حرية ومسؤولية
ليست مجرد استقالة، بل زلزال صامت. فانس، الذي كان يُعد وريثاً محتملاً لما بعد ترامب، يجد نفسه اليوم بلا سند إيديولوجي بعد رحيل تولسي غابارد – التي تركت منصبها وسط خلافات عميقة حول الحرب في إيران.
فانس اليوم محاصر بين ضعف نفوذه وصعود خصومه. هل ينسحب؟ أم ينتظر معجزة؟
أطلق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، اليوم السبت 23 أيار 2026، تصريحات نارية بالغة الأهمية، أكد فيها أن الخيارات باتت متساوية تماماً (بنسبة 50/50) بين التوقيع على اتفاق "جيد" مع طهران لوقف إطلاق النار، أو المضي قدماً نحو "تدمير كامل وبلا هوادة" للعمق الإيراني، مشيراً إلى أنه بصدد اتخاذ القرار النهائي بحلول يوم غدٍ الأحد.
وفي المقابلة الخاصة التي أجراها مع موقع "أكسيوس" (Axios) الأمريكي، كشف ترامب عن ترتيبات لعقد اجتماع رفيع المستوى في وقت لاحق من اليوم السبت مع فريقه المفاوض؛ يضم مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، وكبير مستشاريه السابق جاريد كوشنر، بحضور نائب الرئيس جي دي فانس، وذلك لتقييم الميزانية الشاملة والرد الأخير الصادر عن الحكومة الإيرانية.
وتأتي هذه التحركات السريعة تزامناً مع مغادرة قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، العاصمة طهران اليوم السبت بعد جولة ماراثونية قاد فيها جهود وساطة إقليمية معقدة لتقريب وجهات النظر. ورغم إعلان باكستان إحراز "تقدم مشجع وثمين نحو تفاهم نهائي"، إلا أن بنود الاتفاق لا تزال تواجه عقبات لوجستية معقدة.
محددات ترامب الصارمة: شدد الرئيس الأمريكي على أنه لن يقبل بأي مسودة اتفاق لا تضمن حلاً جذرياً وحاسماً لملف "تخصيب اليورانيوم" وتحدد بوضوح مصير المخزون الحالي المتراكم لدى إيران من المواد المشعة.
ثغرة المسودة المقترحة: لفت تقرير "أكسيوس" إلى صعوبة حسم هذه الملفات التقنية المعقدة في وثيقة "إعلان النوايا" الحالية؛ حيث ينص المقترح الراهن ببساطة على إعلان فوري لإنهاء الحرب، مقابل التزام الطرفين بالانخراط في 30 يوماً من المفاوضات الأكثر عمقاً وتفصيلاً تحت رعاية وسطاء دوليين.
ولخص ترامب المشهد الراهن بعبارات حاسمة قائلاً: "أعتقد أن واحداً من أمرين سيحدث؛ إما أن أضربهم بقوة أكبر مما ضُربوا بها من قبل على الإطلاق، أو أننا سنوقع اتفاقاً ممتازاً"، مستطرداً بالقول: "أعلم أن بعض المستشارين يفضلون بشدة خيار الاتفاق بينما يضغط آخرون لاستئناف العمليات العسكرية الجوية".
وفي ختام حديثه، نفى ترامب الأنباء الشائعة حول وجود "قلق" لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من إبرام واشنطن لصفقة غير مواتية لتل أبيب، واصفاً موقف نتنياهو الحالي بأنه يقع في منطقة "التأرجح والتمزق" بين رغبة التهدئة ومخاوف الشروط.
تأتي هذه الرموز التعبيرية الصادمة في توقيت بالذات الحساسية؛ حيث تتزامن مع جولات ربع الساعة الأخير للوساطة الباكستانية المكثفة التي يقودها قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، في طهران لبناء توافق مبدئي ينهي الحرب والحصار البحري. وتوحي رمزية "تغطية إيران بالعلم الأمريكي" بفرضية السيطرة المطلقة أو اقتراب حسم عسكري واسع في حال انهيار القنوات الدبلوماسية الخلفية.
ونقلت حسابات أمريكية مسؤولة تعليقاً على الصورة يفيد بأن حلفاء واشنطن في منطقة الخليج العربي كانوا قد طلبوا من الإدارة الأمريكية التوقف مؤقتاً عن اتخاذ أي إجراءات عسكرية مباشرة لإتاحة الفرصة أمام مسارات الوساطة غير العلنية، إلا أن "الصورة الصامتة" التي فجّرها ترامب تؤشر بوضوح إلى أن شيئاً كبيراً خطيراً قد يكون وشيك الحدوث في مياه الخليج أو في العمق الإيراني.
B-2 في الأجواءوفي السياق الميداني والعملياتي، تزايدت المؤشرات التي تعزز فرضية التصعيد:
تسريبات أكسيوس: أفاد موقع "أكسيوس" الأمريكي بأن الرئيس ترامب يعقد اجتماعات مغلقة ومتتالية مع كبار مسؤولي الأمن القومي ومجلس الأمن بالبيت الأبيض لبحث ودراسة خيارات شن ضربات جوية وصاروخية جديدة ومباغتة ضد المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية.
