حرية ومسؤولية
في تطور دراماتيكي خلال الجلسة الثانية لمحاكمة عاطف نجيب، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة برئاسة القاضي فخر الدين العريان سلسلة قرارات زلزالية لم تكتفِ بتثبيت تهم "القتل الجماعي والمشاركة بمجزرة الجامع العمري" بحق نجيب، بل امتدت لتشمل الدائرة الضيقة للنظام السابق.
فقد قضت المحكمة بتجريد كل من وزير الدفاع الأسبق فهد جاسم الفريج وقادة أمنيين بارزين مثل وفيق ناصر ولؤي العلي وقصي ميهوب من حقوقهم المدنية، مع وضع كافة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة تحت تصرف الحكومة السورية.
ولحماية مسار العدالة من أي ثغرات قد تُبطل الأحكام مستقبلاً، اتخذ القاضي العريان خطوة تكتيكية بوقف البث المباشر فور البدء بسماع الشهادات، مؤكداً أن علنية الجلسة "بمن حضر" تهدف لحماية الشهود وصون سرية المعلومات الحساسة، مع ضمان حق المتهم في الاطلاع على التسجيلات الموثقة من قِبل إعلام وزارة العدل.
وبينما يرى ذوو الضحايا في هذه المحاكمات شفاءً لصدورهم وخطوة نحو "جبر الضرر"، لا تزال الأصوات الحقوقية تراقب بدقة مدى توازن هذه الإجراءات بين "الاستعراض السياسي" وبين "المعايير القانونية الصارمة" لضمان صدور أحكام راسخة لا يمكن نقضها دولياً، لتظل هذه المحاكمة هي الاختبار الحقيقي لقدرة سوريا الجديدة على بناء قضاء مستقل يقتص من الجلاد دون أن يتحول هو نفسه إلى أداة انتقام.
تدرك نقابة المحامين أن محاكمة رموز النظام السابق، وفي مقدمتهم عاطف نجيب الذي مثل أمام محكمة الجنايات بدمشق الأحد الماضي، هي اختبار تاريخي لنزاهة سوريا الجديدة؛ لذا جاء تشديدها على بطلان أي محاكمة تغيب عنها جهة الدفاع ليضع النقاط على الحروف.
إن وجود المحامي، سواء كان مختاراً أو مسخراً، ليس "تبريراً للجريمة"، بل هو صمام أمان يمنع الطعن في الحكم ويضمن صدوره وفق أصول المحاكمات الجزائية السورية، بما يقطع الطريق على أي ثغرة قد تسمح لمجرمي الحرب بالإفلات من العقاب مستقبلاً.
العدالة الحقيقية لا تقتات على ردود الفعل العاطفية، بل تُبنى على إجراءات سليمة تجعل الإدانة راسخة وغير قابلة للتقويض أمام القانون الدولي. دعوة النقابة للأهالي لتفهم هذا المبدأ هي دعوة للترفع عن الرغبة في الانتقام السريع مقابل بناء دولة المؤسسات، حيث يضمن "المحامي المسخر" سلامة الإجراءات لا تبني الأفعال، ليظل القضاء هو الحَكم الفصل في رحلة استعادة الحقوق السليبة عبر محاكمات علنية تليق بتضحيات الشعب السوري.
وتبرز محاكمة المجرم عاطف نجيب كحجر زاوية لهذا المسار، فليست مجرد إجراء قانوني، بل هي استرداد رمزي لكرامة "درعا" مهد الثورة، وتجسيد لمبدأ المحاسبة الذي يبدأ من كشف الحقيقة وينتهي بجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.
وفي أحياء التضامن المكلومة، تواصل اللجان توثيق الأدلة ولقاء ذوي الضحايا، في وقتٍ يتم فيه إعداد كوادر قضائية من القضاة المنشقين الأكفاء لضمان نزاهة المحاكمات وتطهيرها من إرث النظام البائد.