حرية ومسؤولية
في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في لغة الخطاب السياسي، غادر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو نحو فرنسا لحضور اجتماع مجموعة السبع بنبرة تخلو من المجاملات التقليدية، مؤكداً أن مهمته ليست "إسعاد" الحلفاء بل حماية مصالح واشنطن وحدها.
يتجلى هذا الصدام الدبلوماسي العلني بوضوح في أولويات روبيو التي تضع المواطن الأمريكي فوق رغبات الشركاء الأوروبيين، وسط استياء دولي متزايد من تداعيات التصعيد في مضيق هرمز.
وتبرز أزمة الملاحة والطاقة كخلفية قاتمة لهذا الاجتماع؛ فالحرب المندلعة منذ فبراير الماضي جففت شريان النفط العالمي، ما جعل مبادرات فرنسا للتهدئة تصطدم بصلابة الموقف الأمريكي الرافض للتنازلات.
إن هذه العزلة الاختيارية للقيادة تضع العالم أمام معضلة إنسانية واقتصادية كبرى، حيث تتوارى لغة الحوار لصالح لغة القوة، تاركةً أمن الممرات البحرية وسلامة المدنيين رهينة صراع إرادات دولي لا يعترف بأنصاف الحلول، مما ينذر بمرحلة من الجفاء الدبلوماسي الذي قد يعيد تشكيل خارطة التحالفات العالمية من جديد، بعيداً عن مفاهيم الاسترضاء التقليدية.
في زيارة دبلوماسية رفيعة المستوى، التقى المبعوث الأمريكي الخاص توم براك، اليوم السبت 10 كانون الثاني، بالرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق.
اللقاء الذي جاء بتكليف مباشر من الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، ركّز على احتواء التصعيد في حلب وضمان استمرارية المسار الانتقالي.
أوضح براك أن الإدارة الأمريكية تنظر للمرحلة الحالية كفرصة تاريخية لبناء سوريا ديمقراطية موحدة، وأعلن رسمياً عن رفع العقوبات الأمريكية (بما في ذلك إنهاء العمل بقانون قيصر) لمنح الحكومة السورية القدرة على إعادة الإعمار والمضي قدماً. وأكد براك على ثوابت الرؤية الأمريكية:
المواطنة المتساوية: معاملة كافة المكونات (عرب، كرد، دروز، مسيحيين، علويين، تركمان، آشوريين) بكرامة واحترام.
المشاركة الفاعلة: ضمان تمثيل حقيقي لجميع الأطياف في مؤسسات الحكم والأمن الوطنية.
أعرب المبعوث الأمريكي عن "قلق بالغ" إزاء التطورات الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، مشيراً إلى أنها تتحدى بنود "اتفاق الاندماج" الموقّع في آذار 2025 بين دمشق وقسد.
ودعا براك إلى:
الوقف الفوري للأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس.
العودة للحوار بناءً على اتفاقي (10 آذار) و(1 نيسان) 2025.
تسهيل أمريكي: أبدى فريق الوزير ماركو روبيو استعداده للوساطة لضمان عملية "اندماج شاملة ومسؤولة" لقوات قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية.
بالتزامن مع هذه التصريحات، أعلنت وزارة الداخلية السورية بدء انتشار وحدات الأمن الداخلي (الشرطة) في حي الشيخ مقصود، بالتنسيق مع الجيش العربي السوري. وتهدف هذه الخطوة إلى:
إعادة تثبيت الأمن والاستقرار وحماية المدنيين.
الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة ومنع أي مظاهر للفوضى.
تطبيق خطة بسط النظام عقب انتهاء العمليات العسكرية التي استهدفت المجموعات الرافضة للاتفاق.
لكن الرعب الحقيقي يكمن في "تفصيلة" مخيفة: أعداد اللاجئين الفارين تتناقص. واشنطن لا ترى في هذا أملاً، بل تخشى أن "كثيرين ربما لقوا حتفهم" جوعاً ومرضاً في الطريق قبل أن يصلوا إلى بر الأمان.
أمام هذا الواقع الكارثي، تلوح أمريكا بآخر أوراقها. روبيو أكد أن واشنطن "ستؤيد" تصنيف قوات الدعم السريع كـ"منظمة إرهابية" إذا كان ذلك سيوقف الحرب.
هذا ليس مجرد تهديد سياسي؛ إنه اعتراف بأن الفظائع المرتكبة، من العنف الجنسي المروع إلى قتل الأبرياء، هي سياسة "ممنهجة" وليست مجرد "تصرفات منفلتة". إنه سباق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يلتهم الجوع من تبقى.
هذه ليست مجرد مصافحة، بل هي "التطبيع" الحقيقي الذي ترعاه واشنطن. فبينما كان الشرع يؤمن "الغطاء" السياسي من ترامب، كان فيدان هناك ليضمن "الحصة التركية" من "سوريا الجديدة". أنقرة وضعت ملفاتها الثقيلة ("مشاكل الشمال" وقانون قيصر) على الطاولة.
اللقاء لم يكن شكلياً، بل تبعه فوراً اجتماع "تنفيذي" ثلاثي (الشيباني، روبيو، فيدان) لوضع "آليات" ما تم الاتفاق عليه. إنه "عهد جديد" ترسمه أمريكا، وتلتزم به دمشق وأنقرة، لإنهاء "المشكلات العالقة" على الأرض.
لأول مرة، جلس فيدان وجهاً لوجه مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ليس في موسكو، بل في "البيت الأبيض" وبرعاية أمريكية كاملة. هذا الاجتماع، الذي ضم "العقول المدبرة" (روبيو، باراك، ويتكوف، وحتى نائب الرئيس فانس)، كان الهدف منه واضحاً: إيجاد "مخرج" للمشكلات العالقة.
إنها رسالة بأن واشنطن، التي أصبحت "على وفاق" مع الشرع، هي الضامن والوسيط المباشر لحل الملف الأمني الأكثر تعقيداً بين أنقرة ودمشق، ورسم خريطة الاستقرار الجديدة.
هذا ليس خبراً عادياً؛ إنه إنهاء لقطيعة دامت 12 عاماً، وبدأ بقرار موقّع من "صديقه" وزير الخارجية الأمريكي. واشنطن أكدت أن هذه العودة ليست مجاملة، بل "ضرورة" لـ "تعزيز التنسيق" في ملفات ثقيلة: مكافحة الإرهاب (داعش)، والاقتصاد، والأهم، الاتفاق الأمني المحتمل مع إسرائيل الذي يدعمه ترامب.
إنها الخطوة العملية الأهم التي تثبت أن سوريا لم تعد دولة "معزولة"، بل شريك فاعل يُنسق معه في قلب العاصمة الأمريكية.
فبينما كان الهدف السوري هو رفع العقوبات وتأمين الاستثمار الأمريكي، كان على الطاولة ملف "توحيد المؤسسات الوطنية".
المصطفى أكد أن الرئيسين الشرع وترامب بحثا "دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش السوري" لضمان الاستقرار الدائم. هذا "الدمج" الداخلي يفسر طبيعة "الاتفاق" الخارجي؛ فالوزير شدد على أن الانضمام للتحالف الدولي ضد "داعش" هو "اتفاق سياسي بحت" في هذه المرحلة، "ولا يتضمن أي مكونات أو التزامات عسكرية".
إنها رسالة بأن سوريا ماضية في الانفتاح، ولكن بما يخدم "وحدة أراضيها" أولاً، وهو ما بدأ الوزيران الشيباني وروبيو بوضع آليات تنفيذه فوراً.
بيان الخارجية السورية كشف أن ترامب، الذي أبدى "إعجابه" بالقيادة الجديدة، قدم الدعم الأهم: الالتزام بإنهاء "قانون قيصر" لفتح الباب للاستثمار. لكن هذا الدعم له ثمن استراتيجي. دمشق وافقت على المضي قدماً بدمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الجيش، وإنهاء الانقسام العسكري.
والأهم، القبول بدعم أمريكي لـ "اتفاق أمني" مع إسرائيل. ولضمان تنفيذ هذه "الصفقة"، لم يكن مفاجئاً عقد اجتماع فوري ضم "هاكان فيدان" التركي إلى جانب الشيباني وروبيو. إنها "صفحة جديدة" بالفعل، تبدأ برفع العقوبات وتنتهي بإعادة ترتيب التحالفات الأمنية في المنطقة.
هذا يعني عملياً نهاية "العقوبات الأمريكية الشاملة" وبدء عصر جديد. هذه الزيارة لم تكن مجرد سياسة عليا؛ فبعد تأمين النصر الدبلوماسي، توجه الشرع فوراً للقاء الجالية السورية، وبحضور المبعوث الأمريكي توماس براك.
كانت رسالته واضحة: لقد فُتح الباب السياسي، والآن نحتاج "الصوت السوري" في أمريكا لترسيخ هذا التفاهم، و"الأيادي السورية" في الخارج للمشاركة في برامج إعادة الإعمار. إنه تحول كامل من العزلة إلى الشراكة.
فبينما يصر على أن "كثيرين يريدون" منه الترشح في 2028، أكد لشبكة "سي بي إس" أنه "لا يفكر بالأمر حتى".
هذا التصريح، الذي يبدو كتراجع حاد عن تلميحاته السابقة لشبكة "إن بي سي" حول وجود "أساليب" لتجاوز التعديل 22، هو في جوهره مناورة سياسية بارعة.
فترامب لا يعترف بالهزيمة أمام حاجز دستوري شبه مستحيل، بل يحول المشهد لصالحه؛ هو يطمئن المعتدلين، وفي نفس الوقت يرسخ نفسه كـ "الأب الروحي" للحزب الجمهوري.
عبر تسميته لنائبه جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو كمرشحين أقوياء، هو لا يغادر المسرح، بل يتحول من "اللاعب" إلى "صانع الملوك"، مثبتاً أن الحزب، بعكس الديمقراطيين، يمتلك خيارات قوية للمستقبل هو من يباركها.
فمن منبر حوار المنامة، أعلن المبعوث توم باراك أن وزير الخارجية ماركو روبيو أزال دمشق رسمياً من قائمة "الدول الداعمة للإرهاب".
هذه ليست مجرد خطوة دبلوماسية، بل هي "فرصة جديدة" يمنحها الرئيس ترامب لسوريا، التي يرى فيها "شريكاً فاعلاً" قدم "عملاً جيداً" بالأشهر الأخيرة، ومنحها "درجة أولى" في التعاون الأمني.
ولترجمة هذه الثقة، يشن البيت الأبيض الآن حملة ضغط شرسة على الكونغرس لإلغاء "قانون قيصر" بشكل "كامل ونهائي"، لإنهاء عزلة البلاد عن الاقتصاد العالمي.
هذه المصافحة الأمريكية تأتي مشروطة بتقدم حقيقي في ملفات حاسمة: السيطرة التامة على معسكر الهول، ومواجهة داعش، وإنهاء ملف الكيماوي، مع ضمان استمرار الحوار الإيجابي مع المكون الكردي.
شهر العسل انتهى.
بالكاد احتفل ترامب بـ"سلامه التاريخي" في غزة، حتى واجه خيبة أمل عميقة. مسؤولون أمريكيون يتهامسون بأن إسرائيل "خارج السيطرة" بعد مجزرة غزة (40 قتيلاً) وتصويت الكنيست المفاجئ لضم الضفة.
الغضب وصل لدرجة أن ترامب لوّح علناً بـ"فقدان الدعم الأمريكي".
نائب الرئيس فانس حمل رسالة "حازمة" للقدس، بينما سارع نتنياهو، المحاصر بين يمينه الانتخابي وغضب واشنطن، لإصدار بيان "بالإنكليزية أولاً" لإطفاء الحريق.
إنه اختبار الثقة الأقسى، حيث يغامر نتنياهو بإرث ترامب من أجل مكاسب سياسية داخلية.