حرية ومسؤولية
شكري القوتلي (1891 - 1967) زعيم وطني وسياسي سوري بارز، يُعد أول رئيس للجمهورية السورية بعد الاستقلال الفعلي. ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، بدءاً من النضال السري ضد الحكم العثماني، مروراً بمقاومة الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى تحقيق «الجلاء» عام 1946. عُرف بلقب «المواطن الأول» بعد أن تنازل طوعاً عن منصب الرئاسة عام 1958 لصالح جمال عبد الناصر إيذاناً بقيام «الجمهورية العربية المتحدة». جسّد القوتلي تيار القومية العربية المدنية، وعانى من الانقلابات العسكرية التي عصفت بسوريا، لينهي حياته منفياً بعد انهيار الوحدة ونكسة حزيران.
ولد شكري بن محمود القوتلي في حي الشاغور بدمشق عام 1891، لأسرة دمشقية عريقة وثرية عُرفت بنشاطها الاقتصادي ومكانتها الاجتماعية. تلقى تعليمه الأولي في مدارس دمشق، ثم التحق بـ«مكتب عنبر» الذي كان يُعد أهم مدرسة ثانوية في بلاد الشام حينها. انتقل بعدها إلى إسطنبول ملتحقاً بالمدرسة الشاهانية (مدرسة المُلْكية) لدراسة العلوم السياسية والإدارية، وتخرج فيها عام 1913.[1]
خلال دراسته في إسطنبول، تشرّب القوتلي الأفكار القومية العربية وانضم إلى جمعية «العربية الفتاة» السرية التي كانت تطالب بحقوق العرب داخل الدولة العثمانية، ثم تحولت إلى المطالبة بالاستقلال التام.
في عام 1916، اعتقله الحاكم العسكري العثماني جمال باشا (السفاح) بتهمة النشاط القومي. تعرض القوتلي لتعذيب وحشي في سجن خان الباشا بدمشق. وخوفاً من أن يضعف تحت التعذيب ويفشي أسماء رفاقه في الحركة السرية، أقدم على محاولة انتحار بقطع شرايين معصمه، إلا أن رفاقه في الزنزانة أنقذوه في اللحظات الأخيرة، وبقيت ندوب تلك المحاولة على معصمه طوال حياته كشاهد على صلابته.[2]
بدأت مسيرة القوتلي السياسية العلنية مع قيام الحكومة العربية في دمشق برئاسة الملك فيصل الأول (1918-1920)، حيث عُين في مناصب إدارية هامة. ومع دخول الفرنسيين وإعلان الانتداب، تحول إلى معارض شرس، فحُكم عليه بالإعدام غيابياً، مما اضطره للجوء إلى مصر وأوروبا، حيث ساهم في تأسيس «المؤتمر السوري الفلسطيني» لتمويل المقاومة وتسليح الثورة السورية الكبرى (1925).
عاد القوتلي إلى سوريا إثر عفو عام 1932، وبرز كأحد قادة «الكتلة الوطنية»، وهي التنظيم السياسي الرئيسي الذي قاد المفاوضات والمظاهرات ضد الفرنسيين. في عام 1943، ووسط ظروف الحرب العالمية الثانية والضغط الشعبي، أُجريت انتخابات نيابية أوصلت القوتلي إلى سدة الرئاسة للمرة الأولى.
بعد سقوط الأنظمة العسكرية وعودة الحياة النيابية، انتُخب القوتلي رئيساً للمرة الثانية عام 1955. اتسمت هذه المرحلة بصراع الحرب الباردة في الشرق الأوسط. قاد القوتلي سياسة حازمة برفض الدخول في «حلف بغداد» الغربي، ووجّه سوريا نحو محور الحياد الإيجابي والتقارب مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر، والتعاون الاقتصادي والعسكري مع الاتحاد السوفيتي.[3]
لم يقتصر دور القوتلي على كونه زعيماً سياسياً، بل كان رجل دولة ساهم في وضع أسس المؤسسات السورية الحديثة:
أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس! لقد أخذت شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ونصفه يعتقد أنه زعيم، وربعه يعتقد أنه نبي، وعُشره يعتقد أنه إله!
مقولة تُنسب للقوتلي موجهاً كلامه لجمال عبد الناصر بعد توقيع ميثاق الوحدة
رغم مكانته التاريخية كـ«بطل الجلاء»، واجه القوتلي انتقادات شديدة في محطات عدة، أبرزها:
يرى بعض المؤرخين والسياسيين المعاصرين له أن قبوله السريع والمندفع بالوحدة الاندماجية غير المشروطة مع مصر عام 1958 كان "خطأً استراتيجياً" أدى إلى إلغاء التعددية الحزبية في سوريا وتمهيد الطريق للانفصال عام 1961، في حين يدافع أنصاره بأن الجيش والشعب فرضا الوحدة، وأن القوتلي اختار حقن الدماء وتلبية الحلم القومي.
كما وُجهت له انتقادات خلال حرب 1948 لعدم جاهزية الجيش السوري، وهو ما استغله العسكر بقيادة حسني الزعيم لتبرير انقلابهم الأول عام 1949 والذي أسس لسلسلة من التدخلات العسكرية التي دمرت الحياة الديمقراطية الناشئة في سوريا.
بعد وقوع الانفصال عام 1961، أصدر القوتلي بياناً شهيراً أدان فيه أخطاء الوحدة ولكنه رفض بالمطلق شرعنة الانفصال وحذر من مخاطر تدخل العسكر في السياسة. غادر سوريا ليعيش سنواته الأخيرة في المنفى ببيروت. [5]
تدهورت صحته بشدة بعد اندلاع حرب 5 حزيران 1967 (النكسة) واحتلال الجولان، وتوفي بعدها بأسابيع في 30 يونيو 1967 إثر أزمة قلبية. شُيع جثمانه في دمشق بجنازة شعبية ورسمية مهيبة. يُذكر القوتلي اليوم كرمز للاستقلال المدني، ونموذج للسياسي الذي زهد بالسلطة من أجل المبدأ، وصاحب الأيادي البيضاء في الذمة المالية مقارنة بتعقيدات المشهد السوري اللاحق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات