حرية ومسؤولية
تدرك نقابة المحامين أن محاكمة رموز النظام السابق، وفي مقدمتهم عاطف نجيب الذي مثل أمام محكمة الجنايات بدمشق الأحد الماضي، هي اختبار تاريخي لنزاهة سوريا الجديدة؛ لذا جاء تشديدها على بطلان أي محاكمة تغيب عنها جهة الدفاع ليضع النقاط على الحروف.
إن وجود المحامي، سواء كان مختاراً أو مسخراً، ليس "تبريراً للجريمة"، بل هو صمام أمان يمنع الطعن في الحكم ويضمن صدوره وفق أصول المحاكمات الجزائية السورية، بما يقطع الطريق على أي ثغرة قد تسمح لمجرمي الحرب بالإفلات من العقاب مستقبلاً.
العدالة الحقيقية لا تقتات على ردود الفعل العاطفية، بل تُبنى على إجراءات سليمة تجعل الإدانة راسخة وغير قابلة للتقويض أمام القانون الدولي. دعوة النقابة للأهالي لتفهم هذا المبدأ هي دعوة للترفع عن الرغبة في الانتقام السريع مقابل بناء دولة المؤسسات، حيث يضمن "المحامي المسخر" سلامة الإجراءات لا تبني الأفعال، ليظل القضاء هو الحَكم الفصل في رحلة استعادة الحقوق السليبة عبر محاكمات علنية تليق بتضحيات الشعب السوري.
لم تعد صرخات الضحايا في أزقة حي التضامن مجرد صدى للماضي، بل تحولت إلى ملفات قضائية مثقلة بالأدلة ضد فادي صقر، قائد "الدفاع الوطني" السابق، الذي تلاحقه اتهامات بالتورط في جرائم ضد الإنسانية وإبادة مدنيين.
وبينما تترقب دمشق إحالة نتائج تحقيقات الهيئة الوطنية المستقلة إلى القضاء، يبدو أن القبض على "سفاح الحفرة" أمجد يوسف الأسبوع الماضي قد كسر حاجز الخوف، كاشفاً عن تسلسل قيادي مرعب يضع صقر في قلب المسؤولية عن مجازر عام 2013.
ورغم محاولات صقر التملص بزعمه الجهل بتلك الفظائع، إلا أن مقاطع فيديو "غير منشورة" توثق استمرار الإعدامات في عهده، مما يعزز موقف الهيئة الوطنية التي تؤكد أنه "لا أحد فوق القانون".
إن هذه القضية تمثل محطة مفصلية في تاريخ سوريا ما بعد سقوط النظام المخلوع، فمحاسبة رأس كبير مثل صقر ليست مجرد قصاص قانوني، بل هي حجر الأساس لترميم النسيج المجتمعي الممزق، وضمان ألا تتحول العدالة الانتقالية إلى مجرد شعارات سياسية، بل حقيقة تبرد نيران قلوب أمهات المفقودين.
في عملية أمنية وصفت بأنها "ضربة موجعة" لرموز النظام المخلوع، ألقت إدارة مكافحة الإرهاب في سوريا القبض على اللواء عدنان عبود حلوة، أحد الأسماء الرئيسية المدرجة على قوائم العقوبات الدولية والأمريكية لارتباطه المباشر باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين.
وأكد وزير الداخلية أنس خطاب أن "حلوة"، الذي ظل لسنوات بعيداً عن يد العدالة وشارك حتى في وفود النظام في محادثات أستانا، أصبح اليوم تحت التحقيق لمحاسبته على دوره في قصف الغوطة الشرقية بريف دمشق بغاز السارين القاتل عام 2013.
ويُصنف "حلوة" دولياً كأحد "أركان الكيماوي"، حيث أدرجته واشنطن والاتحاد الأوروبي منذ عام 2016 ضمن لوائح العقوبات الرسمية بتهم ارتكاب جرائم حرب.
وكان بيان للخارجية الأمريكية قد حدد اسمه بوضوح بجانب اللواء غسان غنام واللواء جودت مواس كمسؤولين مباشرين عن المجزرة التي أدت لمقتل أكثر من 1400 شخص، معظمهم من النساء والأطفال. هذا الاعتقال يعيد تسليط الضوء على ملف الأسلحة الكيماوية في سوريا، ويؤكد جدية الحكومة الجديدة في ملاحقة كافة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة، بغض النظر عن رتبهم العسكرية أو أدوارهم السياسية السابقة.
