حرية ومسؤولية
دمشق – عقد وزير الصحة اجتماعاً موسعاً مع وفد منظمة الصحة العالمية في العاصمة، لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك وتطوير الاستجابة الطبية العاجلة. ناقش الجانبان آليات دعم المنظومة الصحية التي تعرضت لهزات قوية جراء الأزمات المتتالية، وتركز النقاش على تأمين المستلزمات الطبية الضرورية والأدوية المزمنة للمشافي العامة في مختلف المحافظات السورية.
يمثل هذا اللقاء خطوة محورية ضمن خطط الدولة لإعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة للقطاع الطبي، والذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة بسبب نقص التمويل والعقوبات الاقتصادية. تسعى وزارة الصحة عبر شراكاتها الاستراتيجية مع المنظمات الدولية إلى ردم الهوة الحاصلة في المخزون الدوائي وإعادة تأهيل المراكز الحيوية المتضررة. يذكر أن النظام الصحي السوري اعتمد تاريخياً على شبكة واسعة من الإنتاج المحلي للأدوية التي غطت نسبة كبيرة من الاحتياجات الوطنية قبل أن تتراجع بفعل ظروف الحرب، مما يجعل التنسيق مع الوكالات الأممية طوق نجاة حقيقي لتجنب أي أزمات كارثية في توريد اللقاحات والعلاجات التخصصية للفئات الأكثر احتياجاً.
بخطوة استراتيجية تعكس إدراكاً عميقاً لمتطلبات المرحلة وتثميناً لجهود الكوادر الوطنية، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 68 لعام 2026، الذي لا يعد مجرد زيادة مالية، بل هو استثمار حقيقي في "رأس المال البشري" السوري.
يأتي هذا المرسوم ليضع حداً لسنوات من الترقب، مطبقاً لائحة زيادة نوعية تشمل مفاصل الدولة الحيوية من تعليم وصحة ورقابة، ومدمجاً فيها علاوات الترفيع القانونية لضمان تحسين ملموس في المستوى المعيشي.
إن التركيز على قطاعات كالطب والتعليم يعكس رغبة الدولة في حماية أمنها الصحي والمعرفي، بينما جاءت النقطة الثانية لتنصف العاملين في المناطق النائية عبر تعويضات خاصة، ما يكرس مبدأ العدالة الاجتماعية والتحفيز على العمل في كافة الجغرافيا السورية.
وفي النقطة الثالثة، يبرز البعد المؤسساتي من خلال إشراك الهيئات الرقابية والمصرف المركزي، في إشارة واضحة لتعزيز النزاهة والكفاءة الإدارية. إن هذا التحول في سياسة الأجور، الذي يدخل حيز التنفيذ في مطلع أيار المقبل، يمثل دفعة معنوية هائلة للموظف السوري، ويؤكد أن عجلة الإصلاح الاقتصادي قد انطلقت فعلياً لتلامس حياة المواطن اليومية، معيدةً الهيبة للوظيفة العامة ومحفزةً الكفاءات على العطاء والبناء في وطن يستحق الأفضل.
لكن هذا الدعم الحيوي، على أهميته، لا يكاد يغطي جرحاً هائلاً تكشفه المنظمة نفسها. فبينما تنتقل سوريا لمرحلة التعافي، ظهرت "فجوة انتقالية" مميتة في التمويل.
هذه الفجوة ليست مجرد أرقام في ميزانية؛ إنها كارثة إنسانية تعني أن 417 مرفقاً صحياً تأثر، و366 منها قلصت خدماتها بالفعل. وكما حذرت كريستينا بيثكي بكلمات قاسية، فإن هذه الفجوة "تُقاس بالمرضى الذين لم يتلقوا الرعاية"، وهم 7.4 مليون إنسان يفقدون حقهم في الدواء.
هذا ليس مجرد تعديل مالي؛ إنه "إنصاف" طال انتظاره للمعلمين والأطباء. فبعد الزيادة الأولية (200%) وإصلاح قطاعات العدل والدفاع، تنتقل الدولة الآن لدعم "بناة العقول وحراس الحياة". هذه الخطوة هي جزء من إصلاح شامل لمنظومة أجور عادلة العام القادم. لكن الرؤية أعمق من الأرقام؛ إنها ترميم للنسيج الاجتماعي.
فالوزارة لا تطلق استراتيجية لمكافحة الفقر فقط، بل تعمل على إنصاف المتقاعدين العسكريين، والأهم، أنها تفتح الباب لعودة الموظفين الذين "فُصلوا تعسفياً" منذ 2011 بسبب آرائهم. إنه إصلاح يعيد للمواطن كرامته قبل راتبه.