حرية ومسؤولية
سورة البقرة هي السورة الثانية في ترتيب المصحف الشريف وأطول سوره على الإطلاق، إذ تبلغ مئتين وستاً وثمانين آية وفقاً لعدّ أهل الكوفة، وتستوعب جزأين ونصف من القرآن الكريم[1]. تمثل السورة مدونة تشريعية وعقدية متكاملة واكبت تأسيس المجتمع المسلم في المدينة المنورة عقب الهجرة النبوية، وتضمنت أصول العقيدة وأحكام العبادات والمعاملات والأسرة، فضلاً عن احتوائها على أعظم آية في كتاب الله وهي «آية الكرسي»، وأطول آية في التنزيل وهي «آية المداينة»[2].
اقرأ نص سورة البقرة كاملاً برواية حفصعُرفت السورة في المصاحف وكتب التفسير بـ«سورة البقرة» نسبة إلى القصة الفريدة التي وردت فيها بشأن بقرة بني إسرائيل والأمر بذبحها لبيان حقيقة البعث وإظهار القاتل، وهي قصة انفردت بها هذه السورة دون سائر سور القرآن[3]. وقد وردت لها في الآثار وكتب علوم القرآن عدة أسماء وألقاب تدل على شرفها وعلو شأنها:
سورة البقرة سورة مدنية بإجماع المفسرين والعلماء، وتُعد أول ما نزل على النبي ﷺ في المدينة المنورة بعد الهجرة، وإن كان نزولها لم يقع جملة واحدة بل امتد مفرقاً على مدار سنوات العهد المدني كافة[1]. جاء تنزيل آياتها مواكباً لمرحلة البناء التشريعي للدولة الناشئة، ومجيباً على نوازل المجتمع المدني الجديد في مجالات السياسة والمال والأسرة وتنظيم العلاقة مع أهل الكتاب والمنافقين.
ترتيب النزول مسألة اجتهادية استقرائية، ومع أن الراجح نزول أوائل البقرة عند مستهل العهد المدني، إلا أن ختام السورة وبعض آيات الربا تضمنت نصوصاً يُرجَّح أنها من أواخر ما نزل من الوحي على الإطلاق قبيل وفاة النبي ﷺ بوقت قصير.
تتمحور السورة حول مقصد كلي بارز هو «إعداد الأمة المسلمة لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض»، بعد عزل الأمم السابقة التي نكثت عهدها مع الله. وقد انتظمت السورة في عدة محاور رئيسية تكاملت لترسيخ هذا المقصد:
تُعد هذه الآية العظيمة (الآية 255)، المعروفة بآية الكرسي، قطب الرحى التوحيدي في السورة، حيث قررت أسماء الله الحسنى وصفات جلاله وكمال قيوميته على خلقه وتفرده بالسلطان الأبدي[2].
تتميز السورة بتدرج أسلوبي فذ؛ فبينما يعتمد السياق التشريعي على رصانة الألفاظ، وتحديد الأحكام، وتكرار الوصايا بالتقوى لتثبيت الوازع الديني في النفوس، ينقلب الأسلوب في مواضع المحاجة إلى براهين عقلية قاطعة، كما في مناظرة إبراهيم للنمرود، والآيات الدالة على إحياء الموتى[4]. كما روعي في نظم السورة ارتباط خواتيم الآيات بالأحكام المقررة قبيلها عبر اقتران أسمائه الحسنى بما يناسب التشريع، مثل «العليم الحكيم»، و«الغفور الرحيم»، و«السميع العليم».
نظراً لكثرة الأحكام والنصوص التي اشتملت عليها السورة، تعددت أقوال المفسرين والفقهاء في عدة مسائل تأويلية وفقهية:
اختلف أئمة التفسير في تعيين «الصلاة الوسطى» في قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾؛ فذهب جمهور الصحابة والتابعين ومنهم الإمام أحمد والشافعي في أحد قوليه إلى أنها صلاة العصر، بينما رأى مالك وأصحاب القول القديم للشافعي أنها صلاة الفجر استناداً إلى قنوتها وفضل شهود ملائكة الليل والنهار لها، ونُقل عن بعض المفسرين كابن جرير الطبري استعراض الأقوال دون القطع بنفي غيرها وإن مال لحديث العصر[1].
وقع الخلاف في قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾؛ فذهب ابن كثير وجمهور المفسرين إلى أنها منسوخة بآيات المواريث في سورة النساء، في حين ذهب بعض أئمة التفسير إلى أنها محكمة مخصوصة بمن لا يرث من الوالدين والأقربين لمانع كالرق أو اختلاف الدين[2].
ورد في السنة النبوية الشريفة نصوص متواترة في بيان فضل سورة البقرة وعظيم أثرها الوقائي والإيماني؛ فقد ورد في الحديث النبوي الصحيح أن قراءة سورة البقرة في البيوت تطرد الشياطين وتمنع وساوسهم، كما ثبت في الروايات أن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البَطَلة (أي السحرة)[2]. كما نبهت الأحاديث إلى فضل خواتيمها (الآيتين الأخيرتين) وأن من قرأهما في ليلة كفتاه، وأن سورة البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان تظلان صاحبهما وتحاجان عنه.
«البقرة سنام القرآن، نزلت مع كل آية منها ثمانون ملكاً، واستُخرجت لا إله إلا هو الحي القيوم من تحت العرش فوصلت بها.»
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (مستشهداً بالآثار المرفوعة في مستهل السورة)
| البيان | التفصيل الإحصائي |
|---|---|
| الترتيب المصحفي | السورة رقم 2 |
| الترتيب النزولي التقديري | السورة رقم 87 (أولى السور نزولاً بالمدينة) |
| عدد الآيات | 286 آية (الكوفي)، 285 (البصري)، 287 (الشامي) |
| عدد الكلمات | نحو 6144 كلمة |
| عدد الحروف | نحو 25613 حرفاً |
| أطول آية في القرآن | الآية رقم 282 (آية المداينة) |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات