حرية ومسؤولية
حمص – أثار قرار الحكومة السورية طرح قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين للاستثمار السياحي، بغية تحويلهما إلى منشأة تجارية تضم فندقاً ومطعماً، موجة من الاعتراضات الحادة من قبل عائلة الزهراوي والخبراء. وتتصاعد التساؤلات حول مشروعية تغيير الوظيفة الثقافية لمعلم استُملك أساساً للمنفعة العامة، وسط تحركات رسمية متسارعة قادها وزير الثقافة لاحتواء الأزمة وتهدئة المخاوف المعمارية.
يعود تاريخ قصر الزهراوي إلى العهد المملوكي، ويشكل أحد أبرز المعالم التاريخية في مدينة حمص القديمة، وتحديداً في منطقة باب تدمر، حيث يتميز بتصميمه المعماري الذي يعكس طراز البيت العربي التقليدي بقاعاته الداخلية وباحاته الواسعة وأقواسه الحجرية الفريدة. في العاشر من كانون الثاني عام ألف وتسعمئة وسبعة وسبعين، أصدرت دمشق المرسوم الجمهوري رقم ألفين وثمانمئة وسبعة وعشرين، والذي قضى باستملاك العقارين ذوي الرقمين مئتين وخمسة وستين ومئتين وستة وتسعين، العائدين لعائلة الزهراوي، لصالح المديرية العامة للآثار والمتاحف. استند ذلك القرار إلى خطة حكومية تهدف إلى تحقيق المنفعة العامة، وحماية المبنى من [[الزحف العمراني|التوسع العشوائي للمباني الحديثة]]، وتخصيصه ليكون متحفاً وطنياً للتقاليد الشعبية يحفظ الذاكرة الثقافية للمدينة. وقد شكل هذا المرسوم الإطار القانوني الذي حافظ على القصر طوال العقود الماضية، رغم الأضرار التي لحقت به خلال سنوات الحرب والتي استدعت تدخلات إسعافية متكررة لتدعيم بنيانه. ويمثل هذا السياق التاريخي والقانوني جوهر الخلاف الحالي، حيث يرى الورثة أن الغاية الأساسية من الاستملاك كانت حماية التراث الثقافي، وأن أي محاولة لتحويله إلى استثمار تجاري تتناقض مع السند القانوني الذي بنيت عليه عملية نزع الملكية من العائلة قبل نحو خمسة عقود.
في نيسان من العام الجاري، وقعت الجهات الرسمية عقداً استثمارياً مع شركة الطائر التجارية بقيمة ستة مليارات وثلاثمئة مليون ليرة سورية، يمتد لخمسة عشر عاماً، ويشمل ترميم وتأهيل قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين تمهيداً لاستثمارهما بشكل شامل. وقد أثار هذا العقد حفيظة عائلة الزهراوي التي طالبت بنشر بنوده كاملة أمام الرأي العام، محذرة من أن تحويل القصر إلى فندق ومطعم سيؤدي بالضرورة إلى إحداث تغييرات متعاقبة في النسيج المعماري لتلبية المتطلبات الخدمية والفندقية التي تتنافى مع طبيعة البناء القديم. وفي مسعى لتهدئة المخاوف المحلية، أجرى وزير الثقافة محمد الصالح زيارة ميدانية للموقع، مؤكداً أن الأعمال المنفذة، والتي بلغت نسبة إنجازها ثمانين بالمئة، تجري بإشراف يومي ومباشر من قبل طواقم مديرية الآثار، وأن الأنشطة المستقبلية داخل القصر ستقتصر حصراً على المجالين الثقافي والتراثي. وبرر الوزير هذه الخطوة بأن المستثمر قد تكفل بأعمال الترميم على نفقته الخاصة للحفاظ على المعالم الأصلية، مستخدماً مصطلح "[[الاستعارة|حق الانتفاع المؤقت بالعين]]" لوصف حالة الانتفاع، وهو ما أثار تساؤلات قانونية إضافية من قبل الورثة حول طبيعة هذا التوصيف ومدى ملاءمته للعقود التجارية المعمول بها في مؤسسات الدولة.
من جهتها، نفت المديرية العامة للآثار والمتاحف حدوث أي تغييرات جوهرية في التخطيط الأساسي للقصر، مشيرة في بيان رسمي إلى أن التدخلات الفنية اقتصرت فقط على إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، ومعالجة التسربات الأرضية، وإزالة تعديات وإضافات حديثة غير ملائمة شوهت المنظر العام. وأوضحت المديرية أن أعمال الحفر التي أثارت قلق السكان ترتبط بتأهيل البنية التحتية والمرافق الخدمية، وأن المدفن الموجود في الأقبية السفلى موثق رسمياً منذ عام ألف وتسعمئة وواحد وتسعين، ويضم بقايا عظام من الفترة البيزنطية ناتجة عن تنقيبات أثرية سابقة وليست اكتشافاً حديثاً مرتبطاً بالأشغال الجارية. ورغم هذه التطمينات المتكررة، وجه معاون المدير العام للآثار والمتاحف أيمن نابو بإيقاف الأعمال مؤقتاً لإجراء كشف ميداني دقيق، مقراً بوجود بعض التجاوزات والتحفظات القانونية الجدية على ملف الاستثمار. هذا التطور دفع العائلة إلى تصعيد تحركاتها عبر رفع القضية فوراً إلى لجنة التراث والثقافة في مجلس الشعب، بالتوازي مع تسجيل دعاوى قضائية أمام المحاكم المختصة لوقف المشروع الاستثماري بالكامل وتثبيت حق الانتفاع العام.
تأتي خطوة استثمار قصر الزهراوي ضمن توجه حكومي أوسع نحو إشراك القطاع الخاص في إدارة وصيانة المواقع الأثرية، نتيجة للصعوبات الاقتصادية التي تحد من قدرة الخزينة العامة على تمويل عمليات الترميم المكلفة. ومن المتوقع أن تواجه هذه السياسة تحديات متزايدة في المستقبل، إذ قد يؤدي التوسع في طرح المباني التاريخية للاستثمار التجاري إلى فقدان جزء من قيمتها المعنوية وحرمان المجتمعات المحلية من الوصول المجاني إلى إرثها الثقافي. كما أن استمرار الغموض القانوني حول آليات تغيير صفة الاستملاك من "المنفعة العامة" إلى "الاستثمار الخاص" قد ينجم عنه تعقيدات قضائية مع المالكين الأصليين، مما يفرض على الجهات المعنية البحث عن بدائل تمويلية مستدامة، مثل الاعتماد على منح المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث، لضمان الموازنة بين متطلبات الحفاظ على المعالم التاريخية وعدم المساس بهويتها ووظيفتها الأساسية كمتاحف ومراكز إشعاع حضاري.
في المحصلة، تضع قضية قصر الزهراوي مستقبل إدارة المواقع الأثرية السورية أمام اختبار حقيقي، وتفتح الباب واسعاً لمراجعة التشريعات الناظمة لعمليات الاستملاك والاستثمار. وتبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مسار هذا الملف، بانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية والمراجعات البرلمانية والأحكام القضائية التي ستحدد مصير هذا المعلم التاريخي البارز.
دمشق – نظّم اتحاد غرف التجارة السورية اليوم لقاءات أعمال اقتصادية ثنائية مع وفد تجاري تركي، بحضور مستشار وزير الخارجية التركي [[عمر فاروق دوغان|دبلوماسي تركي ومستشار بوزارة الخارجية]]، لبحث توسيع الشراكات الاستثمارية وتسهيل تدفق السلع وتبادل الوكالات التجارية بين كبرى الشركات في كلا البلدين.
انعقدت الفعاليات في فندق البوابات السبع برعاية رئيس اتحاد غرف التجارة علاء العلي، وبالتعاون مع مجموعة يوسف أوغلو الاستثمارية، بمشاركة رئيس لجنة العلاقات الخارجية المشتركة أنس البو، ورئيس الغرف الصناعية مازن ديروان، ومسؤول قطاع شحن البضائع الدولي صالح كيشور، إلى جانب نخبة واسعة من المستوردين والمستثمرين من الجانبين. وتركزت نقاشات الطاولات المستديرة، بحسب ما أورده المنظمون، على بحث فرص التوريد والتوزيع الحصري، وتأسيس مشاريع صناعية مشتركة بما يسهم في توسيع مسارات التبادل الاقتصادي وتعزيز حضور المنتجات السورية في الأسواق الخارجية المجاورة. وتشكّل هذه الخطوة امتداداً لمسار بدأ ملامحه تتشكل في آب الفائت حين زار وزير التجارة التركي عمر بولات مدينة حلب والتقى قيادات المال والأعمال لبحث سبل تنشيط التعاون الثنائي. أكّد المجتمعون أهمية استمرار التنسيق والمتابعة الميدانية لتحويل مخرجات الحوار إلى شراكات عملية ملموسة تحقق المنفعة المتبادلة وتلبي مصالح الطرفين. يراهن المستثمرون على هذه الاجتماعات لتجاوز معوقات النقل وسلاسل الإمداد اللوجستية، وفتح قنوات تصديرية جديدة تدعم استقرار حركة الإنتاج وتدفق البضائع بين مدن البلدين بعد ركود طويل أثّر على نشاط الأسواق البينية.
دمشق – أكد مستشار الشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية رئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي [[عمر الحلبي|...]]، أن العمل خلال المرحلة المقبلة سيركز على دعم جهود الإصلاح الاقتصادي وتطوير الصندوق وفق أسس الحوكمة والشفافية لحماية أصول الدولة وتنميتها وتوليد عوائد مستدامة.
وأوضح الحلبي أن الفترة المقبلة، وتحديداً خلال التسعين يوماً الأولى، ستشهد تقييماً شاملاً لأوضاع الصندوق السيادي، يغطي الأصول والموارد والالتزامات وارتباطاتها بالمنظومة المالية والموازنة العامة للدولة، مع الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية في إدارة الاستثمارات وأطر الرقابة والمساءلة. ويأتي هذا التحرك الاقتصادي في أعقاب صدور المرسوم رقم 191 لعام 2026 عن الرئاسة السورية القاضي بتعيينه في المنصب، وسط مساعٍ حثيثة لتفعيل دور المؤسسات الوطنية ورفع كفاءتها الإدارية والتشغيلية بعد سنوات طويلة من التحديات. وتراهن الدوائر الرسمية على أن هيكلة الصندوق وإدارته بمهنية عالية ستسهمان في جذب استثمارات نوعية، وتوفير بيئة أعمال ملائمة وجاذبة للقطاع الخاص، بما ينعكس إيجاباً على زيادة فرص العمل الحقيقية ورفع القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين مستوى معيشتهم. ويشدد خبراء المال والأعمال على أن القيمة الفعلية لأي صندوق سيادي لا تقاس بحجم الأصول المُعلنة فحسب، بل بقدرتها الحقيقية على تحفيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل القومي، وخفض التكاليف التشغيلية. ومن المقرر أن تعود إدارة الصندوق إلى الرأي العام بشفافية تامة بعد استكمال فترة التقييم لعرض النتائج التفصيلية والخطوات العملية القادمة أمام المواطنين.
نيويورك – شارك وزير المالية السوري محمد يسر برنية اليوم الأربعاء في اجتماع أممي رفيع المستوى نظمه [[صندوق قطر للتنمية|مؤسسة حكومية قطرية لدعم التنمية]] ومجموعة البنك الإسلامي للتنمية بمقر الأمم المتحدة، لبحث آليات تحول المنظومة المصرفية واستقطاب التمويل التنموي الموجه، بمشاركة حاكم مصرف سوريا المركزي ومسؤولين من الخزانة الأمريكية ومؤسسات دولية.
ركز الاجتماع على خطوات إعادة ربط المؤسسات السورية بالنظام المالي الدولي، وتطوير إدارة المالية العامة، فضلاً عن تنشيط أسواق رأس المال وقطاع التأمين لتعزيز النزاهة والرقابة المؤسسية. وأكد برنية خلال المداولات أن دمشق تتحمل المسؤولية الكاملة عن مسار التعافي الاقتصادي، مشدداً على ضرورة الانتقال الحاسم من مرحلة تشخيص التحديات المالية إلى التنفيذ العملي على الأرض عبر خطط منسجمة مع الأولويات الوطنية. وتواجه المصارف السورية تركة ثقيلة خلفتها سنوات العزلة وتدهور سعر صرف [[الليرة السورية|العملة الرسمية للجمهورية العربية السورية]]، إلى جانب تراكم خسائر القطاع الخاص بفعل القيود المفروضة على الحوالات البنكية الخارجية. وتشترط المؤسسات المالية الدولية اعتماد معايير الشفافية ومكافحة غسل الأموال قبل تقديم الدعم الفني والاستشاري، وهو ما تسعى دمشق لتحقيقه تمهيداً لفتح قنوات التمويل التنموي ودعم المشاريع الحيوية المتعثرة. وتأتي هذه التحركات ضمن برنامج وفد رسمي يشارك في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف نسج شراكات اقتصادية تتيح للبلاد استعادة دوراتها النقدية الطبيعية وتخفيف الضغوط المعيشية عن الأسواق المحلية.
خرجت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع اليوم بتوضيح رسمي حاسم حيال التدابير المتخذة بشأن مجمع "مول المالكي" التجاري في العاصمة السورية، نافية مصادرة المشروع بالكامل ومؤكدة حصر الإجراءات بالتحقق من مصادر الأموال وسندات الملكية المرتبطة بشبهات فساد تعود لرموز النظام السابق وشركائهم التجاريين.
أثار قرار تدقيق ملكية المركز التجاري الواقع بحي المالكي الراقي وسط دمشق تساؤلات واسعة في الأوساط الاقتصادية والشارع السوري، خصوصاً أن العقار يرتبط بعقود استثمار وتسهيلات مُنحت خلال السنوات الماضية لشخصيات نافذة أدرجت أصولها قيد المراجعة القضائية بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. وشددت اللجنة المختصة على استمرار عمل المحال التجارية والمرافق الخدمية داخل المجمع بصورة طبيعية دون إلحاق أي ضرر بمصالح المستأجرين وأصحاب الأعمال المرخصين، مع حجز العائدات المالية المخصصة للجهات الخاضعة للتحقيق لحين صدور أحكام قضائية قطعية تضمن رد الأموال العامة إلى خزينة الدولة السورية. وتعكف الهيئات القضائية والرقابية الجديدة على فتح عشرات الملفات الاستثمارية المعقدة في قطاعات العقارات والتجارة والاتصالات، سعياً لتفكيك شبكات الاحتكار واستعادة مئات ملايين الدولارات المجمدة أو المنهوبة في الداخل والخارج. ويراقب المستثمرون المحليون مسار هذه القرارات بحذر، وسط مطالبات بوضع آليات قانونية واضحة تفرق بين استرداد مكتسبات الفساد وحماية بيئة الأعمال الخاصة، بهدف تشجيع رؤوس الأموال السورية على العودة وتشغيل الأسواق وتفادي أي اضطراب قد يصيب القطاع التجاري المتعثر.
انطلقت، اليوم الاثنين، في العاصمة السورية أعمال أول منتدى للأعمال السوري-الأميركي، بحضور ممثلين عن وزارات ومؤسسات اقتصادية وتجارية من البلدين، في خطوة تهدف إلى توسيع مجالات التعاون وبحث فرص الاستثمار في سوريا بعد تخفيف العقوبات الأميركية، وتزامناً مع بدء إجراءات شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
المنتدى الذي تنظمه وزارة الاقتصاد والصناعة السورية بالتعاون مع مجلس الأعمال السوري-الأميركي، يشكّل منصة للحوار بين صناع القرار وممثلي القطاع الخاص، لمناقشة مستقبل الاقتصاد السوري خلال مرحلة التعافي، وبرنامج الإصلاحات الاقتصادية، واستعراض الفرص المتاحة أمام المستثمرين في قطاعات مختلفة، في ظل تطورات كبيرة تشهدها العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعد قرار الرئيس ترامب إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا، وإصدار وزارة الخزانة الأميركية تراخيص لتسهيل الاستثمارات التي تدعم تعافي سوريا وإعادة إعمارها. ويأتي هذا الانفتاح في وقت قدّر فيه البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بأكثر من 216 مليار دولار، وسط ترحيب حكومي سوري بهذه الخطوة التي تفتح آفاقاً أوسع للاستثمار وإدماج سوريا في النظام المالي العالمي.
هذه ليست مجرد أرقام، بل هي "خريطة طريق" حقيقية لإعادة الإعمار. فعلى مدى يومين، يجلس كبار المستثمرين والخبراء وصناع القرار لمناقشة التحديات والفرص الهائلة في السوق السورية.
هذه المنصة، التي تنظمها (TNBE) برعاية وزارة الأشغال، هي اللحظة التي يتحول فيها "الانتظار" إلى "تخطيط". ولأن الثقة هي أساس البناء، لم يكتفِ الملتقى بتكريم المبدعين بجوائز تقديرية، بل أعلن بثقة عن معرض "آيريكس 2026" الصيف القادم. إنها رسالة واضحة بأن عجلة البناء في سوريا قد بدأت بالدوران فعلاً.
مأدبة العشاء مع "غرفة التجارة الأمريكية" لم تكن مجرد عشاء، بل كانت "العرض" الرسمي لـ "سوريا الجديدة" أمام عمالقة رأس المال الأمريكي. فبعد تأمين الغطاء السياسي من ترامب، ورفع العقوبات، ولقائه العاطفي بالجالية التي دعاها "لاستثمار الفرصة النادرة"، جاءت هذه الخطوة لتكمل المثلث.
بوجود الوزير الشيباني، وضع الشرع "الفرص الاقتصادية الهائلة" على الطاولة، مؤكداً على "التواصل المباشر" مع رجال الأعمال بدلاً من البيروقراطية. إنها رسالة واضحة بأن دمشق لم تأتِ لواشنطن للسياسة فقط، بل جاءت بشرايين مفتوحة لجذب الاستثمارات وبناء شراكات حقيقية ومستدامة لإعادة الإعمار.
عودة الوفد الحكومي بوصف الزيارة بـ "المثمرة" ليس مجرد دبلوماسية؛ إنه إشارة البدء لعودة رأس المال. فخلف الكواليس، تحولت الكلمات إلى خطط عمل.
تلميح طلال الهلالي عن "مشاريع سيتم الإعلان عنها لاحقاً" يؤكد أن الصفقات السورية-السعودية قد أُبرمت. لكن العلامة الأقوى على الجدية تأتي من قطاع الطيران؛ إعلان عمر الحصري عن إرسال "وفد تقني" إلى الرياض ليس مجرد زيارة متابعة، بل هو "مرحلة التنفيذ" لدخول الاستثمارات السعودية والأجنبية لتأهيل المطارات والملاحة الجوية.
وفي الوقت نفسه، كان صندوق التنمية بقيادة صفوت رسلان يفتح "شريانين" للتمويل: "الشريان الوطني" بالتواصل مع الجالية السورية، و"الشريان الاستراتيجي" بالتفاوض مع الصناديق السيادية. سوريا لم تعد تطلب، بل أصبحت تعرض الفرص.
لقاؤه اليوم برئيس مجلس إدارة "المراعي"، الأمير نايف بن سلطان، ليس مجرد اجتماع استثماري عادي؛ بل هو إعلان صريح بأن "الازدهار" لا قيمة له إن لم يبدأ بـ "الأمن الغذائي".
هذا ليس لقاءً هامشياً، فوجود وزير الخارجية ورئيس هيئة الاستثمار إلى جانب الرئيس يضعه في قمة الأولويات الاستراتيجية. فبينما يبحث الوفد السوري عن شركاء لإعادة إعمار البنية التحتية، يثبت هذا الاجتماع أن دمشق تدرك أن "المراعي"، عملاق الغذاء في الشرق الأوسط، هي الشريك الأهم.
إنها خطوة براغماتية تقول للمستثمرين: قبل أن نبني المصانع وناطحات السحاب، يجب أن نضمن "الخبز والحليب" للشعب السوري.
لم يكن مجرد خبر مالي، بل كان إعلان نهاية 15 عاماً من القطيعة المصرفية الخانقة.
عودة "بنك بيمو السعودي الفرنسي"، البنك الخاص الأول، للتعامل المباشر مع الرياض هي اللحظة التي انتظرها الاقتصاد السوري طويلاً.
إنها "السباكة" الأساسية لتدفق مليارات الاستثمار.
فكما أكد الرئيس التنفيذي أندريه لحود، الدفعة جاءت من وزارة الاستثمار السعودية، وتم تنفيذ "أول تحويل" قبل أسبوعين، وهذا يحل الكابوس الأكبر للمستثمرين والمغتربين: "كيف نحول أموالنا؟".
وما أكده الوزير برنية من الرياض عن دخول بنوك سعودية أخرى، والعمل على فتح حسابات "رقمياً" عن بعد، هو رسالة واضحة:
السعودية لا تفتح الباب السياسي فحسب، بل تمد "الجسور المالية" لضمان نجاح إعادة الإعمار، بدءاً من تمويل التجارة وصولاً للاستثمار بالطاقة.
إنها ليست مجرد صناديق استثمارية، بل هي "جسور" تمهيدية ستحمل أموال المنطقة والعالم إلى سوريا.
لكن الجوهرة الحقيقية كانت في الإعلان عن ركيزتين: الأولى، توقيع اتفاقية حماية الاستثمارات "التاريخية"، وهي الدرع القانوني الذي يضمن "المعاملة العادلة" ويعيد بناء الثقة المفقودة.
والثانية، وهي الأهم، الإعلان عن "تقدم واضح" في تفعيل التحويلات المصرفية المباشرة. لقد حلت السعودية بضربة واحدة أكبر عقبتين أمام أي مستثمر: "ضمان الحقوق" و"آلية تحويل الأموال".
إنها رسالة واضحة بأن الرياض لا تكتفي بدور الشريك، بل هي "تمكّن" وتصمم الآليات لعودة دمشق، وتستعد لقيادة قاطرة إعادة الإعمار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
مهلة التسعين يوماً ليست مجرد وقت إداري إضافي؛ إنها رسالة وجودية واضحة: إما استكمال البناء وتشغيل المصانع المتعثرة خلال سنة ونصف، أو بيع المقسم لمستثمر جديد قادر على ضخ الحياة فيه.
ومن يتجاهل هذا النداء الأخير، سيجد أرضه "شاغرة" وقد عادت للدولة. هذا القرار الحاسم ليس معزولاً، بل هو ذروة "سياسة العصا والجزرة" التي بدأت بنظام الاستثمار الجديد في حزيران، وتلاها تخفيض رسوم البيع المؤلمة من 5% إلى 2% بالأمس.
إنها محاولة جادة، وربما أخيرة، لتحويل المقاسم الصامتة في "عدرا" و"الشيخ نجار" من مجرد أصول مجمدة إلى محركات إنتاج حقيقية تضخ الأمل في شرايين الاقتصاد المنهك.