حرية ومسؤولية
محمد باقر قاليباف سياسي وعسكري إيراني بارز، من مواليد محافظة [[خراسان رضوي|إحدى المحافظات الكبرى شمال شرقي إيران]] عام 1961. يشغل منصب رئيس مجلس الشورى الإسلامي منذ عام 2020، بعد مسيرة طويلة تنقل فيها بين قيادة التشكيلات المسلحة في الحرس الثوري، ورئاسة جهاز قوى الأمن الداخلي، وإدارة بلدية العاصمة طهران لأكثر من عقد كامل، ليصبح واحداً من أبرز وجوه الإدارة التنفيذية والتشريعية في النظام الإيراني المعاصر.1
ولد محمد باقر قاليباف في بلدة طرقبة القريبة من مدينة مشهد لأسرة محافظة، ونشأ في بيئة متدينة دفعته في مطلع شبابه إلى تأسيس روابط طلابية إسلامية نشطة أثناء المرحلة المدرسية.1 ومع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، انخرط مبكراً في الأنشطة المؤيدة للمؤسسات الثورية الجديدة، ما شكّل نقطة انطلاقه المباشرة نحو المهام الدفاعية والأمنية.1
رغم التحاقه المبكر بالجبهات القتالية، تابع مساره الأكاديمي التخصصي في مجال [[الجغرافيا السياسية|دراسة تأثير الجغرافيا على السلوك السياسي للدول]]، حيث نال درجة البكالوريوس ثم درجة الماجستير من جامعة طهران، وأتبعها بالحصول على شهادة الدكتوراه من جامعة تربيت مدرس في التخصص ذاته، وتركزت دراساته العليا على تحليل بنية الإدارة المحلية وتطور المؤسسات الحضرية في إيران.1 وإلى جانب دراسته الجغرافية، التحق بدورات تخصصية في الطيران، ليحصل على رخصة طيران مدني معتمدة لقيادة طائرات نقل الركاب التجارية من طراز إيرباص، وعمل لاحقاً محاضراً وأستاذاً مشاركاً غير متفرغ في كلية الجغرافيا بجامعة طهران.1
بدأت المسيرة العسكرية الميدانية لقاليباف مع اندلاع حرب الخليج الأولى عام 1980 وهو في التاسعة عشرة من عمره، وتدرج سريعاً بفضل قدراته العملياتية في قيادة التشكيلات العسكرية حتى نهاية الحرب، قبل أن يتحول إلى المناصب الإدارية العليا في بنية الدولة الأمنية والمدنية.1
ارتبط حضور قاليباف في الوعي العام الإيراني بصفته رجل إدارة وتشييد وإنجاز ميداني، إذ استثمر مناصبه التنفيذية لتطبيق مشروعات هيكلية ذات طابع تقني وتحديثي.1 وخلال رئاسته لجهاز قوى الأمن الداخلي بين عامي 2000 و2005، وضع نظام الاستجابة السريعة للطوارئ عبر إطلاق خط الهاتف الموحد للشرطة (110)، كما أطلق مراكز الخدمات الحكومية الإلكترونية المتكاملة لتسهيل المعاملات الرسمية وتجديد الوثائق المدنية للمواطنين، مساهماً في تقليص الإجراءات البيروقراطية المركزية.1
وفي أمانة بلدية طهران التي أدارها لاثني عشر عاماً متتالية، قاد حملة تطوير واسعة للبنية التحتية والمرافق العامة؛ فشهدت العاصمة في عهده توسيعاً كبيراً في خطوط شبكة قطارات الأنفاق (مترو طهران)، وشق أنفاق مرورية كبرى مثل نفقي توحيد ونياسر، وتشييد جسور رئيسية ومحاور سريعة خففت من الاختناقات المرورية.1 كما دشنت إدارته معالم ترفيهية وبيئية بارزة، من بينها جسر الطبيعة للمشاة وبحيرة شهداء الخليج، مما عزز سمعته بوصفه ممثلاً لتيار المحافظين التكنوقراط القادر على إدارة المشاريع المعقدة بكفاءة تشغيلية عالية.1
واجه قاليباف خلال مسيرته السياسية والأمنية انتقادات حادة من قوى الإصلاح والمعارضة؛ ففي أعقاب احتجاجات الطلاب الجامعيين في طهران صيف عام 1999، كان واحداً من بين أربعة وعشرين قائداً في الحرس الثوري وقّعوا رسالة تحذيرية موجهة إلى الرئيس الإيراني الأسبق [[محمد خاتمي|رئيس إيران الأسبق ورائد التيار الإصلاحي]]، هددوا فيها بتدخل المؤسسة العسكرية إذا لم يتم وضع حد للاضطرابات.2 كما وجهت إليه انتقادات منظمات حقوقية ودوائر سياسية داخلية لطريقة تعامل أجهزة الأمن مع الاحتجاجات المدنية إبان قيادته لجهاز الشرطة الوطنية.2
وعلى الصعيد الاقتصادي، طالته اتهامات واستفسارات برلمانية وصحفية خلال إدارته لبلدية طهران بشأن بيع وتخصيص عقارات تابعة للبلدية بأسعار تفضيلية لشخصيات نافذة، وهي القضية التي عرفت إعلامياً باسم ملف العقارات الفلكية، وردت عليها بلدية طهران حينها بأن المعاملات تمت وفق الأطر القانونية والإدارية المعمول بها دون تجاوز للصلاحيات.2 ورغم تلك الانتقادات، حافظ قاليباف على دعم وثيق من القيادة العليا والتيار الأصولي، مستنداً إلى وزنه المؤسسي وسجله الإداري في إدارة ملفات الدولة الحساسة.1
يمثل قاليباف نموذجاً محورياً لتحول القيادات العسكرية التاريخية في [[حرس الثورة الإسلامية|مؤسسة عسكرية إيرانية مسؤولة عن حماية النظام]] إلى الفضاء السياسي والدستوري، حيث زاوج بين الانضباط الأمني والعقلية التنموية التكنوقراطية.1 وتعد تجربته في إدارة العاصمة طهران معياراً يسترشد به مسؤولو الإدارة المحلية في البلاد، إذ أثبت قدرة المؤسسات المحافظة على تقديم حلول خدمية عصرية تتجاوز الخطاب الأيديولوجي الصرف.1
وعلى صعيد العمل التشريعي، أدى دوره رئيساً لمجلس الشورى إلى إعادة صياغة توازنات السلطة التشريعية وتفاعلها مع السلطة التنفيذية والملفات الاستراتيجية، لا سيما في إدارة التشريعات المتصلة بالبرنامج النووي ومواجهة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الدولية، مما رسخ مكانته بصفته أحد أبرز صانعي القرار السياسي في الدائرة الضيقة للدولة الإيرانية.1
شهدت الأعوام الأخيرة اتساعاً ملحوظاً في نطاق أدوار قاليباف لتتجاوز العمل التشريعي الداخلي نحو الواجهة الدبلوماسية والتفاوضية الحساسة؛ ففي خضم التصعيد الإقليمي والدولي مع [[الولايات المتحدة|دولة اتحادية كبرى في أمريكا الشمالية]] خلال عام 2026، تصدر المشهد السياسي عبر قيادته وتنسيقه لوفود إيرانية رفيعة شاركت في محادثات غير مباشرة عُقدت في إسلام آباد وعواصم أوروبية، تناولت ملفات التهدئة الإقليمية والأموال المحتجزة وترتيبات أمن الملاحة في المضائق البحرية.13
وعلى صعيد المواقف الأمنية الخارجية، أجرى زيارات رسمية إلى دول الجوار شملت محادثات أمنية واقتصادية موسعة في العاصمة العراقية بغداد لبحث الترتيبات الحدودية وتنسيق المواقف المشتركة.4 وفي سبتمبر 2026، اتخذ نبرة تصعيدية حازمة بإعلانه أن الدفاعات والقدرات الإيرانية تجاوزت مراحل الترقب، وبدأت عملياً مرحلة التصدي واستهداف المقاتلات الأمريكية المتقدمة في الأجواء الإقليمية عند أي انتهاك للسيادة، مشدداً في تصريحاته الرسمية على استعداد طهران الكامل للرد العسكري المباشر على أي محاولات لتشديد الحصار أو فرض قيود بحرية على حركة التجارة والملاحة الإيرانية.5