حرية ومسؤولية
ثانوية جودت الهاشمي هي أول مدرسة ثانوية رسمية أُسست في العاصمة السورية دمشق، وتُعدّ من أبرز المعالم التعليمية والتاريخية في سوريا. عُرفت عند تأسيسها باسم "المدرسة التجهيزية" أو "التجهيز الأولى"، ولعبت دوراً محورياً في تخريج نخبة من الشخصيات السياسية والثقافية والعلمية التي ساهمت في بناء الدولة السورية الحديثة. تقع المدرسة في منطقة الحلبوني المتاخمة لحي البرامكة، وقد استمدت المنطقة المحيطة بها اسم "حي التجهيز" نسبةً إليها.
بدأت فكرة إنشاء مدرسة ثانوية حديثة في دمشق خلال فترة الانتداب الفرنسي لتلبية الحاجة المتزايدة للتعليم المتقدم وتجهيز الطلاب للمرحلة الجامعية، ومن هنا جاءت تسميتها بـ "المدرسة التجهيزية". وُضع حجر الأساس للمبنى عام 1933، واكتمل بناؤه وافتُتح رسمياً في عام 1936. لاحقاً، أُطلق عليها اسم "ثانوية جودت الهاشمي" تكريماً للمربي والعالم السوري جودت الهاشمي، الذي كان من أوائل وأبرز مديري المدرسة وأحد مؤسسي الجامعة السورية[1].
يحتل مبنى الثانوية موقعاً استراتيجياً وتراثياً في وسط دمشق، بالقرب من معالم تاريخية بارزة مثل التكية السليمانية والمتحف الوطني ووزارة السياحة الحالية. شكلت المدرسة ومحيطها نقطة انطلاق تاريخية للعديد من المظاهرات الطلابية والحركات الوطنية المناهضة للانتداب الفرنسي، مما جعلها رمزاً للوعي الوطني السوري المبكر.
لم تكن ثانوية جودت الهاشمي مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت بوتقة انصهرت فيها شرائح المجتمع السوري. درّس فيها قامات فكرية بارزة، وتخرجت من قاعاتها شخصيات تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ سوريا والوطن العربي، من أدباء وشعراء مثل نزار قباني، وفنانين مثل ياسر العظمة، إضافة إلى عدد كبير من الوزراء وصناع القرار والعلماء الذين قادوا مسيرة التنمية في فترات مختلفة[2].
يتميز مبنى الثانوية بطراز معماري مهيب يعكس فن العمارة الكلاسيكية الممزوجة ببعض اللمسات المحلية في فترة الثلاثينيات. يضم المبنى أجنحة واسعة، وقاعات صفية ذات أسقف عالية لتوفير تهوية وإضاءة طبيعية، بالإضافة إلى مختبرات علمية متقدمة في وقتها، ومسرح وقاعات أنشطة ومكتبة غنية. كما تحيط بالمبنى باحات واسعة كانت تُستخدم للأنشطة الرياضية والاصطفاف الصباحي.
شهدت ثانوية جودت الهاشمي خلال تاريخها الحديث عدة عمليات ترميم وتحديث للحفاظ على بنيتها الإنشائية ورمزيتها التاريخية. ومع ذلك، ارتبطت المدرسة مؤخراً ببعض الجدل إثر عمليات ترميم متعمقة؛ حيث أشارت تقارير وتحقيقات صحفية إلى اكتشاف "غرف أمنية" داخل أقبية المدرسة. بحسب تلك المصادر، استُخدمت هذه الغرف المخفية في فترات سابقة كأقبية للتحقيق والمراقبة من قبل الأجهزة الأمنية، مما سلط الضوء على التداخل المعقد بين الفضاءات التعليمية والقبضة الأمنية خلال العقود الماضية في سوريا[3].