حرية ومسؤولية
محمد حسنين هيكل (23 سبتمبر 1923 – 17 فبراير 2016) هو صحفي، ومؤرخ، ومفكر استراتيجي مصري، يُعدّ أحد أشهر وأبرز الصحفيين العرب في القرن العشرين، بل وربما في التاريخ العربي الحديث كله. لم يكن هيكل مجرد ناقل للأخبار أو معلّق عليها، بل كان صانعاً وجزءاً أصيلاً من المطبخ السياسي الذي صاغ تاريخ مصر والمنطقة العربية لأكثر من نصف قرن. ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بثورة 23 يوليو 1952، وتحديداً بالرئيس المصري الراحل [[جمال عبد الناصر|الرئيس المصري الأسبق]]، حيث اعتُبر "المنظّر" الحقيقي للحقبة الناصرية، وكاتب خطابات ناصر ومستشاره الأقرب1. تولى رئاسة تحرير جريدة الأهرام لسبعة عشر عاماً متتالية، نقلها خلالها لتصبح واحدة من أهم الصحف العالمية. امتد تأثير هيكل عبر عقود متتالية، مروراً بعهد أنور السادات الذي اختلف معه ودخل السجن في عهده، ثم عهد حسني مبارك، وصولاً إلى ثورة 25 يناير وما تلاها من أحداث، حيث ظل قلمه وصوته حاضرين بقوة عبر مؤلفاته الضخمة وبرامجه التلفزيونية التوثيقية.
ولد محمد حسنين هيكل يوم الأحد 23 سبتمبر 1923 في إحدى قرى محافظة القليوبية في ظل المملكة المصرية. نشأ في أسرة ميسورة الحال تعمل في تجارة القمح والحبوب في دلتا النيل. كان هو الابن الأكبر في العائلة التي ضمّت ثلاث شقيقات أخريات، وكان مسار حياته المتوقع أن يتولى إدارة أعمال العائلة التجارية. غير أن ميوله الثقافية وشغفه بالقراءة والمعرفة دفعته لاختيار مسار مختلف تماماً. تلقى تعليمه الأساسي في المدارس المصرية، ثم واصل دراسته العليا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث أتاح له هذا التعليم إتقان اللغة الإنجليزية والاطلاع المبكر على الثقافة الغربية والمدارس الصحفية العالمية2.
بدأ شغف هيكل بالصحافة في سن مبكرة، وفي عام 1942، وفي خضم الحرب العالمية الثانية، خطا خطواته الأولى في بلاط صاحبة الجلالة. كانت مصر حينها تعج بالأحداث السياسية والعسكرية، وتتواجد فيها قوات الحلفاء بكثافة. هذه الأجواء المشحونة وفّرت للصحفي الشاب بيئة خصبة لتعلم فنون التغطية الميدانية والتحقيق الصحفي. عمل في بداياته في صحيفة "الإيجيبشيان جازيت" (The Egyptian Gazette) الصادرة باللغة الإنجليزية، ثم انتقل للعمل في مجلة "آخر ساعة" الأسبوعية، حيث برزت قدراته في صياغة التحقيقات المعمقة وتغطية مناطق النزاع، ما لفت أنظار كبار الصحفيين آنذاك مثل محمد التابعي وعلي أمين.
شهدت مسيرة هيكل المهنية قفزات نوعية جعلت منه الشاهد الأبرز على أحداث العصر. يمكن تقسيم حياته المهنية إلى محطات رئيسية حددت مساره:
إرث هيكل لا يقتصر على المقالات الصحفية، بل يمتد ليشمل إنجازات مؤسسية ومكتبة فكرية ضخمة أثرت المكتبة العربية والعالمية:
تميزت كتابات هيكل باللغة الأدبية الرصينة، والقدرة الفائقة على قراءة السياقات التاريخية، والاعتماد الكبير على الوثائق والمحاضر الرسمية التي احتفظ بنسخ منها في أرشيفه الشخصي الذي عُرف بأنه من أضخم الأرشيفات الخاصة في المنطقة.
باعتباره شخصية عامة ومؤثرة لعقود، لم يكن هيكل بعيداً عن مرمى الانتقادات والجدل، وتلخصت أبرز مواقفه والانتقادات الموجهة إليه في المحاور التالية:
رأى عدد من الباحثين والمؤرخين، وبعض خصومه السياسيين، أن كتابات هيكل التاريخية لم تكن محايدة تماماً، بل كانت تُقرأ من منظور "الناصرية". واتُهم في بعض الأحيان بتوظيف الوثائق وتفسيرها بما يخدم رؤيته القومية والسياسية، وتهميش بعض الأطراف الفاعلة الأخرى لتلميع صورة الزعيم جمال عبد الناصر.
سياسياً، كان هيكل من أشد المدافعين عن المشروع القومي العربي، ووقف بصلابة ضد سياسات التطبيع المنفردة، مما جعله يرفض بشدة اتفاقية كامب ديفيد. كما كان له موقف حذر وناقد تجاه سياسات الرئيس حسني مبارك في سنواته الأخيرة، لا سيما ما عُرف بملف "التوريث"، حيث حذر مراراً من أن مصر تواجه أزمة سلطة وشرعية.
على صعيد آخر، واجه هيكل انتقادات من قوى اليمين والتيار الإسلامي. فقد اعتبره الإسلاميون، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين، مهندساً للسياسات القمعية ضدهم في حقبة الستينيات، وأنه وفر الغطاء الأيديولوجي والإعلامي للنظام الناصري للبطش بمعارضيه3. وفي المقابل، هاجمته بعض الأوساط المحافظة في الدول العربية بسبب تحليلاته الجريئة التي اعتبروها تدخلاً أو تقييماً قاسياً لأنظمتهم السياسية.
شكلت تجربة محمد حسنين هيكل مدرسة صحفية متكاملة (عُرفت بمدرسة الأهرام أو مدرسة هيكل)، تخرج فيها أجيال من كبار الصحفيين والكتاب العرب. كان له الفضل في إدخال تقاليد صحفية حديثة إلى العالم العربي، مثل التحليل الاستراتيجي المبني على المعلومات، واستكتاب الخبراء والعلماء، وتوظيف التقارير الدولية في سياق الخبر المحلي.
توفي الأستاذ هيكل في 17 فبراير 2016 بعد صراع مع مرض الفشل الكلوي عن عمر يناهز 92 عاماً. شيّعت جنازته في القاهرة بحضور شعبي ورسمي واسع، تاركاً وراءه فراغاً كبيراً في الساحة الفكرية والصحفية العربية. رحل هيكل، لكن كتبه ومقالاته وبرامجه ظلت حاضرة كمرجعية لا غنى عنها لكل باحث في تاريخ العرب المعاصر، محتفظاً بلقب "جورنالجي" كما كان يحب أن يصف نفسه دائماً، ليظل شاهداً استثنائياً على قرن من التحولات العاصفة.