حرية ومسؤولية
في تطور ميداني لافت يعيد رسم خارطة النفوذ الدولي في الشمال السوري، بدأت القوات الأمريكية يوم الإثنين عملية انسحاب واسعة من قاعدة "قسرك" الواقعة بريف الحسكة الشمالي الغربي، والتي تُصنف كأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في سوريا.
وأفادت مصادر محلية برصد عشرات الآليات العسكرية المحملة بالمعدات والجنود وهي تغادر القاعدة متجهة نحو إقليم كردستان العراق.
ومن المتوقع أن تستمر عملية الإخلاء الكاملة لعدة أسابيع، في إطار إعادة تموضع شاملة للقوات الأمريكية في المنطقة، خاصة وأن هذا التحرك يأتي بعد أيام قليلة من انسحاب مماثل من قاعدة التنف الاستراتيجية.
ومع هذا الانسحاب، تتقلص نقاط تمركز قوات التحالف الدولي في محافظة الحسكة لتقتصر حالياً على قاعدة "خراب الجير" القريبة من بلدة رميلان في الريف الشمالي الشرقي.
يأتي هذا الحراك العسكري في وقت تشهد فيه العلاقات السورية مع التحالف الدولي منعطفاً جديداً، لاسيما بعد انضمام سوريا رسمياً في تشرين الثاني الماضي إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش"، مما فتح الباب أمام أشكال جديدة من التعاون الأمني والعسكري بعيداً عن صبغة القواعد الثابتة.
في لحظة تاريخية حبست أنفاس السوريين، بدأت قوى الأمن الداخلي اليوم زحفها الهادئ نحو قلب مدينة الحسكة ومنطقة الشيوخ، إيذاناً بطي صفحة التوجس وفتح فصل جديد من الاستقرار.
لم تكن الأرتال المنطلقة من الشدادي مجرد مركبات عسكرية، بل كانت رسالة طمأنة ترافقها عيون التحالف الدولي، تمهد الطريق لعودة مؤسسات الدولة ضمن اتفاق "نهائي شامل" يهدف لدمج القوات العسكرية والإدارية.
هذا التحرك، الذي تزامن مع حظر تجوال في الحسكة والقامشلي لتنظيم التموضع الجديد، يمثل انتصاراً لصوت العقل؛ حيث تتجاوز الروح الوطنية الحواجز الجغرافية لضمان حقوق المدنيين، وتسوية الأوضاع التربوية، وعودة النازحين إلى ديارهم التي اشتاقوا إليها.
إن دخول قوى الأمن إلى مراكز المدن وبدء دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" يعكس رغبة حقيقية في إنهاء الصراع وبناء مستقبل مشترك، حيث تلتقي الإرادة السياسية مع التطلعات الشعبية لتعزيز أمن المنطقة واستقرارها تحت سقف واحد، مما يجعل من هذا الاتفاق حجر الزاوية في استعادة وحدة الأراضي السورية وبث الروح في أوصال المجتمع الذي أرهقته سنوات الانتظار.
تحت وطأة "الثأر" المشروع لجنودها، تقود الولايات المتحدة فصلاً جديداً من المواجهة في الجغرافيا السورية الصعبة، حيث شنت غارات جوية مركزة ضد معاقل تنظيم "داعش" الإرهابي.
تأتي هذه الضربات ضمن عملية "Hawkeye Strike" التي أعلنها وزير الدفاع "بيت هيغسيث"، رداً على الهجوم الدامي في تدمر الذي غيّب جنديين أمريكيين ومترجماً، لتتحول رمال البادية إلى ساحة تصفية لفلول الإرهاب.
لم تكن واشنطن وحدها في هذا الميدان، إذ تجسد التعاون الدولي في الضربة المشتركة النوعية بين سلاحي الجو البريطاني والفرنسي ضد منشآت محصنة تحت الأرض قرب تدمر، مما يعكس إصراراً دولياً على تجفيف منابع التهديد.
إن انضمام سوريا مؤخراً للتحالف الدولي أضفى بعداً جديداً لهذه العمليات، محولاً إياها من مجرد "غارات جوية" إلى استراتيجية استئصال شاملة تسعى لتدمير البنية التحتية السرية للتنظيم.
هذه الرسائل النارية الموجهة من سماء حمص لا تستهدف المواقع الجغرافية فحسب، بل تحمل في طياتها التزاماً حازماً بحماية القوات وضمان عدم عودة التنظيم للظهور مجدداً، مؤكدة أن دماء الضحايا أطلقت شرارة عملية لن تهدأ حتى إتمام القضاء على خلايا "داعش" النائمة.
التقرير المزعوم لم يكن عادياً؛ لقد كان "تأصيلاً شرعياً" خطيراً، وضع على لسان الوزير تبريرات دقيقة للتحالف مع واشنطن، مفرقاً بين "الولاء" (المحرم) و"المعاملات الشرعية" (المسموحة) لقتال "داعش"، بل واستشهد بعملية "درع الفرات" كدليل.
هذا النفي القاطع لا يهدف فقط لتكذيب خبر، بل هو محاولة لوأد "فتنة" إعلامية تُنسب للدولة الجديدة، وتأكيد بأن مواقفها الرسمية لا تؤخذ إلا من مصادرها المعتمدة، وليس من منصات تبحث عن "سبق صحفي".
الصحيفة زعمت أن تعاون الرئيس الشرع مع التحالف الدولي لم يبدأ هذا الأسبوع، بل هو "تفاهم سري" يعود لعام 2016، وأنه كان يقدم "معلومات استخبارية حساسة" عن داعش والقاعدة، حتى عندما كان يقود هيئة تحرير الشام.
هذا الادعاء يغير السردية بأكملها. لكن الرد الرئاسي جاء حاسماً وقاطعاً اليوم: "ادعاءات لا تمت إلى الحقيقة بصلة". مديرية الإعلام في الرئاسة نفت أي تنسيق مع جهة أجنبية، مؤكدة أن القرارات آنذاك كانت "داخلية ومستقلة" تماماً.
هذه المعركة على "رواية الماضي" تأتي في توقيت هو الأكثر حساسية، بعد أيام فقط من توقيع الشرع رسمياً على التحالف في البيت الأبيض.
وبينما هاجم المتشددون الخطوة، جاء الدفاع من اتجاه غير متوقع. رجل الدين المحيسني دافع عن القرار، مستنداً لرسالة "مفصلة" من الشيخ فايز الكندري، المعتقل السابق في "غوانتانامو" (الذي يعرف معنى الظلم والتجربة).
لكن الرد المضاد كان قاسياً؛ فالأكاديمي عبدالله الجديع شكك في "أهلية" الكندري، ملمحاً بأن من يخرج من سجن قاسٍ كغوانتانامو يحتاج "لتقييم نفسي وعقلي" وليس لإصدار فتاوى.
إنها معركة ليست سياسية فحسب، بل هي صراع فكري عميق حول "العهد الجديد"، بين من يراه "خيانة"، ومن يراه "ضرورة" لإنقاذ وطن.
الحصيلة، التي تغطي الأسابيع الماضية (أكتوبر حتى 6 نوفمبر)، كانت ثقيلة: تنفيذ أكثر من 22 عملية نوعية، أسفرت عن مقتل 5 إرهابيين واعتقال 19 آخرين.
لكن هذا الإعلان الأمريكي لا يأتي في فراغ؛ إنه يأتي بالتزامن مع توقيع سوريا "إعلان التعاون السياسي" مع التحالف الدولي. هذه "الشراكة" الوليدة سارعت دمشق (عبر وزير الإعلام حمزة المصطفى) لوضع إطارها بوضوح: إنه، حتى اللحظة، "اتفاق سياسي بحت" ولا يتضمن "أي مكونات عسكرية".
ما نراه هو مشهد جديد؛ القوة الأمريكية تواصل ضرب الخلايا على الأرض، بينما تقدم دمشق الغطاء السياسي والدعم لـ "تعزيز الاستقرار الإقليمي"، في سباق مشترك لإنهاء هذا الكابوس.
بالنسبة لمريدي الشرع، كانت الزيارة دليلاً قاطعاً على "حنكته السياسية". يرى هؤلاء، وفقاً لمحللين، أن الرئيس نجح فيما فشل فيه آخرون لعقود: كسر عزلة سوريا الدولية. ويتم التسويق للزيارة على أنها نجاح ثلاثي الأبعاد: تعليق العقوبات الاقتصادية، ووضع البلاد تحت "عباءة الدولة الأقوى في العالم"، والأهم، "لجم العربدة الإسرائيلية" الدائمة في سوريا.
لكن على الضفة الأخرى، ينظر سوريون آخرون للزيارة بكثير من الريبة. فمن وجهة نظرهم، لم تُفضِ القمة إلى "نتائج ملموسة"؛ فالغموض الأمريكي لا يزال سيد الموقف، والعقوبات "عُلّقت" ولم "تُرفع"، وهو فارق جوهري يفضح، برأيهم، حدود ما تم تحقيقه.
هذا الانقسام في القراءة يعكس الواقع المركب للمشهد السوري. فبينما يركز فريق على الرمزية السياسية لكسر جدار واشنطن، يركز الفريق الآخر على التفاصيل الفنية (تعليق لا رفع) والبروتوكولية (الاستقبال البارد). كلا الطرفين يتجاهل أن الزيارة، على الأغلب، لم تكن سوى "بداية مسار" شاق، وليست نهايته.
إن مجرد حدوث الزيارة "ليس تفصيلاً"، بل هو تأسيس لمرحلة جديدة في علاقات عدائية هي بعمر سوريا نفسها. وذهب الشرع إلى واشنطن "على بصيرة واضحة"، مدركاً أن "الاشتباك مع الأمريكي سيضيع فرصة الاستقرار" التي يتوق إليها السوريون.
إن الأمان المنشود سيأتي عبر مسارين: المساهمة الفعالة مع واشنطن في محاربة الإرهاب، والاتكال عليها للوصول إلى تفاهمات أمنية تلجم إسرائيل.
حول بروتوكول الاستقبال "المريب" ودخول الشرع من باب جانبي، هو "تفصيل عادي". ونستشهد بما نقله المبعوث الأمريكي توم باراك من أن الرئيس ترامب مدد اللقاء من 20 دقيقة إلى ساعتين، نتيجة "احتفائه بنظيره السوري".
إن "حنكة" الشرع الذي أكد من قلب واشنطن أن التطبيع مع إسرائيل "غير وارد حالياً" بسبب الاحتلال، وهو ما يمكن اعتبره "مراوغة للإملاءات الأمريكية" دون إغضاب واشنطن، مع ترك الباب مفتوحاً للمرونة "حين تبادر إسرائيل لخطوات بناء الثقة".
ونخلص في النهاية أن الشرع نجح في إقناع واشنطن بأن "سوريا موحدة ومستقرة" أفضل للمنطقة من "كنتونات طائفية متصارعة".
اقتصادياً، الزيارة نجحت في إقناع الكونغرس والمعنيين بقانون قيصر بضرورة "إعطاء الحكومة الجديدة الفرصة". بالإضافة إلى أن تعليق عقوبات قيصر لمدة ستة أشهر يضع دمشق تحت "الاختبار الفعلي".
هذه النقطة حاسمة، فالاقتصاد هو المفتاح. "التعليق" هو عصا وجزرة؛ فهو يسمح نظرياً بالاستثمار، لكنه عملياً يبقي الشركات العالمية "متحفظة وقلقة" خوفاً من عودة العقوبات بعد ستة أشهر. إن حملة المداهمات الأخيرة ضد خلايا "داعش" هي "باكورة تنفيذ الالتزامات" المطلوبة أمريكياً.
في المقابل، يرى بعض المحللون في قراءة نقدية حادة، أن الرئيس الشرع ذهب إلى البيت الأبيض "منزوعاً من أية أوراق قوة"، مهتماً بـ"تثبيت حكمه قبل أي اعتبار آخر". مشددين على أن تجاوز طريقة الاستقبال المهينة هو "عدم قدرة على قراءة المدلولات"، وكأن واشنطن تقول للشرع: "الاعتراف بشرعيتك لم يأتِ بعد". وبالإضافة أن قبول الشرع الانضمام للتحالف الدولي ضد "داعش" يحمل اعترافاً ضمنياً بدور "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، الشريك العملي لواشنطن.
لكن المشكلة الأكبر، تبقى داخلية بحتة. فكيف سيتعامل الشرع مع "ترتيب البيت الداخلي" ضمن هيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية التي تخشى من هذه الوعود؟
والختام هناك تساؤل مدوٍّ: "لا تزال الأسماع تردد صدى فتوى وزير العدل الحالي في حكومة الشرع، والذي أفتى بتكفير كل من ينضم لهذا التحالف لمحاربة أخيه المسلم... فكيف سيخرج الشرع من هذه الفتوى؟".
هذه الخطوة ليست مجرد حبر على ورق؛ إنها اعتراف بأن "داعش" استهدف الجميع، وحاول "زرع الفتنة" بين الطوائف، وأن الوقت حان للتعاون الأمني والتدريب المشترك. لكن "الجائزة" الحقيقية جاءت في بيان السفارة نفسها.
ففي خطوة لافتة، أكدت أن "الخطوة التالية" يجب أن تكون "إلغاء عقوبات قانون قيصر من قبل الكونغرس بشكل كامل". هذه هي الطريقة الوحيدة لفتح الباب لإعادة الإعمار ومنع الشباب من التطرف.
وبينما أوضحت دمشق (عبر حمزة المصطفى) أن الاتفاق "سياسي بحت" حالياً، فإن الرسالة الأمريكية واضحة: لقد انتهت مرحلة العداء وبدأت مرحلة الشراكة في الحرب والبناء.
فبعد "مكالمة رائعة" مع السفير توم باراك، لم يكتفِ عبدي بشكر ترامب على "قيادته"، بل التزم بـ "تسريع" عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية.
هذا الانعطاف الكامل ينهي حالة الغموض التي تلت اتفاق 10 آذار. فبينما كان قادة "قسد" (كسيبان حمو) يتحدثون قبل أيام عن "انتهاكات" واستعدادات عسكرية، يبارك عبدي اليوم نتائج قمة الشرع وترامب، ويدعم انضمام سوريا للتحالف الدولي. إنه إدراك واقعي بأن واشنطن اختارت شريكها الأوحد، وأن الطريق إلى المستقبل، حتى لـ"قسد"، يمر الآن عبر دمشق.
فبينما يسعى الشرع لـ "صفقة العمر" بإقناع الكونغرس المتردد برفع "قانون قيصر" نهائياً، يضع ترامب فاتورة ثقيلة على الطاولة. ترامب، الذي علق العقوبات مؤقتاً "لمنح سوريا فرصة"، يطالبها بالانضمام لتحالف "داعش" (بوجود قسد)، والالتحاق بـ "الاتفاقات الإبراهيمية" مع إسرائيل.
لكن "الصفقة"، كما تراها الصحيفة، تتجاّوز السياسة. فطموحات ترامب تشمل "وجوداً عسكرياً أمريكياً" في قاعدة المزة الاستراتيجية، و"برج ترامب" في قلب دمشق. إنها لحظة اختبار حقيقي، تحاول فيها واشنطن تأمين "حليف جديد" بأي ثمن، بينما تحاول دمشق الخروج من الحصار الاقتصادي.
فبينما كان الهدف السوري هو رفع العقوبات وتأمين الاستثمار الأمريكي، كان على الطاولة ملف "توحيد المؤسسات الوطنية".
المصطفى أكد أن الرئيسين الشرع وترامب بحثا "دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش السوري" لضمان الاستقرار الدائم. هذا "الدمج" الداخلي يفسر طبيعة "الاتفاق" الخارجي؛ فالوزير شدد على أن الانضمام للتحالف الدولي ضد "داعش" هو "اتفاق سياسي بحت" في هذه المرحلة، "ولا يتضمن أي مكونات أو التزامات عسكرية".
إنها رسالة بأن سوريا ماضية في الانفتاح، ولكن بما يخدم "وحدة أراضيها" أولاً، وهو ما بدأ الوزيران الشيباني وروبيو بوضع آليات تنفيذه فوراً.
لم تكن تهديدات عابرة، بل مخطط دقيق كان يستهدف إحداها مناسبة رسمية معلنة. هذه التحركات اليائسة من التنظيم تهدف لشيء واحد: ضرب أي مسار "للتطبيع السياسي" وإثارة الفوضى لعرقلة "سوريا الجديدة".
لكن الكشف عن هذه المؤامرة الآن هو "رسالة" سورية مضادة ومزدوجة. فمع استعداد دمشق للانضمام للتحالف الدولي، تثبت أجهزتها الأمنية أنها تملك "قدرة اختراق عميقة" لخلايا التنظيم. إنها خطوة محسوبة تهدف لترسيخ صورة سوريا، قبيل لقاء البيت الأبيض، كـ"شريك جاد" في الحرب على الإرهاب، وأن الحملة الأخيرة التي اعتقلت 70 عنصراً كانت مجرد بداية.
فمنذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، لم يطأ رئيس سوري البيت الأبيض. شكري القوتلي لم يفعلها. وحافظ الأسد، في ذروة نفوذه، التقى بكلينتون في "جنيف المحايدة"، لكنه تجنب واشنطن. أما بشار الأسد، فانتهى معزولاً تحت أنقاض "قانون قيصر".
اليوم، الشرع، الذي وصفه ترامب بأنه "يقوم بعمل جيد"، يكسر هذا الحاجز النفسي والتاريخي.
