جاريد كوشنر: مهندس الصفقات من العقارات إلى دبلوماسية البيت الأبيض
يُعد جاريد كوشنر (Jared Kushner) واحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً وإثارة للجدل في المشهد السياسي الأمريكي المعاصر. فمن وريث لإمبراطورية عقارية كبرى في نيويورك، إلى صانع قرار محوري في البيت الأبيض وصهر للرئيس، يمثل كوشنر نموذجاً فريداً لتداخل عالم المال والسلطة. لم يكن مساره متوقعاً، لكن تأثيره، خاصة في ملفات الشرق الأوسط، كان عميقاً وملموساً، تاركاً وراءه إرثاً لا يزال قيد التقييم.
النشأة وصعود إمبراطورية العقارات
وُلد جاريد كوري كوشنر في 10 يناير 1981، في ليفينغستون، نيو جيرسي، لعائلة يهودية أرثوذكسية نافذة تعمل في مجال التطوير العقاري. أسس والده، تشارلز كوشنر، "شركات كوشنر" (Kushner Companies)، وبنى جاريد مساره الأكاديمي بالحصول على شهادة في القانون وإدارة الأعمال (JD/MBA) من جامعة نيويورك، بعد دراسته في هارفارد.
جاء الاختبار الحقيقي الأول لكوشنر في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما واجهت العائلة أزمة كبرى بسجن والده. تولى جاريد، وهو لا يزال في عشرينياته، دفة قيادة الشركة، مضطراً لإدارة أصول ضخمة وديون هائلة. خلال هذه الفترة، أظهر براغماتية لافتة، قاد خلالها صفقات استحواذ جريئة، كان أبرزها شراء المبنى الشهير "666 فيفث أفينيو" في مانهاتن. كما وسّع نفوذه بشراء صحيفة "نيويورك أوبزيرفر"، مما منحه موطئ قدم في عالم الإعلام والتأثير الاجتماعي.
الدخول إلى المعترك السياسي
كان زواج كوشنر من إيفانكا ترامب في عام 2009 بمثابة نقطة تحول، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل كجسر عبَرَ من خلاله إلى عالم السياسة. عندما أطلق دونالد ترامب حملته الرئاسية في 2015، أصبح كوشنر العقل المدبر وراء الكواليس.
بعيداً عن الأضواء، أدار كوشنر الجانب الرقمي للحملة (المعروف باسم "Project Alamo")، مستخدماً تحليلات البيانات الضخمة لاستهداف الناخبين بكفاءة غير مسبوقة. هذا النجاح منحه ثقة مطلقة من قبل ترامب، وعندما دخل الأخير البيت الأبيض في يناير 2017، كان كوشنر بجانبه كمستشار أعلى للرئيس، حاملاً حقيبة مهام هي الأثقل والأكثر تنوعاً.
الإنجازات والتأثير: من العدالة الجنائية إلى الشرق الأوسط
في حين نظر إليه المشككون بعين الريبة كونه يفتقر للخبرة الدبلوماسية أو الحكومية التقليدية، ركز كوشنر على ملفات معقدة أثبت فيها قدرته على "إنجاز الصفقات".
داخلياً، كان كوشنر القوة الدافعة وراء "قانون الخطوة الأولى" (First Step Act)، وهو إصلاح شامل ونادر في نظام العدالة الجنائية الأمريكي حظي بدعم من الحزبين. كما لعب دوراً محورياً في إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)، والتي أصبحت تُعرف باتفاقية (USMCA).
لكن الإرث الأبرز لكوشنر يكمن في السياسة الخارجية. كُلّف بالملف شبه المستحيل: "صفقة القرن" للسلام في الشرق الأوسط. ورغم أن خطته (السلام من أجل الازدهار) قوبلت بالرفض من الجانب الفلسطيني، إلا أن جهوده فتحت مساراً دبلوماسياً مختلفاً تماماً.
هذا المسار تُوّج بـ "اتفاقيات أبراهام" (Abraham Accords) عام 2020. فمن خلال سلسلة من المفاوضات السرية والمكثفة التي قادها فريقه، نجح كوشنر في هندسة اتفاقيات تطبيع تاريخية بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، تلتها السودان والمغرب. كانت هذه الاتفاقيات زلزالاً دبلوماسياً، حيث كسرت الإجماع العربي القديم الذي ربط التطبيع بحل القضية الفلسطينية أولاً، وأسست لواقع جيوسياسي جديد في المنطقة.
الإرث والتوجه الجديد
غادر جاريد كوشنر البيت الأبيض في يناير 2021، عائداً إلى عالم الأعمال، ولكن بمنظور مختلف. أسس "معهد اتفاقيات أبراهام للسلام" لتعزيز المكتسبات الدبلوماسية، كما أطلق شركة الاستثمار العالمية "أفينيتي بارتنرز" (Affinity Partners)، التي نجحت في جمع مليارات الدولارات، كان جزء كبير منها من صناديق سيادية في الشرق الأوسط، مما أثار تساؤلات حول تداخل علاقاته السياسية السابقة بمصالحه التجارية الحالية.
يُنظر إلى كوشنر اليوم كشخصية مركبة؛ يراه أنصاره كصانع صفقات هادئ وفعال، نجح حيث فشل الدبلوماسيون المخضرمون. بينما يراه منتقدوه كرمز لسياسات المحسوبية التي طبعت إدارة ترامب. بغض النظر عن زاوية النظر، لا يمكن إنكار أن جاريد كوشنر، خلال أربع سنوات فقط، ترك بصمة لا تُمحى على السياسة الأمريكية والشرق الأوسط.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات