سورة الفاتحة هي أولى سور المصحف الشريف وأشهرها على الإطلاق، وسورة مكية تقع في الجزء الأول وتتألف من سبع آيات باتفاق أهل العدّ. تحتل موقعاً فريداً بين سور القرآن من ثلاثة وجوه: موقعها في مفتتح المصحف، وحضورها اليومي المتكرر في صلوات المسلمين، وشمولها لمقاصد الكتاب كله على قِصَرها. وقد اجتمع لها من الأسماء ما لم يجتمع لسورة سواها، حتى عدّ لها المفسرون أكثر من عشرين اسماً.
التسمية وتعدد الأسماء
سُمّيت بالفاتحة لأن المصحف افتُتح بها في الترتيب العثماني، ولأن قراءة الصلاة تُفتتح بها كذلك، فاجتمع في الاسم معنى الأولوية في المصحف والأولوية في العبادة.
وقد أحصى السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن" أكثر من عشرين اسماً للسورة، وعدّ العلماء كثرة الأسماء دليلاً على شرف المسمّى، إذ لا تكثر أسماء الشيء إلا لكثرة أوصافه ومعانيه.
دلالات الأسماء المشهورة
لكل اسم من أسمائها وجه في التسمية يكشف زاوية من زوايا السورة:
- أم الكتاب وأم القرآن: لأنها تجمع مقاصد القرآن كما تجمع الأم فروعها.
- السبع المثاني: لأنها سبع آيات تُثنّى وتتكرر في كل ركعة.
- سورة الحمد: لافتتاحها بالثناء على الله.
- الوافية والكافية: لأنها لا تتبعّض في الصلاة ولا يجزئ بعضها عن بعض.
- الشفاء والرقية: لما ورد من الاستشفاء بها.
زمن النزول
ذهب جمهور المفسرين إلى أنها مكية نزلت في السنوات الأولى للبعثة، وذكر بعضهم أنها نزلت بعد سورة المدثر. وذهب فريق آخر إلى أنها نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة، تعظيماً لشأنها.
ترتيب النزول الدقيق لسور القرآن مسألة اجتهادية لا توقيفية، والروايات فيه متعددة. ولذلك لا يصح إثبات رقم قاطع لترتيب نزول الفاتحة، وإنما يُذكر بصيغة الترجيح.
موضوعات السورة ومحورها
تجمع السورة على قِصَرها أصول الدين وفروعه: العقيدة، والعبادة، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾وقد قسّم المفسرون آياتها إلى ثلاثة أقسام واضحة: قسم في الثناء على الله، وقسم في إفراده بالعبادة، وقسم في الدعاء وسؤال الهداية. وهذا الترتيب نفسه هو آداب الدعاء التي أرشد إليها الشرع: يبدأ العبد بالثناء ثم يقرّ بالعبودية ثم يسأل حاجته.
ولهذا الشمول وصفها المفسرون بأنها مقدمة القرآن ومجمل مقاصده، إذ ما من مقصد كبير في الكتاب إلا وله في هذه الآيات السبع أصل أو إشارة، حتى قيل إن سائر القرآن تفصيل لما أُجمل فيها.
البناء اللغوي
تتألف السورة من تسع وعشرين كلمة، وقد لفت المفسرون إلى بنائها اللغوي المحكم: انتقال الخطاب من الغيبة في الثناء إلى المخاطبة المباشرة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وهو ما يسميه البلاغيون الالتفات، ودلالته أن العبد إذا امتلأ قلبه بالثناء صار كالحاضر بين يدي ربه.
ومن ذلك أيضاً تقديم المفعول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على فعله، وهو تقديم يفيد الحصر والاختصاص، أي لا نعبد سواك.
مكانتها في الصلاة
لا تصح صلاة عند جمهور الفقهاء إلا بقراءة الفاتحة، وقد ورد في الحديث أن الصلاة التي لا تُقرأ فيها فاتحة الكتاب ناقصة. ويكفي المصلي أن يقتصر عليها في الركعة الواحدة، فهي أقل القدر المجزئ من القراءة.
وهذا الحضور اليومي المتكرر يجعلها أكثر نص قرآني تلاوةً على ألسنة المسلمين، إذ تُقرأ في كل ركعة من ركعات الفرائض والنوافل.
ورد في الحديث القدسي أن الصلاة مقسومة بين الله وعبده نصفين، فكلما قرأ العبد آية من الفاتحة أجابه ربه، حتى إذا بلغ سؤال الهداية كان ذلك للعبد وله ما سأل.
مسائل الخلاف
للسورة على قِصَرها مسائل خلافية مشهورة في كتب الفقه والقراءات، أبرزها ثلاث.
البسملة
ذهب جمهور قراء الكوفة وجماعة من الصحابة والتابعين إلى أن البسملة آية مستقلة من أول السورة، بينما رأى قراء أهل المدينة وفقهاؤهم أنها ليست منها بالكلية. ولهذا الخلاف أثر عملي مباشر في الجهر بها من عدمه في الصلاة الجهرية.
قراءة الآية الرابعة
قُرئت ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقُرئت كذلك ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وكلتاهما قراءة متواترة صحيحة. وقد رأى المفسرون أن الجمع بينهما يفيد معنيين متكاملين: الملك الذي يملك، والمالك الذي يتصرف.
قراءة المأموم
اختلف الفقهاء في وجوب قراءة المأموم للفاتحة خلف الإمام، بين موجب لها في كل حال، ومسقط لها في الصلاة الجهرية اكتفاءً بقراءة الإمام.
ما ورد في فضلها
وردت في فضل السورة أحاديث عدة في الصحيحين وغيرهما، منها ما يصفها بالنور الذي لم يؤته نبي قبل محمد، ومنها ما يجعلها رقية يُستشفى بها، ومنها وصفها بأنها أعظم سورة في القرآن.
عدّها العلماء جامعة لمعاني القرآن كلها، حتى قيل إن ما في القرآن من مقاصد فأصله فيها.
من كلام المفسرين في فضل الفاتحة
حضورها في الثقافة الإسلامية
تجاوز حضور الفاتحة حدود الصلاة إلى تفاصيل الحياة اليومية في المجتمعات الإسلامية. فهي تُقرأ عند عقد الزواج، وعند الشروع في الأمور، وتُهدى إلى أرواح الموتى في عرف كثير من البلدان، حتى صارت كلمة "الفاتحة" في العامية اسماً لمناسبة اجتماعية قائمة بذاتها.
وقد نُسخت السورة بمختلف الخطوط العربية وزُيّنت في المصاحف والمخطوطات، وتُرجمت معانيها إلى أكثر لغات العالم، وكُتبت بخطوط محلية في المجتمعات المسلمة غير الناطقة بالعربية.
موقعها من المصحف
| الوجه | البيان |
|---|---|
| الترتيب في المصحف | الأولى |
| عدد الآيات | سبع |
| عدد الكلمات | تسع وعشرون |
| النزول | مكية |
| عدد السجدات | لا يوجد |
| السورة التالية | البقرة |
- الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن.
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
- الرازي، مفاتيح الغيب.
- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن.
- الواحدي، أسباب النزول.
- صحيح البخاري، وصحيح مسلم.
