حرية ومسؤولية
علي خامنئي رجل دين وسياسي إيراني، شغل منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عام 1989 حتى وفاته عام 2026 عن ستة وثمانين عاماً.1 يُعد ثاني من تولى موقع قيادة الدولة بعد مؤسسها روح الله الخميني، والمسؤول الذي أدار التوازنات السياسية والمؤسسية العليا في البلاد لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، بعد أن كان قد شغل منصب رئيس الجمهورية لولايتين متتاليتين إبان فترة [[الحرب العراقية الإيرانية|نزاع عسكري مسلح امتد ثماني سنوات]].2
ولد علي حسيني خامنئي في 19 أبريل 1939 في مدينة [[مشهد|مدينة إيرانية تضم مراقد دينية]] شمال شرقي إيران، ونشأ في كنف أسرة متدينة تنحدر أصولها من أذربيجان الإيرانية وتتوارث الاشتغال بالعلوم الدينية.1 كان والده جواد خامنئي من مدرسي الحوزة الدينية ومن رجال الإفتاء المعروفين في المدينة، ما وفر له بيئة محافظة ساعدته على استهلال تعليمه الديني في سن مبكرة.3
تلقى تعليمه الأولي في مدارس مشهد الدينية، حيث درس مبادئ الفقه واللغة العربية، ثم انتقل إلى مدينة النجف في العراق لمتابعة التحصيل الحوزوي التخصصي، قبل أن يستقر في مدينة [[قم|مركز رئيسي للحوزات الدينية الشيعية]] عام 1958 لمتابعة أبحاث السطوح العالية والبحث الخارج.3 وخلال دراسته في قم، تتلمذ على يد كبار فقهاء عصره مثل حسين البروجردي وروح الله الخميني، وتأثر بالرؤية الفكرية والسياسية للأخير حيال نقد السلطة الحاكمة وتطبيق [[ولاية الفقيه|نظرية فقهية تمنح الفقيه القيادة السياسية]].2
انخرط خامنئي في النشاط السياسي المناهض لحكم الشاه محمد رضا بهلوي مطلع ستينيات القرن العشرين، وتولى مهام التنسيق ونقل الرسائل التوجيهية للخميني بعد اندلاع انتفاضة عام 1963، مما عرّضه لملاحقات أمنية متكررة من جهاز [[السافاك|جهاز الأمن والاستخبارات في عهد الشاه]].2 واعتُقل ست مرات ونُفي إلى مناطق نائية داخل إيران، حتى عاد إلى طهران مع تصاعد الحراك الشعبي أواخر عام 1978 ليصبح عضواً مؤسساً في مجلس قيادة الثورة.3
تعرض في يونيو 1981 لمحاولة اغتيال إثر انفجار عبوة ناسفة كانت مخبأة في جهاز تسجيل أثناء إلقائه كلمة داخل مسجد في طهران، ما أدى إلى إصابته بجروح بالغة وشلل كامل في ذراعه اليمنى.2 وعقب اغتيال الرئيس محمد علي رجائي في العام ذاته، فاز خامنئي بالانتخابات الرئاسية بنسبة أصوات كاسحة، ليدير السلطة التنفيذية في ذروة الحرب مع العراق تحت إشراف الخميني.1
بعد وفاة الخميني في يونيو 1989، عقد مجلس خبراء القيادة جلسة طارئة اختار خلالها خامنئي لقيادة البلاد، تزامناً مع تعديلات دستورية ألغت منصب رئيس الوزراء ووسعت صلاحيات منصب المرشد الأعلى وفق المادتين 109 و110 من الدستور الإيراني.2 وبموجب هذه الصلاحيات، بات يشرف بصورة مباشرة على رسم السياسات العامة للنظام، ويقود القوات المسلحة، ويعين قادة [[الحرس الثوري الإيراني|تشكيل عسكري أسس لحماية النظام السياسي]] ورئيس السلطة القضائية ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون.2
عمل خلال إدارته على موازنة مراكز القوى الداخلية، عبر تفويض الملفات الاقتصادية والإدارية اليومية للحكومات المتعاقبة، مع الاحتفاظ بقرار الحسم في القضايا الأمنية والسياسة الخارجية والبرنامج النووي والصاروخي.1 وركّزت استراتيجيته الدفاعية على بناء قدرات الردع غير المتناظر، وتوسيع الشبكات الحليفة الإقليمية لتعزيز الحزام الأمني الخارجي لطهران.3
تبنى خامنئي خطاً عقائدياً صلباً في مواجهة السياسات الغربية، واعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل خصمين استراتيجيين للنظام الإيراني، رافضاً أي تقارب سياسي لا يضمن رفع العقوبات المفروضة على بلاده بشكل كامل ومستدام.2 وفي الشأن الداخلي، شدد على تطبيق القوانين الاجتماعية المرتبطة بالزي وإلزامية الحجاب، معتبراً الدعوات الليبرالية جزءاً من مخططات الاختراق الثقافي.1
واجهت سياساته انتقادات داخلية ودولية واسعة؛ إذ انتقدت منظمات حقوقية تعامله الحازم مع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران في أعوام 2009 و2019 و2022، متهمة الأجهزة الأمنية باستخدام القوة المفرطة لتقويض المعارضة.1 كما حمّلته بعض التيارات الإصلاحية مسؤولية تهميش القوى السياسية المعتدلة والاعتماد المتزايد على المؤسسة العسكرية في إدارة الاقتصاد.2
يتمثل الإرث السياسي الأبرز لخامنئي في ترسيخ مؤسسات الحكم الثوري وضمان استمرارية هيكل القيادة الدينية لعقود بعد وفاة المؤسس الأول.3 وقد نجح في تحويل إيران إلى قوة إقليمية قادرة على التأثير في ساحات النزاع في الشرق الأوسط، وتطوير ترسانة باليستية متقدمة وبرنامج نووي واسع رغم العزلة الدولية وحزم الحصار الاقتصادي المتتالية.2
في المقابل، ترك هذا المسار البلاد أمام أزمات اقتصادية بنيوية حادة ناتجة عن العقوبات وانخفاض قيمة العملة المحلية، فضلاً عن تعميق الفجوة بين الأجيال الشابة والمؤسسة الدينية التقليدية، ما جعل مسألة انتقال القيادة وتحديد هوية المرشد اللاحق محط ترقب وحذر شديدين لدى مختلف الأوساط السياسية.3
شهدت السنتان الأخيرتان من قيادته تصعيداً عسكرياً غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط، حيث انتقلت المواجهات بين إيران وإسرائيل من إطار العمليات الاستخبارية إلى الضربات المتبادلة المباشرة بالصواريخ والطائرات المسيرة خلال عامي 2024 و2025.2 وظل خامنئي يوجه الخطاب الرسمي للتأكيد على ثبات الموقف العسكري وتوسيع مديات الرد الصاروخي.2
وفي 28 فبراير 2026، أعلنت مصادر رسمية إيرانية وفاته في العاصمة طهران في سياق الضربات العسكرية والتوترات الأمنية الحادة التي ضربت المنشآت القيادية، منهياً بذلك حقبة دامت قرابة سبعة وثلاثين عاماً على رأس هرم السلطة في طهران.13
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات