حرية ومسؤولية
في كلمة مفصلية عكست روح المرحلة الانتقالية، أكد المندوب الدائم لسوريا، السفير إبراهيم علبي، أن ترسيخ قيم العدالة وإنصاف ضحايا الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري يشكّلان الحجر الأساس الذي تُبنى عليه مؤسسات الدولة في عصرها الجديد.
ولم يكتفِ العلبي بالحديث عن الحقوق، بل شدد على التزام الدولة بمسار منظم لكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين، داعياً المجتمع الدولي إلى شراكة حقيقية لدعم هذا المسار الوطني، بما يخرج سوريا من دوامة الاستقطاب نحو أفق المحاسبة المؤسساتية التي تحفظ كرامة المواطن وتصون هيبة القانون.
ولم ينفصل هذا الطموح الحقوقي في خطاب العلبي عن الثوابت السيادية؛ إذ ربط بين العدالة في الداخل وبين ضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة السورية، معتبراً أن حماية حقوق السوريين والسوريات هي مسؤولية إقليمية ودولية مشتركة.
وأوضح في تصريحاته أن الدولة السورية، وهي تمضي في مسار الإصلاح والإنصاف، لن تتنازل عن شبر واحد من أراضيها المحتلة، مشيراً إلى أن أي وجود إسرائيلي في الجولان يظل احتلالاً غير قانوني، وهو ما أكدته جولات الوفود الأممية الأخيرة إلى القنيطرة، والتي عكست التزام الحكومة السورية بحماية مواطنيها في كافة المناطق.
وفي سياق استعراضه لنجاحات الدبلوماسية السورية في نيويورك، أشار العلبي إلى أن هذه الإنجازات الخارجية ما هي إلا صدى للنجاحات التي تتحقق في الداخل السوري.
ولعل استقبال البعثة السورية لتهاني أكثر من 100 سفير بمناسبة عيد التحرير، يمثل شهادة دولية على عودة سوريا إلى ممارسة دورها السياسي والإنساني الفاعل، بعيداً عن العزلة، وبخطى واثقة نحو بناء دولة قائمة على المؤسسات والشفافية، حيث تصبح "العدالة الانتقالية" هي الجسر الذي يعبر به السوريون نحو مستقبلهم المشترك.
في مشهدٍ يدمي القلوب، وصفت الأمم المتحدة القصف الإسرائيلي المستمر على لبنان بـ "المروع"، حيث خرج المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان، ثمين الخيطان، لينقل فزع المفوض السامي فولكر تورك من حجم الدمار والنزيف البشري الذي لم يرحم شجراً ولا حجراً.
يأتي هذا النداء الأممي الصارم للمطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة الجناة، في وقتٍ تعيش فيه قرى الجنوب ومدينة صور تحت وطأة غاراتٍ لا تهدأ، رغم رياح "الهدنة" الهشة التي أعلنها دونالد ترامب بين واشنطن وطهران.
إنها مفارقة مؤلمة؛ فبينما يُفتح مضيق هرمز وتتنفس الأسواق العالمية الصعداء، يبقى الشعب اللبناني وحيداً تحت النيران، خارج حسابات الاتفاقات الكبرى، يطارده الخوف والنزوح القسري.
إن هذا التجاهل المتعمد للساحة اللبنانية في صفقات خفض التصعيد يجعل من دعوات التحقيق الدولية "اختباراً أخلاقياً" أخيراً للمجتمع الدولي؛ فإما العدالة وإما ترسيخ شريعة الغاب، حيث يُترك المدنيون لقمة سائغة في صراع القوى، طالما أن وقف إطلاق النار استثنى صرخاتهم من بنوده الرسمية.
في لحظة فارقة تتصاعد فيها نبرة التصعيد في المنطقة، رفعت دمشق صوتها اليوم الأربعاء لتدين بلهجة حازمة العدوان الإسرائيلي الغاشم على الأراضي اللبنانية، واصفة إياه بالانتهاك الصارخ للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
التقرير الصادر عن وزارة الخارجية السورية لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حمل رسائل تضامن عميقة في وقت نزفت فيه المدن اللبنانية دماً، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا إلى رقم مفجع بلغ 254 قتيلاً وأكثر من ألف جريح وفقاً للدفاع المدني اللبناني.
سوريا، التي تدرك تماماً حجم التحديات الوجودية، دعت المجتمع الدولي للخروج عن صمته وتحمل مسؤولياته لفرض وقف فوري لإطلاق النار، مشددة على دعمها الكامل لسيادة الدولة اللبنانية وبسط سيطرتها على أراضيها.
هذا الموقف السوري يتقاطع مع صرخة الرئاسة اللبنانية التي حذرت من نهج تدميري يهدد ما تبقى من استقرار في الشرق الأوسط، مما يعكس وحدة المصير أمام آلة حربية لا تفرق بين مدني وعسكري، ويضع العالم أمام اختبار أخلاقي وقانوني لوقف هذه المجازر التي تضرب بجذورها في عمق الإنسانية والسيادة الوطنية.
كشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، في بيان رسمي اليوم الأربعاء 1 نيسان، عن عبور أكثر من 200 ألف شخص للحدود اللبنانية السورية خلال الفترة ما بين 2 و27 آذار الماضي.
وأوضحت المفوضية أن الكتلة البشرية الأكبر تتألف من سوريين عائدين ونازحين سابقين، إضافة إلى نحو 28 ألف لبناني فروا من شدة القصف الإسرائيلي.
وفي ظل هذا التدفق المباغت، حذرت المنظمة من فجوة تمويلية هائلة؛ حيث لم يتم تأمين سوى 30% فقط من الميزانية المطلوبة لعام 2026 والبالغة 324 مليون دولار.
وتتركز الاحتياجات العاجلة للواصلين حول "الغذاء والمأوى والرعاية الصحية"، فضلاً عن المساعدة القانونية لاستخراج الوثائق المدنية المفقودة.
وبينما تمكنت فرق المفوضية من دعم 20 ألف عائلة حتى الآن وتأمين وسائل نقل لوجهاتهم النهائية، يبقى النقص الحاد في الموارد يهدد بتحول هذه الموجة إلى أزمة إنسانية متفاقمة داخل الأراضي السورية التي بدأت لتوها رحلة التعافي وإعادة الإعمار.
تخطو سوريا اليوم، وبدعم دولي متجدد، خطوة شجاعة نحو إغلاق صفحات الماضي المؤلمة، حيث يبرز الترحيب الأممي بالتعاون "البنّاء" للحكومة السورية الجديدة كمنارة أمل لتخليص البلاد نهائياً من كابوس الأسلحة الكيميائية.
إن تسليم أكثر من 34 صندوقاً من الوثائق الحساسة وفتح الأبواب أمام الفرق التقنية لزيارة أكثر من 20 موقعاً، ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو صرخة إنسانية تؤكد التزام السوريين الأخلاقي بصون حياة أجيالهم القادمة.
هذا المسار الذي تقوده الحكومة الحالية يهدف إلى معالجة "الفجوات" التي تركها النظام البائد، وتحويل القلق الدولي إلى ثقة مستدامة عبر شفافية غير مسبوقة.
ومن منظور تحليلي، يمثل هذا الزخم فرصة تاريخية للمجتمع الدولي ليثبت جديته في دعم استقرار المنطقة؛ فالدعوة الأممية لتقديم "دعم هائل" تعكس إدراكاً بأن عبء التطهير ثقيل ويتطلب تكاتفاً عالمياً.
إن إصرار الدولة السورية على اعتبار هذا الملف "مسؤولية وطنية" يلامس وجدان كل مواطن ذاق مرارة الحرب، مؤكداً أن المستقبل يُبنى بالحقائق لا بالمخاوف، وأن تطهير التراب السوري من سموم الماضي هو أولى لبنات السيادة الكاملة والتعافي الإنساني الشامل في مشهد يعيد رسم خارطة الأمان في الشرق الأوسط.
في خطوة دبلوماسية بارزة، جددت دولة قطر دعمها الثابت للشعب السوري، معلنة ترحيبها بانخراط الحكومة السورية مع آليات الأمم المتحدة، وتأسيس لجان وطنية تُعنى بالعدالة الانتقالية والمفقودين لتعزيز المساءلة والإنصاف والمصالحة الوطنية.
جاء ذلك على لسان وزيرة الدولة القطرية للتعاون الدولي، مريم بنت علي بن ناصر المسند، خلال مشاركتها في الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقدة في جنيف.
وأشادت الوزيرة القطرية باتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، معتبرة إياه خطوة جوهرية نحو ترسيخ السلم الأهلي والأمن والاستقرار، مع الحفاظ التام على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وفي سياق متصل، التقت المسند بوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، هند قبوات، على هامش مؤتمر ميونخ، حيث بحثتا سبل تمكين الأسر السورية اقتصادياً واجتماعياً، ودعم دور المرأة الفاعل في بناء السلام وإعادة إعمار المجتمع .
إلى جانب الملف السوري، سلطت المسند الضوء على نجاح الدوحة كوسيط دولي محايد في تيسير اتفاقات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
كما دعت المجتمع الدولي لتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة لقطاع غزة، مشددة على ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار وفتح المعابر بشكل مستدام لضمان استقرار القطاع وتنميته .
في مشهدٍ يعكس استعادة سوريا لثقلها الدبلوماسي المحوري، تسلمت دمشق رسمياً رئاسة المجموعة العربية في الأمم المتحدة بنيويورك، لتكون صوتاً جامعاً للعرب في قلب المنظمة الدولية.
هذه الخطوة ليست مجرد إجراء دوري، بل هي رسالة سياسية بليغة تؤكد عودة سوريا كلاعب استراتيجي قادر على هندسة التوافقات الإقليمية؛ حيث سارع المندوب السوري الدائم، السفير إبراهيم علبي، لوضع خارطة طريق طموحة بالتنسيق مع جامعة الدول العربية، تستهدف توحيد الصفوف حيال الملفات الإنسانية والسياسية الشائكة.
إن تولي سوريا لهذه المسؤولية في هذه الدورة الاستثنائية لعام 2026، يمنح العمل العربي المشترك نفساً جديداً، ويضع الأولويات العربية—من التنمية المستدامة إلى القضايا المصيرية—على رأس أجندة القرار العالمي.
هي لحظة فخرٍ تتجاوز البروتوكولات، لتجسد إيمان السوريين بقدرتهم على صياغة مستقبل أكثر توازناً وعدلاً في الساحة الدولية، معيدين بذلك بناء جسور الثقة التي تربط العواصم العربية تحت سقف المصلحة الجماعية العليا.
في خطوة تجسد استعادة الدولة السورية لمكانتها الدولية، انتُخبت سوريا بالتزكية نائباً لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بمنع الجرائم ضد الإنسانية، لتمارس دوراً محورياً في صياغة صك قانوني عالمي ملزم.
هذا الانتخاب، الذي جاء بتوافق الدول الأعضاء، ليس مجرد مقعد دبلوماسي، بل هو اعتراف صريح بثقة المجتمع الدولي في "الدبلوماسية السورية النشيطة" وقدرتها على المساهمة في الشأن العالمي انطلاقاً من تجربتها العميقة.
إن اختيار سوريا لهذا المنصب يعكس تحولاً استراتيجياً يتجاوز الشأن المحلي نحو ريادة الجهود الأممية لمنع الفظائع والمعاقبة عليها، مستندةً إلى إرث أليم من الجرائم التي ارتكبها "النظام البائد" على أرضها، مما جعلها الأكثر إدراكاً لضرورة العدالة الدولية.
ومع اقرار الجمعية العامة عقد مؤتمر دولي بين عامي 2028 و2029، تبرز سوريا كلاعب فاعل في صياغة القوانين التي ستحمي الأجيال القادمة، محولةً آلام الماضي إلى خبرة قانونية رصينة تخدم الإنسانية جمعاء.
إنها رسالة واضحة بأن سوريا الجديدة، بقيادة كوادرها الوطنية، عادت لتكون جزءاً من الحل العالمي، ومدافعاً صلباً عن كرامة الإنسان وحقوقه في كافة المحافل.
في تحول دراماتيكي يعيد رسم المشهد الإنساني والأمني المعقد في سوريا، تسلمت الأمم المتحدة "تركة الرعب" الثقيلة في مخيمي الهول وروج، لتصبح المسؤولة المباشرة عن مصير آلاف النساء والأطفال العالقين بين مطرقة التاريخ الدموي لـ"داعش" وسندان المجهول.
يأتي هذا التدخل الأممي العاجل كطوق نجاة أخيرة وسط الفوضى التي خلّفها انسحاب قوات "قسد" وفرض الجيش السوري طوقاً أمنياً، حيث لا تقتصر المهمة على توزيع الإغاثة، بل تتعداها لمحاولة احتواء "قنبلة بشرية" تهدد بالانفجار.
وبينما تسارع واشنطن لنقل مئات المحتجزين الخطرين إلى العراق وتتوارد أنباء مقلقة عن هروب سجناء من "الشدادي" وأعمال نهب، تقف المنظمة الدولية أمام اختبار أخلاقي ولوجستي عسير: كيفية تأمين حياة 28 ألف مدني -جلهم أطفال لا ذنب لهم سوى أسمائهم- وسط بيئة مشحونة بالتوتر.
إنها لحظة مفصلية تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته؛ فإما نجاح في نزع فتيل الأزمة عبر "إنسانية منظمة"، أو الانزلاق نحو كارثة قد تعيد إنتاج التطرف من رحم المعاناة والإهمال.
من قلب دافوس، لم يكتفِ الرئيس دونالد ترامب بإطلاق "مجلس السلام" كضمادة لجراح غزة فحسب، بل حوّله مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف إلى مشروع أممي بديل يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي.
ففي تصريحات تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية، أكد ويتكوف أن طموح المجلس لن يتوقف عند حدود القطاع، بل سيمتد ليصبح "المنقذ" في بؤر الصراع المشتعلة، مشيراً بلهجة مفعمة بالمشاعر إلى نجاحهم في "إغلاق جرح" ملف الرهائن وإعادة الجثامين كبارقة أمل للمستقبل.
لكن خلف هذه اللغة الإنسانية الدافئة، يكمن تحليل سياسي عميق يشير إلى رغبة واشنطن الجامحة في تهميش دور الأمم المتحدة التقليدي، حيث يطرح ترامب هذا المجلس كبديل أكثر فاعلية وبراغماتية لحل النزاعات.
نحن إذن أمام لحظة مفصلية؛ فالمجلس ليس مجرد مبادرة عابرة، بل هو إعلان صريح عن رغبة أمريكية في هندسة نظام عالمي جديد يحتكر "صناعة السلام" بعيداً عن أروقة نيويورك، واضعاً المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لجدوى المؤسسات القائمة.
سوء الإدارة والفساد: أكد الشيخ حمد بن جاسم في منشور عبر منصة "إكس" أن الكثير من هذه المنظمات، بما فيها كيانات تابعة للأمم المتحدة، يعتريها سوء الإدارة والفساد، حيث يُنفق جزء كبير من ميزانياتها على "الأمور الإدارية" بدلاً من المشاريع الأساسية.
الهدر المالي: أشار إلى أن نصف ميزانيات بعض المنظمات يُصرف على الرواتب والجوانب الإدارية، وهو ما يستوجب إعادة نظر شاملة في طريقة عملها لتصبح أكثر كفاءة وأقل تكلفة.
فرصة للإصلاح: دعا الأمم المتحدة لدراسة هذه المشكلة بعمق، معتبراً أن الضغط الأمريكي سيجبر المنظمات على تصحيح مسارها للقيام بالمهام التي أُنشئت من أجلها.
تأتي هذه التصريحات بعد إعلان البيت الأبيض يوم الأربعاء الماضي أن الرئيس ترامب وقع مذكرة رئاسية تقضي بانسحاب واشنطن من:
31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة.
35 منظمة دولية غير تابعة للأمم المتحدة.
وبرر البيت الأبيض هذه الخطوة بأن هذه المنظمات "لم تعد تخدم المصالح الأمريكية"، في توجه يترجم سياسة ترامب (أمريكا أولاً) تجاه العمل المتعدد الأطراف والتمويل الدولي.
بكين شعرت بأن "أجندة سياسية خاصة" أمريكية فرضت التصويت رغم "الخلافات الكبيرة". فالصين، التي قدمت مقترحات "بناءة" حول "المقاتلين الأجانب"، تم تجاهل مخاوفها تماماً.
بالنسبة لبكين، القضية ليست "داعش" فقط، بل تمتد لـ"حركة تركستان الشرقية" وأكثر من 430 فرداً ما زالوا على القائمة. إنها رسالة صينية باردة: الأمن لا يتجزأ، وعلى دمشق إظهار "تقدم ملموس" في مكافحة الإرهاب لكسب ثقتنا، وليس فقط ثقة الغرب.
هذا "الإنجاز"، كما وصفه وزير الإعلام حمزة المصطفى، هو تتويج لدبلوماسية هادئة بدأت منذ آب. القرار ليس مجرد رفع أسماء؛ إنه "رسالة" دولية تعترف بالتزام دمشق بـ"مكافحة الإرهاب" وتتعهد باحترام "سيادة سوريا وسلامة أراضيها".
إنه الضوء الأخضر الذي يفتح الباب أمام الاستقرار والتنمية، ويسهل النشاط التجاري وجهود إزالة الألغام، والأهم، يمنح الأمل بمستقبل آمن لجميع السوريين.
في قلب عاصفة دبلوماسية حقيقية، تدق واشنطن ساعاتها لإنجاز ما يبدو "مهمة مستعجلة": تطهير صفحة الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب من قوائم العقوبات الأممية.
هذا السباق المحموم ليس صدفة؛ إنه يأتي قبيل أيام فقط من زيارة الشرع المرتقبة للبيت الأبيض ولقائه بالرئيس ترامب.
لكن أروقة مجلس الأمن تشهد انقساماً عميقاً؛ فالصين وضعت "عقبة" بتعديلات تصر على إدراج ذكر لـ"المقاتلين الأجانب"، مما يعكس تعقيد المشهد.
المشروع الأمريكي لا يسعى فقط لرفع تجميد الأصول وحظر السفر المفروض منذ 2014 (تحت بند "القاعدة وداعش")، بل يمثل اعترافاً بـ"التزام دمشق بالاستقرار" والتعاون في مكافحة الإرهاب.
وبينما تضغط الولايات المتحدة لإجراء التصويت الحاسم اليوم الخميس، والقرار معلق بخيط رفيع يتطلب تسعة أصوات دون "فيتو"، فإن مصير هذه الخطوة لا يحدد مستقبل العلاقة السورية-الأمريكية فقط، بل يرسم ملامح التوازنات السياسية الجديدة في المنطقة بأكملها.
فكما قال المندوب إبراهيم علبي، هذه "خطوة نوعية" لإنهاء سنوات "التضليل" التي عانى منها الشعب، والسماح له بـ"التنفس من جديد".
هذا التصويت هو إعلان صريح بالبراءة من "التركة الثقيلة" لنظام الأسد المخلوع، الذي استخدم الكيميائي 217 مرة، وارتكب مجزرة الغوطة المروعة. فبعد أن كانت عضويتها معلقة (منذ 2021) بسبب جرائم اللطامنة وسراقب، تطلب دمشق اليوم (بالتعاون مع قطر) من العالم مساعدتها في تدمير بقايا هذا الإرث المشؤوم. إنه ليس مجرد تصويت، بل هو اعتراف بالضحايا، وخطوة أولى لغسل العار الذي علق باسم سوريا لسنوات طويلة.
استهداف سيارة "رانج روفر" في كفررمان، الذي أودى بحياة أربعة شبان وأصاب ثلاثة، ليس مجرد "خرق"، بل هو تصعيد خطير ومؤلم. هذا الهجوم، مضافاً إلى قصف كفرصير قبله، والتوغل "غير المسبوق" وقتل موظف بلدية بليدا، يرسم صورة قاتمة لانهيار ممنهج لوقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024.
نحن لا نتحدث عن حوادث عرضية، بل عن نمط عدواني يضع المدنيين عمداً في دائرة الخطر. وبينما تدعو الأمم المتحدة لـ"وقف دائم"، فإنها تعدّ الضحايا: 103 مدنيين قتلوا منذ ذلك الحين.
إن صرخة المفوض فولكر تورك حول الغارات قرب المناطق السكنية وقوات حفظ السلام هي الحقيقة المرة؛ فالجنوب اللبناني يُدفع قسراً نحو تصعيد كبير، ويدفع المدنيون فاتورة هذا التوتر بدمائهم، وسط قلق حقيقي من أن "المعاناة المستمرة" قد تحولت إلى واقع يومي لا يطاق.
بينيرو لم يأتِ بـ "اتهامات"، بل بـ "شكر"، مذكّراً العالم كيف فتحت له دمشق أبواب الساحل (في تقرير آب) ومنحته "وصولاً غير مقيّد"، ليخلص تقريره، بالتوافق مع لجان دمشق الوطنية، إلى عدم وجود "خطة حكومية" للانتهاكات.
لكن هذا "الأمل" الوليد يواجه "مُعطّلاً" واضحاً. لقد وجه بينيرو أصابع الاتهام مباشرة إلى إسرائيل، مديناً قصفها لدمشق وتوغلاتها في الجنوب، والتي تسببت بـ "تهجير قسري" جديد. إنها صرخة أممية بأن "تدخل دولة ثالثة" (إسرائيل) هو الخطر الأكبر الذي يهدد بإشعال الصراع مجدداً.
فبعد 6 سنوات من المراوحة الدبلوماسية (خلفاً لثلاثة آخرين)، يغادر بيدرسن المشهد أخيراً.
وفي هذا الاتصال، لم تكن موسكو تفاوض، بل كانت "تُثبّت" شروط الإرث للوافد الجديد، الذي يُشاع أنه سيكون دبلوماسياً مصرياً.
إن تشديد روسيا الصارم على "القرار 2254" ومبادئ "السيادة" و"العملية بقيادة سورية"، ليس موجهاً لبيدرسن المغادر، بل هو "خط أحمر" يُرسم للخليفة.
إن "التهديدات بزعزعة الاستقرار" التي تقلق موسكو هي بالتحديد التحولات الداخلية السورية الجديدة.
إنها محاولة روسية لضمان أن أي "مراجعة استراتيجية" أممية قادمة يجب أن تبقى حبيسة القواعد القديمة التي تضمن نفوذ موسكو، حتى لو تغير كل شيء على الأرض.
أمام مجلس الأمن، رفعت سوريا صوتها عالياً، مطالبة بضمان وقف إطلاق النار في غزة، ووضع حد للعدوان الإسرائيلي الذي لا يهدف إلا لتقويض استقرار المنطقة بأسرها.
المندوب إبراهيم علبي أكد رفض دمشق المطلق لذرائع الاحتلال، مشدداً على أن استمرار انتهاك اتفاق 1974 ومواصلة التوغل في القنيطرة ودرعا هو لعب بالنار.
وبينما تطالب الدبلوماسية السورية الأمم المتحدة بتحرك حازم لسحب إسرائيل من الجولان، يبقى الهاجس الأمني بوقف الغارات المتكررة، الذي وصفه أحمد الشرع سابقاً بـ"الضرورة"، هو التحدي الأكبر لضمان الاستقرار.
تاغات:
#سوريا #مجلس_الأمن #إبراهيم_علبي #إسرائيل #الجولان_المحتل #غزة #اتفاق_فض_الاشتباك_1974 #القنيطرة #أحمد_الشرع