حرية ومسؤولية
في مشهد مؤلم يعكس عمق المعاناة الزراعية، يضطر مزارعو الخضراوات والفواكه الصيفية في ريف حماة إلى إتلاف محاصيلهم وتحويلها إلى علف للحيوانات، بعد أن انهارت الأسعار إلى مستويات لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، مما حول ثمرة تعبهم إلى عبء مالي لا يطاق.
المزارع إبراهيم، من منطقة خطاب، أوضح أن سعر كيلو الخيار بلغ 700 ليرة، والباذنجان 500 ليرة، وهي أسعار لا تسدد تكاليف الري وأجور العمال والقطاف والنقل، ناهيك عن مصاريف التعبئة. وأضاف أن نقل المحاصيل إلى أسواق الهال لم يعد يجدي نفعاً، بل أصبح يشكل خسارة محققة، في وقت يسيطر فيه تجار الجملة على حركة التسويق ويحققون أرباحاً طائلة على حساب المزارعين الذين يتحملون كامل أعباء الإنتاج . ويطالب المزارعون وزارة الزراعة والجهات المعنية بالتدخل العاجل، عبر تشديد الرقابة على أسواق الهال ومنع احتكار الوسطاء، إلى جانب فتح باب التصدير للأسواق الخارجية لتصريف الفائض وإنقاذ مواسمهم، في أزمة تهدد بإفقاد القطاع الزراعي أحد ركائزه الأساسية في محافظة كانت تعتبر سلة غذاء سوريا .
في موسمٍ هو الأقسى منذ سنوات، تبكي أشجار الزيتون السورية.
الأرقام الصادرة عن وزارة الزراعة ليست مجرد إحصائيات، بل هي صرخة ألم: انخفاض كارثي يتجاوز 45% في الإنتاج، ليقف عند 412 ألف طن فقط.
هذا الانهيار يعني أن "الذهب الأخضر"، الذي يُنتظر منه 66 ألف طن فقط هذا العام، بات شحيحاً.
السبب ليس مجرد "معاومة" طبيعية (غلة منخفضة)، بل هو تحالف قاتل بين سماءٍ شحيحة وأرضٍ مُهملة.
التغيرات المناخية ضربت بقسوة، فـ 85% من هذه الزراعة العريقة تعتمد على أمطار لم تهطل، وموجات الحر أحرقت الأزهار قبل أن تُعقد.
وما أكمل الكارثة هو ضعف الخدمات الزراعية نتيجة الظروف الاقتصادية، وجراح الحرائق التي لم تندمل في بساتين الساحل وحمص. وبينما تحاول الوزارة الحديث عن "تحسين الجودة"، يواجه الفلاح السوري موسماً من الخسارة الفادحة، مهدداً أمنه الغذائي ومصدر رزقه التاريخي.
وقع الجانبان السوري والتركي مذكرة نوايا حسنة في دمشق، تهدف إلى تعزيز التعاون الزراعي وتطوير الإنتاج المحلي. وقد تميز الحدث بتشكيل لجان مشتركة بين الوزارتين لدراسة مختلف المجالات الزراعية، تمهيداً لتوقيع اتفاقيات مستقبلية. كما شهد الاجتماع بحثاً معمقاً للتحديات والفرص في القطاع الزراعي السوري، التي أكدت على ضرورة نقل الخبرات التركية. وأخيرًا، كان من أبرز نتائجه الاتفاق على وضع خطة طريق مشتركة، مما أدى إلى البدء في مشاريع تنموية فورية تساهم في إصلاح البنية التحتية المتضررة.
تأتي هذه المذكرة في وقت حاسم بالنسبة للقطاع الزراعي السوري، الذي يعاني من أضرار جسيمة بسبب سنوات الحرب والجفاف. وبحسب وزير الزراعة السوري أمجد بدر، فإن هذه الشراكة مع تركيا ستوفر بيئة مناسبة للاستثمارات الزراعية، وستعمل على تقديم الموارد اللازمة لإنجاحها. من جانبه، أكد الوزير التركي إبراهيم يوماكلي على دعم بلاده لاستقرار سوريا ووحدتها، مشيراً إلى أن تركيا قدمت بالفعل دعماً كبيراً للشعب السوري، بما في ذلك تأمين الموارد المائية وتوفير لقاحات بيطرية وتنظيم دورات تدريبية للمزارعين.
تتضمن خطة الطريق المشتركة مجموعة من المقترحات التركية التي سيتم العمل على تنفيذها خلال المرحلة المقبلة، أبرزها تطوير مشروع للبيوت البلاستيكية على مساحة 50 ألف متر مربع بهدف نقل التجربة التركية، إضافة إلى تقديم 60 ألف جرعة من اللقاحات البيطرية للمواشي. كما اتفق الجانبان على ضرورة توحيد معايير الجودة للسلع الزراعية لتسهيل عمليات التصدير، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في المشاريع الزراعية السورية. وتتضمن المذكرة أيضاً التعاون في مجالات ترشيد استهلاك المياه والري الحديث، نظراً للتحديات المائية التي تواجهها سوريا.
وشهد اللقاء مناقشات حول نقل الخبرات السعودية الناجحة إلى سوريا، بهدف تطوير القطاع الزراعي، خاصة في ظل التحديات التي خلفتها سنوات الصراع. أكد الوزير بدر على أهمية الدعم السعودي، مشيراً إلى الحاجة لإعادة تأهيل الأراضي المتضررة، وتحديث أنظمة الري، وتجهيز المداجن، وتطوير قطاع الإنتاج الحيواني.
يُعتبر هذا اللقاء نقطة تحول في طبيعة العلاقات بين البلدين، حيث تنتقل من الإطار السياسي العام إلى التعاون في قطاعات حيوية وملموسة. فالتنسيق في قطاع الزراعة والأمن الغذائي يعكس وعيًا مشتركًا بأهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة.
كما أن الاتفاق على تشكيل فريق عمل مشترك يُعدّ خطوة عملية وجادة، تهدف إلى ترجمة التفاهمات إلى إنجازات ملموسة. هذا الفريق سيعمل على وضع خطة عمل واضحة لدعم الاستثمارات السعودية في القطاع الزراعي السوري، مما يفتح آفاقاً جديدة للشراكة الاستراتيجية.
يُظهر اللقاء وجود إرادة سياسية قوية من كلا الجانبين لتعزيز العلاقات على مختلف المستويات. ففي الوقت الذي أكد فيه الوزير السوري أهمية الدعم السعودي، شدد نظيره السعودي على ضرورة دعم القطاع الخاص في سوريا ومنحه فرصًا ملائمة، مما يعكس نهجًا مشتركًا في الاعتماد على القطاع الخاص كشريك أساسي في التنمية.