية واسعة أتاحت له لاحقاً الدخول بقوة في مجالات الترجمة، والتعريب العلمي، والتنقيح التوثيقي الموسوعي.
شهدت مسيرته المهنية والجراحية تنوعاً ملحوظاً، وارتبطت بشكل وثيق بالتحولات والأزمات التي مرت بها المنطقة، حيث تنقل للعمل في بيئات إسعافية وجراحية معقدة في كل من سوريا وتركيا[2]:
بالتوازي مع مسيرته الطبية، وظّف الضويحي خبراته المتقدمة في مجالات تطوير الويب وهندسة النظم لابتكار وبناء منصات معرفية متكاملة تخدم القطاعين الطبي والإعلامي[3]، ومن أبرز إنجازاته في هذا السياق:
يرتكز المنهج الفكري والتحريري للضويحي على الصرامة الاستنادية وتوخي الدقة والضبط اللغوي المنهجي في كل ما يُنشر. وهو يولي أهمية كبرى للاستقلالية المعرفية، مما دفعه لتبني وتطويع البرمجيات مفتوحة المصدر (Open Source) لتحسين أداء المنصات الرقمية المستقلة بعيداً عن احتكار الشركات الكبرى.
وتتسع دائرة اهتماماته المعرفية لتشمل مجالات تتجاوز الطب والبرمجة، إذ يُعرف ببحوثه وقراءاته المعمقة في تحليل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتاريخ بلاد الشام وتراثها، فضلاً عن دراسته المتأنية للمقامات والنظريات الموسيقية الشرقية الكلاسيكية.
يُشكل مسار الدكتور حسان الضويحي تجسيداً لحالة نادرة من التزاوج بين الالتزام بالعمل الطبي الميداني التخصصي، لا سيما في أوقات الأزمات والحروب، وبين المساهمة الفاعلة في بناء أدوات معرفية رقمية حديثة. من خلال منصاته التعليمية، ترك أثراً ملموساً في توفير بيئات تدريبية مجانية أو شبه مجانية للأطباء الصاعدين، مساهماً بذلك في رفد المحتوى الرقمي العربي الموثق، ومثبتاً قدرة الكفاءات السورية على الابتكار والتأثير الإيجابي عبر الحدود.
وحدات حماية المرأة (المعروفة اختصاراً باسم YPJ) هي فصيل عسكري يتألف بالكامل من النساء، أُسس في شمال وشرق سوريا كجناح نسائي لوحدات حماية الشعب الكردية (YPG). برزت كقوة قتالية فاعلة ومؤثرة على الساحة الدولية بفضل دورها المحوري في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في معاقله الرئيسية، وأصبحت رمزاً عالمياً للمقاومة النسوية المسلحة في الشرق الأوسط.
مع تصاعد وتيرة الحرب الأهلية السورية عام 2011 وانسحاب القوات الحكومية من معظم المناطق ذات الأغلبية الكردية شمالي البلاد، برزت الحاجة لقوات حماية محلية. بدأت النساء الكرديات بالانخراط في صفوف القوات المسلحة بشكل مختلط، إلا أن الرغبة في بناء هيكل تنظيمي يضمن استقلالية قرار المرأة أدى إلى تشكيل فصيل خاص بهن.
لا تقتصر وحدات حماية المرأة على البُعد العسكري المتمثل في حمل السلاح، بل ترتكز على عقيدة فكرية عميقة مستمدة من فلسفة "الكونفدرالية الديمقراطية" و"علم المرأة" (Jineolojî) الذي صاغه الزعيم الكردي عبد الله أوجلان. يعتمد هذا المفهوم على فكرة أن تحرير المجتمع يبدأ بتحرير المرأة من القيود الأبوية والاجتماعية المفروضة عليها، وأن الدفاع عن النفس هو حق طبيعي لا يقتصر على الرجال.
تنظيمياً، تتمتع الوحدات بهيكلية قيادية مستقلة بالكامل عن وحدات حماية الشعب الرجالية، ولها أكاديمياتها الخاصة للتدريب العسكري والسياسي والفكري. يُمنع على عضوات الوحدات الزواج طوال فترة تطوعهن في صفوف القتال، ويخضعن لتدريبات مكثفة تشمل التكتيكات القتالية، واستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وإدارة حرب العصابات.
لعبت وحدات حماية المرأة دوراً عملياتياً ونفسياً مضاعفاً في المعارك ضد تنظيم الدولة (داعش). عسكرياً، أثبتت مقاتلات الـ YPJ كفاءة عالية في حرب المدن والتخطيط الاستراتيجي، وكان تأثيرهن النفسي بارزاً ضد مقاتلي التنظيم الذين كانوا يعتقدون - بحسب تقارير استخباراتية - أن الموت على يد امرأة يحرمهم من "الجنة".
من أبرز إنجازاتها الاستراتيجية فك الحصار عن جبل سنجار في أغسطس 2014، حيث أسهمت الوحدات في تأمين ممر آمن لإنقاذ عشرات الآلاف من الإيزيديين المحاصرين. كما تصدرت المقاتلات المشهد خلال معركة الدفاع عن مدينة كوباني (عين العرب) عام 2014، ولعبن دوراً قيادياً في حملة تحرير الرقة عام 2017 تحت القيادة الميدانية المشتركة للقيادية روچدا فلات.
تتباين التقييمات الدولية حول وحدات حماية المرأة بشكل حاد؛ فبينما حظيت بتعاطف وتغطية إعلامية غربية واسعة كأيقونة لتحرير المرأة وصمام أمان ضد التطرف، تصنفها الحكومة التركية رسمياً كمنظمة إرهابية، وتعتبرها امتداداً عسكرياً مباشراً لحزب العمال الكردستاني (PKK)، ما جعلها هدفاً للعمليات العسكرية التركية المتكررة في شمال سوريا.
على الصعيد الحقوقي، واجهت الوحدات - إلى جانب تشكيلات قوات سوريا الديمقراطية الأخرى - انتقادات من منظمات حقوقية كمنظمة هيومن رايتس ووتش بشأن تجنيد قاصرات دون سن الثامنة عشرة في سنوات النزاع الأولى. واستجابة لذلك، وقعت قيادة الوحدات لاحقاً اتفاقيات مع منظمة نداء جنيف (Geneva Call) والأمم المتحدة تلتزم بموجبها بتسريح القاصرات ومنع انخراطهن في الأعمال القتالية، ويُقدر أن نسبة التجنيد انخفضت بشكل ملحوظ إثر هذه الإجراءات.
في مرحلة ما بعد القضاء الميداني على الخلافة المكانية لداعش، تحول التركيز التكتيكي لوحدات حماية المرأة نحو المهام الأمنية، وملاحقة الخلايا النائمة، وتأمين المخيمات التي تضم عائلات التنظيم المتطرف كمخيم الهول. وعلى الرغم من التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الجغرافيا السياسية السورية منذ أواخر عام 2024 وسقوط نظام الأسد، تواصل الوحدات الحفاظ على هيكليتها العسكرية ضمن إطار قوات سوريا الديمقراطية، في ظل استمرار التوترات الأمنية مع الفصائل المدعومة من تركيا والتهديدات المستمرة بالغارات الجوية المُسيّرة.
لطيفة الدروبي (أو لطيفة الشرع)، من مواليد عام 1994، هي السيدة الأولى للجمهورية العربية السورية منذ تعيين زوجها أحمد الشرع رئيساً للجمهورية في يناير 2025، عقب التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد. برزت كوجه نسائي داعم للقضايا الاجتماعية والتعليمية في المشهد السوري الجديد.
ولدت لطيفة سمير نايف الدروبي عام 1994 في مدينة القريتين التابعة لمحافظة حمص وسط سوريا. تنحدر من عائلة "الدروبي" الحمصية العريقة التي يُشير مراقبون إلى أن لها جذوراً أرستقراطية، حيث سبق لأحد أفرادها تولي رئاسة الوزراء في سوريا خلال حقب سابقة. تزوجت من أحمد الشرع في عام 2012، ولها منه ثلاثة أولاد (ابنان وابنة واحدة)، وعاشت معه ظروفاً قاسية خلال سنوات الحرب، حيث تشير بعض المصادر إلى تنقلهما بين نحو 49 منزلاً مختلفاً.
أكملت مسيرتها الأكاديمية لاحقاً، وتخرجت من جامعة إدلب، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في الآداب بتخصص الأدب العربي في سبتمبر 2025، في حفل تخرج حضره زوجها بصفته رئيساً للجمهورية.
فضلت لطيفة الدروبي البقاء بعيداً عن الأضواء الإعلامية خلال السنوات الأولى من زواجها، وهو ما تماشى مع الظروف الأمنية المعقدة لزوجها آنذاك. ولكن مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 وتولي أحمد الشرع رئاسة البلاد، تغير دورها لتصبح السيدة الأولى للجمهورية العربية السورية رسمياً في 29 يناير 2025.
كان أول ظهور علني وبارز لها برفقة زوجها في فبراير 2025 خلال أدائهما مناسك العمرة في المملكة العربية السعودية، وهو الظهور الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة باعتباره تقديماً رسمياً لها. كما تم نفي الشائعات التي طالت حياة الرئيس الشخصية؛ حيث قُدمت خلال لقاء مع وفد من النساء السوريات المقيمات في الولايات المتحدة على أنها زوجته الوحيدة، لتفنيد ادعاءات زواجه من أخريات.
بصفتها السيدة الأولى، تولت لطيفة الدروبي مسؤوليات ذات طابع اجتماعي وإنساني، انطلاقاً من الرؤية التي طرحها زوجها بأن دور زوجة الرئيس هو خدمة المجتمع وليس التعالي عليه. وقد سجلت حضوراً دبلوماسياً لافتاً في عدة مناسبات دولية ومحلية لتعزيز هذا التوجه.
تُعرف لطيفة الدروبي بتجنبها الانخراط المباشر في الاستقطابات السياسية الحادة، مركزة جهودها على القطاعين الإنساني والتعليمي. بحسب بعض المراقبين، يمثل صعودها السريع إلى واجهة المشهد السوري تحدياً في بناء صورة السيدة الأولى وسط مجتمع خارج للتو من حرب طويلة، مما يضعها تحت مجهر التقييم الشعبي باستمرار لمعرفة حجم تأثيرها الفعلي.
وقد أظهرت تفاعلاً وجدانياً في بعض المناسبات العامة، كان أبرزها تأثرها وبكاؤها خلال "فعالية عيد التحرير" في ديسمبر 2025 تأثراً بكلمة ألقاها أحد الفتيان، مما عكس جانباً إنسانياً لاقى تفاعلاً متعاطفاً في الأوساط الإعلامية المحلية.
بما أن مسيرتها كسيدة أولى لا تزال في مراحلها الأولى، يُعد تأثيرها قيد التشكل حتى الآن. ومع ذلك، يُمثل حضورها الأكاديمي والاجتماعي نموذجاً جديداً يُحاول إرساء تقاليد مختلفة لمؤسسة الرئاسة في سوريا ما بعد عام 2024، مع التركيز على أهمية التعليم ومشاركة المرأة كعنصر محوري وشريك أساسي في عمليتي البناء والعمل الوطني.