حرية ومسؤولية
تتزامن هذه التحذيرات الدبلوماسية مع اشتعال المواجهات الميدانية على امتداد الساحل الغربي اليمني، حيث رصدت تقارير عسكرية تحركات مكثفة للحوثيين في محيط الممرات البحرية الحيوية وأنباء ميدانية غير مؤكدة رسمياً حول جزيرة زقر الاستراتيجية. وتخشى الحكومة المعترف بها دولياً من تآكل خطوط التماس الهشة التي صمدت لسنوات، خاصة بعد عودة التصعيد العسكري إلى جبهات حيوية عدة منذ مطلع يوليو الماضي، ما يهدد بانهيار الهدوء النسبي الذي رعته أطراف إقليمية ودولية. ويرى مراقبون أن سعي الحوثيين للسيطرة على نقاط بحرية حاكمة يهدف إلى فرض شروط تفاوضية مشددة على المجتمع الدولي وتوسيع نفوذهم العسكري خارج اليابسة، مستغلين تعقيدات النزاع اليمني المستمر منذ خريف 2014. كما تطالب الدبلوماسية اليمنية بتطبيق قرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر تدفق الأسلحة والمعدات النوعية للجماعة، لوقف استخدام الصواريخ الباليستية والزوارق المسيرة في استهداف خطوط الإمداد والتجارة العالمية، محذرة من أن التراخي الدولي قد يدفع المنطقة نحو مواجهة بحرية واسعة النطاق تعطل حركة الملاحة العالمية لشهور طويلة مقبلة وتضاعف كلفة التأمين البحري على سفن الشحن.
شدد المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، على أن قيادة القوات المشتركة للتحالف شرعت في تنفيذ إجراءات حماية سفن التحالف العابرة لمضيق باب المندب، مؤكداً أن الرد على أي تهديدات حوثية سيكون "بكل حزم وقوة"، معتبراً هذه التهديدات مخالفة صريحة للقانون الدولي وتندرج تحت أعمال القرصنة البحرية .
المالكي أوضح أن الادعاءات بشأن إغلاق الموانئ والمطارات اليمنية تأتي في سياق "المغالطات والتصعيد" الحوثي ضد الحكومة الشرعية ودول الجوار، مشيراً إلى أن سردية الحصار "مضللة" جملة وتفصيلاً، حيث دخلت أكثر من 300 سفينة تجارية إلى موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى خلال النصف الأول من العام 2026، محملة بالمواد الغذائية والبضائع والوقود ومواد البناء . كما اتهم المالكي ميليشيا الحوثي بالتسبب في إغلاق مطار صنعاء الدولي وتدمير طائرات الخطوط اليمنية، ورفضها كل المبادرات لاستئناف الرحلات منه وإليه . وتأتي هذه التصريحات في وقت يتصاعد فيه التوتر في المنطقة، مع استمرار الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر، مما يهدد حرية الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم .
في تصعيد خطير يهدد إمدادات الطاقة العالمية، هدد الحرس الثوري الإيراني، اليوم الأربعاء، بإغلاق جميع ممرات تصدير الطاقة التي تستفيد منها الولايات المتحدة وحلفاؤها، عقب إغلاق طهران مضيق هرمز وإعادة واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، مؤكداً أن صادرات الطاقة في المنطقة "إما أن تكون متاحة للجميع أو تُحرم منها جميع الأطراف".
ويرى محللون أن إيران تلمّح إلى إمكانية الاستعانة بجماعة الحوثي في اليمن لإغلاق مضيق باب المندب، وهو الممر البحري الحيوي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، مما قد يفتح جبهة جديدة ويهدد اثنين من أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم. وأعلن مسؤول حوثي بارز استعداد الجماعة لإغلاق المضيق إذا استمرت السعودية في عملياتها العسكرية داخل اليمن، محذراً من أن هذه الخطوة قد تدفع أسعار النفط إلى نحو 200 دولار للبرميل. ويأتي هذا التصعيد في وقت تشن فيه القوات الأميركية ضربات مكثفة على مواقع إيرانية، وأعلن الحرس الثوري استهداف منشآت أميركية في البحرين والكويت والأردن، فيما تستمر المواجهات في مضيق هرمز الذي أغلقه الإيرانيون، مما يهدد أمن الطاقة العالمي في واحدة من أخطر لحظات المنطقة.
في تصعيد دراماتيكي يواكب إغلاق إيران لمضيق هرمز، هددت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن بإغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل، واصفةً قدرتها على التحكم في هذا الممر الحيوي بأنها "مطلقة".
ووجه القيادي في الجماعة، حسين العزي، رسالة مباشرة وشديدة اللهجة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكداً أن قرار الإغلاق إذا اتُّخذ، فلن تقوى أي قوة في الأرض —بما وصفه بـ "الإنس والجن"— على إعادة فتحه، في إشارة إلى الجاهزية العسكرية والأسلحة النوعية التي يمتلكها الحوثيون لتعطيل حركة الملاحة الدولية تماماً.
وتأتي هذه التهديدات كترجمة عملية لسياسة "وحدة الساحات"؛ حيث ربط الحوثيون أمن البحر الأحمر بمسار السياسات الأمريكية في المنطقة وبالحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وطالب العزي الإدارة الأمريكية بإنهاء ما وصفه بالسياسات المعيقة للسلام وإظهار الاحترام لحقوق الشعوب، محذراً من أن استمرار "البلطجة البحرية" الأمريكية سيؤدي إلى شلل تام في طرق التجارة العالمية التي تمر عبر المضيق اليمني، وهو ما يمثل ضغطاً هائلاً على إدارة ترامب التي تراهن على الاستقرار الاقتصادي لتعزيز صورتها داخلياً.
إن تلويح الحوثيين بإغلاق باب المندب في ربيع عام 2026 يضع المجتمع الدولي أمام "كماشة بحرية" خانقة؛ فمع إغلاق هرمز من جهة والتهديد بإغلاق المندب من جهة أخرى، تصبح إمدادات النفط والغاز والسلع العالمية رهينة للتوافقات السياسية الكبرى.
الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مدى جدية هذه التهديدات، وما إذا كان "أنصار الله" سيبدأون فعلياً في اعتراض السفن التجارية لفرض واقع ميداني جديد يجبر واشنطن على التراجع عن حصارها البحري المفروض على طهران ووقف عملياتها العسكرية في المنطقة.