حرية ومسؤولية
الرياض – حطّ الرئيس الفرنسي [[إيمانويل ماكرون|...]] اليوم الأربعاء في العاصمة السعودية الرياض ضمن محطة استثنائية غير معلنة في جدول جولته الخليجية، ليلتقي ولي العهد الأمير [[محمد بن سلمان|...]] بهدف إظهار تضامن باريس التام مع المملكة في مواجهة هجمات الحوثيين الصاروخية المتصاعدة وتأمين شحنات وقود إضافية لفرنسا.
استمر اللقاء نحو ساعة كاملة في أحد قصور العاصمة السعودية، ليصبح ماكرون أول قائد غربي يحط في الرياض منذ تفجر موجة الهجمات الحوثية غير المسبوقة مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري، والتي شملت ضربات مكثفة استهدفت [[مطار الملك خالد الدولي|المطار الدولي الرئيسي لعاصمة السعودية]] وخلفت قتلى وجرحى، ما اضطر السلطات إلى تعطيل الرحلات وإلغاء مؤتمرات دولية كبرى. وأوضح قصر الإليزيه في بيان رسمي أن المباحثات ركزت على إسناد أمن المملكة ومواصلة التشاور حول توسيع التعاون الأمني المشترك ودراسة بنية تحتية استراتيجية لتأمين ممرات الملاحة وتفادي مضيق هرمز، معلناً موافقة القيادة السعودية على تزويد باريس بكميات إضافية من الديزل طوال الأشهر المقبلة لمساعدتها على تلبية احتياجاتها المحلية. وتتزامن هذه الخطوة مع ضغوط شعبية متراكمة إثر تظاهرات حاشدة هزت مدناً فرنسية تنديداً بارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء أسعار المحروقات، الأمر الذي دفع حكومة باريس إلى إبرام تفاهمات عاجلة لتنويع واردات الوقود بعد جولات تفاوضية مع عواصم خليجية شملت قطر والإمارات والبحرين لتوريد الغاز الطبيعي المسال والمشتقات النفطية وتفادي اضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
إن الأرقام الصادرة عن رابطة مشغلي البنية التحتية للغاز في أوروبا تتجاوز كونها مجرد إحصاءات، لتصبح صرخة إنذار ببرد قارس يلوح في الأفق؛ فوصول مستويات الامتلاء إلى 32.73% هو أدنى قاع تصله القارة العجوز منذ خمس سنوات.
إن هذا النزيف الحاد في الاحتياطيات، الذي كسر حاجز الـ 39% المسجل العام الماضي وابتعد كثيراً عن طمأنينة الـ 62% في 2024، يضع الأمن القومي الأوروبي على المحك. وما يزيد المشهد قتامة هو تحذيرات "غازبروم" المبكرة، التي ترى في هذا العجز "فخاً شتوياً" يعجز معه الأوروبيون عن تعويض ما فُقد قبل حلول الصقيع.
والأخطر تكتيكياً هو استمرار السحب الصافي للغاز حتى بعد انقضاء أبريل، في تمرد صارخ على الأنماط الموسمية المعتادة لبدء مرحلة الحقن. نحن اليوم أمام مشهد يعيد للأذهان ذروة أزمة 2022، حيث لم تعد الطاقة مجرد سلعة، بل أصبحت سلاحاً جيوسياسياً يطحن رفاهية المواطن الأوروبي، وسط تساؤلات مشروعة حول قدرة القارة على صياغة استجابة جماعية قبل أن تفرغ المستودعات تماماً ويصبح الشتاء القادم مجرد صراع من أجل البقاء.