حرية ومسؤولية
بينما تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، يطل التناقض الصارخ برأسه ليلقي بظلال من الشك على فرص نجاح المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران؛ إذ يتمسك كل طرف بمرجعية تفاوضية تقصي رؤية الآخر.
ففي الوقت الذي أعلن فيه السفير الإيراني رضا أميري وصول وفد بلاده للتفاوض بناءً على "النقاط العشر" الإيرانية — قبل أن يحذف منشوره في خطوة دبلوماسية غامضة — خرج نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ليؤكد أن هناك خطة واحدة فقط تمثل الموقف الرسمي لبلاده، واصفاً التسريبات الإيرانية بـ "الدعاية المغرضة".
هذا التلاسن الدبلوماسي لم يقف عند حدود الورق، بل تجاوزه إلى الميدان؛ حيث اتهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الجانب الأمريكي بخرق بنود جوهرية قبل بدء الحوار، أبرزها استمرار قصف لبنان وانتهاك الأجواء الإيرانية.
إن الفجوة تزداد اتساعاً مع إصرار واشنطن على أن "سوء فهم" قد وقع بشأن شمول لبنان بالاتفاق، وهو ما تراه طهران تخريباً متعمداً للمبادرة التي دعا إليها رئيس الوزراء شهباز شريف.
وسط هذا الضجيج وتضارب "خطط السلام"، تبدو رحلة الوفد الأمريكي يوم الجمعة محفوفة بالألغام، حيث يصارع الدبلوماسيون لإيجاد أرضية مشتركة فوق ركام الانتهاكات الميدانية وفقدان الثقة المتبادل الذي بات يهدد بانهيار المسار السياسي قبل انطلاقه.
لم يعد المشهد في أروقة البنتاغون يوحي بقرع طبول الحرب، بل بمحاولة يائسة لترميم دروع متآكلة؛ حيث ينشغل القادة بنشر منظومات الدفاع الجوي لا لشن هجوم، بل لاحتواء رد إيراني يدركون سلفاً أنه سيكون "انتحارياً" ومكلفاً.
هذا التحول من الهجوم إلى الاستعداد الدفاعي يعكس عجزاً بنيوياً في إدارة حرب لم تعد نتائجها مضمونة، فالتفوق الجوي الأمريكي التاريخي اصطدم باستراتيجية "الإغراق الصاروخي" الإيرانية التي صُممت لإنهاك منظومات "ثاد" و"باتريوت" وإرباكها تقنياً.
وبينما تسود حالة من عدم اليقين في تل أبيب، يبرز القلق الإسرائيلي من "اتفاق ترامب" المحتمل الذي قد يحيّد النووي ويترك الصواريخ الباليستية سيفاً مصلتاً فوق رؤوسهم.
إن الحقيقة المرة التي تواجهها واشنطن هي أن إسرائيل تحولت من حليف استراتيجي إلى نقطة ضعف مركزية؛ فأي اختراق صاروخي للمراكز الحيوية سيسقط هيبة الردع العالمي.
ومع رفض الحلفاء الإقليميين فتح أجوائهم، تدرك الإدارة الأمريكية أن الدخول في حرب استنزاف طويلة ضد خصم يراهن على "الزمن" وزعزعة أسواق الطاقة هو مغامرة غير قابلة للتسويق.
ما نراه اليوم ليس "ضبطاً للنفس"، بل هو اعتراف ضمني بأن الهيمنة الأحادية انكسرت أمام واقع الردع غير المتكافئ، حيث أصبحت كلفة الضربة تفوق بكثير أي مكسب تكتيكي.
هذه ليست مجرد مصافحة، بل هي "التطبيع" الحقيقي الذي ترعاه واشنطن. فبينما كان الشرع يؤمن "الغطاء" السياسي من ترامب، كان فيدان هناك ليضمن "الحصة التركية" من "سوريا الجديدة". أنقرة وضعت ملفاتها الثقيلة ("مشاكل الشمال" وقانون قيصر) على الطاولة.
اللقاء لم يكن شكلياً، بل تبعه فوراً اجتماع "تنفيذي" ثلاثي (الشيباني، روبيو، فيدان) لوضع "آليات" ما تم الاتفاق عليه. إنه "عهد جديد" ترسمه أمريكا، وتلتزم به دمشق وأنقرة، لإنهاء "المشكلات العالقة" على الأرض.
لأول مرة، جلس فيدان وجهاً لوجه مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ليس في موسكو، بل في "البيت الأبيض" وبرعاية أمريكية كاملة. هذا الاجتماع، الذي ضم "العقول المدبرة" (روبيو، باراك، ويتكوف، وحتى نائب الرئيس فانس)، كان الهدف منه واضحاً: إيجاد "مخرج" للمشكلات العالقة.
إنها رسالة بأن واشنطن، التي أصبحت "على وفاق" مع الشرع، هي الضامن والوسيط المباشر لحل الملف الأمني الأكثر تعقيداً بين أنقرة ودمشق، ورسم خريطة الاستقرار الجديدة.
هذا ليس خبراً عادياً؛ إنه إنهاء لقطيعة دامت 12 عاماً، وبدأ بقرار موقّع من "صديقه" وزير الخارجية الأمريكي. واشنطن أكدت أن هذه العودة ليست مجاملة، بل "ضرورة" لـ "تعزيز التنسيق" في ملفات ثقيلة: مكافحة الإرهاب (داعش)، والاقتصاد، والأهم، الاتفاق الأمني المحتمل مع إسرائيل الذي يدعمه ترامب.
إنها الخطوة العملية الأهم التي تثبت أن سوريا لم تعد دولة "معزولة"، بل شريك فاعل يُنسق معه في قلب العاصمة الأمريكية.
في أهم لحظة، طوى ترامب صفحة الماضي، مدافعاً عن "الماضي القاسي" للشرع، معتبراً إياه سبباً "لخبرته وقدرته" على النجاح، لا عائقاً. هذا "الوفاق" التام بينهما، والذي حضره الشيباني وروبيو، أثمر عن نتائج "مذهلة": إعلان وشيك عن "اتفاق بين سوريا وإسرائيل".
وبينما ستنضم سوريا للتحالف الدولي، سارعت دمشق (عبر حمزة المصطفى) لتوضيح أن الاتفاق "سياسي بحت" و"لا يتضمن التزامات عسكرية" حالياً. الخلاصة أن ترامب تعهد: "علينا أن نجعل سوريا تنجح".
بكلمات واضحة، حذر الشرع من "الغرق في التفاصيل"، معتبراً إياها "غلطاً كبيراً" لا يكرس سوى "سياسة إطفاء الحرائق" ومعالجة الأزمات اليومية. بالنسبة له، البناء الحقيقي يحتاج "هدفاً استراتيجياً" واحداً و"عزماً" للسير نحوه. اعترف الشرع بصراحة قاسية بأن سوريا، بعد "مئات السنين" من العزلة، لم تجد ما تبني عليه؛ فالمؤسسات والبنى التحتية كانت "مهترئة".
الأصل الوحيد المتبقي كان "قوة الإيمان لدى المجتمع". ولهذا، شدد على ضرورة التوافق على "المثل العليا" أولاً. هذه الفلسفة، كما أشار الوزير الشيباني، أثبتت نجاحها بسرعة قياسية، فنقلت سوريا من "دولة هامشية" إلى دولة "وحدت مجلس الأمن" وتتحدث اليوم من واشنطن.
فمنذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، لم يطأ رئيس سوري البيت الأبيض. شكري القوتلي لم يفعلها. وحافظ الأسد، في ذروة نفوذه، التقى بكلينتون في "جنيف المحايدة"، لكنه تجنب واشنطن. أما بشار الأسد، فانتهى معزولاً تحت أنقاض "قانون قيصر".
اليوم، الشرع، الذي وصفه ترامب بأنه "يقوم بعمل جيد"، يكسر هذا الحاجز النفسي والتاريخي.
إنه في العاصمة الأمريكية، بعد رفع العقوبات الأممية عنه الأسبوع الماضي، ليضع اللمسات الأخيرة على "الصفقة الكبرى": دمشق تنضم رسمياً لتحالف "داعش"، ومقابل هذا الالتزام الأمني، سيطالب الشرع بالهدف الأسمى: الرفع الكامل لقانون قيصر، لتبدأ سوريا رحلة التعافي الاقتصادي، وتطوي عملياً عقوداً من العداء.
بكلمات لامست القلوب، أكد الشرع أن سوريا "تُبنى بسواعد أبنائها في الداخل والخارج". هذه "الفرصة النادرة"، كما وصفها، هي دعوة عاجلة لاستثمار اللحظة، خاصة مع تأكيده أن العقوبات "في مراحلها الأخيرة".
هذا ليس مجرد خطاب عاطفي؛ فبحسب محمد علاء غانم، النقاش غاص عميقاً في "العدالة الانتقالية" والوضع المعيشي ودور الجالية الحيوي في المرحلة القادمة. إنه اعتراف صريح بأن "سوريا الجديدة" لا يمكن أن تُبنى بالسياسة وحدها، بل تحتاج إلى كل خبرة وذراع سوري في المهجر لاستعادة مكانتها.
أمام المنظمات السورية، أطلق الشرع رسالته الأهم: هذه "فرصة نادرة" يجب استثمارها، فسوريا "تُبنى بسواعد أبنائها في الداخل والخارج". كان هذا هو الأساس العاطفي، ليأتي الشيباني بالوعد العملي: "2026 سيكون عام التنمية لسوريا"، معلناً بجرأة أنه "لن تكون هناك عقوبات" بحلول ذلك الوقت.
الأهم، هو الإعلان عن آلية لربط هذه المنظمات مباشرة بملف إعادة الإعمار. إنه تحول استراتيجي؛ فبينما يستعد الرئيس للقاء ترامب لإنهاء العزلة السياسية، كان يمد يده في نفس الوقت للجالية السورية، ليؤكد أن مرحلة العقوبات في "مراحلها الأخيرة"، وأن بناء الوطن مسؤولية مشتركة.
(full-width)
هذا الإجماع، الذي وحد أقطاباً مختلفة من بريطانيا وروسيا إلى فرنسا والجزائر، هو اعتراف عالمي صريح بـ"التقدم السياسي الملموس" لدمشق والتزامها بمكافحة الإرهاب. الكلمات لم تكن دبلوماسية باردة؛ كانت مليئة بالأمل.
فبينما رأت روسيا في القرار "دفعة" ضرورية، تجاوزت فرنسا ذلك للدعوة إلى "رفع شامل" لدعم الاقتصاد وإعادة البناء. إنها شهادة جماعية، بلسان جزائري وباكستاني، لدعم استقرار سوريا وتعافيها الاقتصادي، وإنجاز حقيقي للدبلوماسية السورية.
زيارة الرئيس أحمد الشرع المرتقبة، وهي الأولى لرئيس سوري للعاصمة الأمريكية منذ الاستقلال عام 1946، ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل هي محاولة جريئة لطي صفحة الماضي وفتح حوار مباشر حول "إعادة إعمار سوريا".
من "حوار المنامة"، جاء صوت وزير الخارجية أسعد الشيباني صادقاً وعميقاً، معترفاً بأن الطريق "لم يكن مليئاً بالورود" وأن التحديات كانت هائلة، لكن الإرادة "لم تستسلم". هذه الزيارة هي التجسيد العملي لفلسفة سوريا الجديدة: التخلي عن "مبدأ الاستقطاب" الذي ميز عهد النظام السابق، وتبني "الدبلوماسية المتوازنة".
إنها رسالة واضحة بأن دمشق تمد يدها للجميع وتقف على مسافة واحدة، ساعية لرفع العقوبات الظالمة، وتأسيس دولة يحكمها القانون وتعيش بسلام أهلي، مستقبل يقوم على التعاون التجاري والانفتاح، لا على المواجهة.