حرية ومسؤولية
اليزيدية ديانة عرقية توحيدية قديمة متجذرة في [[بلاد الرافدين|المنطقة التاريخية في الشرق الأوسط]]، يتمركز أتباعها بشكل أساسي في شمال العراق، خاصة في مناطق سنجار والشيخان. تعتمد هذه الديانة على منظومة عقائدية فريدة تمزج بين الموروثات الهندو-إيرانية القديمة والتأثيرات الصوفية التي أدخلها الشيخ [[عدي بن مسافر|متصوف ومصلح ديني]] في القرن الثاني عشر الميلادي1. يؤمن اليزيديون بإله واحد خالق للكون، أوكل إدارة شؤون الأرض إلى سبعة ملائكة، أعظمهم "طاووس ملك". وقد تعرضت اليزيدية عبر تاريخها الطويل للعديد من حملات الإبادة وسوء الفهم العميق لمعتقداتها، مما أسهم في انغلاق المجتمع اليزيدي على نفسه لحماية هويته الدينية والثقافية، والاعتماد الأكبر على التناقل الشفهي لحفظ النصوص والتراتيل المقدسة بدلاً من التدوين2.
تُعد اليزيدية واحدة من أقدم الديانات الباقية في الشرق الأوسط، وتتشابك جذورها العميقة مع معتقدات الشعوب الآرية القديمة. يرى العديد من الباحثين والمؤرخين أن اليزيدية تمثل امتداداً للديانات الإيرانية القديمة مثل المثرائية (Mithraism) و[[الزرادشتية|ديانة إيرانية قديمة]] (Zoroastrianism)، حيث تشترك معها في تقديس النور والشمس والنار كعناصر طاهرة تعكس النور الإلهي، إلا أنها تتميز بكونها ديانة توحيدية خالصة ترفض مفهوم الثنوية المطلقة أو وجود قوة شريرة موازية لله2. ويرجح المؤرخون أن التسمية تعود في أصلها إلى الكلمة الإيرانية القديمة "يزدان" التي تعني "الله" أو "الكائن الجدير بالعبادة"، نافين بذلك الارتباط الشائع والمغلوط الذي حاولت بعض المصادر إلصاقه بالخليفة الأموي يزيد بن معاوية.
شهدت اليزيدية انعطافتها التاريخية الأبرز في القرن الثاني عشر الميلادي مع وصول الشيخ عدي بن مسافر، وهو متصوف زاهد ولد في بعلبك بلبنان، إلى وادي لالش في شمال العراق. أسس الشيخ عدي الطريقة العدوية الصوفية، ونجح بفضل زهده وحكمته في استقطاب الأكراد المحليين الذين كانوا لا يزالون يحتفظون بالكثير من معتقداتهم القديمة. وبمرور الزمن، تمازجت تعاليم الطريقة العدوية الدخيلة مع الموروثات الدينية العريقة لتتشكل الديانة اليزيدية بهويتها المستقلة التي نعرفها اليوم1. وأصبح ضريح الشيخ عدي بن مسافر في وادي لالش بمحافظة [[دهوك|محافظة في إقليم كردستان العراق]] أقدس الأماكن الدينية لليزيديين وقبلتهم الأولى التي يحجون إليها.
اكتسبت اليزيدية لاحقاً طابعاً عرقياً ودينياً مغلقاً؛ إذ يتحدث معظم أتباعها اللهجة [[الكرمانجية|لهجة رئيسية من اللغة الكردية]]، وتعتبر نصوصهم الدينية وتراتيلهم المعروفة باسم "الأقوال" محصورة في هذه اللغة. وعلى الرغم من التأثيرات الثقافية المتعددة من محيطهم العربي والسرياني والكردي، حافظ اليزيديون على استقلالية مجتمعية صارمة، مدفوعين بمسلسل الاضطهاد المستمر الذي دفعهم للاعتصام الدائم في قمم الجبال الوعرة، وفي مقدمتها جبل سنجار المعزول2.
تقوم العقيدة اليزيدية على الإيمان التام بإله واحد أحد، أزلي وخالق لكل شيء. وتعتبر الرؤية اليزيدية للإله رؤية تنزيهية خالصة؛ فالله أسمى من أن يتدخل بشكل مباشر في التفاصيل اليومية للبشر، ولذلك أوكل مهمة إكمال بناء الكون وإدارة شؤون الأرض إلى سبعة ملائكة انبثقوا من نوره الإلهي العظيم. يقف على رأس هؤلاء الملائكة "طاووس ملك"، الذي يُمثَّل بطائر الطاووس كرمز حي للجمال والخلود والخيلاء الروحية3.
تتمحور قصة الخلق في اليزيدية حول فكرة أن الله خلق لؤلؤة بيضاء مكثت آلاف السنين ثم تجلت منها العوالم والكائنات. وعندما خلق الله آدم، أمر الملائكة السبعة بالسجود له. سجد الملائكة جميعاً باستثناء "طاووس ملك"، الذي رفض السجود لأي كائن سوى خالقه، معتبراً أنه خُلق من نور الله المباشر بينما خُلق آدم من تراب. في الرؤية الإبراهيمية، يُعد هذا الرفض تمرداً يُعاقب عليه بالطرد، أما في الرؤية اليزيدية الدقيقة، فإن رفض طاووس ملك كان امتحاناً إلهياً لإخلاصه وتمسكه بعقيدة التوحيد، وبنجاحه في هذا الامتحان، عيَّنه الله رئيساً للملائكة وحاكماً مفوضاً على الأرض3. هذا الاختلاف الجذري في فهم وتفسير القصة أدى إلى اتهام اليزيديين ظلماً بأنهم "عبدة الشيطان"، وهو المفهوم الذي ترفضه العقيدة اليزيدية رفضاً قاطعاً، إذ لا تؤمن بوجود كيان مطلق للشر يواجه الله، بل ترى أن الخير والشر ينبعان معاً من داخل النفس الإنسانية بناءً على اختياراتها.
تؤمن اليزيدية بمبدأ [[التناسخ|انتقال الروح إلى جسد آخر]]، حيث تنتقل الروح بعد الموت من جسد إلى آخر بناءً على أعمال الإنسان ومساعيه في حياته السابقة، وصولاً إلى الارتقاء الروحي الكامل، وهو المفهوم المعروف لديهم بـ "القميص" أو ارتداء ثوب جديد للروح1. ورغم وجود نصوص مكتوبة نادرة تُنسب للديانة مثل "مصحف رش" (الكتاب الأسود) و"كتاب الجلوة"، إلا أن الاعتماد الأكبر في الحفاظ على التراث كان وما يزال على النقل الشفهي الدقيق. تُحفظ التعاليم الدينية في صدور رجال الدين عبر تراتيل مقدسة، تُنشد في الأعياد والمناسبات برفقة الآلات الموسيقية الدينية التراثية مثل الدف والشبابة4.
يمارس اليزيديون طقوساً تعبدية يومية تشمل التوجه بالصلاة نحو الشمس ثلاث مرات في اليوم، باعتبارها أعظم تجليات النور الإلهي المرئية. كما يصومون أياماً محددة في فصل الشتاء، ويقيمون طقوس التعميد للمواليد الجدد في نبع "كاني سبي" (العين البيضاء) المقدس داخل أسوار معبد لالش، إضافة إلى إحياء الأعياد الكبرى المكتظة بالطقوس مثل "الأربعاء الأحمر" (رأس السنة اليزيدية) وعيد الجماعة في فصل الخريف4.
انعكست العقيدة اليزيدية وتاريخها المليء بالتهديدات الوجودية بشكل مباشر على البنية الاجتماعية للطائفة؛ مما أسفر عن نظام اجتماعي وهرمي ديني بالغ الصرامة والانغلاق، يهدف بالأساس المطلق إلى حماية هويتهم من الذوبان الثقافي والاندثار. أبرز هذه النتائج تمثلت في تحريم التزاوج خارج الديانة بشكل حاسم؛ إذ لا يقبل المجتمع أي شخص يزيدي يتزوج من ديانة أخرى، ويُعد الفاعل مطروداً نهائياً ومُقاطعاً اجتماعياً للأبد. كما يُحرم قبول معتنقين جدد بأي شكل من الأشكال، فاليزيدي يولد لأبوين يزيديَّين فقط ولا يمكن لأحد أن يتحول لليزيدية باختياره1.
أثرت هذه العزلة الطويلة أيضاً في ترسيخ التقسيم الطبقي الداخلي الدقيق الذي أرسى قواعده الشيخ عدي بن مسافر. ينقسم المجتمع بشكل أساسي إلى فئتين: رجال الدين الروحانيون، والعوام (المريدون). ينقسم رجال الدين بدورهم إلى طبقات مغلقة هي الشيوخ والأبيار (البير). وتُقسم طبقة الشيوخ نفسها إلى ثلاثة فروع فرعية محددة (الآدانية، الشمسانية، والقاتانية). يُحرم التزاوج بين هذه الطبقات الداخلية تماماً كتحريم الزواج من خارج الدين، وكل فرد مريد يجب أن يرتبط بشيخ وبير محددين يرشدانه في مسيرته الروحية والاجتماعية1.
إلى جانب هذه الطبقات المستقرة، توجد رتب دينية واجتماعية أخرى تكتسب بالوراثة أو الجهد الشخصي المتواصل، مثل طبقة "القوّالين"، وهم حفظة الأناشيد العريقة والتراتيل الدينية الذين يجولون بين القرى لنشر المعرفة الشفهية، وطبقة "الفقراء" الزهّاد الذين يرتدون الصوف تعبيراً عن التخلي عن ملذات الدنيا. وتتربع على قمة هذه الهيكلية المعقدة عائلة "المير" (أمير اليزيدية) الذي يمثل السلطة الدنيوية والروحية العليا والممثل الشرعي للطائفة في المحافل، بينما يمثل "بابا شيخ" المرجع الديني الأعلى ويتولى إدارة الشؤون الدينية اليومية وفتاوى معبد لالش1.
عاش اليزيديون تاريخاً طويلاً ومأساوياً من العزلة والاضطهاد المستمر الذي شمل حملات إبادة متكررة، يُطلق عليها اليزيديون في ذاكرتهم الجمعية المثقلة بالألم اسم "الفرمانات" (في إشارة إلى الفرمانات المكتوبة التي كانت تُشرعن إراقة دمائهم وسبي عائلاتهم). بلغ عدد الفرمانات التي وثقها التاريخ الشفهي والمكتوب 74 حملة إبادة قاسية، استهدفت اجتثاثهم من مناطقهم الجبلية ومصادرة أراضيهم وسحق قراهم2.
نبع هذا الاضطهاد بالدرجة الأولى من التهمة الدينية الباطلة التي وُجهت إليهم عبر العصور بأنهم "عبدة الشيطان"، وهي فرية ظالمة اعتمدتها الإمبراطوريات المتعاقبة والجماعات المتطرفة لتبرير التطهير العرقي والديني ضدهم. فخلال فترة الحكم العثماني، شُنت حملات عسكرية مدمرة ضد اليزيديين في أواخر القرن التاسع عشر، أبرزها حملة الفريق عمر وهبي باشا عام 1892، الذي خيّرهم بقوة السلاح بين اعتناق الإسلام والقتل الجماعي، وقام بتدمير دور عبادتهم ونهب محتويات معبد لالش وإخضاعه لسيطرة مؤقتة لمدارس دينية أخرى2. كما تعرضوا قبل ذلك لحملات شرسة من قبل بعض أمراء المناطق المجاورين، مثل حملة الأمير محمد الرواندزي وبدرخان بك التي حصدت أرواح الآلاف منهم دون تمييز.
لم يقتصر الاضطهاد على حقبة الإمبراطوريات القديمة؛ ففي العصر الحديث، عانى اليزيديون في العراق بشدة من سياسات التعريب القسرية التي انتهجها حزب البعث إبان حكم الرئيس العراقي صدام حسين. تم إجبار الآلاف منهم بقوة الدولة على ترك قراهم الجبلية الاستراتيجية والانتقال إلى "مجمعات قسرية" في السهول يسهل السيطرة عليها أمنياً وعسكرياً، وأُجبروا على تسجيل انتمائهم القومي كعرب، مما أدى إلى حرمانهم الطويل من حقوقهم الثقافية الأصيلة وتهميشهم سياسياً واقتصادياً، ورفع معدلات الأمية والفقر في صفوفهم إلى مستويات مأساوية2.
واجه اليزيديون أسوأ كارثة إنسانية ووجودية في تاريخهم الحديث في الثالث من أغسطس (آب) عام 2014، عندما اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية (ISIS) قضاء سنجار في محافظة [[نينوى|محافظة تقع شمالي العراق]]. استغل التنظيم المتطرف الفتاوى التاريخية القديمة والروايات المشوهة لتبرير واحدة من أبشع عمليات الإبادة الجماعية الموثقة في القرن الحادي والعشرين. قُتل الآلاف من الرجال اليزيديين بدم بارد وأُلقيت جثثهم في مقابر جماعية متناثرة، بينما تعرضت أكثر من 6000 امرأة وطفل للاختطاف المنهجي والسبي والاتجار بهم في أسواق النخاسة المفتوحة في أراضي سيطرة التنظيم بسوريا والعراق3.
دفع هذا الهجوم الوحشي مئات الآلاف من اليزيديين المذعورين للفرار الجماعي نحو قمة جبل سنجار القاحل، حيث حوصروا لأيام طويلة دون ماء أو غذاء تحت أشعة شمس الصيف الحارقة، مما أسفر عن وفاة مئات الأطفال وكبار السن بسبب العطش والإرهاق، قبل أن تنجح القوات الكردية مدعومة بضربات التحالف الدولي في فتح ممر آمن لإنقاذ من تبقى وإجلائهم نحو مناطق إقليم كردستان العراق3. وقد أقرّت الأمم المتحدة والعديد من البرلمانات الدولية المرموقة، بينها البرلمان الألماني، بأن ما تعرضت له الطائفة يُشكل جريمة إبادة جماعية وتطهيراً عرقياً متعمداً.
اليوم، وبعد مرور سنوات على المأساة، لا يزال الجرح اليزيدي مفتوحاً؛ إذ يقيم مئات الآلاف منهم في مخيمات النزوح في إقليم كردستان وسط ظروف معيشية ونفسية قاهرة، بينما اختار عشرات الآلاف طريق الهجرة الصعبة نحو أوروبا، وتحديداً ألمانيا التي باتت تحتضن أكبر جالية يزيدية في الشتات. ورغم تحرير مناطق سنجار لاحقاً وهزيمة التنظيم، إلا أن عودة الأهالي تصطدم بتحديات هائلة ومستمرة، أبرزها الدمار الشامل للبنية التحتية، وانعدام الأمن المحلي، والنزاعات الجيوسياسية المعقدة بين الحكومة العراقية المركزية والفصائل المسلحة والقوات التركية التي تشن غارات متكررة على المنطقة. ورغم توقيع "اتفاقية سنجار" أواخر عام 2020 بين بغداد وأربيل لإنهاء المظاهر المسلحة وتطبيع الأوضاع، إلا أن التنفيذ الفعلي على الأرض لا يزال متعثراً بشكل كبير، مما يترك مستقبل وعودة هذه الأقلية العريقة معلقاً في المجهول3.
الزيدية طائفة إسلامية تعد إحدى الفرق الشيعية الرئيسية، وتُنسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. برزت هذه الفرقة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري كحركة سياسية وفكرية تتبنى فكرة الخروج المسلح على الحاكم الظالم، وترفض مبدأ التقية، وتجيز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. وعلى النقيض من الفرق الشيعية الأخرى كالإثني عشرية والإسماعيلية، لم تحصر الزيدية الإمامة في تسلسل وراثي منصوص عليه بالاسم، بل جعلتها حقاً لكل عالم تقي شجاع من نسل الحسن أو الحسين يدعو إلى نفسه شاهراً سيفه.1 تاريخياً، انتشر المذهب الزيدي في العراق ومناطق من بلاد فارس ووسط شبه الجزيرة العربية، ولكنه استقر لاحقاً وتجذر في بلاد اليمن التي أصبحت معقله الرئيسي منذ أواخر القرن الثالث الهجري وحتى يومنا هذا، حيث يمثل أتباعه نسبة معتبرة من النسيج الاجتماعي والسياسي اليمني.2
تعود الجذور التاريخية للزيدية إلى البيئة السياسية والاجتماعية المحتقنة خلال فترة حكم [[الدولة الأموية|أولى السلالات الحاكمة في التاريخ الإسلامي]]، حيث تنامت المعارضة العلوية لسياسات بني أمية التي اتسمت بالتضييق الشديد على أهل بيت النبي محمد وملاحقتهم. وقد تركت فاجعة كربلاء جرحاً غائراً في الوجدان الشيعي، مما أدى إلى انقسام في الاستراتيجية داخل البيت العلوي؛ فبينما آثر البعض الانصراف إلى العلم والعبادة والابتعاد عن الصدام السياسي، اتخذ آخرون مساراً ثورياً، وكان في طليعة هؤلاء الإمام زيد بن علي.1
تلقى زيد بن علي تعليمه على يد كبار علماء عصره، وتفاعل مع تيارات فكرية متعددة، مما صقل رؤيته الدينية والسياسية. وفي عام 122 هـ، قاد الإمام زيد ثورة مسلحة في [[الكوفة|مدينة عراقية تاريخية كانت مركزاً للعلويين]] ضد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك. استندت ثورته إلى مبدأ قرآني صريح وهو "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ورفض الرضوخ لحكم الاستبداد. ورغم أنه تلقى مبايعة من عشرات الآلاف في الكوفة، إلا أن حركته واجهت انشقاقاً مفصلياً حين طالبه بعض أتباعه بالبراءة من أبي بكر وعمر بن الخطاب كشرط لنصرته. فرفض زيد هذا المطلب بشدة وترضّى عن الشيخين، مما أدى إلى انسحاب فئة كبيرة من جيشه، وهم من أُطلق عليهم لاحقاً اسم "الرافضة"، بينما سُمي الذين ثبتوا معه وناصروه بـ"الزيدية".3
ورغم الفشل العسكري للثورة واستشهاد زيد بن علي إثر إصابته بسهم في المعركة، إلا أن حركته أرست القواعد الفكرية والسياسية لمذهب جديد. لم تكن الزيدية في بدايتها مذهباً فقهياً متكاملاً بقدر ما كانت تياراً ثورياً يرتكز على استخدام القوة لإزالة الظلم. ومع مرور الزمن، تولى أتباع زيد من بعده، مثل ابنه يحيى بن زيد في خراسان ومحمد النفس الزكية في المدينة، مواصلة النهج الثوري ضد السلطتين الأموية ومن بعدها العباسية، مما أسهم في بلورة هوية مستقلة للفرقة تمزج بين الانتماء لآل البيت والانفتاح على تيارات الفكر الإسلامي الأخرى.2
استقرت المنظومة العقدية والفقهية للزيدية عبر قرون من التطور الفكري والاحتياج إلى بناء قاعدة نظرية لدولهم التي تأسست لاحقاً. في الجانب العقائدي، تأثرت الزيدية بشكل عميق بأطروحات المعتزلة في [[علم الكلام|علم إسلامي يهتم بإثبات العقائد بالعقل]]، خاصة في مسألتي "العدل والتوحيد". ينفي الزيدية إمكانية رؤية الله بالبصر في الآخرة، ويرفضون فكرة الجبر المطلق، مؤكدين على حرية إرادة الإنسان ومسؤوليته الكاملة عن أفعاله، وهو ما يتوافق مع مبدأ العدل الإلهي ويمثل استمراراً للتراث الاعتزالي الذي تبناه أئمة الزيدية كالإمام الهادي إلى الحق.1
يشير شرط "البطنين" في الفقه السياسي الزيدي إلى حصر أحقية الإمامة الكبرى في ذرية الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب حصراً، دون غيرهم من الهاشميين أو قريش.
أما المفهوم الأعمق والأكثر تمييزاً للزيدية فهو نظرية الإمامة. فالإمامة لديهم ليست منصباً لاهوتياً يقتضي العصمة أو الوحي المنصوص كما هو الحال عند الإثني عشرية، بل هي وظيفة دينية وسياسية واجبة لحفظ الأمة وتطبيق الشريعة. وتشترط الزيدية في الإمام أن يكون حراً، ذكراً، بالغاً، عاقلاً، تقياً، عالماً مجتهداً، شجاعاً، وأن يكون من أبناء "البطنين". والأهم من ذلك أن يعلن إمامته بالخروج شاهراً سيفه، فلا توجد إمامة مستترة أو غائبة في الفكر الزيدي، مما يجعل الخروج والجهاد ركناً أساسياً من أركان استحقاق السلطة.2
وقد أجازت الزيدية مبدأ "إمامة المفضول مع وجود الأفضل"، استناداً إلى أن علي بن أبي طالب كان الأفضل بعد النبي، لكن بيعة أبي بكر وعمر كانت صحيحة لمصلحة اقتضتها تلك المرحلة ولدرء الفتنة، وأن علياً نفسَه بايعهم ووافقهم. هذا المبدأ الفقهي السياسي منح الزيدية مرونة تاريخية وقرّبهم من أهل السنة والجماعة أكثر من بقية الطوائف الشيعية، وجعلهم بمنأى عن الغلو الذي طبع بعض الفرق الأخرى.3
وعلى الصعيد الفقهي، اعتمدت الزيدية على منهج يقترب كثيراً من فقه [[أبي حنيفة النعمان|مؤسس المذهب الحنفي وأحد الأئمة الأربعة]]، حيث أقروا بالقياس والاجتهاد وإجماع الأمة كمصادر للتشريع إلى جانب القرآن والسنة. وتكاد تنحصر الخلافات الفقهية بين الزيدية ومذاهب السنة في مسائل فرعية بسيطة، كإضافة جملة "حي على خير العمل" في الأذان، وتفضيل إرسال اليدين في الصلاة بدلاً من ضمهما، ورفض المسح على الخفين، وتكبيرات صلاة الجنازة.1
أسفر الحراك الزيدي عن تأسيس عدة دول وكيانات سياسية في مناطق جغرافية مختلفة من العالم الإسلامي، مستغلاً في الغالب المناطق الجبلية والوعرة التي توفر حماية طبيعية للمتمردين وحاضنة اجتماعية ناقمة على السلطة المركزية. كانت أولى التجارب الناجحة في شمال بلاد فارس، حيث أسس الحسن بن زيد الملقب بـ"الداعي الكبير" دولة زيدية في [[طبرستان|إقليم تاريخي يقع شمال إيران الحالية]] وبلاد الديلم عام 250 هـ. وقد استمرت هذه الدولة في أداء دور محوري في نشر الإسلام بتلك المناطق، وصمدت لأكثر من نصف قرن قبل أن تتفكك تحت ضربات السامانيين.2
وفي قلب شبه الجزيرة العربية، ظهرت "الدولة الأخيضرية" عام 252 هـ في إقليم اليمامة المستقل (منطقة نجد حالياً)، على يد الأمير محمد بن يوسف الأخيضر الهاشمي، الذي فرّ بعد ثورة فاشلة ضد العباسيين، وأسس كياناً زيدياً صمد لعقود قبل أن يواجه التمدد الشرس لـ [[القرامطة|فرقة إسماعيلية باطنية ذات طابع عسكري]] في المنطقة.2
إلا أن التأثير الأعمق والأبقى للزيدية تجسد في بلاد اليمن. ففي عام 284 هـ، وصل الإمام يحيى بن الحسين الملقب بـ"الهادي إلى الحق" إلى [[صعدة|مدينة يمنية تعتبر المعقل التاريخي للمذهب]] بدعوة من قبائلها لفض النزاعات الدامية بينهم. نجح الهادي، وهو فقيه ومجتهد كبير، في تأسيس الدولة الزيدية الهادوية التي بسطت نفوذها في أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأرسى قواعد فقهية وعقائدية أصبحت تعرف بـ"المذهب الهادوي"، والذي يشكل جوهر الزيدية اليمنية حتى اليوم.1
استمر حكم الأئمة الزيديين في اليمن قرابة أحد عشر قرناً، متخللاً بفترات من الانحسار والتمدد والتنافس مع القوى الإقليمية كالأيوبيين والمماليك، ثم الإمبراطورية العثمانية التي خاض معها الزيديون حروباً ضارية أدت إلى انسحاب العثمانيين مرتين. واستمرت الدولة حاضرة تحت مسمى "المملكة المتوكلية اليمنية" حتى قيام الجمهورية عام 1962.2
لم يخلُ المسار التاريخي للزيدية من الجدالات والانقسامات الداخلية والخارجية. خارجياً، تعرضت الزيدية لانتقادات حادة من الإثني عشرية والإسماعيلية بسبب رفضها لمفهوم العصمة للأئمة، ولإقرارها بصحة خلافة أبي بكر وعمر، ولإنكارها القاطع لفكرة "المهدي المنتظر الغائب" الذي سيظهر في آخر الزمان، مفضلة عليه الإمام الحاضر القائم بالسيف. وفي المقابل، ورغم التقارب الكبير مع أهل السنة في الفروع الفقهية، واجهت الزيدية انتقادات من علماء الحديث السنة لتبنيها العقيدة المعتزلية في صفات الله، ولإصرارها على شرط "البطنين" في الإمامة، الذي اعتبره النقاد تكريساً لاحتكار السلطة في سلالة معينة ومخالفة لمبدأ الشورى المفتوحة.3
داخلياً، تفرعت الزيدية إلى عدة فرق انقرض معظمها ولم يبقَ منها فعلياً سوى "الجارودية" و"الهادوية". كانت الفرقة البترية والسليمانية أقرب إلى أهل السنة في تقييم الصحابة، بينما مثلت الجارودية (أتباع أبي الجارود زياد بن المنذر) الجناح الأكثر تشدداً وتقارباً مع الإثني عشرية في النظرة السلبية تجاه الصحابة، إذ تعتقد الجارودية أن النبي نص على علي بن أبي طالب بالوصف لا بالاسم، وأن الأمة أخطأت وتخاذلت حين لم تستدل على الوصف لتبايع علياً مباشرة.1
وقد خلق مبدأ جواز خروج الإمام المستحق حالة من عدم الاستقرار المزمن في تاريخ الدول الزيدية؛ فكثيراً ما شهدت اليمن صراعات دامية بين عدة شخصيات علوية توفرت فيهم شروط الإمامة ودعا كل منهم لنفسه في وقت واحد، مما أدى إلى حروب أهلية متكررة أنهكت الدولة والمجتمع اليمني.2 ومع ذلك، برز من علماء الزيدية عبر التاريخ فئة إصلاحية تجاوزت التعصب المذهبي وانفتحت على فقه الدليل، مثل الإمام محمد بن علي الشوكاني ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، اللذين يدرس فقههما اليوم في الجامعات السنية حول العالم كنموذج للاجتهاد المقاصدي المعتدل.1
في العصر الحديث، يشكل الزيدية نسبة يُقدرها الباحثون بنحو ربع إلى ثلث سكان اليمن، ويتركزون بشكل أساسي في المحافظات الجبلية الشمالية مثل صعدة و[[عمران|محافظة يمنية تقع شمال العاصمة صنعاء]] وحجة وأجزاء من صنعاء. بعد سقوط نظام الإمامة وإعلان الجمهورية، فَقَدَ الهاشميون الزيديون احتكارهم للسلطة السياسية، واندمج الكثير منهم في مؤسسات الدولة الوطنية والمجتمع المدني، وتحولت الزيدية تدريجياً من نظام سياسي حاكم ذي طابع مقدس إلى مدرسة فقهية وثقافية تُدرس في المعاهد والمساجد، ويتعايش أتباعها بندية تامة مع الغالبية الشافعية السنية، حتى إن مساجد اليمن لطالما ضمت المصلين من المذهبين في صف واحد بلا تفرقة.1
ومع مطلع التسعينيات من القرن العشرين، وعقب إقرار التعددية السياسية في اليمن، ظهرت حركات ثقافية لإحياء التراث الزيدي ومواجهة تمدد الحركات السلفية في مناطقهم التاريخية. كان أبرز هذه الكيانات "منتدى الشباب المؤمن" الذي تأسس في محافظة صعدة. وتطور هذا الكيان تدريجياً ليتخذ طابعاً تنظيمياً وعسكرياً مسلحاً تحت مسمى جماعة الحوثيين (أنصار الله).2
وقد أثار هذا التحول جدلاً سياسياً ومذهبياً عميقاً؛ فبينما تُصنف جماعة الحوثي على أنها حركة ذات جذور زيدية جارودية، يرى العديد من علماء الزيدية التقليديين والمراقبين أن الجماعة استوردت أطروحات ومفاهيم مستحدثة تقترب من الإثني عشرية ونظرية الولي الفقيه وتصدير الثورة، وعززت احتفالات دخيلة على المذهب الزيدي كـ"يوم الغدير" بطابع استعراضي، مما أحدث تغييراً جذرياً في بنية المذهب الزيدي المعاصر باليمن، وحوله إلى رأس حربة في صراع جيوسياسي أوسع يتجاوز الإرث التاريخي المعتدل للزيدية الأوائل.2
الاثنا عشرية (وتُعرف أيضاً باسم الإمامية أو الجعفرية) هي كبرى الفرق الإسلامية المنتمية إلى تيار [[التشيع|موالاة علي بن أبي طالب وآله]]، حيث تشكل الأغلبية الساحقة من الشيعة في العالم المعاصر بنسبة تتجاوز خمسة وثمانين بالمئة من مجموعهم الإجمالي1. يقوم المذهب في جوهره العقائدي على الإيمان بإمامة اثني عشر إماماً معصوماً من ذرية النبي محمد، يبدأون بعلي بن أبي طالب وينتهون بمحمد بن الحسن العسكري الملقب بالمهدي، والذي يعتقد أتباع المذهب بغيبته واستمرار حياته حتى ظهوره في آخر الزمان لتحقيق العدل2. تميزت الاثنا عشرية عبر مسيرتها بإنتاج فكري وفقهي كثيف عبر مدارسها الحوزوية في النجف وقم، ولعبت تحولاتها التاريخية والسياسية أدواراً مركزية في صياغة التاريخ الإسلامي الوسيط والحديث.
تعود الجذور الأولى لنشأة التيار الإمامي إلى الخلاف السياسي والفقهي حول مسألة خلافة النبي محمد عقب وفاته؛ إذ رأى أنصار [[علي بن أبي طالب|رابع الخلفاء الراشدين وأول الأئمة]] أنه الأحق بالقيادة الدينية والسياسية استناداً إلى نصوص نبوية يفسرونها بأحقية الوصية، ومن أبرزها خطبة غدير خم وحديث الثقلين3. تبلور هذا الانتماء تدريجياً عبر القرنين الأول والثاني الهجريين ليتحول من مساندة سياسية لآل البيت إلى مذهب ديني متمايز البنية والحدود، وخاصة خلال مرحلة الإمام الخامس محمد الباقر والإمام السادس جعفر الصادق في [[المدينة المنورة|المدينة المنورة مهد الرسالة والتاريخ الإسلامي]]، حيث وُضعت القواعد الفقهية والتفسيرية التي عُرفت لاحقاً باسم "الفقه الجعفري"1.
