حرية ومسؤولية
عمر المختار بن عمر المنفي، الملقب بـ"أسد الصحراء" و"شيخ الشهداء"، هو القائد الأبرز للمقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي. وُلد في إقليم برقة عام 1858، وكرّس حياته للدفاع عن بلاده وقيادة المجاهدين في الجبل الأخضر لمدة عشرين عاماً. تحوّل بعد إعدامه شنقاً وهو في الثالثة والسبعين من عمره إلى أيقونة عالمية للصمود ومقاومة الاحتلال.
وُلد عمر بن مختار بن عُمر المِنفي في قرية زاوية جنزور التابعة لمنطقة البطنان شرقي برقة في ليبيا. ينتمي إلى بيت فرحات من قبيلة المنفة. فَقَدَ والده وهو في طريقه إلى الحج، فكفله شيخ زاوية جنزور بناءً على وصية والده. انتقل لاحقاً إلى واحة الجغبوب، التي كانت المعقل الرئيسي للدعوة السنوسية، ليتلقى تعليمه العالي في معهدها. حفظ القرآن الكريم ودرس الفقه، والحديث، والتفسير على أيدي كبار علماء السنوسية.[1] عُرف منذ شبابه بالنباهة والرزانة والتدين العميق، مما جعله موضع ثقة كبار مشايخ الحركة السنوسية الذين أوكلوا إليه إدارة "زاوية القصور" في الجبل الأخضر.
قبل بدء الغزو الإيطالي، امتلك عمر المختار خبرة قتالية وعسكرية واسعة نتيجة مشاركته في الدفاع عن حدود العالم الإسلامي؛ فقد قاتل القوات الفرنسية في تشاد ووسط إفريقيا ضمن صفوف الحركة السنوسية، وشارك في التصدي للوجود البريطاني على الحدود المصرية الليبية. ومع إعلان إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية واندلاع الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911، أعلن المختار النفير العام وتولى قيادة المجاهدين. وتتمثل أبرز محطاته في:
اعتمد عمر المختار على استراتيجية حرب العصابات، مستغلاً الطبيعة الوعرة والتضاريس الجبلية الصعبة لإقليم الجبل الأخضر، ومعرفته الدقيقة بمسالك الصحراء ومخابئها. نظّم قواته في وحدات متحركة خفيفة عُرفت باسم "الأدوار"، واعتمد على توجيه ضربات خاطفة ومفاجئة لخطوط إمداد الجيش الإيطالي ومعسكراته ثم الانسحاب السريع. أرهقت هذه التكتيكات الجيش الإيطالي رغم تفوقه الكاسح في العدد والعتاد (المدفعية والطيران). ولمواجهة براعة المختار التكتيكية، لجأ القائد الإيطالي الفاشي رودولفو غراتسياني إلى سياسة الأرض المحروقة، فبنى سياجاً شائكاً طويلاً على الحدود مع مصر لقطع الإمدادات عن المجاهدين، وقام بتهجير القبائل الداعمة للمقاومة إلى معتقلات جماعية قاسية في العقيلة والمقرون.[3]
في 11 سبتمبر 1931، وإثر كمين محكم وقع فيه المختار مع مجموعة صغيرة من رفاقه في منطقة وادي الجوف (قرب سلنطة)، قُتل جواده وسقط أسيراً في أيدي القوات الإيطالية إثر إصابته. نُقل مكبلاً إلى بنغازي حيث عُقدت له محاكمة عسكرية صورية وسريعة في 15 سبتمبر. وخلال استجوابه، أظهر المختار ثباتاً أسطورياً، مُطلقاً مقولته الشهيرة للضابط الإيطالي: "نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت". وفي 16 سبتمبر 1931، نُفذ فيه حكم الإعدام شنقاً في بلدة سلوق جنوب بنغازي أمام حشود من الليبيين الذين أُجبروا على مشاهدة التنفيذ، مسجلاً بذلك نهاية مشرفة لحياة حافلة بالجهاد.
لم يخمد إعدام عمر المختار جذوة المقاومة كما توهم القادة الفاشيون، بل تحول دمه إلى وقود أخلاقي ألهب حركات التحرر الوطني في العالم العربي والإسلامي. رثاه كبار الشعراء العرب، وعلى رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته الشهيرة التي مطلعها: "رُكزت رفاتك في الرمال لواء.. يستنهض الوادي صباح مساء". كما خُلدت سيرته في الذاكرة العالمية عبر الفيلم الملحمي "أسد الصحراء" (Lion of the Desert) عام 1981، الذي أخرجه الراحل مصطفى العقاد وجسد فيه الممثل العالمي أنطوني كوين شخصية المختار، مساهماً في إيصال قضيته وعدالتها إلى مختلف شعوب العالم.[4]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات