حرية ومسؤولية
اتفاقية سايكس بيكو (رسمياً: اتفاقية آسيا الصغرى) هي معاهدة دبلوماسية سرية أُبرمت في 16 مايو 1916 بين المملكة المتحدة والجمهورية الفرنسية الثالثة، بموافقة ودعم من الإمبراطورية الروسية وإيطاليا لاحقاً، لاقتسام ممتلكات الدولة العثمانية في منطقة الهلال الخصيب وبلاد الشام والعراق والأناضول إبّان الحرب العالمية الأولى.1 تُعد الاتفاقية إحدى أبرز المحطات التي أعادت صياغة الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، وأرست خطوط الانتداب والحدود الدولية المعاصرة.
نشأت فكرة الاتفاقية في أتون الحرب العالمية الأولى بالتزامن مع تدهور القدرات الدفاعية للدولة العثمانية بعد معارك الدردنيل عام 1915؛ إذ تطلعت القوى الاستعمارية الكبرى لملء الفراغ السياسي والعسكري المتوقع في المشرق العربي وحماية مصالحها الحيوية في طرق التجارة البحرية والبرية.2 كُلّف الدبلوماسي البريطاني السير مارك سايكس والقنصل الفرنسي العام السابق في بيروت فرانسوا جورج بيكو بصياغة تفاهم استراتيجي يمنع الاحتكاك المباشر بين البلدين ويضمن اقتسام الموانئ وخطوط السكك الحديدية والموارد النفطية الواعدة.1
تزامنت هذه المفاوضات السرية مع مسار دبلوماسي موازٍ قادته بريطانيا عبر مراسلات الحسين – مكماهون (1915–1916)، والتي وعدت فيها حكومة لندن الشريف حسين بن علي بالاعتراف بدولة عربية مستقلة وموحدة مقابل إعلان الثورة على الحكم العثماني، الأمر الذي جعل الاتفاقية مناقضة صريحة لتلك الوعود الاستقلالية.3
قسّمت مسودة الاتفاقية بلاد الشام والعراق ومحيطهما إلى خمس مناطق جغرافية متمايزة، خضعت لسيطرة استعمارية مباشرة أو نفوذ سياسي واقتصادي غير مباشر:4
| المنطقة | الجهة المسيطرة | النطاق الجغرافي وطبيعة الحكم |
|---|---|---|
| المنطقة الزرقاء | فرنسا | حكم مباشر: الساحل السوري، لبنان، قيليقية، وأجزاء من جنوب الأناضول. |
| المنطقة الحمراء | بريطانيا | حكم مباشر: وسط وجنوب العراق (بغداد والبصرة) وميناءي حيفا وعكا. |
| المنطقة (أ) | فرنسا | نفوذ غير مباشر: داخلية سوريا (دمشق، حلب، حمص، حماة) وصولاً إلى الموصل. |
| المنطقة (ب) | بريطانيا | نفوذ غير مباشر: شرق الأردن وبادية الشام والمنطقة الممتدة حتى حدود بلاد فارس. |
| المنطقة السمراء | إدارة دولية | فلسطين (القدس والمقدسات) لحين التوافق مع بقية الحلفاء والقيصرية الروسية. |
تضمّنت الاتفاقية منح حرية الملاحة لبريطانيا في ميناء الإسكندرونة، وضمان خط سكة حديد وتجارة يربط بغداد بموانئ البحر الأبيض المتوسط الواقعة تحت النفوذ البريطاني، مع الالتزام بعدم التنازل عن أي أراضٍ لصالح قوى ثالثة دون موافقة مسبقة.2
ظلّت وثائق الاتفاق طي الكتمان التام في الأرشيفات الدبلوماسية حتى اندلاع الثورة البلشفية في روسيا في خريف عام 1917؛ حيث عثر البلاشفة على نصوص المراسلات في وزارة الخارجية القيصرية وبادروا إلى تسريبها لصحف "برافدا" و"إزفيستيا" في نوفمبر 1917، ومنها نقلتها صحيفة مانشستر غارديان البريطانية، لتنكشف تفاصيل المخطط للرأي العام العربي والدولي وتتسبب في إحراج سياسي واسع لبريطانيا أمام حلفائها العرب.3
رغم أن الحدود الميدانية النهائية لم تتطابق تماماً مع خطوط سايكس-بيكو الأولية نتيجة التنافس البريطاني الفرنسي لاحقاً ومفاوضات مؤتمر سان ريمو (1920) ومعاهدة لوزان (1923)؛ فإن الاتفاقية أسست لتقسيم الهلال الخصيب، وانتزاع الموصل وضمّها للعراق البريطاني مقابل تسويات نفطية لفرنسا، فضلاً عن فصل فلسطين عن محيطها الشامي توطئةً لتنفيذ وعد بلفور عام 1917.4
أجهضت هذه الخريطة مشروع المملكة العربية السورية التي أعلنها المؤتمر السوري العام برئاسة الملك فيصل الأول في مارس 1920، وانتهت بفرض الانتدابين الفرنسي والبريطاني بالقوة العسكرية عقب معركة ميسلون في يوليو 1920.5
كثيراً ما يُخلط بين خطوط سايكس بيكو لعام 1916 والحدود الدولية الحالية؛ فالحدود المعاصرة هي نتاج تراكمي شمل اتفاقية باريس (1920)، واتفاقية بولي كوكو (1923)، وتعديلات مؤتمر سان ريمو، لكن سايكس بيكو شكّلت الإطار المرجعي الأول لمنطق التقسيم الاستعماري.
تحوّل مصطلح "سايكس بيكو" في الذاكرة الجمعية والخطاب السياسي العربي إلى رمز تاريخي للخيانة الدبلوماسية وتفتيت الهوية المشتركة عبر "حدود رسمت بالمسطرة والقلم"، وحُمّلت الاتفاقية مسؤولية تفكيك التواصل الاجتماعي والاقتصادي، وبذر النزاعات الحدودية المزمنة والأزمات القومية والإثنية التي عصفت بالمنطقة لاحقاً.5
كانت الاتفاقية ذروة الدبلوماسية الاستعمارية السرية التي تعاملت مع مصائر الشعوب وأراضيها كأوراق تفاوضية في لعبة النفوذ بين الإمبراطوريات دون أدنى اعتبار لإرادة السكان الأصليين أو تركيبتهم الديموغرافية.
ألبرت حوراني، تاريخ الشعوب العربية
في المقابل، يرى تيار من المؤرخين والباحثين السياسيين أن التركيز المطلق على سايكس بيكو ينطوي أحياناً على إفراط في تعليق كافة إخفاقات بناء الدولة والتنمية في العالم العربي على عامل التآمر الخارجي، مشيرين إلى أن الكيانات السياسية التي نشأت تطورت لاحقاً إلى دول ذات سيادة ومصالح وطنية راسخة متمايزة عن النماذج الاستعمارية المجردة.2
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات