تحديثات قادمة
نقوم حالياً ببعض التحسينات لتقديم تجربة أفضل. سنعود قريباً جداً!
00يوم
00ساعة
00دقيقة
00ثانية
*F

إعدادات البث المباشر

جاري تحميل التاريخ...
AR ▾

إعدادات الخبر العاجل

فتحي الشقاقي: الطبيب الذي أسس "الجهاد" ورسم مسار المقاومة المسلحة

فتحي الشقاقي: الطبيب الذي أسس "الجهاد" ورسم مسار المقاومة المسلحة

 يُعد الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي (1951-1995) واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً وجدلية في التاريخ الفلسطيني الحديث. لم يكن مجرد طبيب أطفال من مخيمات غزة، بل كان منظّراً أيديولوجياً ومؤسساً لحركة "الجهاد الإسلامي في فلسطين". نجح الشقاقي في بلورة تيار يدمج بحدة بين العقيدة الإسلامية والكفاح المسلح المباشر، مقدماً رؤية تختلف جذرياً عن الحركات الوطنية العلمانية وعن المسار التربوي لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت.

 


النشأة والتحولات الفكرية

وُلد فتحي الشقاقي عام 1951 في مخيم للاجئين بقطاع غزة، لأسرة هُجّرت من قرية "زرنوقة" قضاء الرملة خلال نكبة 1948. حملت نشأته في بيئة اللجوء والفقر أثراً عميقاً في تكوينه. درس في مدارس وكالة الغوث (الأونروا)، قبل أن يلتحق بجامعة بيرزيت لدراسة الرياضيات، ثم سافر إلى مصر في منتصف السبعينيات لدراسة الطب في جامعة الزقازيق.


كانت فترة مصر هي المرحلة التكوينية الحاسمة في حياته. كغيره من شباب جيله، بدأ الشقاقي متأثراً بالفكر القومي الناصري، لكن هزيمة 1967 دفعته نحو مراجعات فكرية عميقة، ليجد ضالته في التيارات الإسلامية. انضم في البداية إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكن حدثاً مفصلياً غيّر مساره: انتصار الثورة الإيرانية عام 1979.


رأى الشقاقي في الثورة الإيرانية نموذجاً حياً لقدرة الإسلام على إحداث تغيير ثوري سياسي وعسكري. وسرعان ما عبّر عن هذا الانبهار في كتيب شهير بعنوان "الخميني.. الحل الإسلامي والبديل"، وهو ما أدى إلى اعتقاله من قبل السلطات المصرية عام 1979. كانت هذه اللحظة بمثابة الإعلان عن ولادة فكر جديد.

 


تأسيس حركة الجهاد الإسلامي

بعد تخرجه عام 1981، عاد الشقاقي إلى فلسطين ليعمل طبيباً في مستشفى "فيكتوريا" بالقدس ثم طبيب أطفال في غزة. لكن عمله الأساسي كان سرياً: بناء نواة تنظيمية لما سيُعرف لاحقاً بـ "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين".


انطلق الشقاقي من فرضية أساسية: فلسطين هي "القضية المركزية" للأمة الإسلامية، والحل الوحيد لتحريرها هو "الجهاد المسلح" الفوري، وليس عبر العمل السياسي أو التربوي طويل الأمد الذي انتهجته جماعة الإخوان آنذاك. استقطب الشقاقي ورفيقه الشيخ عبد العزيز عودة مجموعة من الشباب المتحمسين لهذا الطرح، وبدأوا بتنظيم خلايا عسكرية.


أدى هذا النشاط إلى اعتقاله مرتين من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مرة عام 1983 ومرة أخرى عام 1986، قبل أن يتم إبعاده بشكل نهائي عام 1988 إلى لبنان، ومنها انتقل إلى دمشق التي أصبحت مقراً لقيادته.

 


القيادة من المنفى والاغتيال

من دمشق، أدار الشقاقي حركة الجهاد الإسلامي، محولاً إياها من خلايا محلية صغيرة إلى تنظيم له وزن سياسي وعسكري مؤثر. رفض الشقاقي بشدة اتفاقيات أوسلو (1993)، معتبراً إياها تفريطاً في الثوابت الفلسطينية. صعّدت الحركة من عملياتها العسكرية ضد أهداف إسرائيلية، وكان أبرزها عملية "بيت ليد" الاستشهادية المزدوجة في يناير 1995، والتي أسفرت عن مقتل 22 جندياً إسرائيلياً، واعتُبرت ضربة نوعية غيرت قواعد الاشتباك.


هذه العملية وضعت الشقاقي على رأس قائمة الاغتيالات الإسرائيلية. في 26 أكتوبر 1995، وأثناء عودته من زيارة لليبيا (كان يسعى خلالها لوقف ترحيل الفلسطينيين من هناك)، تم رصده من قبل وحدة اغتيالات تابعة للموساد في جزيرة مالطا. وبينما كان متوجهاً إلى فندقه في مدينة سليما، حاملاً جواز سفر ليبياً مزوراً باسم "إبراهيم الشاويش"، اقترب منه مسلح على دراجة نارية وأطلق عليه عدة رصاصات أردته قتيلاً.

 


الإرث والتأثير

لم يكن اغتيال الشقاقي نهاية لحركته، بل ربما كان ترسيخاً لنهجه. يُنظر إليه اليوم باعتباره "الأب الروحي" للجهاد الإسلامي، والمُنظّر الذي نجح في "أسلمة" الكفاح المسلح الفلسطيني وربطه ببعد عقائدي يتجاوز الجغرافيا الوطنية. ترك الشقاقي إرثاً فكرياً وتنظيمياً لا يزال يشكل، حتى اليوم، أحد أهم ركائز "محور المقاومة" الرافض للتسوية والداعم لاستمرار الكفاح المسلح كخيار استراتيجي وحيد.

جاريد كوشنر: مهندس الصفقات من العقارات إلى دبلوماسية البيت الأبيض

جاريد كوشنر: مهندس الصفقات من العقارات إلى دبلوماسية البيت الأبيض

يُعد جاريد كوشنر (Jared Kushner) واحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً وإثارة للجدل في المشهد السياسي الأمريكي المعاصر. فمن وريث لإمبراطورية عقارية كبرى في نيويورك، إلى صانع قرار محوري في البيت الأبيض وصهر للرئيس، يمثل كوشنر نموذجاً فريداً لتداخل عالم المال والسلطة. لم يكن مساره متوقعاً، لكن تأثيره، خاصة في ملفات الشرق الأوسط، كان عميقاً وملموساً، تاركاً وراءه إرثاً لا يزال قيد التقييم.

 

النشأة وصعود إمبراطورية العقارات

وُلد جاريد كوري كوشنر في 10 يناير 1981، في ليفينغستون، نيو جيرسي، لعائلة يهودية أرثوذكسية نافذة تعمل في مجال التطوير العقاري. أسس والده، تشارلز كوشنر، "شركات كوشنر" (Kushner Companies)، وبنى جاريد مساره الأكاديمي بالحصول على شهادة في القانون وإدارة الأعمال (JD/MBA) من جامعة نيويورك، بعد دراسته في هارفارد.

جاء الاختبار الحقيقي الأول لكوشنر في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما واجهت العائلة أزمة كبرى بسجن والده. تولى جاريد، وهو لا يزال في عشرينياته، دفة قيادة الشركة، مضطراً لإدارة أصول ضخمة وديون هائلة. خلال هذه الفترة، أظهر براغماتية لافتة، قاد خلالها صفقات استحواذ جريئة، كان أبرزها شراء المبنى الشهير "666 فيفث أفينيو" في مانهاتن. كما وسّع نفوذه بشراء صحيفة "نيويورك أوبزيرفر"، مما منحه موطئ قدم في عالم الإعلام والتأثير الاجتماعي.

 

الدخول إلى المعترك السياسي

كان زواج كوشنر من إيفانكا ترامب في عام 2009 بمثابة نقطة تحول، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل كجسر عبَرَ من خلاله إلى عالم السياسة. عندما أطلق دونالد ترامب حملته الرئاسية في 2015، أصبح كوشنر العقل المدبر وراء الكواليس.

بعيداً عن الأضواء، أدار كوشنر الجانب الرقمي للحملة (المعروف باسم "Project Alamo")، مستخدماً تحليلات البيانات الضخمة لاستهداف الناخبين بكفاءة غير مسبوقة. هذا النجاح منحه ثقة مطلقة من قبل ترامب، وعندما دخل الأخير البيت الأبيض في يناير 2017، كان كوشنر بجانبه كمستشار أعلى للرئيس، حاملاً حقيبة مهام هي الأثقل والأكثر تنوعاً.

 

الإنجازات والتأثير: من العدالة الجنائية إلى الشرق الأوسط

في حين نظر إليه المشككون بعين الريبة كونه يفتقر للخبرة الدبلوماسية أو الحكومية التقليدية، ركز كوشنر على ملفات معقدة أثبت فيها قدرته على "إنجاز الصفقات".

داخلياً، كان كوشنر القوة الدافعة وراء "قانون الخطوة الأولى" (First Step Act)، وهو إصلاح شامل ونادر في نظام العدالة الجنائية الأمريكي حظي بدعم من الحزبين. كما لعب دوراً محورياً في إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)، والتي أصبحت تُعرف باتفاقية (USMCA).

لكن الإرث الأبرز لكوشنر يكمن في السياسة الخارجية. كُلّف بالملف شبه المستحيل: "صفقة القرن" للسلام في الشرق الأوسط. ورغم أن خطته (السلام من أجل الازدهار) قوبلت بالرفض من الجانب الفلسطيني، إلا أن جهوده فتحت مساراً دبلوماسياً مختلفاً تماماً.

هذا المسار تُوّج بـ "اتفاقيات أبراهام" (Abraham Accords) عام 2020. فمن خلال سلسلة من المفاوضات السرية والمكثفة التي قادها فريقه، نجح كوشنر في هندسة اتفاقيات تطبيع تاريخية بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، تلتها السودان والمغرب. كانت هذه الاتفاقيات زلزالاً دبلوماسياً، حيث كسرت الإجماع العربي القديم الذي ربط التطبيع بحل القضية الفلسطينية أولاً، وأسست لواقع جيوسياسي جديد في المنطقة.

 

الإرث والتوجه الجديد

غادر جاريد كوشنر البيت الأبيض في يناير 2021، عائداً إلى عالم الأعمال، ولكن بمنظور مختلف. أسس "معهد اتفاقيات أبراهام للسلام" لتعزيز المكتسبات الدبلوماسية، كما أطلق شركة الاستثمار العالمية "أفينيتي بارتنرز" (Affinity Partners)، التي نجحت في جمع مليارات الدولارات، كان جزء كبير منها من صناديق سيادية في الشرق الأوسط، مما أثار تساؤلات حول تداخل علاقاته السياسية السابقة بمصالحه التجارية الحالية.

يُنظر إلى كوشنر اليوم كشخصية مركبة؛ يراه أنصاره كصانع صفقات هادئ وفعال، نجح حيث فشل الدبلوماسيون المخضرمون. بينما يراه منتقدوه كرمز لسياسات المحسوبية التي طبعت إدارة ترامب. بغض النظر عن زاوية النظر، لا يمكن إنكار أن جاريد كوشنر، خلال أربع سنوات فقط، ترك بصمة لا تُمحى على السياسة الأمريكية والشرق الأوسط.

سامي الحناوي: مهندس الانقلاب الثاني وصراع المحاور في سوريا

سامي الحناوي: مهندس الانقلاب الثاني وصراع المحاور في سوريا


في تاريخ سوريا الحديث، تبرز فترة عام 1949 كسنة "الانقلابات" بامتياز، وهي الفترة التي طبعت مسار الدولة السورية لعقود. في قلب هذه العاصفة السياسية، يظهر اسم العقيد سامي حلمي الحناوي، الضابط العسكري الذي قاد الانقلاب الثاني في تاريخ البلاد، لينهي حقبة حسني الزعيم، ويفتح الباب أمام تقلبات أعمق وأخطر في بنية السلطة العسكرية والمدنية. لم يكن الحناوي مجرد انقلابي عابر، بل كان لاعباً رئيسياً في صراع المحاور الإقليمية الذي رسم ملامح المنطقة آنذاك.

 

النشأة في كنف العسكرية

وُلد سامي الحناوي في مدينة حلب (وتشير بعض المصادر إلى إدلب) حوالي عام 1898. كغيره من ضباط جيله، تلقى تكويناً عسكرياً في العهد العثماني، وخدم في صفوف جيشها. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتشكيل الدولة السورية تحت الانتداب الفرنسي، التحق الحناوي بالجيش السوري (جيش المشرق). تدرج في الرتب العسكرية، وشهدت مسيرته العسكرية مشاركة ميدانية في حرب فلسطين عام 1948.

لم تكن حرب 1948 مجرد حدث عسكري، بل كانت الصدمة التي هزت كيان الأنظمة العربية، وفتحت الباب أمام تدخل العسكر في السياسة. كانت الهزيمة في فلسطين هي الذريعة المباشرة التي استخدمها حسني الزعيم لتنفيذ انقلابه الأول في مارس 1949، والذي أنهى العهد الديمقراطي الأول في سوريا.

 


الانقلاب الثاني: رد الفعل العسكري

لم يدم حكم حسني الزعيم طويلاً. ففي 14 أغسطس 1949، أي بعد 137 يوماً فقط من انقلابه، قاد سامي الحناوي، الذي كان قائداً للواء الأول في الجيش، الانقلاب العسكري الثاني. لم يكن الحناوي وحيداً، بل حظي بدعم ضباط آخرين، كان من بينهم العقيد أديب الشيشكلي.


كانت الدوافع وراء انقلاب الحناوي مركبة. داخلياً، كان هناك غضب متراكم داخل المؤسسة العسكرية من سياسات الزعيم الاستبدادية وتفرده بالسلطة. لكن السبب المباشر الذي أثار حفيظة الضباط القوميين، ومنهم الحناوي، كان قيام الزعيم بتسليم أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى السلطات اللبنانية، ليتم إعدامه سريعاً. اعتُبر هذا التصرف خيانة ونقيصة بحق ضيف طلب الحماية في دمشق.


فجر ذلك اليوم، تم اعتقال الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي، ونُفذ فيهما حكم الإعدام الميداني السريع. أنهى هذا الانقلاب حقبة الزعيم، وأعاد سوريا إلى نقطة الصفر، لكن هذه المرة تحت سيطرة ضباط جدد.

 


مشروع الوحدة مع العراق ونهاية المسار

على عكس الزعيم، لم يتولَ الحناوي السلطة مباشرة. لقد فضل البقاء في الظل كرجل عسكري قوي، وأشرف على انتخابات جمعية تأسيسية، وأعاد الواجهة المدنية (ظاهرياً) بتعيين السياسي المخضرم هاشم الأتاسي رئيساً للدولة.


لكن الخطوة الأكثر جذرية التي اتخذها الحناوي كانت توجهه نحو مشروع الوحدة مع العراق. كان الحناوي من أشد المتحمسين لإقامة وحدة فيدرالية مع العراق الهاشمي. هذا التوجه لم يكن مجرد خيار سياسي، بل كان اصطفافاً واضحاً في صراع المحاور الإقليمي؛ محور (العراق-الأردن) الهاشمي المدعوم بريطانياً، في مواجهة المحور (السعودي-المصري) المدعوم أمريكياً، والذي كان حسني الزعيم مقرباً منه.


كان مشروع الوحدة مع العراق هو السبب المباشر لنهاية سامي الحناوي. ففي 19 ديسمبر 1949، قاد رفيق دربه في الانقلاب الثاني، العقيد أديب الشيشكلي، الانقلاب العسكري الثالث. كان الشيشكلي معارضاً شرساً للوحدة مع العراق، ومدعوماً من القوى الجمهورية والبعثية الرافضة للنفوذ الهاشمي، بالإضافة إلى دعم المحور السعودي-المصري. تم اعتقال الحناوي ونفيه، لتبدأ سوريا حقبة الشيشكلي.

 


الإرث والاغتيال

لم تكن نهاية الحناوي سياسية فحسب، بل كانت دموية. ففي 30 أكتوبر 1950، وبينما كان في منفاه ببيروت، اغتاله حرشو البرازي، وهو ابن شقيق محسن البرازي (رئيس الوزراء الذي أُعدم مع الزعيم)، ثأراً لمقتل عمه.


يُذكر سامي الحناوي اليوم كحلقة رئيسية في سلسلة الانقلابات السورية. كان ضابطاً ذا طموحات سياسية إقليمية كبرى، لكن انقلابه، الذي جاء كرد فعل على انقلاب سابقه، عمّق من مأزق "عسكرة السياسة" في سوريا، وأثبت أن دور الجيش قد تحول من حماية الحدود إلى صناعة الرؤساء وتحديد مصير البلاد.

زنوبيا: الملكة المحاربة التي تحدت روما

زنوبيا: الملكة المحاربة التي تحدت روما

 في قلب الصحراء السورية، وحيث تقف أطلال تدمر شامخة، يبرز اسم "زنوبيا" كواحدة من أقوى النساء وأكثرهن غموضاً في التاريخ القديم. لم تكن مجرد ملكة بالصدفة، بل كانت العقل المدبر وراء إمبراطورية قصيرة العُمر هزت عرش روما نفسه في أوج أزمته. في خضم "أزمة القرن الثالث" الروماني، مثلت زنوبيا (المعروفة عربياً أيضاً بالزباء) طموح الشرق وقدرته على تحدي الهيمنة الغربية، تاركةً إرثاً خالداً يمزج بين الشجاعة العسكرية، الحصافة السياسية، والثقافة الرفيعة.