فيديو القاذفات الاستراتيجية: بالتزامن مع صورة ترامب، نشر دان سكافينو (نائب كبير موظفي البيت الأبيض للاتصالات) مقطع فيديو يستعرض تحليق قاذفة القنابل الاستراتيجية الشبحية B-2 Spirit. واللافت أنه أرفق المقطع بموسيقى التصويرية للفيلم الشهير "Cruel Intentions"، وهو الفيلم الذي تدور فكرته الدرامية حول مخاطر التلاعب والغرور ومشاعر الأنانية التي تنتهي غالباً بالندم والأذى والنتائج المأساوية، مما فتح باب التأويلات واسعاً حول ما إذا كان المنشور يمثل تهديداً متغطرساً للخصوم أو أنه يحمل في طياته فأل شؤم غير مقصود للإدارة الأمريكية نفسها جراء تبعات الحرب المحتملة.
وعلى الجانب الآخر، تترقب الأوساط الدولية ردة الفعل الرسمية من طهران، التي كانت قد هددت قبل ساعات قليلة عبر مصادرها العسكرية بتفعيل "النسخة الثالثة من المواجهة" واستخدام تكتيكات وجبهات عابرة للأقاليم لكبح جماح أي تحرك أمريكي.
وجه مصدر عسكري إيراني رفيع المستوى تحذيراً شديد اللهجة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية أعدت سيناريوهات وخططاً عملياتية جديدة وصارمة للرد على أي "تصرف طائش أو حماقة" قد يقدم عليها الطرف الآخر، وذلك بالتزامن مع تسريبات غربية تفيد بدراسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه ضربات عسكرية جديدة لطهران.
وأوضح المصدر العسكري، في تصريحات نقلتها وكالة "تسنيم" الإيرانية، أن أي تجاوز أمريكي للحدود أو لجوء للاستفزاز العسكري بذريعة تعثر المفاوضات، سيواجه برد حاسم يمثل "النسخة الثالثة من المواجهة الإيرانية" في غضون أقل من عام.
وأبرز ما هدد به المصدر العسكري:
معدات وتكتيكات حديثة: إدخال أسلحة ومنظومات ومعدات عسكرية جديدة تظهر لأول مرة في الميدان، إلى جانب اعتماد استراتيجيات وتكتيكات حربية غير تقليدية.
جبهات عابرة للأقاليم: توسيع بنك الأهداف ليشمل مواقع ونقاطاً استراتيجية جديدة، وتفعيل "جبهات عابرة للأقاليم" ستضاعف من خسائر العدو وندمه، على حد وصفه.
إغلاق مسار الابتزاز: شدد المصدر على أن الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن طريق انتزاع الامتيازات السياسية عبر أوراق الضغط العسكري بات مغلقاً أمامها، وأن أي عمل عسكري سيجلب لها عقاباً هو الأكبر والأحدث تكنولوجياً.
تأتي هذه التهديدات العسكرية المتزامنة مع حشد القوات على الأرض، في وقت تحتضن فيه العاصمة طهران حراكاً دبلوماسياً وعسكرياً باكستانياً مكثفاً؛ حيث يزور البلاد قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، برفقة وزير الداخلية محسن نقوي، في إطار قيادة إسلام آباد لجهود وساطة دولية لإنهاء الحرب ونقل الرسائل والمقترحات بين واشنطن وطهران.
ورغم التقارير الميدانية التي أشارت إلى إحراز تقدم لافت واقتراب الطرفين من صياغة "إطار تفاهم" مبدئي لإنهاء الحصار البحري، لا تزال الملفات الحساسة تمثل حجر عثرة؛ وعلى رأسها مستقبل تخصيب اليورانيوم، والتحكم بآلية الملاحة في مضيق هرمز.
من جهتها، حاولت وزارة الخارجية الإيرانية إضفاء مسحة من الواقعية والهدوء على الحراك الدبلوماسي، مؤكدة أن زيارة الوفد العسكري الباكستاني تندرج ضمن المسار الطبيعي للقنوات الدبلوماسية، و"لا يمكن اعتبارها مؤشراً على الوصول إلى نقطة تحول حاسمة أو اتفاق وشيك".
وأضافت الخارجية أن فجوة الخلافات التاريخية والهيكلية بين طهران وواشنطن عميقة ومتعددة الأوجه، ولا يمكن تسويتها أو حسمها خلال جولات تفاوضية محدودة أو في غضون أسابيع قليلة.
لا يصدر المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، توجيهاً حاسماً يقضي بمنع إرسال مخزون البلاد من اليورانيوم المخصب إلى الخارج، فحسب؛ بل إنه يضع بذلك "حجر عثرة" كبيراً أمام جهود الوساطة الدولية الهادفة لإنهاء الحرب "الأمريكية الإسرائيلية" على إيران، معلناً تمسك طهران بـ "درعها الاستراتيجي" في مواجهة الشروط الغربية.
ونقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين أمنيين إيرانيين رفيعي المستوى أن قرار الإبقاء على اليورانيوم عالي التخصيب (القريب من درجة النقاء اللازمة لتصنيع الأسلحة النووية) داخل الأراضي الإيرانية يعكس توافقاً تاماً داخل مؤسسات صنع القرار في طهران، وليس مجرد رغبة من الزعيم الأعلى؛ إذ يسود اعتقاد راسخ لدى القيادة الأمنية والعسكرية بأن التفريط في هذا المخزون أو نقله إلى الخارج سيجعل البلاد مكشوفة تماماً وأكثر عرضة لغارات جوية وهجمات مستقبلية من قبل واشنطن وتل أبيب.