شهد خط الإمامة تحولات مفصلية عند انتقال الإمامة بالوصية والنص من إمام إلى لاحق، وواجهت الجماعة الشيعية تحديات كبرى في ظل الرقابة السياسية المفروضة من الخلافة العباسية، مما أدى إلى حصر نشاط الأئمة في التوجيه العلمي السري والتواصل مع شيعتهم عبر شبكة من الوكلاء. ومع وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري بسامراء، دخل المذهب منعطفاً جذرياً في مساره التاريخي، والذي تبلور عبر ثلاث محطات رئيسية توّجت بمرحلتي "الغيبة":
تنتظم الرؤية الكلامية عند الإمامية الاثني عشرية ضمن أصول الدين الخمسة التي تشكل الإطار الحاكم للاعتقاد، وتتطابق في مجملها مع التوجه العقلاني المتأثر بمدارس العدل والتوحيد. وتتوزع هذه الأصول على النحو التالي:
| الأصل العقائدي | المضمون والمفهوم عند الاثني عشرية |
|---|---|
| التوحيد | الإقرار بوحدانية الله ونفي الشريك والتركيب والتشبيه، وتوحيد الصفات مع الذات نفياً للتعدد. |
| العدل | التأكيد على أن الله لا يفعل القبيح ولا يجور في حكمه، واعتماد مسألة الحسن والقبح العقليين والاختيار الإنساني. |
| النبوة | الإيمان بجميع الأنبياء وبعثة النبي محمد خاتماً للمرسلين، واشتراط العصمة المطلقة للأنبياء من الذنوب والخطأ. |
| الإمامة | اعتقاد أن منصب الإمامة امتداد إلهي للنبوة بالنص والتعيين لا بالانتخاب، لحفظ الشريعة وهداية الأمة. |
| المعاد | الإيمان بالبعث والحساب والجزاء الأخروي بالجسد والروح بعد فناء العالم المشهود. |
تعتبر "الإمامة" الركن الذي تتمايز به الاثنا عشرية عن سائر المذاهب الإسلامية؛ حيث ترى أن الأرض لا تخلو من حجة ظاهر أو مستور، وأن الإمام يمتلك مؤهلات استثنائية من أبرزها "العصمة"، وهي ملكة إلهية تمنع الإمام من ارتكاب المعاصي والزلل في التبليغ والفتوى، فضلاً عن حيازته لعلوم الشريعة حفظاً وبياناً2. وتكتمل سلسلة الأئمة الاثني عشر بالترتيب: علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي زين العابدين، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن العسكري، ومحمد المهدي2.
وعلى مستوى القواعد المرافقة، يؤمن المذهب بمفاهيم كلامية مثل "التقية"، والتي تُعرّف بإبطان العقيدة ودفع الخطر عند الخوف الشديد من الاضطهاد والقتل حفظاً للنفس والعرض، كما يقولون بمبدأ "البداء" بمعناه الدقيق القائم على إظهار الله لأمر كان خافياً على خلقه دون طروء جهل على علمه الأزلي، إضافة إلى الإيمان برجعة جماعة من المؤمنين والظالمين إلى الدنيا عند قيام المهدي1.
يعتمد الفقه الإمامي على أربعة مصادر رئيسية لاستنباط الأحكام الشرعية: القرآن الكريم، والسنة المطهرة (وتشمل أحاديث النبي وأقوال الأئمة المعصومين وأفعالهم وتقريراتهم)، والعقل المجرد، والإجماع الكاشف عن رأي المعصوم3. وتخضع رواية الحديث عند الاثني عشرية لشرط ثبوت عدالة الراوي ووثاقته، وتتركز مدوناتهم الحديثية الكبرى في "الكتب الأربعة" التي تم تدوينها وتنقيحها بين القرنين الرابع والخامس الهجريين:
| اسم المصنف | المؤلف | تاريخ وفاة المؤلف | طبيعة المحتوى |
|---|---|---|---|
| الكافي | محمد بن يعقوب الكليني | 329 هـ | أصول العقائد وفروع الفقه ورسائل ومواعظ متنوعة. |
| من لا يحضره الفقيه | محمد بن علي بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) | 381 هـ | أحاديث الأحكام الفقهية العملية والفروع. |
| تهذيب الأحكام | محمد بن الحسن الطوسي (شيخ الطائفة) | 460 هـ | شرح استدلالي موسع لأحاديث الفقه والأحكام. |
| الاستبصار فيما اختلف من الأخبار | محمد بن الحسن الطوسي (شيخ الطائفة) | 460 هـ | جمع الروايات المتعارضة والترجيح والجمع بينها. |
تطور المنهج الفقهي عبر صراع علمي واسع بين تيارين رئيسيين في العصر الصفوي: "المدرسة الأخبارية" التي نادت بالاكتفاء بنصوص الروايات والأخبار والحد من استخدام القواعد الأصولية والاستدلال العقلي، و"المدرسة الأصولية" التي أسسها وقواها علماء كبار كالوحيد البهبهاني والشيخ مرتضى الأنصاري. استقر المذهب بالكامل تقريباً على اعتماد المنهج الأصولي، القائم على فتح باب الاجتهاد الحي وإلزام المكلفين غير المجتهدين بـ "التقليد"، أي الرجوع إلى مرجع ديني جامع للشرائط يسمى [[مرجع التقليد|الفقيه المجتهد المؤهل للإفتاء]]2.
عاشت المجتمعات الاثنا عشرية فترات طويلة كأقليات فكرية وسياسية بعيدة عن مقاليد السلطة المركزية، معتمدةً مبدأ التكيف السلمي وانتظار الفرج. غير أن المذهب اكتسب زخماً ودعماً سياسياً في فترات تاريخية فارقة، كان أبرزها بروز الدولة البويهية في بغداد والتي أتاحت حرية ممارسة الشعائر وتدوين التراث الشيعي، تلتها لاحقاً الدولة الإلخانية بعد تحول بعض سلاطينها، ثم الدولة الصفوية في بلاد فارس التي أعلنت المذهب الاثني عشري مذهباً رسمياً للدولة، واستقدمت العلماء والفقهاء من [[جبل عامل|منطقة جنوب لبنان الحاضنة العلمية]] والبحرين والعراق لبناء المؤسسات الدينية والقضائية1.
في العصر الحديث، قادت الحوزات العلمية تحولات سياسية جوهرية تجاوزت النظرة الكلاسيكية السلبية تجاه إدارة الحكم أثناء الغيبة الكبرى؛ فمن حركة المشروطة (الدستور) في مطلع القرن العشرين ومقاومة النفوذ الأجنبي، إلى ثورة العشرين في العراق، تبلورت أدوار سياسية للمراجع. وشهد الفكر السياسي تحولاً نوعياً بصياغة نظرية "ولاية الفقيه المطلقة" على يد آية الله الخميني، والتي نقلت الفقيه من دائرة الإفتاء والأمور الحسبية المحدودة إلى سدة الحكم وقيادة الدولة بعد نجاح الثورة الإسلامية في [[إيران|دولة في غرب آسيا ذات ثقل إقليمي]]، مما أعاد رسم الخرائط السياسية والتحالفات في الشرق الأوسط2.
شكلت الاثنا عشرية مادة خصبة للمساجلات الفكرية والمناظرات العقدية مع سائر التيارات الإسلامية، لا سيما أهل السنة والجماعة والمذاهب الشيعية الأخرى كالزيدية والإسماعيلية. تركزت محاور الجدل في قضايا جوهرية:
ينتقد علماء السنة الاثني عشرية في مسألة عدالة الصحابة؛ إذ يرفض الإمامية القول بعدالة جميع الصحابة مطلقاً ويخضعونهم لقواعد الجرح والتعديل وفق مواقفهم من علي بن أبي طالب، في حين يرى أهل السنة أن الطعن في الصحابة مساس بعدالة نقلة الشريعة والقرآن. كما يشتد الخلاف حول حصر الإمامة في اثني عشر إماماً، وعقيدة الغيبة والرجعة، والقول بمشروعية زواج المتعة، واعتبار العصمة لغير الأنبياء تجاوزاً للحدود الشرعية للنبوة2.
في المقابل، يدافع متكلمو وفقهاء الاثني عشرية عن مواقفهم بالاستناد إلى أدلة نقلية من كتب الحديث السنية والشيعية معاً (مثل أحاديث الأئمة الاثني عشر القرشيين الواردة في صحيحي البخاري ومسلم)، ويؤكدون أن مواقفهم الفقهية كالجمع بين الصلاتين والمسح على القدمين وزواج المتعة تعود لأحكام أصلية لم يثبت نسخها عندهم1. كما برزت محاولات تقريبية حديثة، لعل من أشهرها فتوى شيخ الأزهر محمود شلتوت بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الجعفرية شأنه شأن المذاهب السنية الأربعة، في إطار السعي نحو الوحدة الإسلامية والتقارب المذهبي.
يقدر عدد أتباع المذهب الاثني عشري بما يتراوح بين مئتي مليون ومئتين وخمسين مليون نسمة عالمياً، ويشكلون الأغلبية السكانية في كل من إيران وأذربيجان والعراق والبحرين، بينما يشكلون نسبة وازنة ذات تأثير سياسي واجتماعي في لبنان، والكويت، وشرق المملكة العربية السعودية، وسوريا، فضلاً عن وجود مجتمعات كبرى في شبه القارة الهندية، وتحديداً في باكستان والهند، وأفغانستان عبر قومية الهزارة2.
تتمحور القيادة الروحية والثقافية للمذهب حول "الحوزات العلمية"، وتأتي حوزة [[النجف|مدينة عراقية ومقر الحوزة العلمية التاريخية]] وحوزة مدينة [[قم|مدينة إيرانية تضم مركزاً حوزوياً رئيساً]] في مقدمة المراكز الدينية المسؤولة عن إعداد الفقهاء وإصدار الفتاوى وإدارة شبكات التكافل الاجتماعي وأموال الخمس. وتكتسب العتبات المقدسة في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء ومشهد أهمية رمزية وشعائرية كبرى، حيث تشهد مواسم زيارات مليونية دورية، تتصدرها زيارة أربعينية الحسين بن علي، والتي تعد واحدة من أكبر التجمعات البشرية الدينية في العالم المعاصر1.