حرية ومسؤولية
حسمت نقابة الأطباء السورية في العاصمة دمشق اليوم قراراً إدارياً يقضي بحذف أسماء عشرة أطباء نهائياً من جداولها الرسمية وإلغاء اشتراكهم في صندوق التعاون، إثر ثبوت ارتكابهم جرائم وحشية منافية للإنسانية ومخالفتهم الفاضحة لقسم المهنة وأخلاقياتها الطبية طوال السنوات الماضية.
استند هذا الإجراء العقابي إلى تحقيقات موسعة وتوثيقات حقوقية كشفت تورط كوادر صحية في انتهاكات جسيمة طالت المعتقلين والمصابين داخل المشافي العسكرية، ولا سيما مشفى تشرين العسكري وشعب الطب الشرعي المرتبطة بالأجهزة الأمنية التابعة لنظام الحكم المخلوع. وأكدت النقابة في قرارها أن لوائح الشطب لن تتوقف عند هؤلاء، بل ستتبعها قرارات مماثلة بحق كل من ساهم في التعذيب أو تزوير شهادات الوفاة وطمس معالم التصفية الميدانية ضد الضحايا. يأتي هذا التحرك النقابي في وقت تسعى فيه المؤسسات الطبية السورية إلى تطهير بنيتها المهنية واستعادة ثقة المجتمع الدولي بالمنظومة الصحية الوطنية بعد عقود من التسييس القسري والانتهاكات الممنهجة لحقوق المرضى والسجناء. وتكشف شهادات الناجين ومصادر حقوقية مستقلة عن استغلال المرافق الاستشفائية كغرف احتجاز غير معلنة، حيث تعرض معارضون للإهمال الطبي المتعمد والقتل العمد دون مراعاة لأدنى المعايير الدولية المعمول بها في منظمة الصحة العالمية أو مواثيق جنيف. ويضع هذا الإجراء الصارم حداً لإفلات مرتكبي الجرائم بصفوف الكوادر الطبية من العقاب الإداري، مؤسساً لمرحلة جديدة من المحاسبة والشفافية تضمن حماية المرضى وصون كرامة الممارسة الإنسانية في المشافي العامة والخاصة على حد سواء.
أعلنت الحكومة الكورية الجنوبية عن إطلاق حزمة مساعدات تنموية وإنسانية جديدة موجهة إلى سوريا، تركز بشكل أساسي على قطاعات الصحة والتعليم وإزالة الأنقاض في المدن المتضررة. جرى الإعلان عن هذه المبادرة خلال اجتماع رسمي عقد في العاصمة سول، حيث أكدت وزارة الخارجية الكورية أن الدعم الجديد يهدف إلى مساعدة الشعب السوري على تجاوز مخلفات سنوات الحرب الطويلة وإعادة بناء البنى التحتية الأساسية التي انهارت تماماً.
تأتي هذه الخطوة الكورية في توقيت تسعى فيه دمشق لفتح قنوات دبلوماسية واقتصادية جديدة مع حلفاء جدد خارج الدوائر التقليدية، مستفيدة من التراجع التدريجي لعزلتها الدولية. تمتلك سيول خبرات تقنية ومالية هائلة في مجالات إدارة الكوارث وإعادة الإعمار السريع، وهي تجارب راكمتها منذ عقود وساهمت في تحويلها إلى قوة اقتصادية عالمية قادرة على تقديم نماذج تنموية فعالة. عانت المؤسسات الخدمية في سوريا من شلل شبه تام ونقص حاد في المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الركام وتأهيل المستشفيات والمدارس، مما يجعل الدعم الآسيوي رافعة حقيقية لعودة الحياة الطبيعية لملايين السكان. تراهن الإدارة السورية على هذه الشراكات النوعية لإعادة تدوير عجلة الإنتاج المحلي وتخفيف المعاناة الإنسانية المتراكمة، وسط مساعٍ دؤوبة لجذب الاستثمار الأجنبي وتأمين شبكة أمان دولية تضمن استمرارية خدمات الطوارئ والتنمية المستدامة.
دمشق – عقد وزير الصحة اجتماعاً موسعاً مع وفد منظمة الصحة العالمية في العاصمة، لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك وتطوير الاستجابة الطبية العاجلة. ناقش الجانبان آليات دعم المنظومة الصحية التي تعرضت لهزات قوية جراء الأزمات المتتالية، وتركز النقاش على تأمين المستلزمات الطبية الضرورية والأدوية المزمنة للمشافي العامة في مختلف المحافظات السورية.
يمثل هذا اللقاء خطوة محورية ضمن خطط الدولة لإعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة للقطاع الطبي، والذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة بسبب نقص التمويل والعقوبات الاقتصادية. تسعى وزارة الصحة عبر شراكاتها الاستراتيجية مع المنظمات الدولية إلى ردم الهوة الحاصلة في المخزون الدوائي وإعادة تأهيل المراكز الحيوية المتضررة. يذكر أن النظام الصحي السوري اعتمد تاريخياً على شبكة واسعة من الإنتاج المحلي للأدوية التي غطت نسبة كبيرة من الاحتياجات الوطنية قبل أن تتراجع بفعل ظروف الحرب، مما يجعل التنسيق مع الوكالات الأممية طوق نجاة حقيقي لتجنب أي أزمات كارثية في توريد اللقاحات والعلاجات التخصصية للفئات الأكثر احتياجاً.
بخطوة استراتيجية تعكس إدراكاً عميقاً لمتطلبات المرحلة وتثميناً لجهود الكوادر الوطنية، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 68 لعام 2026، الذي لا يعد مجرد زيادة مالية، بل هو استثمار حقيقي في "رأس المال البشري" السوري.
يأتي هذا المرسوم ليضع حداً لسنوات من الترقب، مطبقاً لائحة زيادة نوعية تشمل مفاصل الدولة الحيوية من تعليم وصحة ورقابة، ومدمجاً فيها علاوات الترفيع القانونية لضمان تحسين ملموس في المستوى المعيشي.
إن التركيز على قطاعات كالطب والتعليم يعكس رغبة الدولة في حماية أمنها الصحي والمعرفي، بينما جاءت النقطة الثانية لتنصف العاملين في المناطق النائية عبر تعويضات خاصة، ما يكرس مبدأ العدالة الاجتماعية والتحفيز على العمل في كافة الجغرافيا السورية.
وفي النقطة الثالثة، يبرز البعد المؤسساتي من خلال إشراك الهيئات الرقابية والمصرف المركزي، في إشارة واضحة لتعزيز النزاهة والكفاءة الإدارية. إن هذا التحول في سياسة الأجور، الذي يدخل حيز التنفيذ في مطلع أيار المقبل، يمثل دفعة معنوية هائلة للموظف السوري، ويؤكد أن عجلة الإصلاح الاقتصادي قد انطلقت فعلياً لتلامس حياة المواطن اليومية، معيدةً الهيبة للوظيفة العامة ومحفزةً الكفاءات على العطاء والبناء في وطن يستحق الأفضل.
لكن هذا الدعم الحيوي، على أهميته، لا يكاد يغطي جرحاً هائلاً تكشفه المنظمة نفسها. فبينما تنتقل سوريا لمرحلة التعافي، ظهرت "فجوة انتقالية" مميتة في التمويل.
هذه الفجوة ليست مجرد أرقام في ميزانية؛ إنها كارثة إنسانية تعني أن 417 مرفقاً صحياً تأثر، و366 منها قلصت خدماتها بالفعل. وكما حذرت كريستينا بيثكي بكلمات قاسية، فإن هذه الفجوة "تُقاس بالمرضى الذين لم يتلقوا الرعاية"، وهم 7.4 مليون إنسان يفقدون حقهم في الدواء.
هذا ليس مجرد تعديل مالي؛ إنه "إنصاف" طال انتظاره للمعلمين والأطباء. فبعد الزيادة الأولية (200%) وإصلاح قطاعات العدل والدفاع، تنتقل الدولة الآن لدعم "بناة العقول وحراس الحياة". هذه الخطوة هي جزء من إصلاح شامل لمنظومة أجور عادلة العام القادم. لكن الرؤية أعمق من الأرقام؛ إنها ترميم للنسيج الاجتماعي.
فالوزارة لا تطلق استراتيجية لمكافحة الفقر فقط، بل تعمل على إنصاف المتقاعدين العسكريين، والأهم، أنها تفتح الباب لعودة الموظفين الذين "فُصلوا تعسفياً" منذ 2011 بسبب آرائهم. إنه إصلاح يعيد للمواطن كرامته قبل راتبه.