وتأتي هذه التوجيهات مدفوعة بشكوك إيرانية عميقة في أن التهدئة الحالية ووقف الأعمال القتالية الهش ما هما إلا "خدعة تكتيكية" أمريكية لإرساء شعور زائف بالأمان قبل استئناف العمليات العسكرية، وهو ما تقاطع مع تصريحات رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، الذي حذر من تحركات واضحة وخفية للعدو تشير لاستعدادات هجومية جديدة.
في المقابل، من المتوقع أن تثير هذه الخطوة غضباً عارماً لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتزيد المفاوضات المعقدة التي تجري عبر وسيط باكستاني تعقيداً؛ إذ يمثل تسليم وإخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب (المقدر بنحو 400 كيلوغرام) أحد المطالب الأمريكية الجوهرية.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين، فإن ترامب كان قد قدم ضمانات واضحة لتل أبيب بأن أي اتفاق سلام محتمل لن يمر دون بند إلزامى يقضي بنقل هذه المواد خارج إيران. وفي السياق ذاته، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تأكيد موقفه المتشدد، معلناً أن الحرب لن تنتهي أبداً بالنسبة لإسرائيل ما لم تتحقق ثلاثة شروط أساسية:
إخراج اليورانيوم المخصب بالكامل من الأراضي الإيرانية.
إنهاء وتفكيك الدعم الإيراني المالي والعسكري للفصائل المتحالفة معها في المنطقة.
القضاء التام على قدرات منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية.
ومع امتلاك المرشد الأعلى للكلمة الفصل والنهائية في القضايا السيادية الكبرى للدولة، فإن هذا التوجيه يضع مسار الدبلوماسية الدولية أمام اختبار عسير في ظل إصرار طهران على الاحتفاظ بأوراق قوتها النووية، وتشبث واشنطن وتل أبيب بتجريدها منها كشرط أساسي لوقف الحرب وإيقاف الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية وتأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز.
تثير القراءات السياسية الواردة من أروقة البرلمان الإيراني لهجة تحدٍّ واضحة تجاه واشنطن، مقللةً من الطابع الدبلوماسي للتراجع الأمريكي الأخير؛ إذ صرّح رئيس لجنة شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، إبراهيم عزيزي، بأن تردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتأجيله للضربة العسكرية ضد أهداف إيرانية لم يكن مجرد مناورة سياسية أو إذعاناً لوساطات، بل هو نتيجة مباشرة لخوف الإدارة الأمريكية من الرد العسكري الصاعق الذي ينتظرها.
واعتبر عزيزي، في تدوينة نشرها عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس"، أن المبررات التي ساقها ترامب حول تعليق الهجوم الذي كان مقرراً شنه اليوم الثلاثاء استجابةً لطلب عاجل من قادة السعودية، وقطر، والإمارات، هي محاولة للتغطية على الحقيقة؛ مضيفاً أن "تردد ترامب له سبب واحد، وهو إدراكه الحتمي بأن أي خطوة طائشة ضد الجمهورية الإسلامية ستواجه برّد عسكري حاسم وقوات مسلحة جاهزة، فضلاً عن وحدة الشعب الإيراني".
ومضى المسؤول البرلماني أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن ترامب بطبعه "لا يكترث كثيراً لوساطات قادة دول الخليج، وأن القوة العسكرية الردعية هي اللغة الوحيدة التي يفهمها البيت الأبيض".
وتأتي هذه التصريحات النارية بالتزامن مع حراك دبلوماسي موازٍ، حيث نقلت الأوساط الرسمية في طهران تفاصيل النص التفاوضي المعدل المكون من 14 بنداً والذي سُلّم إلى واشنطن ليل الأحد عبر وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، والذي يركز على إنهاء الأعمال القتالية وإجراءات بناء الثقة، مقابل قبول أمريكي لافت بمنح إيران إعفاءً مؤقتاً من العقوبات النفطية المشددة طوال فترة المفاوضات.
هذا التباين الحاد بين لغة الدبلوماسية المرنة التي تقودها الخارجية الإيرانية عبر إسلام آباد، ولغة الوعيد التي يطلقها الحرس الثوري وقادة البرلمان، يثبت أن طهران تفاوض من موقع قوة وتستخدم أوراقها الميدانية في مضيق هرمز لفرض تراجع تكتيكي على إدارة ترامب المستنفرة لمنع حرب إقليمية شاملة.
تثير التطورات الدراماتيكية المتلاحقة في الساعات الأخيرة قراءات استراتيجية تحبس الأنفاس حول مصير السلم والأمن في الشرق الأوسط؛ فالمنطقة التي كانت تفصلها ساعات قليلة عن اندلاع حرب إقليمية شاملة شهدت انفراجة دبلوماسية غير متوقعة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق هجوم عسكري واسع النطاق كان مقرراً شنه ضد أهداف داخل إيران اليوم الثلاثاء، استجابةً لتدخل مباشر ووساطة مكثفة قادها كبار زعماء الخليج.
وجاء الإعلان المفاجئ عبر منشور لترامب على منصته "تروث سوشيال" (Truth Social)، كشف فيه عن تلقيه اتصالات وطلبات مباشرة من أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان آل سعود، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
وأوضح ترامب أن القادة الخليجيين حثوه على الامتناع عن تنفيذ الضربة العسكرية المخطط لها لإفساح المجال أمام "مفاوضات جادة للغاية" تجري خلف الكواليس لإنهاء الحرب، معربين عن ثقتهم -كحلفاء استراتيجيين لواشنطن- في إمكانية صياغة اتفاق تاريخي سيكون مقبولاً للولايات المتحدة ولدول الشرق الأوسط برمتها، شريطة أن يضمن بوضوح منع طهران من امتلاك أي أسلحة نووية.
وترجم ترامب احترامه لطلب القادة العرب بإصدار توجيهات فورية لوزير الدفاع (وزير الحرب حسب تسميته)، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دانيال كين، بوقف تنفيذ الهجوم الذي كان وشيكاً؛ إلا أن هذا التراجع التكتيكي ترافق مع لهجة وعيد حاسمة، حيث أمر ترامب القوات الأمريكية بالبقاء في حالة استنفار قصوى وعلى أهبة الاستعداد لشن "هجوم شامل واسع النطاق" في أي لحظة وبشكل فوري إذا ما تعثرت المفاوضات أو فشلت طهران في تقديم التنازلات المطلوبة.
ويأتي هذا الحراك الإقليمي الساخن بعد ساعات من تسليم طهران عبر الوسيط الباكستاني مقترحاً معدلاً من 14 بنداً، ليعيد خلط الأوراق مجدداً بين نذر الصدام العسكري الشامل وفرص النجاة عبر البوابة الدبلوماسية الخليجية.
تثير التحركات الدبلوماسية المتسارعة في الساعات الأخيرة قراءات استراتيجية حرجة لفرص النجاة من الانفجار العسكري الشامل في الشرق الأوسط؛ حيث كشفت وكالة "تسنيم" الإيرانية اليوم، الإثنين 18 أيار 2026، عن تسليم طهران نصاً تفاوضياً جديداً يتألف من 14 بنداً إلى الولايات المتحدة عبر وسيطها الباكستاني، في محاولة اللحظات الأخيرة لكسر جمود الهدنة الهشة التي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض نسختها السابقة قبل أسبوع.
ويحمل هذا النص المعدل، الذي أكدت وكالة "رويترز" وصوله إلى واشنطن ليل الأحد، تحولاً تكتيكياً بارزاً؛ إذ يركز بالدرجة الأولى على آليات إنهاء الحرب وإجراءات بناء الثقة بين الطرفين.
وجاءت هذه الدفعة الدبلوماسية كترجمة فورية للزيارة الخاطفة وغير المعلنة التي قام بها وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى طهران لمنع انهيار قنوات الحوار تماماً.
وتكشف التسريبات عن اختراق مفاجئ في الموقف الأمريكي؛ إذ وافقت واشنطن في ردها الأخير على منح طهران إعفاءً مؤقتاً من العقوبات النفطية المشددة طوال فترة التفاوض الجاري، وهو تراجع لافت عن الحصار البحري الصارم المفروض على الموانئ الإيرانية منذ 13 نيسان الفائت.
ورغم هذه الليونة النفطية المؤقتة، تظل العقدة الجوهرية قائمة في فلسفة الاتفاق؛ فطهران تشترط التزاماً أمريكياً صريحاً برفع كافة العقوبات كجزء لا يتجزأ من المبادرة، بينما تصر إدارة ترامب على ألا يتم رفع أي عقوبة إلا بعد التوقيع على الاتفاق النهائي.
ويتزامن هذا الشد والجذب الدبلوماسي مع تقارير خطيرة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز"، تؤكد أن البنتاغون والجيش الإسرائيلي يجريان استعدادات عسكرية هي الأكبر من نوعها منذ إقرار وقف إطلاق النار في 8 نيسان، لوضع بنك أهداف جاهز للتنفيذ الفوري هذا الأسبوع في حال انهيار المسار الباكستاني؛ مما يضع المنطقة أمام سباق محموم بين لغة الدبلوماسية المعدلة وطبول حرب إقليمية تنتظر إشارة واحدة من البيت الأبيض.
بصفتي صحفياً رافق كواليس السياسة الخارجية الأمريكية وصراعات الطاقة الدولية لمد عقدين، أرى في الإعلان الأخير للسيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام اليوم، الإثنين 18 أيار 2026، خطوة تمهد لـ "إعادة صياغة عنيفة" لخارطة التجارة العالمية؛ فالتشريع الذي يوشك الكونغرس على إقراره لا يستهدف روسيا بشكل مباشر هذه المرة، بل يمنح الرئيس دونالد ترامب صلاحيات غير مسبوقة لفرض تعريفات جمركية وعقوبات مشددة على أي دولة تجرؤ على شراء "النفط الروسي الرخيص"، واضعاً حلفاء واشنطن وخصومها على حد سواء أمام خيار حتمي: إما الالتزام التام بالرؤية الأمريكية أو مواجهة عزلة اقتصادية.
يأتي هذا التحرك التشريعي بالتزامن مع قرار حاسم اتخذته وزارة الخزانة الأمريكية يوم السبت الماضي بإنهاء العمل بالإعفاء المؤقت الذي كان يتيح لدول مثل الهند مواصلة شراء النفط الروسي المنقول بحراً.
هذا الإعفاء، الذي صدر في 19 مارس الماضي وتم تمديده لشهر واحد، كان يهدف أصلاً إلى:
امتصاص الصدمة الأولى لاضطرابات سوق الطاقة الناتجة عن الحرب مع إيران المستعرة منذ 28 فبراير.
تعويض النقص الحاد في الإمدادات الناجم عن إغلاق مضيق هرمز ومحاصرة الموانئ الإيرانية.
إلا أن انتهاء هذا التصريح جاء تحت ضغط هائل من مجلس الشيوخ، لا سيما من الديمقراطيين الذين احتجوا علناً بأن هذه التسهيلات باتت توفر شريان حياة مالي لتمويل العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، دون أن تنجح فعلياً في خفض أسعار الوقود داخل السوق الأمريكية المحلية.
لغة الوعيد الأمريكية: كتب غراهام عبر منصة "إكس"، مستشهداً بحديثه لقناة "إن بي سي نيوز" (NBC News): "نحن على وشك إقرار عقوبات تسمح للرئيس بفرض تعريفات جمركية وعقوبات على ما يُسمى بـ 'أسطول الظل' في أي دولة تشتري النفط الروسي لدعم بوتين. لقد فرض ترامب بالفعل تعريفات بنسبة 25% على الهند لشرائها هذا النفط، وسيأتي وقت ستحاسب فيه الصين أيضاً على ما تفعله".
تشير المعطيات إلى أن الأسواق العالمية تلقت هذا التوجه بكثير من التوجس؛ فالقرار يصطدم مباشرة بأزمة طاقة خانقة، حيث قفزت أسعار خام برنت لتستقر فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل، في حين سجلت أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة نحو 4.5 دولار للغالون، وهو الارتفاع الأعلى من نوعه منذ عام 2022.
ورغم أن السلطات الهندية، وفقاً لتسريبات وكالة "بلومبيرغ"، كانت قد تقدمت بطلب رسمي للإدارة الأمريكية لتمديد ترخيص الشراء بعد أن سجلت وارداتها مستويات شبه قياسية من الخام الروسي في نيسان وأيار، إلا أن إصرار وزير الخزانة سكوت بيسنت على عدم التجديد يثبت أن واشنطن ترفض مقايضة أمنها الاستراتيجي بمكاسب اقتصادية مؤقتة.
هذا القانون المنتظر سيمثل "الأداة الأكثر قسوة" في يد ترامب لفرض منطق "أمريكا أولاً"، مما يضع القوى الاقتصادية الصاعدة، وعلى رأسها نيودلهي وبكين، في عين العاصفة لمواجهة صيف لاهب قد يغير قواعد اللعبة النفطية إلى الأبد.
إن التقرير الذي نشرته شبكة "سي إن إن" (CNN)، يمثل دليلاً قاطعاً على أن "تجميد القتال" الحالي ليس سوى استراحة محارب قصيرة؛ فإعداد البنتاغون لقائمة أهداف عسكرية جاهزة للتنفيذ ضد طهران يؤكد أن الخيار العسكري بات المسار الأكثر ترجيحاً داخل أروقة البيت الأبيض، بعدما وصلت الدبلوماسية إلى طريق مسدود إثر فشل مفاوضات إسلام آباد.
وجاء هذا الاستنفار العسكري بالتزامن مع عودة الرئيس دونالد ترامب من جولة آسيوية شملت الصين؛ حيث عقد فور وصوله اجتماعاً استراتيجياً مغلقاً يوم الأحد في ناديه للغولف بولاية فرجينيا مع كبار أركان إدارته، وعلى رأسهم نائبه جي دي فانس، ومدير وكالة المخابرات المركزية (CIA) جون راتكليف، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.
ورغم التكتم على تفاصيل الاجتماع، إلا أن التسريبات تؤكد خيبة أمل ترامب العميقة وغضبه من استمرار الحصار المتبادل وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما تسبب في قفزة جنونية لأسعار النفط العالمية هددت بضرب جهوده لخفض التضخم داخل الولايات المتحدة.
وتشير التقارير إلى أن بنك الأهداف الذي وضعه قادة البنتاغون لا يستهدف المنشآت العسكرية التقليدية فحسب، بل يركز بشكل أساسي على منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية الإيرانية، إلى جانب شل قدرات الزوارق السريعة ومنصات الصواريخ التابعة للحرس الثوري المحيطة بالمضيق؛ وذلك لكسر جمود المفاوضات بالقوة الحتمية.
هذا التصعيد يترجم الانقسام الحاد داخل الإدارة الأمريكية بين فريق يرى في استمرار الحصار البحري ورقة ضغط كافية، وفريق عسكري يضغط باتجاه "ضربات خاطفة ومكثفة" لإجبار طهران على التراجع وإعادة فتح الممرات المائية الدولية، مما يجعل المنطقة بأسرها واقفة على أطراف أصابعها بانتظار "كلمة السر" من ترامب لبدء جولة جديدة من المواجهة المفتوحة.
