حرية ومسؤولية
وحدات حماية المرأة (المعروفة اختصاراً باسم YPJ) هي فصيل عسكري يتألف بالكامل من النساء، أُسس في شمال وشرق سوريا كجناح نسائي لوحدات حماية الشعب الكردية (YPG). برزت كقوة قتالية فاعلة ومؤثرة على الساحة الدولية بفضل دورها المحوري في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في معاقله الرئيسية، وأصبحت رمزاً عالمياً للمقاومة النسوية المسلحة في الشرق الأوسط.
مع تصاعد وتيرة الحرب الأهلية السورية عام 2011 وانسحاب القوات الحكومية من معظم المناطق ذات الأغلبية الكردية شمالي البلاد، برزت الحاجة لقوات حماية محلية. بدأت النساء الكرديات بالانخراط في صفوف القوات المسلحة بشكل مختلط، إلا أن الرغبة في بناء هيكل تنظيمي يضمن استقلالية قرار المرأة أدى إلى تشكيل فصيل خاص بهن.
لا تقتصر وحدات حماية المرأة على البُعد العسكري المتمثل في حمل السلاح، بل ترتكز على عقيدة فكرية عميقة مستمدة من فلسفة "الكونفدرالية الديمقراطية" و"علم المرأة" (Jineolojî) الذي صاغه الزعيم الكردي عبد الله أوجلان. يعتمد هذا المفهوم على فكرة أن تحرير المجتمع يبدأ بتحرير المرأة من القيود الأبوية والاجتماعية المفروضة عليها، وأن الدفاع عن النفس هو حق طبيعي لا يقتصر على الرجال.
تنظيمياً، تتمتع الوحدات بهيكلية قيادية مستقلة بالكامل عن وحدات حماية الشعب الرجالية، ولها أكاديمياتها الخاصة للتدريب العسكري والسياسي والفكري. يُمنع على عضوات الوحدات الزواج طوال فترة تطوعهن في صفوف القتال، ويخضعن لتدريبات مكثفة تشمل التكتيكات القتالية، واستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وإدارة حرب العصابات.
لعبت وحدات حماية المرأة دوراً عملياتياً ونفسياً مضاعفاً في المعارك ضد تنظيم الدولة (داعش). عسكرياً، أثبتت مقاتلات الـ YPJ كفاءة عالية في حرب المدن والتخطيط الاستراتيجي، وكان تأثيرهن النفسي بارزاً ضد مقاتلي التنظيم الذين كانوا يعتقدون - بحسب تقارير استخباراتية - أن الموت على يد امرأة يحرمهم من "الجنة".
من أبرز إنجازاتها الاستراتيجية فك الحصار عن جبل سنجار في أغسطس 2014، حيث أسهمت الوحدات في تأمين ممر آمن لإنقاذ عشرات الآلاف من الإيزيديين المحاصرين. كما تصدرت المقاتلات المشهد خلال معركة الدفاع عن مدينة كوباني (عين العرب) عام 2014، ولعبن دوراً قيادياً في حملة تحرير الرقة عام 2017 تحت القيادة الميدانية المشتركة للقيادية روچدا فلات.
تتباين التقييمات الدولية حول وحدات حماية المرأة بشكل حاد؛ فبينما حظيت بتعاطف وتغطية إعلامية غربية واسعة كأيقونة لتحرير المرأة وصمام أمان ضد التطرف، تصنفها الحكومة التركية رسمياً كمنظمة إرهابية، وتعتبرها امتداداً عسكرياً مباشراً لحزب العمال الكردستاني (PKK)، ما جعلها هدفاً للعمليات العسكرية التركية المتكررة في شمال سوريا.
على الصعيد الحقوقي، واجهت الوحدات - إلى جانب تشكيلات قوات سوريا الديمقراطية الأخرى - انتقادات من منظمات حقوقية كمنظمة هيومن رايتس ووتش بشأن تجنيد قاصرات دون سن الثامنة عشرة في سنوات النزاع الأولى. واستجابة لذلك، وقعت قيادة الوحدات لاحقاً اتفاقيات مع منظمة نداء جنيف (Geneva Call) والأمم المتحدة تلتزم بموجبها بتسريح القاصرات ومنع انخراطهن في الأعمال القتالية، ويُقدر أن نسبة التجنيد انخفضت بشكل ملحوظ إثر هذه الإجراءات.
في مرحلة ما بعد القضاء الميداني على الخلافة المكانية لداعش، تحول التركيز التكتيكي لوحدات حماية المرأة نحو المهام الأمنية، وملاحقة الخلايا النائمة، وتأمين المخيمات التي تضم عائلات التنظيم المتطرف كمخيم الهول. وعلى الرغم من التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الجغرافيا السياسية السورية منذ أواخر عام 2024 وسقوط نظام الأسد، تواصل الوحدات الحفاظ على هيكليتها العسكرية ضمن إطار قوات سوريا الديمقراطية، في ظل استمرار التوترات الأمنية مع الفصائل المدعومة من تركيا والتهديدات المستمرة بالغارات الجوية المُسيّرة.