إنه في العاصمة الأمريكية، بعد رفع العقوبات الأممية عنه الأسبوع الماضي، ليضع اللمسات الأخيرة على "الصفقة الكبرى": دمشق تنضم رسمياً لتحالف "داعش"، ومقابل هذا الالتزام الأمني، سيطالب الشرع بالهدف الأسمى: الرفع الكامل لقانون قيصر، لتبدأ سوريا رحلة التعافي الاقتصادي، وتطوي عملياً عقوداً من العداء.
هذه الزيارة ليست مجرد لقاء، بل هي اللمسات الأخيرة على تفاهمات ستهز المنطقة. ترامب يضع على الطاولة "كل شيء": الانضمام رسمياً لتحالف "داعش"، والأخطر، انضمام دمشق (ولو بوساطة أمريكية) للاتفاقات الإبراهيمية والتطبيع الأمني مع إسرائيل.
هذا هو الثمن. في المقابل، تضع سوريا شرطها الأوحد الذي لا تفاوض فيه: الرفع الكامل للعقوبات الأمريكية والأوروبية لفتح أبواب الاستثمار وإعادة الإعمار.
لقاء البيت الأبيض غداً، وهو الأول لرئيس سوري منذ عقود، لن يكون مجرد مصافحة تاريخية، بل هو لحظة "المساومة الكبرى" التي تحدد ما إذا كانت دمشق مستعدة لدفع ثمن "الاستقرار الإقليمي" مقابل "التعافي الاقتصادي".
في ليلة أعادت للأذهان سنوات الخوف، عاشت مدينة الرقة فصلاً جديداً من الرعب المعلق. ففي عتمة الليل، وتحت غطاء كثيف من طيران التحالف الدولي، نُفذ إنزال جوي أمريكي غامض، تاركاً الأهالي في حيرة وتساؤل عن هوية المستهدفين.
هذا الجحيم لم يكن في السماء فقط؛ فعلى الأرض، وفي تزامن مرعب، كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تشن حملة مداهمات واعتقالات واسعة، طالت عدداً من شبان المدينة واقتادتهم إلى مصير مجهول.
هذه العملية المزدوجة ليست الأولى، بل هي امتداد لاستراتيجية "الصيد والقتل" التي ينتهجها التحالف لملاحقة فلول "داعش" (كتلك التي قتلت "الحرداني" في الباب).
لكن بالنسبة للمدنيين العالقين، فإن هذا التزامن يطمس الخط الفاصل بين مكافحة الإرهاب وبين عودة الخوف من الاعتقال التعسفي الذي لا يعرف سبباً أو نهاية واضحة.
عندما يحل الرئيس أحمد الشرع ضيفاً على الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض (10 نوفمبر)، في أول زيارة لرئيس سوري منذ ستين عاماً،
يشهد العالم لحظة تاريخية. هذا اللقاء، الذي يأتي بعد إشادة ترامب بالشرع كـ"قائد حقيقي" وقراره السابق برفع العقوبات الأساسية، يهدف لترجمة هذا الدعم إلى واقع ملموس.
على الطاولة ملفان مصيريان: انضمام سوريا رسمياً للتحالف الدولي ضد "داعش" كشريك استراتيجي، والأهم، إنهاء ما تبقى من العقوبات كـ"قيصر" لفتح البوابة الأمريكية أمام التمويل الدولي لإعادة الإعمار.
هذه الزيارة، التي تسبق جلسة الكونغرس الحاسمة، هي الأمل الحقيقي بتحسين الواقع المعيشي للشعب السوري، وتمثل انتقال سوريا الاستراتيجي من "رمز الثورة" إلى "عقل الدولة" القادر على بناء المؤسسات.
القصة التي تكشفت فصولها تروي وحشية لا تُحتمل: "قسد"، وبدعم من التحالف، لم تداهم منازلهم فقط، بل أطلقت النار عليهما، واعتقلتهما وهما مصابان، لتتركهما يلفظان أنفاسهما الأخيرة في المعتقل (ربما في اليوم الأول)، ثم تلتزم الصمت لخمسة أيام.
هذا البرود القاتل ليس حادثاً معزولاً. إنه حلقة في سلسلة من "الاستفزازات" التي حولت الريف إلى برميل بارود؛ فقبل أسبوع، قُتل مجد الرمضان في الكسرة برصاص دورية، وبالأمس فقط، اندلعت اشتباكات في أبو حمام.
إن ما يحدث ليس مجرد "خطأ"، بل نمط من القوة المفرطة التي تُغذي غضباً عشائرياً عارماً، فيما محاولات التهدئة (كالإفراج عن امرأة من العائلة) تبدو يائسة أمام هول تسلّم الجثامين.