حرية ومسؤولية
هل تتخيل أن تتوسع ساحة الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط لتشمل جبهات تمزق الداخل الإيراني؟
المشهد يزداد تعقيداً وخطورة في اليوم السابع للحرب الأمريكية الإسرائيلية المفتوحة على إيران، حيث يبدو أن اللعب على وتر "الانفصال" بات الورقة الأحدث على طاولة هذا الصراع.
في تحرك يعكس حجم التهديد، أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان توجيهات حاسمة لقواته المسلحة بضرورة التعامل بحزم وبلا أي تهاون مع أي تحرك انفصالي، وذلك بالتزامن مع إعلان طهران تدمير مقار ومستودعات أسلحة لجماعات مسلحة حاولت التسلل عبر الحدود الغربية للبلاد.
هذا القلق الإيراني مبرر تماماً؛ فقد نقلت وكالة "رويترز" تصريحات صادمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن فيها تأييده الصريح لشن الأكراد هجوماً برياً ضد إيران.
ورغم هذا التحريض الأمريكي المباشر، سارعت القيادات في إقليم كردستان، وعلى رأسها نيجيرفان بارزاني، لرفض الانجرار إلى هذا الصراع، نافية أي نية لفتح جبهة جديدة لتأجيج التوتر.
الأحداث تتسارع بشكل جنوني؛ فبينما تتعرض حقول النفط التي تديرها شركات أمريكية في دهوك لهجمات بالمسيرات، يواصل ترامب حربه النفسية والدبلوماسية، موجهاً نداءً غير مسبوق للدبلوماسيين الإيرانيين حول العالم للانشقاق وطلب اللجوء. فهل تنجح طهران في تأمين حدودها الداخلية، أم أن نيران الحرب ستلتهم كل التوازنات؟
تقف المنطقة اليوم على حافة سكين، حيث تتأرجح بين لغة التهديد الصريحة بـ "عواقب سيئة" من الرئيس ترامب، وبين براغماتية حذرة يبديها الرئيس الإيراني بزشكيان بتوجيهه نحو مفاوضات "عادلة ومنصفة".
إن إيفاد واشنطن لحاملات الطائرات بعد قمع الاحتجاجات الأخيرة في إيران، واستهداف المنشآت النووية في يونيو الماضي، حوّل طاولة المفاوضات في إسطنبول إلى ساحة لـ "تجنب الصدام" لا لمجرد التفاهم.
وبينما يرى نائب الرئيس الإيراني أن السلام ليس استسلاماً، يبرز التحدي الحقيقي في "مخزون اليورانيوم القابع تحت الأنقاض"، وهو ما يمنح طهران ورقة تفاوض غامضة تقابلها مطالب فرنسية وأوروبية صارمة بتقديم ملف "الحرية للشعب الإيراني" على الملف النووي.
إن حضور قوى إقليمية كالسعودية ومصر يضفي ثقلاً استثنائياً على اجتماع الجمعة، في محاولة لترجمة تصريح عراقجي حول "إمكانية الاتفاق" إلى واقع ملموس، شريطة رفع العقوبات، وهو رهان محفوف بالمخاطر؛ فإما ولادة "اتفاق القرن" النووي أو انزلاق نحو "حرب إقليمية" حذر منها خامنئي، لتظل الحكمة في "تجنب صراع" قد لا يبقي ولا يذر.
بمشاعر مختلطة بين الأمل والألم، تدخل إيران يومها الرابع عشر من الاحتجاجات الدامية، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 116 قتيلاً في مأساة إنسانية تعصف بعشرات المحافظات.
لم تعد الميادين مجرد ساحات للتظاهر، بل أصبحت منابر لصرخات المقهورين من وطأة الانهيار الاقتصادي، حيث يتردد صدى قرع الأواني في "ميدان بوناك" بطهران كنشيد احتجاجي يخرق جدار الصمت المفروض عبر حجب الإنترنت.
إن اعتراف الرئيس بزشكيان بمسؤولية الحكومة عن الأزمة الاقتصادية يمثل لحظة نادرة من المكاشفة، لكنها تصطدم بواقع أمني مرير شهد اعتقال آلاف المتظاهرين وسقوط عشرات المصابين.
وفيما يلوح الرئيس الأمريكي ترامب بخيارات عسكرية محذراً من "مغبة قتل المتظاهرين"، تبدو طهران وكأنها تعيد قراءة تاريخها، حيث عادت هتافات الماضي لتنافس واقعاً معيشياً مريراً.
إنها معركة إرادات يمتزج فيها الغلاء بالرغبة في الحرية، وتضع البلاد أمام منعطف تاريخي لا يمكن التنبؤ بنهايته، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ودعوات داخلية للإصلاح قبل فوات الأوان، في ظل تراجع حاد للريال جعل من لقمة العيش هماً يومياً يوقد شرارة الغضب في القلوب قبل الشوارع.