إن التدوينات المتلاحقة للمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، اليوم الأحد 17 مايو 2026، إعلاناً رسمياً عن ولادة "بنية أمنية واقتصادية جديدة" في المنطقة؛ فوصفه لسوريا بأنها تحولت إلى "مختبر لترتيب إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل" يعكس انتقال السياسة الأمريكية من مربع فرض العزلة إلى مربع رعاية الشراكات الإقليمية الكبرى، مستفيدة من قرار رفع العقوبات الجريء الذي اتخذه الرئيس دونالد ترامب قبل عام ونيف لإعطاء دمشق "فرصة لتحقيق العظمة".
هذا التحرك الدبلوماسي المكوكّي، الذي بدأ بلقاء باراك بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني في قصر الشعب بدمشق، واكتمل في العاصمة السعودية بالاجتماع مع وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، يثبت أن واشنطن والرياض تنسقان خطواتهما بدقة متناهية لترسيخ مرحلة الاستقرار والنمو الاقتصادي.
تدوينة باراك الثانية من الرياض جاءت لتكرس مكانة المملكة كـ "ركيزة أساسية للاستقرار" في وجه أي اضطرابات إقليمية، مؤكدة على "الشراكة الحقيقية" التي تجمع الولايات المتحدة بالملك وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
إن هذا الزخم الدبلوماسي غير المسبوق يشير بوضوح إلى أن القوى الفاعلة قررت طي صفحة الفوضى والتدخلات العسكرية المباشرة، واستبدالها بنموذج "السلام بالقوة والاحترام المتبادل"، لتصبح دمشق والرياض اليوم حجري الزاوية في صياغة معالم طريق واضحة تقود الشرق الأوسط نحو تكامليّ اقتصادي طال انتظاره.
إن المنشورات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" تتجاوز مجرد "الاستعراض الرقمي"؛ إنها "إعلان نوايا عسكري" مغلف بالذكاء الاصطناعي والصور التعبيرية الحادة.
فنشره لصورة سفن حربية وسط أمواج عاتية مرفقة بعبارة "لقد كان الهدوء الذي يسبق العاصفة"، يمثل نقلة نوعية من الدبلوماسية الخشنة إلى التهديد المباشر باستئناف العمليات العسكرية ضد طهران في غضون ساعات.
تأتي هذه الحرب النفسية في توقيت بالذات الدقة؛ فبينما يمتد الحصار البحري الأمريكي على مضيق هرمز وموانئ إيران رغم "الهدنة غير المحددة" التي تلت وسواطة باكستان في نيسان الماضي، يجد ترامب نفسه أمام طريق مسدود في المفاوضات بسبب Sequence (ترتيب الشروط)؛ حيث تشترط واشنطن حل الملف النووي أولاً، بينما تتمسك طهران بإنهاء الحرب ورفع الحصار الشامل كشرط مسبق.
وفي تصريحاته الهاتفية الحازمة لقناة "بي إف إم" (BFMTV) الفرنسية، كشف ترامب عن براغماتيته التهديدية بقوله: "ليس لدي أي فكرة إن كنا سنصل لاتفاق، لكن إن لم يفعلوا، فسيمرون بوقت عصيب للغاية"، معتبراً أن المصلحة الحقيقية تفرض على الإيرانيين التوقيع فوراً.
إن صور الصواريخ وقوات "الجو فضائية" التي شاركها ترامب، بالتزامن مع تسريبات حول تلقيه خططاً عسكرية من قيادة "سنتكوم" لشن ضربات خاطفة وقوية لكسر الجمود، تؤكد أن العالم يقف على مسافة شعرة من تجدد الصراع المفتوح، حيث يبدو أن مهلة الدبلوماسية قد نفدت ولم يتبقَ سوى انتظار قرار البيت الأبيض ببدء "العاصفة".
إن الاجتماع المرتقب في إسطنبول بين ماتياس غرافستروم (الأمين العام للفيفا) ومسؤولي الاتحاد الإيراني لكرة القدم اليوم السبت، هو محاولة لـ "نزع فتيل ألغام سياسية" كادت أن تطيح بنزاهة المونديال؛ فتحول المستطيل الأخضر إلى ساحة لتصفية الحسابات الدبلوماسية بعد منع كندا رئيس الاتحاد الإيراني مهدي تاج من دخول أراضيها، وضع "فيفا" في مأزق حقيقي يهدد مصداقية البطولة الأكبر عالمياً قبل أسابيع من انطلاقها.
لقد وضعت طهران النقاط على الحروف عبر نائب وزير خارجيتها كاظم غريب آبادي، ملوحة بـ "ضرب مصداقية كأس العالم" إذا لم تضمن الهيئة الدولية دخول وفدها كاملاً دون تمييز، متمسكة بحقها الذي انتزعته من الميدان.
ورغم طلب إيران الذكي بنقل مبارياتها إلى المكسيك (لتفادي الأجواء المشحونة في أمريكا الشمالية)، إلا أن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو يبدو متمسكاً برفضه إدخال أي تعديلات على الملاعب المقررة سلفاً.
إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التهديدية والتهدئة اللاحقة بـ "عدم الممانعة" تعكس حجم التداخل بين الرياضة والسياسة في هذا المونديال التاريخي.
وبينما يستعد المنتخب الإيراني للمغادرة إلى معسكره في تركيا يوم الاثنين قبل التوجه لولاية أريزونا الأمريكية، يبقى اجتماع إسطنبول هو "حجر الزاوية" لضمان ألا تتحول مواجهة إيران ضد نيوزيلندا في لوس أنجليس يوم 15 يونيو إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة في أروقة الفيفا.