إن سقوط "حلوة" في قبضة مكافحة الإرهاب في ربيع عام 2026 يبعث برسالة قوية للداخل والخارج بأن ملفات الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وأن المسارات السياسية السابقة التي حاول النظام المخلوع من خلالها "تبييض" وجوه ضباطه لم تمنحهم الحصانة الدائمة.
ومع بدء التحقيقات الرسمية، تترقب عائلات الضحايا والمنظمات الحقوقية الدولية الكشف عن المزيد من التفاصيل حول سلسلة الأوامر التي أدت لتلك الفظائع، في خطوة تمهد الطريق لتعافٍ وطني حقيقي قائم على كشف الحقيقة والقصاص العادل.
في تطور قضائي دراماتيكي، رفضت المحكمة المركزية في تل أبيب طلباً تقدم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتقليص مدة حضوره في جلسات محاكمته، متذرعاً بـ "دواعٍ أمنية" تفرضها ظروف الحرب القائمة على إيران ولبنان.
وجاء هذا الرفض القضائي القاطع خلال ساعات الليل، ليجبر نتنياهو على المثول مجدداً للإدلاء بشهادته في القضية المعروفة بـ "الملف 4000"، والتي يواجه فيها اتهامات خطيرة بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، تتعلق بتقديم تسهيلات تنظيمية لرجل الأعمال شاؤول إلوفيتش مقابل تغطية إعلامية منحازة في موقع "واللا" الإخباري.
وتعد هذه الجلسة هي الأولى لنتنياهو منذ نحو شهرين، حيث توقفت إفاداته مع اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، رغم استمرار عمل المحاكم الإسرائيلية بشكل طبيعي.
وبحسب التقارير الصادرة عن مكتب المدعي العام، فإن نتنياهو الذي أدلى بشهادته على مدار 80 يوماً، لا يزال أمامه نحو 11 يوماً كاملة من الاستجوابات الحاسمة، وهو ما يجعل المرحلة الحالية هي الأشد خطورة في مساره القانوني، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية عليه بعد ملاحقته من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، يتفاقم الانقسام الإسرائيلي حول طلب "العفو" الذي تقدم به نتنياهو للرئيس إسحاق هرتسوغ في نوفمبر الماضي؛ فبينما يرفض نتنياهو الإقرار بالذنب أو اعتزال الحياة السياسية كشرط للحصول على العفو، يمنع القانون الإسرائيلي الرئيس من منح هذا الحق دون اعتراف صريح بالاتهامات المنسوبة.
ومع استئناف الجلسات اليوم، يبقى نتنياهو محاصراً بين جبهات القتال الخارجية التي يقودها بصفته رئيساً للحكومة، وبين جبهات المحاكمة الداخلية التي تهدد بإنهائه سياسياً وإيداعه السجن، في مشهد يجسد أعمق أزمة دستورية وسياسية تشهدها إسرائيل منذ تأسيسها.
بالتزامن مع محاكمته التاريخية في هولندا، كشف ضحايا ومعتقلون سابقون في مدينة سلمية لـ "تلفزيون سوريا"، عن تفاصيل مروعة لانتهاكات ارتكبها رفيق قطريب، المحقق السابق في ميليشيا "الدفاع الوطني".
الشهادات تضمنت اتهامات مباشرة بالإشراف على عمليات تعذيب وحشية واعتداءات جنسية ممنهجة؛ حيث أكدت المعتقلة السابقة أديبة الفيل وقوع حالات اغتصاب وتحرش داخل المعتقل، وتحويل "الوساطات" إلى تجارة رابحة لابتزاز ذوي المعتقلين مالياً مقابل حماية النساء من الانتهاكات.
ويواجه قطريب (55 عاماً) لائحة اتهامات ثقيلة تضم 24 تهمة جنائية ارتكبت بحق 9 ضحايا، في قضية هي الأولى من نوعها في هولندا التي تركز على "العنف الجنسي" كأداة من أدوات الجرائم ضد الإنسانية.
وبينما يروي الناجون مثل زياد دعاس ومحمد الفيل قصصاً عن الإهانة الممنهجة والتهديد بالترحيل إلى فروع أمنية أكثر وحشية، تترقب الأوساط الحقوقية مرافعة النيابة العامة الختامية في 21 نيسان الجاري، بانتظار الحكم النهائي المقرر في 9 حزيران 2026، ليكون صرخة عدالة لكل من فقد حياته الطبيعية أو تعرض للامتهان في سجون النظام المخلوع.
في مشهدٍ يدمي القلوب، وصفت الأمم المتحدة القصف الإسرائيلي المستمر على لبنان بـ "المروع"، حيث خرج المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان، ثمين الخيطان، لينقل فزع المفوض السامي فولكر تورك من حجم الدمار والنزيف البشري الذي لم يرحم شجراً ولا حجراً.
يأتي هذا النداء الأممي الصارم للمطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة الجناة، في وقتٍ تعيش فيه قرى الجنوب ومدينة صور تحت وطأة غاراتٍ لا تهدأ، رغم رياح "الهدنة" الهشة التي أعلنها دونالد ترامب بين واشنطن وطهران.
إنها مفارقة مؤلمة؛ فبينما يُفتح مضيق هرمز وتتنفس الأسواق العالمية الصعداء، يبقى الشعب اللبناني وحيداً تحت النيران، خارج حسابات الاتفاقات الكبرى، يطارده الخوف والنزوح القسري.
إن هذا التجاهل المتعمد للساحة اللبنانية في صفقات خفض التصعيد يجعل من دعوات التحقيق الدولية "اختباراً أخلاقياً" أخيراً للمجتمع الدولي؛ فإما العدالة وإما ترسيخ شريعة الغاب، حيث يُترك المدنيون لقمة سائغة في صراع القوى، طالما أن وقف إطلاق النار استثنى صرخاتهم من بنوده الرسمية.
بينما كان السوريون يترقبون أخبار الإفراجات، صُدم الشارع بخبرٍ يدمي القلوب يتمثل في وفاة معتقل تحت التعذيب في سجون "قسد" بمدينة القامشلي، في حادثةٍ أدانتها الشبكات الحقوقية بشدة واعتبرتها طعنةً في خاصرة الوعود الإنسانية.
وتتجلى النقطة الأولى في "وحشية الاحتجاز"، حيث فارق المعتقل الحياة بعد أشهرٍ من التغييب القسري، لتظهر على جسده آثار تعذيبٍ وحشية تبرهن على استمرار سياسة القمع الممنهج.
أما النقطة الثانية، فهي "ازدواجية المعايير"، إذ كيف يستقيم الحديث عن دمجٍ وتسويات في وقتٍ ما زالت فيه زنازين القامشلي تبتلع أرواح المدنيين دون رادعٍ قانوني؟
وتأتي النقطة الثالثة لتسلط الضوء على "المساءلة الغائبة"، حيث تضع هذه الجريمة المنظمات الدولية أمام مسؤولياتها لفتح تحقيقٍ شفاف يكشف الجناة ويمنع تكرار هذه الفواجع.
إن هذا السياق الإضافي يؤكد أن ملف المعتقلين ليس مجرد أرقامٍ في صفقات سياسية، بل هو جرحٌ نازف يتطلب أكثر من "إفراجات جزئية"؛ إنه يتطلب إنهاءً كاملاً لثقافة الإفلات من العقاب داخل مراكز الاحتجاز، لضمان ألا يتحول أمل الأهالي باللقاء إلى جنازاتٍ تشيعها الحسرة والدموع.
بوفاة رفعت الأسد اليوم عن 87 عاماً، تُطوى صفحة حالكة السواد في الذاكرة السورية، لكن جراح "جزار حماة" تظل نازفة في وجدان الآلاف.
رحل الرجل الذي هندس رعب الثمانينات، تاركاً إرثاً ثقيلاً من الدماء في أحداث حماة 1982، التي أودت بحياة ما بين 10 إلى 40 ألف إنسان، وهي الجريمة التي ستبقى وصمة عار لا يمحوها الزمن.
ورغم سنوات المنفى التي قضاها متنقلاً بين قصور أوروبا متمتعاً بثروات طائلة أثبت القضاء الفرنسي أنها "مكاسب غير مشروعة" نُهبت من مقدرات السوريين، وملاحقته في سويسرا بتهم جرائم حرب، إلا أن الموت سبَق مطرقة العدالة الدولية.
عاد "قائد سرايا الدفاع" إلى دمشق في 2021 ليواجه نهايته البيولوجية بعيداً عن أقفاص الاتهام، لكنه لم ينجُ من حكم التاريخ القاسي.
إن رحيله اليوم يثير غصة في قلوب الضحايا الذين انتظروا رؤيته يُحاكم، ليؤكد هذا الحدث حقيقة مريرة: قد يموت الطغاة بسلام على أسرّتهم، لكن لعنة الدماء المسفوكة ستظل تلاحق ذكراهم إلى الأبد، شاهدة على حقبة من القمع لن ينساها العالم.
هؤلاء، الذين كانوا تروساً في آلة القمع التابعة للمخابرات العسكرية وميليشيات "النظام السابق" بين 2012 و2014، يواجهون اليوم "أشباح" ضحاياهم. التهمة الأقسى التي تدمي القلوب هي قمع مظاهرة 13 تموز 2012، التي انتهت بإزهاق أرواح 6 مدنيين، بينهم طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، اغتيلت أحلامه بدم بارد.
استناداً لمبدأ "الولاية القضائية العالمية"، تؤكد برلين أن الجغرافيا لا تحمي "مجرمي الحرب"، وأن الزمن لا يسقط حق الضحايا. إنها رسالة مدوية لكل ناجٍ: صوتك مسموع، والعدالة، وإن تأخرت، فإنها آتية لتقتص من القتلة أينما هربوا.
أخيراً، العدالة في السويداء ليست مجرد "وعود سياسية"، بل "تحقيق قضائي" حقيقي.
في خطوة هي "الأولى" لكسر جدار الإفلات من العقاب، أعلنت اللجنة الوطنية للتحقيق في "الأحداث المؤسفة" التي عصفت بالمحافظة (من قتل وتهجير قسري) عن توقيف عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية ثبت ارتكابهم مخالفات.
رئيس اللجنة، القاضي حاتم النعسان، أكد أن التحقيق ليس "شكلياً"، بل يستند للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، ويعمل بـ "سقف مفتوح" واستقلالية تامة "بلا تعليمات من أي سلطة".
فبعد 3 أشهر من العمل الميداني الدقيق، وزيارة المهجرين في أرياف دمشق وإدلب ودرعا، والاستماع للناجين، بدأت اللجنة بـ"بناء الثقة" عبر الأفعال لا الأقوال.
إنها رسالة واضحة بأن الهدف هو تحديد "المسؤولية الفردية" لضمان عدم تكرار هذا الألم في أي مكان آخر بسوريا.
هذا الرجل، المطلوب بموجب مذكرة توقيف، لم يكن يقاتل على جبهة، بل كان، بحسب التحقيقات الأولية، يقود طلعات جوية تستهدف "المدن والبلدات" الآمنة، ويشارك في الحملات التي سحقت أرياف إدلب وحماة، مخلفاً وراءه "مجازر" بحق مدنيين أبرياء.
وكما أكد العميد ملهم الشنتوت، فإن هذه العملية الدقيقة هي جزء من جهد مستمر لملاحقة "فلول النظام البائد". إحالة الياسين للقضاء هي رسالة واضحة بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى، وأن دماء الأبرياء التي سُفكت من السماء لن تذهب هدراً.
عثمان (59 عاماً) يشاهد برعب كيف يتم "العفو" عن مجرمي الحرب، بل وكيف يعود بعضهم لمناصب في "الحكومة المؤقتة".
هذه المصالحة هي طعنة لآلاف الأمهات، كالأم التي "حمدت الله" عندما أرسل لها 5 صور لجثة ابنها الممزقة، فقط لتتأكد من مصيره.
من هذا الجحيم، يصرخ عثمان سؤاله الأخير للعالم: "كيف لك أن تصالح قاتل ابنك؟!". بالنسبة له، لا سلام قبل "محاكمة عادلة"، متعهداً بمواصلة التوثيق ضد "أي طرف" يكرر التاريخ.
إنه، بحسب "نيويورك تايمز"، "عميل مزدوج" عمل لصالح الموساد الإسرائيلي. هذه الخيانة هي التي ضمنت له "حياة فاخرة" في المنفى.
فعندما فر من سوريا عام 2013، لم يهرب كلاجئ، بل "هُرِّب" كعميل ثمين. الموساد، بمساعدة المخابرات النمساوية (التي يواجه أفرادها تهماً الآن)، نقله سراً عبر أوروبا.
عاش بأسماء مستعارة في باريس وفيينا، مختبئاً لسنوات. وعندما اقترب المحققون منه في فرنسا، رتب له الموساد "ملاذاً آمناً" في النمسا.
لقد كان شبحاً، محمياً بالصمت الغربي، إلى أن ارتكب خطأً فادحاً: صورة نشرها على جسر في بودابست. هذه الصورة كانت الخيط الذي قاد لـ "صيده" العام الماضي، لتسقط اليوم ورقة التوت عن "الجاسوس" المتهم بجرائم الحرب.
لم يكن مجرد ناشط، بل كان ضميراً حياً ودفع ثمن مواقفه 12 عاماً في سجون وطنه. وُلد يهودياً في أكادير، لكنه اختار أن يكون إنسانياً، مؤمناً بأن "غزة هي تازة" وأن كل القضايا العادلة تتكامل.
ارتدى الكوفية الفلسطينية كأنها جلده، ليس كرمز سياسي، بل كإعلان بأن "الإسرائيليين ليسوا مواطنين عاديين" بل "يشاركون في جرائم الحرب". بصفته منسق BDS، لم يحارب التطبيع فحسب، بل حارب فكرة "التسامح مع المجرمين"، ورفض أن يجتمع الظالم والمظلوم.
كان يرى الصهيونية عدواً للإنسانية، حتى أنه طلب الانضمام لصفوف منظمة التحرير. برحيله، تخسر فلسطين صوتاً صادقاً، ويخسر المغرب ضميراً نادراً أثبت أن الحرية لا تعرف ديناً ولا حدوداً.
هذا الرجل، المنحدر من بستان الباشا، لم يكن مجرد موظف في "النظام المخلوع"، بل كان متورطاً بجرائم تهز الضمير: من الاعتقال التعسفي والتغييب القسري، إلى الابتزاز المادي والـ"جنسي" لأبناء المحافظة.
إحالته للقضاء هي رسالة بأن "العهد الجديد" لا ينسى. يأتي هذا السقوط في سياق عملية تطهير مستمرة طالت قبله وسيم الأسد وقصي إبراهيم، ليؤكد التزام الداخلية التام بملاحقة "فلول" الماضي، وإعادة الأمان الحقيقي للمواطنين الذين عانوا طويلاً من الابتزاز باسم السلطة.
هذا الرجل، الذي كان من المفترض أن يكون حامياً من "كلية الدفاع الجوي"، تورط في أبشع الانتهاكات. العملية الأمنية المحكمة التي نفذها فرع مكافحة الإرهاب في درعا كشفت المستور: لقد كان المقداد شريكاً للمجرم سهيل الحسن في التخطيط وتنفيذ الهجمات الوحشية على المناطق السكنية في حملة 2018.
إن إحالته للقضاء، ووضعه في نفس مصاف الموقوفين سابقاً مثل وسيم الأسد وقصي إبراهيم، هو رسالة قاطعة بأن عهد الإفلات من العقاب قد انتهى بلا رجعة. هذه ليست مجرد ملاحقة "لفلول النظام المخلوع"، بل هي خطوة تأسيسية ضرورية لبناء وطن آمن، وتأكيد بأن دماء المدنيين التي سقطت لن تذهب هدراً.
ففي استنابة قضائية رفيعة المستوى، طلبت باريس من لبنان تعقب وتوقيف وتسليم ثلاثة من أعتى رموز "دولة الرعب" (علي مملوك، جميل الحسن، وعبد السلام محمود) بتهم جرائم حرب أودت بحياة فرنسيين.
الضربة القاضية في الطلب الفرنسي هي أنه لم يأتِ عاماً؛ بل تضمن "أرقام هواتف لبنانية" محددة، كشفها الرصد الاستخباراتي الفرنسي، تُستخدم للتواصل الدوري معهم. هذا "الدليل الدامغ" يحول لبنان إلى "مصيدة" محتملة ويضع "شعبة المعلومات" أمام اختبار تاريخي: هل تنفذ بيروت العدالة الدولية، أم تتغلب الحسابات السياسية المعقدة على صرخات الضحايا؟
الرعب يسبق الجيوش؛ فالمدنيون مثل سليمان بابكر توقفوا حتى عن زراعة أرضهم خوفاً من الاشتباكات. والأسوأ، أن الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر، محذرة من "فظائع واسعة النطاق" و"انتقام عرقي" على يد قوات الدعم السريع في "بارا"، وهو نمط يعيد إلى الأذهان "أشباح دارفور" وجرائمها من قتل جماعي وعنف.
الآن، تتجه كل الأنظار إلى "الأبيض"، العاصمة الاستراتيجية التي يحشد الطرفان قواتهما لاقتناصها. فبعد الفاشر، يبدو أن معركة "الأبيض" لا تهدف فقط للسيطرة على المطار، بل لرسم خريطة الرعب الجديدة في بلد يعيش أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم.