حرية ومسؤولية
معاذ محارب إعلامي وطبيب سوري، ولد في بلدة موثبين بمحافظة درعا في أواخر ثمانينيات القرن العشرين. يُمثل محارب واحدة من الشخصيات الإعلامية السورية البارزة التي واكبت التحولات الجيوسياسية في البلاد، حيث انتقل من العمل في منصات الإعلام المعارض بالمهجر إلى تصدّر المشهد في التلفزيون الرسمي بدمشق إبان التغيير السياسي الشامل في شباط/فبراير 2025، قبل أن يستقيل متجهاً إلى فضاء الإعلام الإقليمي.
ينحدر محارب من بيئة مشبعة بالتحولات السياسية والاجتماعية في محافظة درعا جنوبي سوريا، والتي تُعد مهد الثورة السورية، مما أسهم في تشكيل وعيه السياسي واهتمامه المبكر بقضايا الشأن العام وحقوق الإنسان. يحمل محارب ازدواجية أكاديمية نادرة في الوسط الإعلامي؛ حيث درس الطب البشري، وتلقى في الوقت ذاته تعليمه الجامعي في تخصص الصحافة والإعلام بجامعة دمشق، فحصل على درجة البكالوريوس التي أسست لدخوله الاحترافي لعالم الصحافة. وقد أسهمت خلفيته الطبية في منحه قدرة تحليلية منهجية لتفكيك الأزمات السياسية وتشخيصها بعقلية استقصائية دقيقة.
بدأ معاذ محارب مسيرته الإعلامية بتدرج مهني مدروس كمراسل صحفي، ثم تنقل بين مؤسسات إعلامية محلية ودولية. وقد ارتبطت النقلة الاستراتيجية في مساره بانضمامه إلى "تلفزيون سوريا" الذي كان يبث من مدينة إسطنبول التركية كمنصة إعلامية معارضة لنظام بشار الأسد.
عبر شاشة "تلفزيون سوريا"، قدم محارب برنامجه التحليلي الشهير "ما تبقى"، الذي عُرف بأسلوبه النقدي الجريء. لم يقتصر البرنامج على نقد النظام السوري، بل أسس لمرحلة من "النقد الذاتي" الصارم لأداء مؤسسات المعارضة السورية والميليشيات المسلحة على اختلاف تبعياتها[1]. شملت تغطيات البرنامج ملفات شائكة ومعقدة، منها:
إثر السقوط النهائي لنظام الأسد في شباط/فبراير 2025 والشروع في هيكلة مؤسسات الدولة السورية وإعلامها الرسمي، كان انتقال معاذ محارب إلى العاصمة دمشق خطوة استراتيجية بالغة الدلالة. اختير محارب ليقود الحوار الوطني المفتوح عبر القناة "الإخبارية السورية" الحكومية، في مسعى صريح لاستعادة ثقة الشارع السوري بالإعلام الرسمي وإبعاده عن لغة التلقين الأحادية[2].
أطلق محارب برنامجه اليومي "على الطاولة"، والذي استضاف عبره صنّاع القرار ومسؤولين نافذين لمساءلتهم بشفافية. ومن أبرز المحطات الاستثنائية للبرنامج، استضافته لوزير الطوارئ رائد الصالح لمناقشة خطط التعافي وإعادة الإعمار، إضافة إلى محاورته الصريحة لرجل الأعمال غسان عبود، وتغطيته المعمقة لإلغاء مجلس الشعب لـ "محكمة الإرهاب" الاستثنائية وإرساء العدالة الانتقالية. أثبتت هذه المحطات نجاح محارب في تحويل شاشة التلفزيون الرسمي إلى منصة للحوار السوري المفتوح الذي يتسع لكافة الأطياف.
رافقت المسيرة المهنية لمحارب جملة من التحديات والمواقف الجدلية، التي وضعته تحت مجهر النقد والمتابعة المستمرة:
في أيلول/سبتمبر 2026، فاجأ محارب جمهوره بإعلان استقالته من "الإخبارية السورية". وتزامناً مع الاستقالة، انتشرت شائعات حول تراجع مستوى الحريات وعودة الرقابة للقناة، غير أن محارب تدخل شخصياً وفنّد ذلك عبر تصريحات لصحيفة "زمان الوصل"، مؤكداً أن الاستقالة تمثل انتقالاً مهنياً طبيعياً، وداعياً لعدم ظلم الإدارة الجديدة للقناة، ومثبتاً أن الإعلام السوري بات يتمتع بهوامش حرية فعلية[6].
وقد أشارت معلومات صحفية متطابقة إلى أن وجهة محارب القادمة ستكون شبكة "الجزيرة" الإعلامية، في خطوة تمثل صعوداً لافتاً وخروجاً من الإطار المحلي إلى الفضاء الدولي الرحب.
يُعرف الدكتور معاذ محارب بحرصه الشديد على إبقاء تفاصيل حياته الشخصية والعائلية بعيدة عن التداول الإعلامي. وهو متزوج ولديه أبناء، ويحظى باحترام واسع في الوسطين الصحفي والمجتمعي نظراً لالتزامه المهني العميق، وتمسكه بالاشتباك المعرفي الهادئ بعيداً عن الاستقطاب الانفعالي.