حرية ومسؤولية
فجر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، سلسلة من المفاجآت السياسية خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي بتركيا، حيث كشف عن رسائل مباشرة نقلها الرئيس السوري أحمد الشرع تؤكد رغبة دمشق الأكيدة في تجنب أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
وأشاد براك بالموقف السوري "المنضبط"، مشيراً إلى أن عدم إطلاق أي صاروخ من الجبهة السورية خلال التصعيد الأخير يعكس توجهاً استراتيجياً جديداً يعطي الأولوية لإعادة الإعمار والاندماج الإقليمي على حساب جبهات القتال التقليدية.
الضغط على تل أبيب: أكد براك أن الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو لم يكتفيا بالوساطة، بل مارسا "ضغطاً مباشراً" على الحكومة الإسرائيلية، مبلّغين إياها بأن "ساعة وقف النار قد حانت"، وهو ما أفضى إلى الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ اليوم لمدة 10 أيام.
نزع سلاح "حزب الله": شدد المبعوث الأمريكي على أن أي اتفاق مستدام في لبنان يجب أن يمر عبر إنهاء "ازدواجية السلاح"، مؤكداً أن واشنطن ترفض بقاء قوة مسلحة موازية للدولة اللبنانية، وتعمل على تصحيح ثغرات اتفاقات 2024 التي شهدت انتهاكات متكررة.
سوريا كعامل استقرار: تأتي هذه التصريحات متناغمة مع خطاب الرئيس الشرع في المنتدى، حيث طرح رؤية سورية قائمة على ترسيخ الهدنات الطويلة وتحويل "المناطق المشتعلة" إلى ممرات أمن وتجارة، مؤكداً أن مصلحة سوريا تكمن في تبريد الجبهات لضمان تدفق الاستثمارات وإكمال دمج القوى المحلية.
إن "براغماتية أنطاليا" التي ظهرت اليوم تعكس تفاهمات غير معلنة بين واشنطن ودمشق برعاية تركية؛ فبينما تلتزم سوريا بالصمت العسكري على جبهة الجولان، تمنحها واشنطن "غطاءً سياسياً" يعزز شرعيتها الدولية الجديدة.
ومع دخول وقف إطلاق النار في لبنان مرحلة الاختبار، يبدو أن الرهان الأمريكي بات يعتمد على دمشق كلاعب عقلاني يمكنه المساهمة في لجم التصعيد الإقليمي، وهو ما يفتح الباب لمرحلة جديدة من العلاقات السورية-الغربية قد تتجاوز ملفات الأمن إلى آفاق سياسية أوسع في صيف عام 2026.
في قلب العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، برز تصريح المبعوث الأمريكي توم باراك كتحول جيوستراتيجي يضع دمشق في موقع "رئة العالم" البديلة لمضيق هرمز المشتعل.
يسعى المقترح الأمريكي لاستبدال الممرات المائية المهددة بشبكة أنابيب عبر الأراضي السورية، لتأمين تدفق ثلث الغاز المسال العالمي وربع استهلاك النفط الذي بات رهينة لتهديدات متبادلة بين ترامب وطهران بمحو محطات الطاقة وإغلاق المضيق.
وبينما يحاول باراك نفي ضغوط واشنطن على دمشق للتدخل العسكري في لبنان لنزع سلاح حزب الله، تكشف التقارير الاستخباراتية عن "مقايضة" كبرى تضع السوريين أمام خيارين؛ إما الانزلاق في أتون حرب إقليمية أو التحول إلى ممر اقتصادي ذهبي.
إن الحذر السوري الشديد يعكس رغبة في جني مكاسب "الجغرافيا السياسية" دون دفع ضريبة الدم، مفضلةً دور "جسر الطاقة" على دور "الشرطي العسكري".
هذا المشهد يضع سوريا اليوم في عين الإعصار، حيث تتحول أنابيبها المفترضة إلى رهان دولي لكسر عنق الزجاجة الإيراني، في وقت يتساءل فيه المراقبون: هل تنجح دمشق في ترويض جنون الحرب عبر بوابة الاقتصاد، لتصبح المخرج الوحيد لأزمة طاقة عالمية تهدد بانهيار الأسواق؟
في خطوة إنسانية وسياسية بالغة الأهمية، شهدت محافظة السويداء السورية إنجاز عملية تبادل للأسرى والموقوفين، لتمثل بارقة أمل جديدة نحو طي صفحة الخلافات وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
هذه العملية، التي جرت بتيسير من الولايات المتحدة الأمريكية وبالتعاون الوثيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لاقت ترحيباً دولياً ومحلياً.
وقد عبّر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، عن تفاؤله بهذا الإنجاز، واصفاً إياه في تدوينة عبر منصة "إكس" بأنه "خطوة بعيداً عن الانتقام، وخطوة نحو الاستقرار"، مشيداً بالسلاسة والتنظيم العالي اللذين رافقا عودة التئام العائلات من جديد.
ميدانياً، لعبت قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع الشرطة العسكرية دوراً حاسماً في تأمين نجاح العملية؛ حيث كثفت دورياتها على طول طريق دمشق - السويداء لحماية القوافل.
وأسفرت هذه الترتيبات عن تأمين دخول 61 موقوفاً من أبناء المحافظة عبر ممر "المتونه"، وذلك في إطار تسوية تهدف إلى معالجة وإنهاء تداعيات الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ شهر تموز الماضي.
وشملت الصفقة إطلاق سراح هؤلاء الموقوفين مقابل الإفراج عن عدد من الأسرى الذين كانوا محتجزين لدى ما يُعرف بـ "الحرس الوطني".
تأتي هذه الانفراجة لتؤكد أن لغة الحوار والتبادل لا تزال الطريق الأنجع لرأب الصدع، وسط آمال شعبية بأن تمهد هذه الخطوة الناجحة لمزيد من التفاهمات التي تعيد الهدوء والأمان للبلاد.
في زيارة دبلوماسية رفيعة المستوى، التقى المبعوث الأمريكي الخاص توم براك، اليوم السبت 10 كانون الثاني، بالرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق.
اللقاء الذي جاء بتكليف مباشر من الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، ركّز على احتواء التصعيد في حلب وضمان استمرارية المسار الانتقالي.
أوضح براك أن الإدارة الأمريكية تنظر للمرحلة الحالية كفرصة تاريخية لبناء سوريا ديمقراطية موحدة، وأعلن رسمياً عن رفع العقوبات الأمريكية (بما في ذلك إنهاء العمل بقانون قيصر) لمنح الحكومة السورية القدرة على إعادة الإعمار والمضي قدماً. وأكد براك على ثوابت الرؤية الأمريكية:
المواطنة المتساوية: معاملة كافة المكونات (عرب، كرد، دروز، مسيحيين، علويين، تركمان، آشوريين) بكرامة واحترام.
المشاركة الفاعلة: ضمان تمثيل حقيقي لجميع الأطياف في مؤسسات الحكم والأمن الوطنية.
أعرب المبعوث الأمريكي عن "قلق بالغ" إزاء التطورات الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، مشيراً إلى أنها تتحدى بنود "اتفاق الاندماج" الموقّع في آذار 2025 بين دمشق وقسد.
ودعا براك إلى:
الوقف الفوري للأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس.
العودة للحوار بناءً على اتفاقي (10 آذار) و(1 نيسان) 2025.
تسهيل أمريكي: أبدى فريق الوزير ماركو روبيو استعداده للوساطة لضمان عملية "اندماج شاملة ومسؤولة" لقوات قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية.
بالتزامن مع هذه التصريحات، أعلنت وزارة الداخلية السورية بدء انتشار وحدات الأمن الداخلي (الشرطة) في حي الشيخ مقصود، بالتنسيق مع الجيش العربي السوري. وتهدف هذه الخطوة إلى:
إعادة تثبيت الأمن والاستقرار وحماية المدنيين.
الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة ومنع أي مظاهر للفوضى.
تطبيق خطة بسط النظام عقب انتهاء العمليات العسكرية التي استهدفت المجموعات الرافضة للاتفاق.
تصاعدت حدة التوتر في البادية السورية، حيث أدان المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس باراك، بشدة، الهجوم المسلح الذي استهدف دورية مشتركة بين القوات الأمريكية والقوات السورية بالقرب من تدمر.
أكد باراك على التزام واشنطن الراسخ بمكافحة الإرهاب بالتعاون مع شركائها السوريين.
وقد كشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن خسائر بشرية فادحة في صفوفها، حيث قُتل جنديان أمريكيان ومترجم مدني وأُصيب ثلاثة جنود آخرون.
وأوضحت القيادة الوسطى الأمريكية أن الدورية تعرضت لكمين نفذته خلايا تنظيم "داعش" الإرهابي في البادية، ما أسفر عن اشتباكات دموية.
في المقابل، حمّلت دمشق المسؤولية جزئياً، حيث صرّح المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، بأن قيادة الأمن الداخلي وجهت تحذيرات مسبقة للقوات الأمريكية بشأن احتمال وقوع هجمات لـ"داعش" في منطقة البادية، لكن قوات التحالف لم تأخذها بعين الاعتبار.
وفيما يتعلق بالمنفذ، أوضح البابا أن عنصراً من "داعش" هو من أطلق النار عند باب أحد المقرات العسكرية في بادية تدمر، نافياً بشدة أن يكون المنفذ يملك أي ارتباط قيادي أو مرافقاً للأمن الداخلي.
هذا الهجوم الدامي يلقي بظلاله على التعاون الأمني المشترك ويؤكد على الخطر المستمر الذي تشكله الخلايا الإرهابية في المنطقة.
إنه العقل المدبر للاستراتيجية الأمريكية الجديدة وهو يجلس وجهاً لوجه مع الأتراك. الصمت المطبق الذي فرضته الخارجية التركية حول "فحوى المباحثات" هو بحد ذاته خبر؛ إنه يؤكد ثقل ما يُناقش.
هذا الاجتماع لا يمكن فصله عن المبادرة "التاريخية" التي روّج لها غوركا سابقاً: الدفع بـ "الحكومة السورية الجديدة" (بقيادة أحمد الشرع)، وإطلاق مشروع إعادة إعمار هائل بتمويل سعودي تركي قطري.
ما يحدث اليوم هو "ضبط الإيقاع" بين واشنطن وأنقرة لضمان نجاح هذه الخطة، ومواجهة الإرهاب، والأهم، منع أي "نزعات انفصالية" قد تُشعل حرباً أهلية جديدة. إنها ليست مجرد محادثات، بل هي هندسة مباشرة لمرحلة ما بعد الأسد، ترسم الآن في أنقرة.
واشنطن لا تمزح؛ فهي تحضّر لاجتماع "حاسم" في دمشق، لن يضم الدبلوماسيين فقط، بل سيضم قائد القيادة المركزية الأمريكية (براد كوبر) شخصياً. على الطاولة، الملفات "الأثقل": آلية دمج "قسد" في الجيش، ومصير النفط والمعابر ومطار القامشلي.
لقد تحولت أمريكا من "حليف" قسد إلى "الضامن" لتنفيذ اتفاقها مع دمشق. تصريح عبدي بـ"تسريع الدمج" هو الإقرار الرسمي بأن "سوريا الموحدة" التي رسمها باراك هي المسار الوحيد المتبقي.
فبعد عقود من "القطيعة"، شهد باراك بنفسه التزام الرئيس الشرع لترامب بتحول سوريا من "العزلة" إلى "الشريك". هذا الالتزام هو "الصفقة الكبرى" التي ترعاها واشنطن: دمشق لن تنضم لتحالف "داعش" فقط، بل "ستساعد بنشاط" في تفكيك "الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وحماس".
هذه هي استراتيجية "الأمن أولاً" التي رعاها البيت الأبيض. ولترسيخها، عُقد اجتماع ثلاثي (سوري-تركي-أمريكي) تاريخي لوضع آليات دمج "قسد" وإعادة تعريف العلاقات مع إسرائيل وتركيا.
الآن، الكرة في ملعب الكونغرس، الذي يطالبه باراك بـ"الإلغاء الكامل لقانون قيصر" لمنح سوريا "فرصة حقيقية" لإعادة تشغيل محركها الاقتصادي.
