حرية ومسؤولية
صدام حسين هو خامس رؤساء جمهورية العراق، والأمين القُطري لحزب البعث العربي الاشتراكي، والقائد العام للقوات المسلحة العراقية في الفترة الممتدة من عام 1979 حتى سقوط نظامه إثر الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. يُعدّ من أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل في التاريخ الحديث للشرق الأوسط، حيث اتسمت فترة حكمه بتحولات جذرية شملت نهضة تنموية واسعة في بداياتها، أعقبتها حروب إقليمية مدمرة وحصار اقتصادي خانق، فضلاً عن سياسات داخلية صارمة أدت إلى استقطاب حاد في تقييم إرثه محلياً ودولياً.1
وُلد صدام حسين عبد المجيد التكريتي في قرية العوجة، وهي مجتمع زراعي صغير يقع بالقرب من مدينة [[تكريت|مدينة عراقية تقع على ضفاف نهر دجلة]] التابعة لمحافظة صلاح الدين، لأسرة فلاحية فقيرة. نشأ يتيماً بعد وفاة والده قبل ولادته بأشهر قليلة، وتولى خاله خير الله طلفاح — الذي كان ضابطاً في الجيش العراقي وذا ميول قومية متشددة — جانباً كبيراً من رعايته وتنشئته. تركت تلك التنشئة أثراً عميقاً في تكوين شخصية صدام، حيث غرس خاله فيه مبادئ القومية العربية ومعاداة الاستعمار الأجنبي، لا سيما بعد مشاركة طلفاح في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الوجود البريطاني.1
انتقل صدام في شبابه إلى العاصمة بغداد لإكمال دراسته، والتحق بمدرسة الكرخ الثانوية التي كانت في تلك الحقبة معقلاً للحركات السياسية الطلابية المناهضة للنظام الملكي. انخرط مبكراً في العمل السياسي السري، وانضم في عام 1957 إلى [[حزب البعث العربي الاشتراكي|حزب سياسي يعتنق القومية العربية]]، ليبدأ مسيرة طويلة من النضال الحزبي. شارك في عام 1959 في محاولة اغتيال فاشلة استهدفت رئيس الوزراء آنذاك عبد الكريم قاسم، مما اضطره للفرار متخفياً إلى سوريا ثم إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث أكمل دراسته الثانوية والتحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، لكنه عاد إلى العراق قبل أن يتم دراسته الجامعية إثر الإطاحة بقاسم عام 1963.2
عاد صدام حسين إلى العراق عقب حركة الثامن من شباط التي أوصلت حزب البعث إلى السلطة لفترة وجيزة، وسرعان ما برز اسمه كشخصية تنظيمية براغماتية داخل هياكل الحزب. بعد الإطاحة بالبعثيين في أواخر العام ذاته، نزل صدام إلى العمل السري وتعرض للاعتقال، لكنه تمكن من الهرب من السجن عام 1966، ولعب دوراً محورياً في إعادة بناء الجهاز السري للحزب وتنظيم صفوفه الداخلية.1
مثّل انقلاب السابع عشر من تموز عام 1968 النقطة المفصلية الأهم في مسيرته السياسية؛ إذ نجح حزب البعث بالتحالف مع ضباط في الجيش في استلام السلطة وتعيين أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية. عُيّن صدام نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤولاً عن الأجهزة الأمنية، وشرع بصفته الرجل الثاني في الدولة في هندسة بنية سلطة مركزية محكمة. تمكن خلال السبعينيات من تهميش خصومه تدريجياً، وبناء شبكة واسعة من الموالين داخل القوات المسلحة والمؤسسات المدنية.2
في صيف عام 1979، أُعلن رسمياً عن استقالة الرئيس أحمد حسن البكر لأسباب صحية، ليتولى صدام حسين رئاسة الجمهورية وقيادة الحزب والدولة. وفي أولى خطواته لترسيخ حكمه المطلق، عقد مؤتمراً استثنائياً لقيادات الحزب عُرف تاريخياً باسم "مؤتمر قاعة الخلد"، حيث أعلن عن اكتشاف مؤامرة داخلية، وقام بتلاوة أسماء العشرات من القيادات البارزة الذين أُخرجوا من القاعة وأُعدم العديد منهم، في خطوة أنهت أي معارضة محتملة داخل الدائرة الحاكمة.1
شهدت حقبة السبعينيات، التي كان فيها صدام حسين المهندس الفعلي للسياسة العراقية، طفرة اقتصادية وتنموية غير مسبوقة. كانت الخطوة الأبرز في هذا المسار هي قرار تأميم شركة نفط العراق عام 1972، والذي وفّر للدولة عائدات مالية ضخمة استُثمرت في مشاريع البنية التحتية الشاملة. قاد صدام حملة وطنية كبرى لمحو الأمية، وأقرّ التعليم الإلزامي المجاني في جميع المراحل، إلى جانب تقديم خدمات رعاية صحية متطورة ومجانية لجميع المواطنين، وهو ما دفع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO) لمنح العراق جائزة تقديرية لإنجازاته في قطاع التعليم.2
وعلى الصعيد الاجتماعي والتنظيمي، عملت القيادة على تحديث القوانين المدنية، وتطوير القطاع الزراعي والصناعي، ودعم مكانة المرأة في سوق العمل. غير أن هذه الطفرة التنموية ترافقت مع بناء جهاز أمني وعسكري فائق التعقيد، احتكر الفضاء العام وقمع أي أشكال التعددية السياسية أو حرية التعبير، فارضاً نظام حكم يعتمد بشكل كبير على تقديس شخصية القائد وتكريس هيمنة الحزب الواحد على مؤسسات الدولة كافة.1
لم يكد صدام حسين يحكم قبضته على السلطة حتى دخل العراق في سلسلة من الصراعات العسكرية التي استنزفت مقدراته. ففي سبتمبر 1980، وعلى خلفية توترات حدودية وتصاعد الخطاب العدائي مع القيادة الإيرانية الجديدة، أمر صدام بشن هجوم عسكري استباقي على الجارة الشرقية، لتندلع [[الحرب العراقية الإيرانية|نزاع مسلح حدودي وأيديولوجي طويل الأمد]] التي استمرت ثماني سنوات. أسفرت الحرب عن خسائر بشرية هائلة قُدرت بمئات الآلاف من القتلى والجرحى من كلا الجانبين، وخلّفت دماراً واسعاً في المنشآت النفطية والبنية التحتية، فضلاً عن إغراق العراق في ديون خارجية ضخمة بعد أن كان يمتلك احتياطيات مالية وافرة.1
شهدت سنوات الصراع مع إيران وحملات قمع التمرد الداخلي اتهامات موثقة دولياً للنظام العراقي باستخدام الأسلحة الكيميائية، كان أبرزها الهجوم على مدينة حلبجة الكردية عام 1988، والذي أسفر عن مقتل الآلاف من المدنيين اختناقاً.3
في محاولة لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أعقبت الحرب، اتهم صدام حسين دولة الكويت بتجاوز حصص الإنتاج النفطي وسحب النفط من حقل الرميلة المشترك. وفي الثاني من أغسطس 1990، اجتاحت القوات العراقية الأراضي الكويتية واحتلتها بالكامل. أثار هذا التحرك إدانة دولية كاسحة، وشُكّل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة وبمظلة الأمم المتحدة، أطلق مطلع عام 1991 عملية عسكرية واسعة أسفرت عن إخراج القوات العراقية من الكويت وتدمير أجزاء واسعة من القدرات العسكرية والمدنية العراقية.2
أعقب الهزيمة العسكرية اندلاع انتفاضات شعبية واسعة في جنوب العراق وشماله، تصدت لها قوات الحرس الجمهوري بقسوة بالغة. وبموازاة ذلك، فرض [[مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة|هيئة دولية مسؤولة عن حفظ السلم العالمي]] حصاراً اقتصادياً شاملاً استمر لأكثر من عقد، وتسبب في تدهور كارثي لمستويات المعيشة والصحة العامة، مما أدى إلى انهيار الطبقة الوسطى وتفشي الأمراض وسوء التغذية، رغم محاولات التخفيف الجزئي عبر برنامج "النفط مقابل الغذاء".1
في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، صعدت الإدارة الأمريكية من خطابها العدائي تجاه النظام العراقي، متهمة إياه بامتلاك [[أسلحة الدمار الشامل|أسلحة كيميائية وبيولوجية ونووية محظورة دولياً]] ودعم التنظيمات الإرهابية، وهي اتهامات لم تثبت صحتها لاحقاً بشهادة لجان التفتيش الدولية والمحققين الأمريكيين أنفسهم. رغم التعاون العراقي في اللحظات الأخيرة، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا غزوهما للعراق في مارس 2003، وسقطت العاصمة بغداد في التاسع من أبريل من العام نفسه، إيذاناً بانهيار حكم صدام حسين ومؤسسات دولة البعث.2
توارى صدام عن الأنظار لأشهر، مُصدراً تسجيلات صوتية تحث على المقاومة، قبل أن تعلن القوات الأمريكية القبض عليه في 13 ديسمبر 2003، خلال عملية سُميت "الفجر الأحمر" (Operation Red Dawn)، بعد العثور عليه في مخبأ تحت الأرض بمزرعة قريبة من مسقط رأسه. سُلم صدام لاحقاً إلى الحكومة العراقية المؤقتة، ومَثل أمام محكمة جنائية خاصة لمحاكمته في عدة قضايا تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، كان أولها قضية "مجزرة الدجيل" التي تعود لعام 1982.3
شهدت المحاكمة جلسات علنية عاصفة تبادل فيها صدام وبعض مساعديه الاتهامات والمشادات مع القضاة، رافضاً الاعتراف بشرعية المحكمة، ومتمسكاً بصفته الدستورية كقائد للبلاد. في الخامس من نوفمبر 2006، حُكم عليه بالإعدام شنقاً، ونُفذ الحكم فجر يوم الثلاثين من ديسمبر 2006، والذي تزامن مع أول أيام عيد الأضحى، مما أثار موجة غضب عارمة بين أنصاره وفي أوساط واسعة من الشارع العربي والإسلامي الذين رأوا في توقيت الإعدام وتسريب مقاطع مصورة تظهر شتائم طائفية أثناء التنفيذ، إهانة متعمدة وتصفية حسابات طائفية.3
ترك صدام حسين إرثاً بالغ التعقيد والتناقض، لا يزال يثير انقسامات حادة حتى اليوم. يرى فيه شطر من العراقيين والعرب زعيماً وطنياً حافظ على وحدة العراق، ووقف سداً منيعاً في وجه النفوذ الإيراني، وتحدى الهيمنة الغربية والإسرائيلية، مستذكرين طفرة السبعينيات التنموية واستقراره الأمني. وفي المقابل، يحمله الشطر الآخر، وخاصة من الأكراد والشيعة، المسؤولية التاريخية عن جرائم إبادة جماعية ومقابر جماعية واعتقالات تعسفية طالت مئات الآلاف.2
على الصعيد الجيوسياسي، أدى سقوط نظامه إلى انهيار بنية الدولة العراقية الحديثة وتفكك مؤسساتها، ولا سيما بعد قرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر (Paul Bremer) بحل الجيش واجتثاث البعث، وهو ما أدخل البلاد في دوامة من الفوضى الأمنية والحرب الأهلية والطائفية. وقد أتاح هذا الفراغ الاستراتيجي تمدد النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، وظهور تنظيمات مسلحة متطرفة، ليبقى عهد صدام حسين، بنجاحاته وإخفاقاته وانتهاكاته، فصلاً محورياً لا يمكن فصله عن مسار الصراعات الراهنة في الشرق الأوسط.3