وُلدت جوليا أوريليا زنوبيا حوالي عام 240 ميلادي، في مدينة تدمر، التي كانت آنذاك واحدة من أغنى مدن العالم، بوصفها مركزاً تجارياً حيوياً يربط الإمبراطورية الرومانية بالشرق الأقصى (طريق الحرير). نشأت زنوبيا نشأة أرستقراطية، وتلقت تعليماً استثنائياً؛ إذ يُقال إنها أتقنت الآرامية التدمرية (لغتها الأم)، واليونانية (لغة الثقافة والفلسفة)، واللاتينية (لغة الإدارة الرومانية)، والمصرية. ارتبط مصيرها بالقائد "أذينة" (Odenathus)، حاكم تدمر الفعلي وزوجها، الذي برز كحليف قوي لروما ونجح في صد الفرس الساسانيين وحماية حدود الإمبراطورية الشرقية.


جاءت اللحظة المفصلية عام 267 م، عندما اغتيل أذينة وابنه البكر (من زواج سابق) في ظروف غامضة. هذا الفراغ في السلطة دفع بزنوبيا إلى الواجهة، لتتولى الحكم كوصية على العرش باسم ابنها الصغير "وهب اللات" (Vaballathus).


لم تكتفِ زنوبيا بدور الوصية السلبي. لقد أدركت بذكاء حالة الضعف والفوضى العارمة التي كانت تعيشها روما، المنقسمة على نفسها بفعل الحروب الأهلية وأباطرة الظل (أزمة القرن الثالث). وبدلاً من الاكتفاء بحكم تدمر كدولة تابعة لروما، بدأت مشروعاً توسعياً جريئاً يهدف إلى تأسيس إمبراطورية شرقية مستقلة.


تحت قيادتها، وبدعم من قادة عسكريين مخلصين مثل "زابدا"، انطلقت جيوش تدمر. كان الإنجاز الأبرز هو غزو مصر الرومانية عام 270 م، والتي كانت تعتبر "سلة خبز" روما. لم يكن هذا التحرك عسكرياً فقط، بل كان ضربة اقتصادية وسياسية قاصمة لروما. تلا ذلك السيطرة على معظم بلاد الشام وأجزاء واسعة من آسيا الصغرى. لم تعد تدمر مجرد حليف، بل أعلنت نفسها "الإمبراطورية التدمرية المستقلة". ولتأكيد هذه الاستقلالية، سكّت زنوبيا العملة التي تحمل صورة ابنها (ثم صورتها هي لاحقاً) بلقب "أغسطس" (لقب الأباطرة)، في تحدٍ صريح لسلطة روما.


كان هذا التحدي أكبر من أن تتجاهله روما. مع وصول الإمبراطور القوي "أورليان" (Aurelian) إلى الحكم، أصبحت استعادة الشرق أولوية قصوى لتوحيد الإمبراطورية. في عام 272 م، قاد أورليان جحافله المتمرسة شرقاً. واجهت جيوش زنوبيا القوات الرومانية في معارك حاسمة قرب "أنطاكية" و"حمص"، ورغم المقاومة الشرسة، إلا أن التفوق التكتيكي الروماني حسم الأمر.


تراجعت زنوبيا إلى عاصمتها الحصينة تدمر. فرض أورليان حصاراً خانقاً على المدينة المنيعة. وفي محاولة أخيرة لقلب الموازين، حاولت الملكة الفرار ليلاً على ظهر جمل باتجاه الإمبراطورية الفارسية لطلب الدعم العسكري، لكن القوات الرومانية الخفيفة ألقت القبض عليها عند ضفاف نهر الفرات قبل أن تتمكن من العبور.


تختلف الروايات التاريخية حول نهاية زنوبيا. الرواية الأكثر دراماتيكية، والتي ذكرها المؤرخ زوسيموس، هي أنها لم تُقتل، بل تم اقتيادها إلى روما. وهناك، في عام 274 م، سُيّرت في موكب نصر الإمبراطور أورليان الفخم، وهي مُكبّلة بسلاسل من ذهب الخالص، كرمز لانتصار روما على "ملكة الشرق" المتمردة. تشير هذه الرواية إلى أنها قضت بقية حياتها في منفى فاخر في "تيبر" (تيفولي الحالية) كفيلسوفة رومانية.


بغض النظر عن نهايتها، فإن إرث زنوبيا راسخ في التاريخ. إنها ليست مجرد ملكة متمردة، بل رمز للمرأة القوية، المثقفة، والطموحة التي جمعت بين حكمة السياسة وضراوة المعارك. تظل قصتها في تدمر تذكيراً دائماً بأن الطموح، حتى لو واجه أقوى إمبراطوريات العالم، يمكن أن يخلد اسم صاحبه في سجلات التاريخ.