فبعد "مكالمة رائعة" مع السفير توم باراك، لم يكتفِ عبدي بشكر ترامب على "قيادته"، بل التزم بـ "تسريع" عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية.
هذا الانعطاف الكامل ينهي حالة الغموض التي تلت اتفاق 10 آذار. فبينما كان قادة "قسد" (كسيبان حمو) يتحدثون قبل أيام عن "انتهاكات" واستعدادات عسكرية، يبارك عبدي اليوم نتائج قمة الشرع وترامب، ويدعم انضمام سوريا للتحالف الدولي. إنه إدراك واقعي بأن واشنطن اختارت شريكها الأوحد، وأن الطريق إلى المستقبل، حتى لـ"قسد"، يمر الآن عبر دمشق.
لأول مرة، جلس فيدان وجهاً لوجه مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ليس في موسكو، بل في "البيت الأبيض" وبرعاية أمريكية كاملة. هذا الاجتماع، الذي ضم "العقول المدبرة" (روبيو، باراك، ويتكوف، وحتى نائب الرئيس فانس)، كان الهدف منه واضحاً: إيجاد "مخرج" للمشكلات العالقة.
إنها رسالة بأن واشنطن، التي أصبحت "على وفاق" مع الشرع، هي الضامن والوسيط المباشر لحل الملف الأمني الأكثر تعقيداً بين أنقرة ودمشق، ورسم خريطة الاستقرار الجديدة.
بكلمات واضحة، حذر الشرع من "الغرق في التفاصيل"، معتبراً إياها "غلطاً كبيراً" لا يكرس سوى "سياسة إطفاء الحرائق" ومعالجة الأزمات اليومية. بالنسبة له، البناء الحقيقي يحتاج "هدفاً استراتيجياً" واحداً و"عزماً" للسير نحوه. اعترف الشرع بصراحة قاسية بأن سوريا، بعد "مئات السنين" من العزلة، لم تجد ما تبني عليه؛ فالمؤسسات والبنى التحتية كانت "مهترئة".
الأصل الوحيد المتبقي كان "قوة الإيمان لدى المجتمع". ولهذا، شدد على ضرورة التوافق على "المثل العليا" أولاً. هذه الفلسفة، كما أشار الوزير الشيباني، أثبتت نجاحها بسرعة قياسية، فنقلت سوريا من "دولة هامشية" إلى دولة "وحدت مجلس الأمن" وتتحدث اليوم من واشنطن.
هذا يعني عملياً نهاية "العقوبات الأمريكية الشاملة" وبدء عصر جديد. هذه الزيارة لم تكن مجرد سياسة عليا؛ فبعد تأمين النصر الدبلوماسي، توجه الشرع فوراً للقاء الجالية السورية، وبحضور المبعوث الأمريكي توماس براك.
كانت رسالته واضحة: لقد فُتح الباب السياسي، والآن نحتاج "الصوت السوري" في أمريكا لترسيخ هذا التفاهم، و"الأيادي السورية" في الخارج للمشاركة في برامج إعادة الإعمار. إنه تحول كامل من العزلة إلى الشراكة.
هذه ليست مجرد زيارة؛ إنها لحظة تاريخية بكل معنى الكلمة، فالأرشيف الأمريكي يؤكد أن أي رئيس سوري لم يقم بزيارة رسمية مماثلة لواشنطن من قبل. الهدف المركزي، كما أشار المبعوث توم باراك، هو توقيع سوريا رسمياً على وثيقة الانضمام للتحالف الدولي ضد "داعش".
هذه الخطوة، التي تأتي بعد اللقاء "التأسيسي" بين الزعيمين في السعودية مايو الماضي، تمثل تتويجاً لجهود دمشق لطي صفحة العزلة الدولية القاتمة. إن وقوف الشرع في واشنطن لا يعني فقط انضماماً عسكرياً، بل هو إعلان سياسي مدوٍ بقبول سوريا الجديدة كشريك فاعل في أمن المنطقة، وتحول استراتيجي سيعيد بلا شك رسم خرائط التحالفات في الشرق الأوسط برمته.
في منتدى حوار المنامة، لم يترك باراك مجالاً للشك: الأزمة ليست مجرد انهيار اقتصادي، بل هي أزمة وجود حقيقية. كشف باراك عن اختلال صادم في ميزان القوى، مشيراً إلى أن "حزب الله" يمتلك موارد مالية تفوق ميزانية الجيش اللبناني، مما يشل الدولة ويجعلها عاجزة تماماً عن بسط سيادتها أو حماية شعبها.
هذا الفراغ الهائل لا يفتح الباب أمام الفوضى الداخلية فحسب، بل يجر البلاد نحو مواجهة إقليمية مدمرة. فآلاف الصواريخ المكدسة جنوباً لا تهدد إسرائيل فقط، بل تجعل "الخطوات العسكرية" الإسرائيلية رداً شبه حتمي، رغم استعداد إسرائيل للتفاوض الحدودي المباشر.
التحذير الأكثر إيلاماً كان بمثابة رصاصة الرحمة: إما أن يحصر لبنان سلاح الحزب فوراً، أو يخاطر بالعودة ليصبح مجرد "جزء من بلاد الشام"، كما كان تاريخياً. وبينما يعترف الرئيس اللبناني جوزاف عون بحتمية "التفاوض" كجزء من التسويات الإقليمية، يبقى السؤال الأهم: هل بقي وقت لإنقاذ لبنان قبل أن يبتلعه التاريخ مجدداً؟
الحديث عن حضور الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن في 8 نوفمبر لتوقيع وثيقة انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد "داعش"، يمثل ذروة التحول في علاقة البلدين.
هذه الخطوة، إن تمت، ستكون بمثابة طي كامل لصفحة العداء والعقوبات، ونقلاً لسوريا من خانة "الدول المعزولة" إلى موقع "الشريك الرسمي" في أهم ملف أمني عالمي.
إنها أكثر من مجرد اتفاق عسكري؛ إنها مصافحة طال انتظارها، وإعلان أمريكي بأن دمشق الجديدة، بقيادة الشرع، أصبحت حليفاً يمكن الوثوق به لبناء استقرار المنطقة، وبداية لدفن إرث تنظيم "داعش" بشكل جماعي ومنسق.
فمن منبر حوار المنامة، أعلن المبعوث توم باراك أن وزير الخارجية ماركو روبيو أزال دمشق رسمياً من قائمة "الدول الداعمة للإرهاب".
هذه ليست مجرد خطوة دبلوماسية، بل هي "فرصة جديدة" يمنحها الرئيس ترامب لسوريا، التي يرى فيها "شريكاً فاعلاً" قدم "عملاً جيداً" بالأشهر الأخيرة، ومنحها "درجة أولى" في التعاون الأمني.
ولترجمة هذه الثقة، يشن البيت الأبيض الآن حملة ضغط شرسة على الكونغرس لإلغاء "قانون قيصر" بشكل "كامل ونهائي"، لإنهاء عزلة البلاد عن الاقتصاد العالمي.
هذه المصافحة الأمريكية تأتي مشروطة بتقدم حقيقي في ملفات حاسمة: السيطرة التامة على معسكر الهول، ومواجهة داعش، وإنهاء ملف الكيماوي، مع ضمان استمرار الحوار الإيجابي مع المكون الكردي.
فبدلاً من الانسحاب، ترسل واشنطن رسالة معاكسة تماماً. لم يكن وصول 27 آلية برية من العراق إلى قاعدة قصرك الرئيسية مجرد دعم لوجستي، بل هو تأكيد على البقاء.
والأخطر، ما حملته طائرات الشحن الثلاث إلى قاعدة رميلان: 22 جندياً جديداً، طائرات مسيرة، معدات اتصالات متطورة، وأنظمة مسح جغرافي مدعومة بالأقمار الصناعية.
هذا ليس انسحاباً، بل هو "إعادة تموضع" تكنولوجي فائق الدقة. فبينما كانت الرواية الدبلوماسية تتحدث عن "التقليص"، كان البنتاغون يخطط لترسيخ وجوده النوعي.
أمريكا لا تغادر، بل تبدل جلدها على الأرض السورية، تاركةً وعودها لحلفائها في "قسد" مجرد كلمات في الهواء.