إن مشروع القانون الذي طرحه النائب الجمهوري توماس ماسي اليوم، السبت 16 مايو 2026، انتحاراً سياسياً أو صرخة تمرد أخيرة ضد "المال السياسي"؛ فإلزام منظمة «إيباك» (AIPAC) بالتسجيل كـ "وكيل أجنبي" (FARA) ليس مجرد إجراء إداري، بل هو محاولة لنزع قناع "الضغط المحلي" عن أقوى جماعة ضغط في واشنطن، واتهامها صراحة بأنها يد الحكومة الإسرائيلية داخل الكونغرس.
تأتي هذه الخطوة الجريئة بينما يخوض ماسي "أم المعارك" في ولاية كنتاكي؛ حيث تحول دائرته الانتخابية إلى ساحة استعراض للقوة المالية، بتجاوز حجم الإنفاق الإعلاني 25 مليون دولار، وهو رقم تاريخي لم تشهده انتخابات مجلس النواب من قبل.
ماسي، الذي يقف وحيداً ضد تحالف يضم المليارديرة ميريام أديلسون، والمستثمر بول سينغر، وحتى دعم ترامب لمنافسه إد غالرين، يدرك أن 95% من الأموال التي تهاجمه مصدرها اللوبي الإسرائيلي.
إن رهانه اليوم ليس فقط على كسب مقعده، بل على كشف ما يصفه بـ "التبعية" التي تفرضها أموال المليارديرات لسياسات الحروب والمساعدات الخارجية على حساب دافع الضرائب الأمريكي.
وإذا نجح ماسي في تمرير "قانون وضوح الوكلاء"، فإنه سيفتح "صندوق باندورا" الذي قد يغير قواعد اللعبة السياسية في أمريكا لعقود قادمة، محولاً صراعه الشخصي مع «إيباك» إلى معركة وطنية حول مفهوم "السيادة" والشفافية.
إن إعلان الفحص الطبي السنوي للرئيس ترامب في مركز "والتر ريد" يوم 26 مايو ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو كشف حساب لجسد يقترب من عامه الثمانين ليحطم الرقم القياسي كأكبر رئيس سناً في تاريخ أمريكا.
ورغم لغة التحدي التي يطلقها ترامب وتأكيده أنه يشعر كشاب في الثلاثين، إلا أن التدقيق الصحي بات ظله الملازم؛ فالفحص الرابع منذ عودته للسلطة يأتي مثقلاً بتفاصيل طبية لا تخلو من القلق، بدءاً من "القصور الوريدي المزمن" الذي يسبب تورماً في ساقيه، وصولاً إلى كدمات يديه الناتجة عن تناول "الأسبرين" الوقائي.
إن ندمه العلني على خضوعه لتصوير القلب والبطن العام الماضي يعكس صراعاً بين الشفافية السياسية والرغبة في الحفاظ على صورة "القائد القوي" الذي لا يمارس الرياضة إلا "دقيقة واحدة".
ومع فقدانه 20 رطلاً من وزنه وتأكيدات طبيبه "بارابيلا" على لياقته، يظل هذا الفحص السنوي، بما يتضمنه من فحص للأسنان والإدراك، هو الاختبار الحقيقي لقدرة "والتر ريد" على تطمين أمة تترقب عافية قائدها الأعلى وسط تعقيدات عمرية لا تستثني أحداً، مهما بلغت إرادته الصلبة.
إن قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب اليوم الثلاثاء بطرح 53 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، محاولةً انتحارية لترميم الأسواق قبل أن تلتهمها تداعيات الحرب المستمرة منذ عشرة أسابيع.
إن هذا الضخ الضخم ليس مجرد إجراء تقني، بل هو صرخة سياسية في وجه "الجمود الإيراني" الذي رفض مقترحات السلام الأمريكية، مما أشعل الأسعار بنحو ثلاثة دولارات للبرميل وسط مخاوف حقيقية من شلل تام في مضيق هرمز، شريان الحياة الذي يغذي خُمس احتياج العالم.
ترامب، الذي يجد نفسه محاصراً بين تعنت طهران في ربط التفاوض بوقف النار في لبنان، وبين رفض حلفاء "الناتو" الانخراط في مغامرة عسكرية لتأمين الملاحة دون غطاء دولي، يرمي بورقة النفط لامتصاص الغضب الداخلي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
إن استنزاف المخزون الاستراتيجي في ظل تعطل الممرات البحرية والرفض الإيراني "غير المقبول" للمقترحات الأمريكية، يضع الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية، محولاً برميل النفط من سلعة تجارية إلى سلاح سياسي قد يرتد أثره على البيت الأبيض إذا استمرت نيران الجبهات في التوسع.
في ظل تأهب قتالي وصفه رئيس الأركان إيال زامير بـ "الفوري" (والذي استنفر الجيش فعلياً منذ أسابيع)، تبرز إيران كهدف لضربة "قصيرة ومؤلمة" تهدف لكسر عناد المفاوض الإيراني وإعادته لطاولة "ترامب" بشروط واشنطن.
التقرير يشير بذكاء إلى أن ازدحام جدول الرئيس الأمريكي، وانشغاله بقمة بكين الحساسة، هما ما يمنعان اندلاع الحرب قبل الثلاثاء القادم، لكن الصمت الذي سيلي اللقاء قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة.
