حرية ومسؤولية
أظهرت الأبحاث والدراسات الطبية الحديثة، المنشورة في تقارير صحية عالمية مثل "واشنطن بوست"، أن نمط الحياة الخامل والجلوس لساعات متواصلة أمام الشاشات والمكاتب لا تقتصر أضراره على آلام الظهر والرقبة فحسب، بل يمتد ليشكل خطراً مباشراً على صحة القلب، والأوعية الدموية، والتمثيل الغذائي، بل ويرتبط بـ "قِصر العمر"، حتى وإن كان الشخص يمارس الرياضة بانتظام.
تشير معظم الأبحاث إلى أن الجلوس لأكثر من 8 إلى 10 ساعات يومياً يحول الخمول إلى عادة مستمرة تؤدي مع السنوات إلى مشكلات صحية مزمنة.
وبحسب دراسة أُجريت عام 2024 ونشرتها مجلة Journal of the American Heart Association شملت 6000 امرأة مسنّة، تبين أن اللواتي يجلسن لأكثر من 11 ساعة يومياً كُنّ أكثر عرضة بنسبة 57% للوفاة لأي سبب، وبنسبة 78% للوفاة بأمراض القلب، مقارنة بمن يجلسن أقل من 9 ساعات.
ويرجع الخبراء هذا التأثير السلبي الحاد إلى سببين رئيسيين:
خمول العضلات: الحركة والانقباض المنتظم للعضلات ضروريان جداً لتنظيم مستويات السكر والدهون الثلاثية في الدم، وهو ما يتوقف تماماً أثناء الجلوس.
ضعف تدفق الدم: إن انثناء الساقين أثناء الجلوس يشبه "التواء خرطوم المياه"، مما يعيق التدفق الطبيعي للدم، ويساهم مع الوقت في تصلب الأوعية الدموية، وارتفاع مخاطر الإصابة بالسكتات الدماغية وأمراض القلب.
الجلوس والتدخين: ورغم انتشار عبارة "الجلوس هو التدخين الجديد"، فإن التحليلات العلمية تؤكد أن التدخين يظل أكثر فتكاً؛ فلكل 100 ألف شخص، يتسبب الجلوس الطويل في وفاة 190 شخصاً سنوياً، مقابل 2000 شخص بسبب التدخين الشديد.
وفقاً للباحثين، فإن ممارسة الرياضة الصباحية أو المسائية مهمة جداً ولكنها لا تلغي بالكامل الآثار السلبية لجلوسك طوال بقية اليوم. ومع ذلك، فإن التغييرات البسيطة تحدث فارقاً هائلاً؛ حيث أظهرت دراسة عام 2019 أن استبدال 30 دقيقة فقط من الجلوس بنشاط خفيف يقلل خطر الوفاة بنسبة 17%، بينما استبدالها بنشاط متوسط إلى شديد يقلل الخطر بنسبة 35%.
في تحذير علمي جديد، كشفت دراسة دنماركية من جامعة آرهوس أن السكري من النوع الثاني لا يقتصر تأثيره على ارتفاع السكر في الدم، بل يسرع بشكل كبير من تراكم الأمراض المزمنة الأخرى، خاصة لدى الشباب تحت سن 55 عامًا. هذه النتائج، التي قُدمت في الاجتماع السنوي للجمعية الأوروبية لدراسة داء السكري، تحمل دلالات خطيرة على مستقبل الصحة العامة، خاصة مع التوقعات بوصول عدد المصابين بالسكري إلى 1.3 مليار شخص بحلول عام 2050.
حلّل الباحثون بيانات أكثر من نصف مليون شخص على مدار 15 عامًا، ووجدوا أن المصابين بالسكري يعانون من تطور أمراض إضافية (مثل ارتفاع ضغط الدم والاكتئاب) بوتيرة أسرع بنسبة 60% مقارنة بغير المصابين. هذا التسارع كان أكثر وضوحًا لدى الفئة العمرية بين 40 و55 عامًا، ما يشير إلى أن السكري يعمل كـ "مُسارع صامت" للشيخوخة البيولوجية، مما يضاعف من معاناة المرضى ويؤثر بشكل كبير على جودة حياتهم. الدراسة تؤكد على الحاجة الملحة لتعزيز الوعي والوقاية لمواجهة هذا المرض قبل أن يسبب المزيد من المضاعفات.