حرية ومسؤولية
في خطوةٍ تحمل في طياتها ملامح فجرٍ سوري جديد يطوي سنيناً من التشرذم، بدأت بدمشق ملامح الانفراجة الإنسانية الكبرى مع خروج الدفعة الأولى من المعتقلين في سجون "قسد"، كترجمةٍ حية وأولى لثمار "اتفاق الدمج الشامل" مع الحكومة السورية.
إن هذا الحدث لا يمثل مجرد إجراء أمني، بل هو النقطة الأولى والمحورية في "تبييض السجون" التي أعلن عنها المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش، مؤكداً أن الدولة ماضية في إنهاء معاناة آلاف الأسر السورية.
وتتجلى النقطة الثانية في "المأسسة الأمنية"، حيث تشرف قيادة الأمن الداخلي بالحسكة على تنظيم الإفراج وضمان الرعاية الطبية، مما يعيد الهيبة لمؤسسات الدولة في مناطق شرق الفرات.
أما النقطة الثالثة فهي "الرمزية السياسية للدمج"، حيث يأتي إطلاق السراح بالتزامن مع انخراط عناصر من "قسد" في صفوف القوات الوطنية، مما يغلق الباب نهائياً أمام مشاريع التقسيم.
إن هذا المسار، الذي بدأ باتفاقات القامشلي وصولاً لتعيين قيادات كردية في مناصب دفاعية رفيعة، يؤكد أن الجسد السوري بدأ يلملم جراحه، محولاً ملف المعتقلين من ورقة ضغط سياسي إلى جسرٍ حقيقي للعبور نحو استقرار وطني جامع يلامس وجدان كل مواطن انتظر عودة غائبه لسنوات.
في خطوة تعكس الرغبة في طي صفحة الماضي والمضي قدماً نحو "المصلحة الوطنية العليا"، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، يوم الأربعاء 18 شباط، مرسوماً تشريعياً يقضي بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره. يأتي هذا القرار، المستند إلى أحكام الإعلان الدستوري، ليحمل أبعاداً إنسانية وقانونية عميقة، مستهدفاً شريحة واسعة من المحكومين والموقوفين، مع وضع ضوابط دقيقة توازن بين التسامح وحقوق الضحايا.
نصّ المرسوم على تحويل عقوبات الحبس والاعتقال المؤبد إلى السجن المؤقت لمدة 20 عاماً.
ولم يغفل الجانب الإنساني؛ حيث منح إعفاءً كاملاً للمحكومين المصابين بـ أمراض عضال لا تُشفى، أو من تجاوزوا سن السبعين، شريطة أن تكون أحكامهم مبرمة.
كما شمل العفو "تصفير" العقوبات في كافة الجنح والمخالفات، وجرائم محددة تتعلق بـ مكافحة المخدرات، التهريب، التعامل بغير الليرة، والجرائم المعلوماتية، إضافة إلى جرائم الخطف في حال بادر الخاطف لتحرير المخطوف طوعاً ودون مقابل.
إن هذا المرسوم ليس مجرد إجراء قانوني روتيني، بل هو رسالة سياسية واضحة تهدف إلى تثبيت الاستقرار وتبريد الملفات الساخنة.
التوقيت: يأتي المرسوم في مرحلة انتقالية حساسة، مما يعزز من شرعية المؤسسات الجديدة وقدرتها على احتواء الأزمات الاجتماعية.
اشتراط الحق الشخصي: يعكس المرسوم ذكاءً قانونياً عبر اشتراط إسقاط الحق الشخصي في جرائم الضرر المادي، مما يحافظ على السلم الأهلي ويمنع نشوب نزاعات انتقامية بين الأفراد.
التداعيات المتوقعة: من المتوقع أن يؤدي المرسوم إلى تفريغ السجون من آلاف الموقوفين في القضايا غير الجسيمة، مما يخفف الضغط عن الجهاز القضائي والأمني، ويفتح باب العودة أمام "الفارين" لتسوية أوضاعهم خلال المهلة المحددة (60 يوماً).
بوضوح تام، استثنى المرسوم الجرائم التي تُصنف كـ "انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري"، وجرائم التعذيب، الاتجار بالأشخاص، والدعارة، إضافة إلى السرقات الممنهجة للممتلكات العامة (كهرباء واتصالات)، مما يؤكد توجه الدولة نحو عدم التهاون مع الجرائم التي تمس البنية الأخلاقية والاقتصادية للمجتمع.
يأتي هذا التحرك الخارجي المدروس بعد خطوة داخلية حاسمة؛ فالوزارة أنهت لتوها مقابلة أكثر من 260 ضابطاً منشقاً "داخل البلاد"، استعداداً لإعادة دمجهم في الهيكلية الجديدة. ما نراه هو استراتيجية واضحة: بعد تأمين الخبرات في الداخل، تمد الدولة يدها الآن عبر الحدود لاستعادة عقولها الأمنية التي هجرتها ظروف الحرب.
إنها رسالة بأن "النظام البائد" قد انتهى، وأن سوريا الجديدة تحتاج إلى كل أبنائها، وخاصة أولئك الذين اختاروا الوقوف مع الشعب، لإعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس وطنية جديدة.
بكلمات واضحة، أكد نور الدين البابا أن الباب مفتوح لعودة المرتبطين بالنظام المخلوع، بشرط واحد: ألا تكون أيديهم "ملطخة بدماء السوريين". إنه مسار دقيق يفصل بين المجرم والموظف، بهدف إعادة دمج "الأيدي النظيفة" كـ"مواطنين صالحين".
لكن هذا "البناء الداخلي" يتزامن مع "حرب" خارجية لا تهدأ؛ فالوزارة كشفت عن رصد "عشرات الآلاف" من حسابات التواصل الاجتماعي التي تشن حملة منظمة لنشر "أخبار مضللة". ولمواجهة هذه التهديدات المزدوجة، يبدو أن دمشق تتجه لـ"شريك" استراتيجي.
فبعد زيارة الرئيس الشرع لموسكو، يأتي الحديث عن دور روسي في تطوير الشرطة كـ "تبادل خبرات" ضروري لتعزيز الأمن في مواجهة "التهديدات المشتركة"، وليس كاستمرار للعهد البائد.
المتحدث نور الدين البابا أكد أن الدولة بدأت عملية "فرز وتمييز" دقيقة، الهدف منها ليس الانتقام، بل البحث عن "الأدلة" القاطعة التي تثبت تورط عناصر محددين في "جرائم قتل أو أعمال إرهابية" بحق الشعب.
هؤلاء، ومن "تلطخت أيديهم بدماء السوريين"، سيُحالون إلى القضاء لينالوا "العقاب العادل". لكن الرسالة الأعمق كانت موجهة للآخرين؛ فأولئك الذين لم يتورطوا سيُمنحون الفرصة كاملة. سيتم إخضاعهم لتحقيق مهني دقيق، ليس لإدانتهم، بل "لإعادة دمجهم" في الخدمة.
إنها فلسفة جديدة تهدف لطي صفحة الماضي الأليم، وتمكين هؤلاء من العودة "كمواطنين صالحين" وبدء "حياة جديدة" في وطن يتسع للجميع.
في لقاء يوازن بين وجع الحقيقة ومتطلبات السياسة، وضع وزير الخارجية أسعد الشيباني ثقل الوزارة خلف اللجنة الوطنية الخاصة بأحداث السويداء.
لم يكن اللقاء بروتوكولياً؛ فاللجنة أكدت استقلاليتها المطلقة، كاشفةً عن جمع "مئات الشهادات" بسرية تامة، في سباق لكتابة تقرير شامل يكشف ما حدث.
الشيباني، من جهته، تبنى خطاباً مزدوجاً: فبينما شدد على دعم كشف الحقيقة و "محاسبة المسؤولين" بشفافية، سارع إلى تأطير ما جرى كـ "جرح سوري مؤلم" تعرض "للاستغلال" داخلياً وخارجياً.
وبين الوعد بالمساءلة والتحذير من "خطاب الكراهية"، يبقى الرهان الحقيقي على إيصال المساعدات ونبذ التحريض. إنه مسار دقيق بين تحقيق العدالة التي يطالب بها الأهالي، وبين رغبة الدولة في "بسط الأمن" وإغلاق ملف يراه الجميع مؤلماً.
إعلان الوزير أنس خطاب عن انتهاء مقابلة أكثر من 260 ضابطاً منشقاً في الداخل ليس مجرد إجراء إداري، بل هو اعتراف بضرورة الاستفادة من كل الخبرات لبناء هيكلية الدولة الجديدة.
اللافت هو التركيز على "الحقوقيين" منهم، في إشارة ربما لتوجه جديد نحو هيكلة أمنية أكثر انضباطاً ومؤسسية، بعيداً عن إرث الماضي القمعي.
الأهم أن هذه المبادرة، التي تستهدف مئات الضباط (ما بين 500 إلى 600)، لم تقتصر على الداخل؛ بل هي رسالة مباشرة ومفتوحة للخبرات السورية في الخارج، بدعوتهم للتسجيل والعودة.
نحن لا نشهد مجرد إعادة موظفين، بل محاولة لرأب صدع غائر، وإعادة دمج "الدم" الذي نزفته المؤسسة لعقد كامل، في سعي حثيث لاستعادة الكفاءة المفقودة وتأهيل الكوادر لبناء منظومة أمنية مختلفة.
القاضي جهاد الدمشقي كشف عن حجم الجرح: 80 ألف عامل قُطعت أرزاقهم "تعسفاً" منذ 2011.
اليوم، أصبح إنصافهم "أولوية وطنية" وقلب "العدالة الانتقالية" النابض.
الخطة، التي أصبحت في مراحلها النهائية، إنسانية في جوهرها؛ فهي لا تهدف فقط لإعادة 75 ألف موظف طلبوا العودة، بل "لتعويض معاناتهم" واستعادة كرامتهم.
فالدولة لن تعيدهم لوظائفهم فحسب، بل ستعتبر سنوات انقطاعهم القاسية "خدمة مؤهلة للتقاعد"، مع "أثر مالي رجعي" كامل تتحمله الخزينة.
وفي خطوة هي الأعمق نحو المصالحة الحقيقية، ستشمل العودة الجميع، بمن فيهم العاملون المدنيون في وزارتي الدفاع والداخلية، وحتى أولئك الذين عملوا مع "حكومة الإنقiativa" (الإنقاذ سابقاً).
وبينما عاد بعض المعلمين "كحل إسعافي"، فإن هذا القانون المرتقب هو الوعد بإنصاف شامل.
في خطوة جريئة وموحدة، أصدرت مجموعة من نحو 650 ناشطاً من أبناء دير الزور بياناً شديد اللهجة يضع العدالة كشرط أساسي لأي مصالحة وطنية قادمة.
وطالب البيان بفتح تحقيق مستقل وشفاف في جميع الجرائم والانتهاكات التي شهدتها المحافظة، تحت إشراف جهات محلية موثوقة. وقد تمسك الموقّعون بضرورة إلغاء أي عفو أو تسوية تُعفي مرتكبي جرائم القتل والاختفاء القسري من المحاسبة، والإسراع في تقديمهم إلى محاكم عادلة بما يضمن حقوق الضحايا، إضافة إلى إعادة الممتلكات المصادَرة أو تعويض أصحابها بشكل عادل.
ووجّه الناشطون نداءً مباشراً لـ هيئة الأمم المتحدة لتحمّل مسؤوليتها في توثيق الجرائم، داعين المجتمعين الدولي والمحلي لدعم مطالبهم بالوسائل السلمية.
ويشدد البيان على أن العدالة الانتقالية وإصلاح المؤسسات والقضاء على الفساد هي الركائز التي ستمهد لبناء "عقد اجتماعي جديد" يعزز الاستقرار ويمنع تكرار المآسي التي عاشتها دير الزور.