حرية ومسؤولية
غازي كنعان (1942 - 12 أكتوبر 2005)، عسكري وسياسي سوري برز كأحد أقوى رجالات الاستخبارات السورية وأكثرهم نفوذاً خلال النصف الثاني من القرن العشرين. شغل منصب رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري في لبنان لقرابة عقدين من الزمن، ليُعرف خلالها على نطاق واسع بكونه "الحاكم الفعلي" ومهندس السياسة السورية في لبنان، قبل أن يعود إلى دمشق في أواخر مسيرته ليتولى رئاسة شعبة الأمن السياسي ثم حقيبة وزارة الداخلية السورية. اتسمت مسيرته بالسطوة والغموض، ولعب دوراً محورياً في صياغة المشهد السياسي اللبناني في حقبة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، وإرساء دعائم النفوذ السوري هناك. انتهت حياته بظروف مثيرة للجدل والتشكيك، حين أُعلن عن انتحاره بطلق ناري في مكتبه بدمشق عام 2005، وذلك في خضم ضغوط دولية غير مسبوقة وتحقيقات أممية مكثفة أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق.
ولد غازي كنعان عام 1942 في قرية [[بحمرا|قرية سورية باللاذقية]] الجبلية التابعة لمحافظة اللاذقية على الساحل السوري. نشأ في كنف عائلة تنتمي إلى الطائفة العلوية التي تشكل شريحة واسعة في تلك المنطقة، وتلقى تعليمه الأساسي في مسقط رأسه ومدارس الساحل، قبل أن يتوجه في شبابه نحو الحياة العسكرية التي كانت في تلك الحقبة البوابة الرئيسية للصعود السياسي والاجتماعي والنفوذ في سوريا، لا سيما بعد تولي حزب البعث العربي الاشتراكي مقاليد السلطة1.
التحق كنعان بالكلية العسكرية في مدينة [[حمص|مدينة سورية وسط البلاد]]، وتخرج منها عام 1965 برتبة ملازم. تميز خلال مسيرته العسكرية المبكرة بالانضباط والولاء والانخراط العميق في العمل الأمني، ما أهله ليتدرج سريعاً في المناصب الحساسة ضمن تشكيلات المخابرات السورية. وبعد وصول الرئيس السوري الأسبق [[حافظ الأسد|رئيس سوري أسبق]] إلى سدة الحكم في بداية السبعينيات، تعززت مكانة كنعان داخل الأجهزة الأمنية، كجزء من استراتيجية النظام في الاعتماد على ضباط يمتلكون الولاء المطلق والقدرة على الحسم2.
وفي تطور لافت في مسيرته الميدانية، عُين كنعان رئيساً لفرع المخابرات العسكرية (الذي كان يُعرف محلياً بالشعبة الثانية) في المنطقة الوسطى ومقرها حمص. وقد استمر في هذا المنصب الحساس لعدة سنوات امتدت حتى عام 1982. وخلال تلك الفترة، تزامنت مسؤوليته مع تحديات أمنية كبرى، حيث أشرف كنعان على إدارة الملفات الأمنية المعقدة في حمص وما حولها، وأظهر حزماً كبيراً في ضبط الأمن والتعامل مع التحركات المناوئة للسلطة، ما لفت أنظار القيادة السياسية والأمنية العليا في دمشق إلى قدراته الاستخباراتية الاستثنائية ومهاراته في التنظيم والسيطرة، وجعله المرشح الأبرز لتولي ملفات إقليمية أكثر تعقيداً في ظل اشتعال الأزمات الإقليمية المحيطة بسوريا1.
شكل عام 1982 نقطة تحول كبرى في مسيرة غازي كنعان المهنية والسياسية؛ ففي خضم فوضى الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان، قررت القيادة السورية تكليفه بمهمة استراتيجية دقيقة، وعُين رئيساً لـ"جهاز الأمن والاستطلاع" التابع للقوات العربية السورية العاملة في لبنان. كان هذا الجهاز، من الناحية العملية، يمثل واجهة النفوذ العسكري والأمني والسياسي السوري في الساحة اللبنانية المتشابكة، وأداة دمشق المباشرة لإدارة الأزمة هناك2.
منذ تسلمه مهامه، اختار كنعان بلدة عنجر الواقعة في سهل البقاع مقراً لمركزه الميداني. ولم يكن اختيار هذه البلدة عشوائياً؛ فقد كانت تمثل نقطة ارتكاز جغرافية استراتيجية تضمن القرب الجغرافي والأمني من العاصمة دمشق، مع احتفاظها بإطلالة واسعة على الداخل اللبناني. وفي غضون سنوات قليلة، تحول مقر الاستخبارات السورية في عنجر إلى ما يشبه "العاصمة السياسية والأمنية" للبنان، ومزاراً يومياً تتوافد إليه شخصيات لبنانية من كافة الأطياف السياسية والطائفية؛ من رؤساء جمهوريات وحكومات، إلى وزراء ونواب وزعماء ميليشيات، سعياً للحصول على الدعم أو تثبيت الأدوار في تركيبة السلطة اللبنانية3.
لم يقتصر دور غازي كنعان على المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية؛ بل امتد إلى هندسة الحكومات اللبنانية المتعاقبة، والمصادقة على التعيينات الإدارية والأمنية الدقيقة، وحسم الخلافات المستعصية بين الفصائل اللبنانية المتناحرة. لعب كنعان دوراً جوهرياً في دعم وتوجيه الفصائل الموالية لدمشق، وساهم بقوة في إرساء دعائم [[اتفاق الطائف|وثيقة الوفاق الوطني اللبناني]] الذي وُقع عام 1989، والذي وضع حداً رسمياً للحرب الأهلية اللبنانية بتوافق إقليمي ودولي أوكل لسوريا دور "الضامن" الحصري للاستقرار في لبنان2.
وفي حقبة ما بعد الطائف، أشرف كنعان، تنفيذاً للاستراتيجية السورية، على عملية نزع سلاح الميليشيات اللبنانية المتنازعة وتوحيد مؤسسات الدولة، مع استثناء استراتيجي وحيد تمثل في الإبقاء على سلاح "حزب الله" تحت عنوان "المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي" في جنوب لبنان. وطوال عقدين من الزمن، رسخ كنعان لنفسه صورة "المندوب السامي" الذي أدار التناقضات اللبنانية ببراعة فائقة، مستخدماً سياسة العصا والجزرة لترويض الخصوم والحفاظ على مصالح دمشق العليا. ورغم القبضة الأمنية الصارمة التي مارسها ضد القوى المناهضة للوجود السوري، فقد نسج علاقات وثيقة ومباشرة ومصالح اقتصادية متشابكة مع العديد من أقطاب السياسة في لبنان، وكان أبرزها علاقته الطويلة والمتقلبة مع [[رفيق الحريري|رئيس وزراء لبنان الأسبق]]، وهي العلاقة التي تدهورت بشكل حاد في السنوات التي سبقت اغتيال الحريري3.
في أواخر عام 2002، وفي ظل متغيرات إقليمية حادة وتغييرات متسارعة في هيكلية السلطة بدمشق بعد تولي الرئيس [[بشار الأسد|الرئيس السوري]] مقاليد الحكم، أُنهيت مهام غازي كنعان في لبنان بشكل رسمي، وجرى تكريمه عسكرياً في بيروت بمناسبة انتهاء مهامه الطويلة، ليخلفه في موقعه نائبه العميد [[رستم غزالة|ضابط أمن سوري]]4. عاد كنعان إلى دمشق محملاً بخبرة واسعة وعلاقات إقليمية متشعبة، ليُكلف بمنصب بالغ الأهمية في الداخل السوري وهو رئاسة "شعبة الأمن السياسي"، أحد أعرق الأجهزة الأمنية في البلاد. ولم تكن هذه العودة مجرد ترقية روتينية، بل قرأها المحللون في سياق ترتيبات البيت الداخلي التي كان يقودها الرئيس الجديد لإحكام سيطرته على مفاصل الدولة، عبر إعادة تموضع رموز "الحرس القديم"3.
خلال فترة رئاسته لشعبة الأمن السياسي، سعى كنعان إلى إعادة هيكلة الجهاز وتعزيز هيبته وقبضته في الداخل السوري، كما واصل لعب دور في الملفات الأمنية الإقليمية، بما في ذلك التعاون الأمني الحدودي وتنسيق الملفات المخابراتية مع الدول المجاورة، والتعامل مع التداعيات الأمنية الخطيرة للغزو الأمريكي للعراق عام 2003. أظهر كنعان قدرة مستمرة على التكيف، إلا أن طموحه السياسي وتاريخه الأمني الثقيل كانا يجعلانه شخصية ذات ثقل مركزي يتجاوز حدود منصبه1.
وفي خطوة وُصفت بأنها ترفيع يمهد لخروجه من الخدمة العسكرية لبلوغه السن القانونية للتقاعد، عُين غازي كنعان وزيراً للداخلية بصفته المدنية في تشرين الأول/أكتوبر 2004 في حكومة محمد ناجي العطري. من موقعه كوزير، عمل كنعان على فرض سلطة الوزارة الإدارية والأمنية، وأصدر قرارات صارمة شملت محاسبة وسجن عدد من الضباط والمسؤولين لفرض الانضباط واستئصال التسيب، مستفيداً من تاريخه المهاب وسمعته الأمنية. غير أن دوره كوزير للداخلية سرعان ما واجه أصعب اختباراته الدبلوماسية والأمنية مع اندلاع أزمة التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود، وما تبعها من سلسلة تفجيرات واغتيالات سياسية في لبنان4.
شهدت السنوات والأشهر الأخيرة من مسيرة غازي كنعان تقلبات عاصفة وضغوطاً دولية غير مسبوقة. فبعد الجريمة المروعة لاغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005، وُجهت أصابع الاتهام اللبنانية والدولية بشكل مباشر وصريح إلى الأجهزة الأمنية السورية وحلفائها اللبنانيين. وعلى الرغم من أن كنعان كان قد غادر الملف اللبناني رسمياً قبل حادثة الاغتيال بنحو ثلاث سنوات، إلا أن ارتباط اسمه التاريخي بالمنظومة الأمنية في لبنان، ومعرفته العميقة بتفاصيل الساحة اللبنانية، جعلته في صلب العاصفة السياسية والإعلامية5.
تصاعدت الضغوط الدولية على دمشق بشكل متسارع، وصدر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1559 الذي طالب بانسحاب كافة القوات الأجنبية من لبنان، ما أدى في نهاية المطاف إلى انسحاب الجيش السوري بالكامل في نيسان/أبريل 2005. تزامناً مع ذلك، شُكلت لجنة تحقيق دولية مستقلة برئاسة القاضي [[ديتليف ميليس|محقق دولي ألماني]] (Detlev Mehlis) للتحقيق في جريمة الاغتيال. وفي إطار عمل اللجنة، طلب ميليس الاستماع إلى شهادات عدد من كبار المسؤولين الأمنيين السوريين كشهود، وكان اللواء غازي كنعان في طليعتهم. وفي أيلول/سبتمبر 2005، التقى كنعان بمحققي اللجنة في منتجع "مونتي روزا" (Monte Rosa) الجبلي القريب من دمشق، وهو اللقاء الذي أُحيط بسرية تامة وتكتم شديد، وتسربت حوله لاحقاً شائعات كثيرة5.
بالتوازي مع مجريات التحقيق، استبقت الإدارة الأمريكية صدور أي نتائج رسمية، وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تجميد الأصول والممتلكات الخاصة بغازي كنعان ورستم غزالة في لبنان والولايات المتحدة، بتهمة زعزعة استقرار لبنان ودعم الإرهاب، في خطوة اعتبرتها دمشق تدخلاً مسيساً يستهدف النيل من سيادتها. وجدت القيادة السورية نفسها في موقف دفاعي حرج للغاية، بينما تناقلت وسائل الإعلام اللبنانية والدولية تقارير وتسريبات تتهم كنعان بالفساد المالي وتلقي رشاوى ضخمة وتغطية عمليات تصفية سياسية، وهو ما اعتبره كنعان شخصياً حملة تشويه ممنهجة استهدفت تدمير تاريخه العسكري وصورته التي بناها على مدى عقود4.
في ظهيرة يوم الأربعاء 12 تشرين الأول/أكتوبر 2005، وقبل صدور تقرير ديتليف ميليس بأيام قليلة، اهتزت العاصمة السورية والمنطقة العربية بخبر إعلان وفاة وزير الداخلية اللواء غازي كنعان داخل مكتبه في مبنى الوزارة بدمشق. وفي تصريح سريع ومقتضب، أعلنت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) أن كنعان قد أقدم على الانتحار بواسطة مسدس. ولاحقاً في اليوم ذاته، أعلن المحامي العام الأول في دمشق انتهاء التحقيقات الرسمية، مؤكداً أن كنعان أدخل فوهة المسدس في فمه وأطلق رصاصة واحدة أودت بحياته فوراً، وأن الحادثة موثقة بناءً على شهادات العاملين في مكتبه، ومنهم مدير مكتبه الذي أفاد بأن الوزير غادر لفترة قصيرة إلى منزله ثم عاد وأغلق باب مكتبه قبل سماع دوي الرصاصة6.
ما زاد من كثافة الغموض حول الحادثة هو الاتصال الهاتفي الأخير والمفاجئ الذي أجراه كنعان قبل نحو ساعة من إعلان وفاته مع إذاعة مسموعة في لبنان، حيث تحدث مع الإعلامية اللبنانية وردة الزامل. في تلك المكالمة الصوتية المسجلة، نفى كنعان بشدة وبنبرة قاطعة الاتهامات بالرشوة والفساد التي أوردتها إحدى المحطات التلفزيونية اللبنانية حول تلقيه أموالاً من الحريري. وأبدى خيبة أمله وأسفه العميق من مواقف بعض السياسيين والإعلاميين اللبنانيين الذين هاجموا سوريا بضراوة، مذكراً بـ"التضحيات" التي قدمتها بلاده. وقد ختم كنعان المكالمة بعبارة شهيرة ومقتضبة أثارت وابلاً من التأويلات الأمنية والسياسية:
أعتقد أن هذا آخر تصريح ممكن أن أعطيه.
غازي كنعان في مكالمته الهاتفية الأخيرة
رفضت شرائح واسعة من الأوساط السياسية والإعلامية، وخاصة المعارضة السورية والسياسيين اللبنانيين المناهضين لدمشق، تصديق الرواية الرسمية للانتحار. ورجحت تقارير عديدة أن يكون كنعان قد تعرض لعملية "تصفية" واغتيال سياسي محكم من قبل أجهزة النظام السوري نفسه. واستند أصحاب هذا الطرح إلى تحليلات تفيد بأن كنعان ربما كان يعتزم تقديم معلومات حاسمة تدين شخصيات عليا للجنة التحقيق الدولية، أو أنه كان ينسق سرياً للإطاحة بالقيادة السورية بالتعاون مع جهات خارجية بعد تدهور الثقة بينه وبين الدائرة الضيقة للرئيس السوري، مما جعله "صندوق أسرار" وعبئاً أمنياً لا يمكن احتماله، فصدر القرار بإسكاته للأبد3.
على الصعيد السياسي، سارع وزير الخارجية السوري آنذاك [[فاروق الشرع|وزير خارجية سوريا الأسبق]] إلى تحميل وسائل الإعلام اللبنانية مسؤولية الانتحار، معتبراً أن حملات التشهير الكاذبة والتسريبات الظالمة كانت أشد فتكاً من الرصاص. في المقابل، تباينت ردود الفعل في لبنان؛ فاعتبر الزعيم الدرزي [[وليد جنبلاط|سياسي لبناني]] أن الانتحار، إن كان احتجاجاً على المس بكرامته، هو "عمل شجاع لرجل شجاع"، بينما علق النائب ميشال عون ببرود قائلاً إن كنعان "خدم النظام السوري حتى الانتحار". وعلى المستوى الدولي، رفضت واشنطن الإدلاء بأي تعليق رسمي، في حين اتهمت إسرائيل النظام السوري صراحة بقتله لطمس الأدلة المتعلقة باغتيال الحريري6.
ترك غازي كنعان خلفه إرثاً شديد التعقيد والتناقض والتشابك. ففي القراءة الرسمية للقيادة السورية الكلاسيكية، كان كنعان ضابطاً كفؤاً ورجل دولة حازماً وبراغماتياً، استطاع إدارة أعقد الملفات الإقليمية في أحلك الظروف الإقليمية والدولية. ويُنسب إليه الفضل سورياً في إنهاء حمام الدم اللبناني، وضمان استقرار نسبي في الخاصرة الغربية لسوريا، وحماية المصالح الاستراتيجية العليا لبلاده دون التورط في مستنقع المواجهات العسكرية المفتوحة التي كانت تستنزف المنطقة1.
أما في الذاكرة السياسية والشعبية اللبنانية، فيمثل اسم غازي كنعان التجسيد الحي لـ"الوصاية السورية" والقبضة الأمنية الصارمة. بالنسبة لمعارضيه، كان كنعان الحاكم المطلق الذي هندس قوانين الانتخابات المجحفة، وفرض الرؤساء والوزراء، وقمع الحركات السيادية المناهضة للوجود السوري. ورغم ذلك، يعترف الكثير من السياسيين اللبنانيين بأنه كان يتمتع بدهاء سياسي عالٍ وقدرة على فهم سيكولوجية المجتمع اللبناني وتناقضاته الطائفية أفضل من غيره من الضباط السوريين3.
دُفن غازي كنعان في مسقط رأسه بقرية بحمرا الجبلية ضمن مراسم تشييع ودفن أُحيطت بمراقبة أمنية كثيفة وصمت رسمي ملحوظ. وبوفاته الدرامية، طُويت واحدة من أهم الصفحات في تاريخ المخابرات السورية والسياسة الإقليمية، تاركاً وراءه كماً هائلاً من الأسرار المدفونة التي تتعلق بخفايا الحرب الأهلية اللبنانية، واتفاق الطائف، ومرحلة الاغتيالات التي غيّرت وجه الشرق الأوسط الحديث6.