إن التعاون "الكامل" بين تل أبيب وواشنطن في هذه العملية المرتقبة، يعني أننا لسنا أمام تحرك إسرائيلي منفرد، بل أمام استراتيجية مشتركة لخنق الطموحات الإيرانية قبل أن ينشغل العالم بمونديال 2026 التاريخي في أمريكا الشمالية.
وبتحليلي لهذا المشهد، يبدو أن القوى الكبرى تحاول إنهاء "الملف الإيراني" أو تدجينه في غضون الثلاثين يوماً القادمة، لضمان ألا تتحول الملاعب العالمية إلى ساحة خلفية لصراع صاروخي، مما يجعل الأسابيع القليلة المقبلة هي الأكثر خطورة وتأثيراً على أمن الطاقة واستقرار المنطقة منذ عقود.
سجلت أسعار النفط العالمية قفزة تاريخية هي الأعلى منذ يونيو 2022، حيث تخطى خام برنت مستوى 120.03 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس (WTI) ليتجاوز 108 دولارات.
هذا الانفجار السعري جاء مدفوعاً بانسداد الأفق السياسي عقب رفض واشنطن القاطع للمقترح الإيراني بفك الحصار عن مضيق هرمز مقابل تجميد المفاوضات النووية، وهو ما اعتبره المراقبون إيذاناً باستمرار حالة "الخنق البحري" التي تؤثر على خمس إمدادات النفط العالمية، مما دفع المتداولين إلى التحوط ضد سيناريوهات الانقطاع الشامل.
فشل "مقايضة هرمز": رفض الرئيس ترامب للعرض الإيراني وتأكيده على ربط الملاحة بتفكيك البرنامج النووي، مما أبقى على الحصار الأمريكي المدعوم بـ 10 آلاف جندي وسفن حربية في المنطقة.
زلزال "أوبك": إعلان دولة الإمارات بشكل مفاجئ الانسحاب من منظمة أوبك وتحالف "أوبك+" اعتباراً من مايو المقبل، مما أربك حسابات التوازن التقليدي وزاد من مخاوف تفكك التوافقات النفطية الكبرى.
بيانات المخزون الأمريكي: تراجع المخزونات الأمريكية بوتيرة أكبر من المتوقع، بالتزامن مع زيادة استهلاك المصافي، مما أكد وجود شح فعلي في المعروض الفوري بعيداً عن التوترات السياسية.
إن ملامح صيف 2026 تبدو ساخنة جداً على صعيد فواتير الطاقة العالمية؛ فمع تعطل المسار الدبلوماسي في باكستان واستعداد القوات الأمريكية لحصار مطول، يتوقع المحللون أن يكون حاجز الـ 120 دولاراً مجرد محطة في رحلة الصعود نحو الـ 150 دولاراً إذا لم يتم احتواء الأزمة في الخليج.
وبينما يراقب العالم أرقام التضخم التي ستتبع هذه القفزة، تظل الأنظار معلقة بفوهة مضيق هرمز، حيث أصبحت "قطرة النفط" رهينة لمناورات سياسية معقدة تتجاوز حدود التجارة لتلامس حدود المواجهة الشاملة.
في تصعيد دراماتيكي يواكب إغلاق إيران لمضيق هرمز، هددت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن بإغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل، واصفةً قدرتها على التحكم في هذا الممر الحيوي بأنها "مطلقة".
ووجه القيادي في الجماعة، حسين العزي، رسالة مباشرة وشديدة اللهجة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكداً أن قرار الإغلاق إذا اتُّخذ، فلن تقوى أي قوة في الأرض —بما وصفه بـ "الإنس والجن"— على إعادة فتحه، في إشارة إلى الجاهزية العسكرية والأسلحة النوعية التي يمتلكها الحوثيون لتعطيل حركة الملاحة الدولية تماماً.
وتأتي هذه التهديدات كترجمة عملية لسياسة "وحدة الساحات"؛ حيث ربط الحوثيون أمن البحر الأحمر بمسار السياسات الأمريكية في المنطقة وبالحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وطالب العزي الإدارة الأمريكية بإنهاء ما وصفه بالسياسات المعيقة للسلام وإظهار الاحترام لحقوق الشعوب، محذراً من أن استمرار "البلطجة البحرية" الأمريكية سيؤدي إلى شلل تام في طرق التجارة العالمية التي تمر عبر المضيق اليمني، وهو ما يمثل ضغطاً هائلاً على إدارة ترامب التي تراهن على الاستقرار الاقتصادي لتعزيز صورتها داخلياً.
إن تلويح الحوثيين بإغلاق باب المندب في ربيع عام 2026 يضع المجتمع الدولي أمام "كماشة بحرية" خانقة؛ فمع إغلاق هرمز من جهة والتهديد بإغلاق المندب من جهة أخرى، تصبح إمدادات النفط والغاز والسلع العالمية رهينة للتوافقات السياسية الكبرى.
الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مدى جدية هذه التهديدات، وما إذا كان "أنصار الله" سيبدأون فعلياً في اعتراض السفن التجارية لفرض واقع ميداني جديد يجبر واشنطن على التراجع عن حصارها البحري المفروض على طهران ووقف عملياتها العسكرية في المنطقة.