حرية ومسؤولية
جبل قاسيون هو المعلم التضاريسي الأبرز المشرف على العاصمة السورية دمشق، إذ يرتفع لنحو 1151 متراً فوق مستوى سطح البحر، محتضناً المدينة من جهتيها الشمالية والشمالية الغربية. اقترن الجبل بالهوية البصرية والروحية لدمشق عبر العصور، واكتسب هالة قدسية واسعة لما ارتبط به من روايات وأساطير دينية ومزارات تاريخية، إلى جانب تحوله إلى ركيزة دفاعية واستراتيجية حاكمة للمنطقة الحضرية المحيطة به بأكملها[1].
تشير الروايات التاريخية والأدبيات البلدانية القديمة إلى أن جبل قاسيون كان مأهولاً ومقصوداً منذ فجر الحضارات، حيث نسجت حوله الذاكرة الشعبية والدينية قصصاً تربطه ببدء الخليقة. ومما تناقله المؤرخون الأوائل كابن عساكر وياقوت الحموي، أن الجبل شهد أول جريمة قتل في تاريخ البشرية بمقتل هابيل على يد شقيقه قابيل، وتُنسب إلى تلك الحادثة صخرة حمراء ومغارة دُعيت باسم "مغارة الدم" أو "مقام الأربعين"، زاعمة أن الجبل بكى لهول الواقعة فشُقّت فيه المغارة[2].
كما ارتبطت بالجبل مقامات وأماكن اعتزال نُسبت إلى أنبياء وصالحين، من بينها مغارة الجوع ومقام إبراهيم الخليل عليه السلام في منطقة برزة عند سفح الجبل. وقد ترسخ الحضور العمراني المنظم على سفوح قاسيون في أواخر العصر الأيوبي خلال القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، حين هاجرت جماعات من بيت المقدس وفلسطين بقيادة آل قدامة هرباً من الغزو الصليبي، وأسسوا حي الصالحية على سفح الجبل، والذي سرعان ما تحول إلى قطب علمي وفقهي يعج بالمدارس والمساجد والزوايا الصوفية[3].
سُمي الجبل بـ"قاسيون" بحسب ابن منظور لقسوته وصلابة صخوره وامتناعه، كما عُرف في بعض الفترات بـ"جبل الصالحية" نسبة إلى الصالحين والعلماء الذين قطنوا سفوحه وشيدوا مدارسه التاريخية.
يمثل جبل قاسيون الامتداد الجنوبي الغربي لسلسلة جبال القلمون، التابعة لمنظومة جبال لبنان الشرقية، ويحده وادي بردى والربوة من الجنوب والغرب، بينما ينحدر بانحدار حاد وشبه عمودي نحو دمشق وواحتها الغوطاوية. يبلغ ارتفاع أعلى قممه قرابة 1151 متراً، ما يمنحه إشرافاً بانورامياً كاسحاً على كامل حوض دمشق وسهول حوران وصولاً إلى بادية الشام شرقاً، وجبل الشيخ جنوباً وغرباً.
هذا الموقع الحاكم جعل من قاسيون صمام أمان عسكري ونقطة رصد استراتيجية لا غنى عنها على مر العصور المتعاقبة:
تدرجت الطبيعة السكانية لقاسيون من عزلة نُسكية وزهدية في العصور الوسطى إلى كثافة سكانية وحضرية كبرى في العصر الحديث. فبعد تأسيس حي الصالحية التاريخي في أسفل السفح، توسع النطاق العمراني تدريجياً ليتسلق المنحدرات الوعرة خلال القرن العشرين، مشكلاً أحياء متعددة مثل المهاجرين، وركن الدين، والشيخ محي الدين، وصولاً إلى انتشار الأحياء العشوائية في الهزيع الأخير من القرن الماضي كحي قاسيون ووادي السفيرة وحي الأكراد[4].
يتميز النسيج السكاني المستقر على سفوح الجبل بتنوع اجتماعي وثقافي واسع، إذ استقر فيه تاريخياً الدمشقيون، والمهاجرون الشراكسة، والأكراد، ومهاجرون قادمون من كريت وبلاد الشام، ما أضفى على أحيائه تنوعاً في العادات والتقاليد واللهجات، في حين حافظت أزقته الجبلية وأدراجه الطويلة الحادة على طابع اجتماعي متماسك.
يشكل جبل قاسيون متنفساً سياحياً وترفيهياً رئيسياً لسكان دمشق وزوارها؛ إذ تنتشر على طول طريق القمة والشرفات الجبلية شبكة واسعة من المقاهي والمطاعم والمطلات السياحية التي تنشط خلال فترات المساء للاستمتاع بالمشهد الليلي للمدينة. كما تتركز على قممه العالية أبراج البث الإذاعي والتلفزيوني ومحطات الإرسال اللاسلكي والاتصالات الخلوية المغذية للعاصمة ومحيطها.
واجهت البنية التحتية في سفوح قاسيون تحديات جمة ناجمة عن وعورة التضاريس والانحدار الشديد؛ ما فرض اعتماد شبكات مياه وصرف صحي معقدة تعتمد على محطات الضخ، فضلاً عن صعوبة المواصلات التي جعلت من "الأدراج الحجرية" الطويلة وسيلة التنقل الإلزامية في الأحياء العليا، مع وجود مخاطر بيئية تتعلق بالانزلاقات الصخرية والتمدد العمراني غير المنظم على حساب طبيعة الجبل الجيولوجية[5].
يزخر الجبل بمجموعة فريدة من الصروح الدينية والأثرية والحديثة التي تعكس تعاقب العصور على سفوحه ومحيطه:
| المعلم | الموقع / العصر | الوصف والأهمية |
|---|---|---|
| مغارة الدم (مقام الأربعين) | أعالي جبل قاسيون | مغارة تاريخية ارتبطت برواية مقتل هابيل ومصلى الأربعين ولياً. |
| جامع الشيخ محيي الدين | حي الصالحية (السفح) | شيده السلطان سليم العثماني ويضم ضريح المتصوف محيي الدين بن عربي. |
| قبة السيار | الربوة المشرفة على بردى | أثر أيوبي شُيِّد للمراقبة والرصد وإطلالة متنزهات دمشق. |
| محطة بث قاسيون | أعلى القمة (1151 م) | المركز الرئيسي للإرسال والبث التلفزيوني والاتصالات في دمشق. |
خلال أحداث الحرب السورية بعد عام 2011، تحول الجبل إلى مسرح عسكري مفصلي، حيث اتخذت قوات النظام السوري من قممه وسفوحه منصات مدفعية ومراكز قيادية لاستهداف مناطق الغوطة الشرقية ومحيط العاصمة، كما تعرضت مواقعه لضربات جوية متكررة من قِبل إسرائيل استهدفت مستودعات ومقرات تسليح[1]. ومع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، بدأت مرحلة جديدة شملت إخلاء المواقع العسكرية الثقيلة من القمة وإطلاق مبادرات بلدية وأهلية لتأهيل شرفات الجبل ومقاهيه وإعادة دمجه كفضاء مدني وسياحي مفتوح لأهالي المدينة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات