حرية ومسؤولية
مارين لوبان (Marine Le Pen)، واسمها الكامل ماريون آن بيرين لوبان، هي سياسية ومحامية فرنسية تُعد من أبرز وجوه اليمين القومي في أوروبا. قادت حزب "الجبهة الوطنية" (الذي غيرت اسمه لاحقاً إلى "التجمع الوطني") من عام 2011 وحتى تنحيها عن الرئاسة المباشرة للحزب لتتفرغ للعمل البرلماني والسباقات الرئاسية. لعبت دوراً تاريخياً في إعادة تشكيل المشهد السياسي الفرنسي عبر استراتيجية "نزع الشيطنة" (Dédiabolisation)، والتي هدفت من خلالها إلى تلطيف صورة الحزب وإبعاده عن الإرث المتطرف لوالدها ومؤسس الحزب جان ماري لوبان، مما مكنها من الوصول إلى الجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لمرتين متتاليتين، وتحويل حزبها إلى قوة برلمانية رئيسية في البلاد.
وُلدت مارين في 5 آب/أغسطس 1968 في ضاحية نويي-سور-سين الباريسية الراقية، وهي الابنة الصغرى للسياسي المثير للجدل جان ماري لوبان. نشأت في بيئة مشبعة بالسياسة والصراعات الإعلامية، ونجت في طفولتها (عام 1976) من هجوم بقنبلة استهدف شقة عائلتها. التحقت بجامعة بانثيون أساس (Paris II) حيث نالت درجة الماجستير في القانون العام عام 1990، ثم حصلت على دبلوم الدراسات المعمقة في القانون الجنائي. عملت كمحامية في نقابة المحامين بباريس بين عامي 1992 و1998، حيث ترافعت في قضايا جنائية متنوعة، قبل أن تتفرغ تماماً للعمل السياسي داخل أروقة حزب الجبهة الوطنية.
بدأت صعودها التدريجي بانتخابها مستشارة إقليمية عام 1998، ثم نائبة في البرلمان الأوروبي عام 2004. في كانون الثاني/يناير 2011، انتُخبت رئيسة لحزب الجبهة الوطنية خلفاً لوالدها. ومنذ يومها الأول، أطلقت مارين خطة شاملة لتطهير الحزب من العناصر المعادية للسامية والمتطرفة، سعياً لجذب الطبقة العاملة والناخبين المحبطين من سياسات أحزاب الوسط واليسار. بلغت هذه الاستراتيجية ذروتها في عام 2015 عندما اتخذت قراراً غير مسبوق بطرد والدها (مؤسس الحزب) إثر إدلائه بتصريحات وُصفت بالمعادية للسامية، وفي عام 2018، أعادت تسمية الحزب إلى "التجمع الوطني" (Rassemblement National) لقطع الصلة نهائياً بالماضي الراديكالي وتقديم الحزب كقوة قادرة على الحكم.
خاضت مارين لوبان غمار الانتخابات الرئاسية الفرنسية ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت تزيد من حصتها التصويتية، مما يعكس تصاعد نفوذ تيارها في المجتمع الفرنسي:
وفي الانتخابات التشريعية التي تلت رئاسيات 2022 و2024، قادت لوبان حزبها لتحقيق مكاسب غير مسبوقة، حيث ضاعف "التجمع الوطني" عدد مقاعده بشكل هائل، ليتحول إلى أكبر قوة معارضة منفردة في البرلمان الفرنسي، مما جعل مارين لوبان لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه في التشريع وصناعة القرار الداخلي.
ترتكز الأيديولوجيا السياسية لمارين لوبان على مبدأ "الأولوية الوطنية" (Préférence nationale)، حيث تدعو إلى تفضيل المواطنين الفرنسيين في الوظائف والسكن والرعاية الاجتماعية. تُعرف بموقفها المتشدد تجاه الهجرة والتعددية الثقافية، وتدافع بقوة عن العلمانية الصارمة (اللاييكية)، وهو ما يضعها في صدام متكرر مع التجمعات الإسلامية في فرنسا. اقتصادياً، تتبنى الحمائية وتعارض العولمة المفرطة. ورغم أنها كانت في السابق تدعو لخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو (فريكست)، إلا أنها خففت من حدة هذا الموقف لاحقاً لصالح "إصلاح الاتحاد من الداخل". وعلى الصعيد الدولي، واجهت لوبان انتقادات واسعة وعقبات سياسية بسبب علاقات حزبها السابقة بروسيا وحصوله على قروض من بنوك روسية، وهو الملف الذي استُخدم مراراً من قبل خصومها السياسيين للنيل منها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات