حرية ومسؤولية
أوقفت الأجهزة الأمنية السورية اليوم ضابطاً برتبة عميد كان يشغل منصب قائد لواء في جيش النظام السابق، بعد ثبوت تورطه بارتكاب جرائم حرب وتنفيذ حملات دهم واعتقالات تعسفية طالت مدنيين خلال سنوات النزاع الماضي في عدة بلدات بريف دمشق.
جاءت عملية التوقيف عقب تحقيقات ميدانية مكثفة استندت إلى شهادات ناجين ووثائق أمنية عُثر عليها داخل مقرات القيادة العسكرية المهجورة، حيث تولى المتهم إدارة عمليات قمع واسعة النطاق شملت حصار مناطق سكنية وتوجيه ضربات مدفعية عشوائية وتغييب عشرات الشبان قسرياً داخل معتقلات غير نظامية. وتندرج هذه الخطوة ضمن تحركات قضائية متسارعة تقودها لجان العدالة الانتقالية والنيابة العامة لملاحقة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان وسفك دماء السوريين، وتقديمهم إلى محاكمات علنية تضمن محاسبة الجناة واسترداد الحقوق القانونية للضحايا وذويهم. وتكثف الأجهزة المختصة عمليات التحري والرصد لتعقب الشخصيات العسكرية والأمنية التي حاولت التخفي بأسماء مستعارة أو الاختباء في بلدات نائية بعد انهيار الهياكل القيادية السابقة، لقطع الطريق أمام محاولات الإفلات من العقاب. من ناحية أخرى، تلاقي هذه الإجراءات القضائية الصارمة ارتياحاً شعبياً واسعاً لدى المنظمات الحقوقية وعائلات المعتقلين والمفقودين، بوصفها مدخلاً أساسياً لترسيخ سيادة القانون، وتفكيك تركة الإفلات من المحاسبة، وتثبيت أرضية صلبة للسلم الأهلي في مختلف المحافظات السورية.
أعلنت [[المحكمة الجنائية الدولية|المحكمة الأممية التي أدانت ملاديتش بالإبادة الجماعية عام 2017]] ليوغوسلافيا السابقة عن وفاة القائد العسكري صرب البوسنة الأسبق [[راتكو ملاديتش|لقائد العسكري الصربي البوسني الملقب بـ"جزار البوسنة"، منفذ مجزرة سريبرينيتسا]] داخل سجنه عن عمر ناهز ثلاثة وثمانين عاماً، إثر تدهور حاد في حالته الصحية. يُعد ملاديتش واحداً من أبرز المجرمين المطلوبين للعدالة الدولية على خلفية ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية خلال حرب البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يشكل طوية أخيرة لصفحة دامية من الذاكرة الأوروبية.
تُعتبر مجزرة سربرنيكا التي راح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى مسلم عام 1995 الأسوأ في تاريخ القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، وقد قاد ملاديتش تلك العمليات المروعة بكل وحشية وتحدٍ للمواثيق الدولية. استطاع الهروب والتواري عن الأنظار لأكثر من عقد كامل بدعم من شبكات سرية متطرفة قبل أن يُقبض عليه في قرية صربية صغيرة عام 2011 ويُنقل إلى لاهاي لمحاكمته. واجه ملاديتش طوال جلسات محاكمته تهماً بالمسؤولية المباشرة عن التطهير العرقي وحصار سراييفو الطويل الذي حصد أرواح المدنيين الأبرياء جوعاً وقصفاً، ليصدر بحقه حكم نهائي بالسجن المؤبد عام 2021 لم يمحُ شيئاً من فدااعة الجرائم التي هزت الضمير الإنساني العالمي وأسست لمفهوم العدالة الجنائية الدولية المعاصرة.
أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكماً بالسجن المؤبد بحق مفتي النظام المخلوع أحمد بدر الدين حسون، وذلك بعد إدانته بتهم تثبيت الاقتتال الطائفي والتورط المباشر في جرائم ضد الإنسانية. تلت المحكمة في جلستها العلنية تفاصيل الأدلة الدامغة التي أثبتت توظيف المؤسسة الدينية سابقاً لإصدار فتاوى تبرر العمليات العسكرية واستخدام الأسلحة المحرمة ضد المدنيين.
شكلت محاكمة حسون محطة فارقة في مسار العدالة الانتقالية بسوريا، لكونه الرمز الديني الأبرز الذي وفر الغطاء الشرعي والسياسي لانتهاكات السلطة السابقة عبر خطابات تحريضية واضحة. عكست جلسات المحاكمة المتعددة حجم التنسيق الأمني والسياسي بين المؤسسة الدينية وأركان النظام المخلوع لشرعنة العنف وقمع الحراك الشعبي، فضلاً عن تورطه في دعم ميليشيات محلية وإصدار دعوات علنية للتهجير والإبادة. يأتي هذا الحكم القضائي الرادع ليؤكد إصرار مؤسسات القضاء الجديدة على محاسبة كل من تورط في إراقة الدماء واستغلال المنابر الدينية لتأجيج الصراع، مما يعزز مساعي طي صفحة الإفلات من العقاب وبناء دولة القانون والمؤسسات على أسس عادلة تضمن إنصاف الضحايا.
تأتي هذه المحاكمة لتفتح باب العدالة الانتقالية على مصراعيه في سوريا، محاولةً طي صفحة الإفلات من العقاب التي طبعت عقوداً من استبداد السلطة الأمنية السابقة. أسست هذه المحاكمات على تحقيقات دقيقة وموثقة شهدت استعراض جرائم ارتكبتها الميليشيات المرتبطة بالأسد وعائلته في مناطق مثل الغوطة الشرقية وجرمانا، حيث تورطت تلك العناصر في عمليات ابتزاز وخطف وقتل ممنهج. يعكس هذا القرار رغبة مؤسسات القضاء الجديدة في ترسيخ سيادة القانون ومحاسبة كل من تورط في إراقة الدماء، وسط حضور مكثف لمنظمات حقوقية وهيئات دولية تتابع مسار العدالة. تمثل هذه الأحكام ركيزة أساسية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتؤكد أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، مما يضع القضاء السوري أمام مرحلة جديدة من المسؤولية التاريخية لتحقيق الإنصاف والعدل للمتضررين والضحايا.
عقدت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، اليوم الخميس، ثاني جلسات محاكمة أحمد حسون، مفتي الجمهورية السورية السابق خلال عهد النظام المخلوع، بتهم التحريض على العنف وتبرير القتل، بحضور ممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية، ضمن مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في جرائم الحرب ضد الشعب السوري.
وترأس الجلسة القاضي فخر الدين العريان، وبحضور ممثل النيابة العامة، حيث استمعت هيئة المحكمة إلى أقوال شهود الحق العام، في قضية تتهم حسون باستغلال منصبه الديني لتوفير الشرعية الدينية والسياسية لأفعال نظام الأسد، وإلقاء محاضرات تحريضية أمام ضباط الجيش، والتأييد العلني لشخصيات متورطة بجرائم حرب . وقد أوضح القاضي العريان أن الأفعال المنسوبة إلى المتهم تجعله شريكاً أساسياً في التحريض والحث والمساعدة المعنوية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي لا تسقط بالتقادم أو العفو . وتأتي هذه المحاكمة بعد أيام من استكمال محاكمات وسيم الأسد وعاطف نجيب، في إطار مسار قضائي يهدف إلى كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، وإرساء قواعد العدالة التي طالما انتظرها السوريون.
عقدت محكمة الجنايات الرابعة في العاصمة دمشق، اليوم الأربعاء، ثاني جلسات محاكمة وسيم الأسد، جرى خلالها الاستماع إلى أقوال شهود الحق العام بحضور ممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية، في خطوة متقدمة ضمن مسار العدالة الانتقالية ومحاكمة المتورطين بجرائم خلال عهد النظام المخلوع .
وترأس الجلسة القاضي فخر الدين العريان، وبحضور ممثل النيابة العامة، حيث استمعت هيئة المحكمة إلى أقوال الشهود وعرض وثائق وصور وتسجيلات مصورة مرتبطة بملف القضية، قبل أن تقرر المحكمة رفع الجلسة وتحديد 22 يوليو الجاري موعداً للجلسة المقبلة . وكان وسيم الأسد قد مثل للمرة الأولى أمام القضاء السوري في 24 يونيو الماضي، حيث واجه تهماً تتعلق بتشكيل مجموعات مسلحة غير نظامية بتكليف من قيادات في الفرقة الرابعة، والمشاركة في عمليات عسكرية استهدفت مناطق مدنية في الغوطة الشرقية، إضافة إلى تهريب المخدرات والاتجار فيها وارتكاب جرائم سلب وابتزاز . وتأتي هذه المحاكمة بعد إلقاء القبض على وسيم الأسد في 21 يونيو 2025 على الحدود السورية اللبنانية في عملية أمنية مشتركة ، لتشكل امتداداً للمحاكمات العلنية التي باشرها القضاء السوري بحق قيادات النظام البائد، في إطار تحقيق العدالة لضحايا السنوات الماضية .
تدرك نقابة المحامين أن محاكمة رموز النظام السابق، وفي مقدمتهم عاطف نجيب الذي مثل أمام محكمة الجنايات بدمشق الأحد الماضي، هي اختبار تاريخي لنزاهة سوريا الجديدة؛ لذا جاء تشديدها على بطلان أي محاكمة تغيب عنها جهة الدفاع ليضع النقاط على الحروف.
إن وجود المحامي، سواء كان مختاراً أو مسخراً، ليس "تبريراً للجريمة"، بل هو صمام أمان يمنع الطعن في الحكم ويضمن صدوره وفق أصول المحاكمات الجزائية السورية، بما يقطع الطريق على أي ثغرة قد تسمح لمجرمي الحرب بالإفلات من العقاب مستقبلاً.
العدالة الحقيقية لا تقتات على ردود الفعل العاطفية، بل تُبنى على إجراءات سليمة تجعل الإدانة راسخة وغير قابلة للتقويض أمام القانون الدولي. دعوة النقابة للأهالي لتفهم هذا المبدأ هي دعوة للترفع عن الرغبة في الانتقام السريع مقابل بناء دولة المؤسسات، حيث يضمن "المحامي المسخر" سلامة الإجراءات لا تبني الأفعال، ليظل القضاء هو الحَكم الفصل في رحلة استعادة الحقوق السليبة عبر محاكمات علنية تليق بتضحيات الشعب السوري.
لم تعد صرخات الضحايا في أزقة حي التضامن مجرد صدى للماضي، بل تحولت إلى ملفات قضائية مثقلة بالأدلة ضد فادي صقر، قائد "الدفاع الوطني" السابق، الذي تلاحقه اتهامات بالتورط في جرائم ضد الإنسانية وإبادة مدنيين.
وبينما تترقب دمشق إحالة نتائج تحقيقات الهيئة الوطنية المستقلة إلى القضاء، يبدو أن القبض على "سفاح الحفرة" أمجد يوسف الأسبوع الماضي قد كسر حاجز الخوف، كاشفاً عن تسلسل قيادي مرعب يضع صقر في قلب المسؤولية عن مجازر عام 2013.
ورغم محاولات صقر التملص بزعمه الجهل بتلك الفظائع، إلا أن مقاطع فيديو "غير منشورة" توثق استمرار الإعدامات في عهده، مما يعزز موقف الهيئة الوطنية التي تؤكد أنه "لا أحد فوق القانون".
إن هذه القضية تمثل محطة مفصلية في تاريخ سوريا ما بعد سقوط النظام المخلوع، فمحاسبة رأس كبير مثل صقر ليست مجرد قصاص قانوني، بل هي حجر الأساس لترميم النسيج المجتمعي الممزق، وضمان ألا تتحول العدالة الانتقالية إلى مجرد شعارات سياسية، بل حقيقة تبرد نيران قلوب أمهات المفقودين.
في عملية أمنية وصفت بأنها "ضربة موجعة" لرموز النظام المخلوع، ألقت إدارة مكافحة الإرهاب في سوريا القبض على اللواء عدنان عبود حلوة، أحد الأسماء الرئيسية المدرجة على قوائم العقوبات الدولية والأمريكية لارتباطه المباشر باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين.
وأكد وزير الداخلية أنس خطاب أن "حلوة"، الذي ظل لسنوات بعيداً عن يد العدالة وشارك حتى في وفود النظام في محادثات أستانا، أصبح اليوم تحت التحقيق لمحاسبته على دوره في قصف الغوطة الشرقية بريف دمشق بغاز السارين القاتل عام 2013.
ويُصنف "حلوة" دولياً كأحد "أركان الكيماوي"، حيث أدرجته واشنطن والاتحاد الأوروبي منذ عام 2016 ضمن لوائح العقوبات الرسمية بتهم ارتكاب جرائم حرب.
وكان بيان للخارجية الأمريكية قد حدد اسمه بوضوح بجانب اللواء غسان غنام واللواء جودت مواس كمسؤولين مباشرين عن المجزرة التي أدت لمقتل أكثر من 1400 شخص، معظمهم من النساء والأطفال. هذا الاعتقال يعيد تسليط الضوء على ملف الأسلحة الكيماوية في سوريا، ويؤكد جدية الحكومة الجديدة في ملاحقة كافة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة، بغض النظر عن رتبهم العسكرية أو أدوارهم السياسية السابقة.
إن سقوط "حلوة" في قبضة مكافحة الإرهاب في ربيع عام 2026 يبعث برسالة قوية للداخل والخارج بأن ملفات الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وأن المسارات السياسية السابقة التي حاول النظام المخلوع من خلالها "تبييض" وجوه ضباطه لم تمنحهم الحصانة الدائمة.
ومع بدء التحقيقات الرسمية، تترقب عائلات الضحايا والمنظمات الحقوقية الدولية الكشف عن المزيد من التفاصيل حول سلسلة الأوامر التي أدت لتلك الفظائع، في خطوة تمهد الطريق لتعافٍ وطني حقيقي قائم على كشف الحقيقة والقصاص العادل.
في تطور قضائي دراماتيكي، رفضت المحكمة المركزية في تل أبيب طلباً تقدم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتقليص مدة حضوره في جلسات محاكمته، متذرعاً بـ "دواعٍ أمنية" تفرضها ظروف الحرب القائمة على إيران ولبنان.
وجاء هذا الرفض القضائي القاطع خلال ساعات الليل، ليجبر نتنياهو على المثول مجدداً للإدلاء بشهادته في القضية المعروفة بـ "الملف 4000"، والتي يواجه فيها اتهامات خطيرة بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، تتعلق بتقديم تسهيلات تنظيمية لرجل الأعمال شاؤول إلوفيتش مقابل تغطية إعلامية منحازة في موقع "واللا" الإخباري.
وتعد هذه الجلسة هي الأولى لنتنياهو منذ نحو شهرين، حيث توقفت إفاداته مع اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، رغم استمرار عمل المحاكم الإسرائيلية بشكل طبيعي.
وبحسب التقارير الصادرة عن مكتب المدعي العام، فإن نتنياهو الذي أدلى بشهادته على مدار 80 يوماً، لا يزال أمامه نحو 11 يوماً كاملة من الاستجوابات الحاسمة، وهو ما يجعل المرحلة الحالية هي الأشد خطورة في مساره القانوني، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية عليه بعد ملاحقته من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، يتفاقم الانقسام الإسرائيلي حول طلب "العفو" الذي تقدم به نتنياهو للرئيس إسحاق هرتسوغ في نوفمبر الماضي؛ فبينما يرفض نتنياهو الإقرار بالذنب أو اعتزال الحياة السياسية كشرط للحصول على العفو، يمنع القانون الإسرائيلي الرئيس من منح هذا الحق دون اعتراف صريح بالاتهامات المنسوبة.
ومع استئناف الجلسات اليوم، يبقى نتنياهو محاصراً بين جبهات القتال الخارجية التي يقودها بصفته رئيساً للحكومة، وبين جبهات المحاكمة الداخلية التي تهدد بإنهائه سياسياً وإيداعه السجن، في مشهد يجسد أعمق أزمة دستورية وسياسية تشهدها إسرائيل منذ تأسيسها.
بالتزامن مع محاكمته التاريخية في هولندا، كشف ضحايا ومعتقلون سابقون في مدينة سلمية لـ "تلفزيون سوريا"، عن تفاصيل مروعة لانتهاكات ارتكبها رفيق قطريب، المحقق السابق في ميليشيا "الدفاع الوطني".
الشهادات تضمنت اتهامات مباشرة بالإشراف على عمليات تعذيب وحشية واعتداءات جنسية ممنهجة؛ حيث أكدت المعتقلة السابقة أديبة الفيل وقوع حالات اغتصاب وتحرش داخل المعتقل، وتحويل "الوساطات" إلى تجارة رابحة لابتزاز ذوي المعتقلين مالياً مقابل حماية النساء من الانتهاكات.
ويواجه قطريب (55 عاماً) لائحة اتهامات ثقيلة تضم 24 تهمة جنائية ارتكبت بحق 9 ضحايا، في قضية هي الأولى من نوعها في هولندا التي تركز على "العنف الجنسي" كأداة من أدوات الجرائم ضد الإنسانية.
وبينما يروي الناجون مثل زياد دعاس ومحمد الفيل قصصاً عن الإهانة الممنهجة والتهديد بالترحيل إلى فروع أمنية أكثر وحشية، تترقب الأوساط الحقوقية مرافعة النيابة العامة الختامية في 21 نيسان الجاري، بانتظار الحكم النهائي المقرر في 9 حزيران 2026، ليكون صرخة عدالة لكل من فقد حياته الطبيعية أو تعرض للامتهان في سجون النظام المخلوع.
في مشهدٍ يدمي القلوب، وصفت الأمم المتحدة القصف الإسرائيلي المستمر على لبنان بـ "المروع"، حيث خرج المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان، ثمين الخيطان، لينقل فزع المفوض السامي فولكر تورك من حجم الدمار والنزيف البشري الذي لم يرحم شجراً ولا حجراً.
يأتي هذا النداء الأممي الصارم للمطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة الجناة، في وقتٍ تعيش فيه قرى الجنوب ومدينة صور تحت وطأة غاراتٍ لا تهدأ، رغم رياح "الهدنة" الهشة التي أعلنها دونالد ترامب بين واشنطن وطهران.
إنها مفارقة مؤلمة؛ فبينما يُفتح مضيق هرمز وتتنفس الأسواق العالمية الصعداء، يبقى الشعب اللبناني وحيداً تحت النيران، خارج حسابات الاتفاقات الكبرى، يطارده الخوف والنزوح القسري.
إن هذا التجاهل المتعمد للساحة اللبنانية في صفقات خفض التصعيد يجعل من دعوات التحقيق الدولية "اختباراً أخلاقياً" أخيراً للمجتمع الدولي؛ فإما العدالة وإما ترسيخ شريعة الغاب، حيث يُترك المدنيون لقمة سائغة في صراع القوى، طالما أن وقف إطلاق النار استثنى صرخاتهم من بنوده الرسمية.
بينما كان السوريون يترقبون أخبار الإفراجات، صُدم الشارع بخبرٍ يدمي القلوب يتمثل في وفاة معتقل تحت التعذيب في سجون "قسد" بمدينة القامشلي، في حادثةٍ أدانتها الشبكات الحقوقية بشدة واعتبرتها طعنةً في خاصرة الوعود الإنسانية.
وتتجلى النقطة الأولى في "وحشية الاحتجاز"، حيث فارق المعتقل الحياة بعد أشهرٍ من التغييب القسري، لتظهر على جسده آثار تعذيبٍ وحشية تبرهن على استمرار سياسة القمع الممنهج.
أما النقطة الثانية، فهي "ازدواجية المعايير"، إذ كيف يستقيم الحديث عن دمجٍ وتسويات في وقتٍ ما زالت فيه زنازين القامشلي تبتلع أرواح المدنيين دون رادعٍ قانوني؟
وتأتي النقطة الثالثة لتسلط الضوء على "المساءلة الغائبة"، حيث تضع هذه الجريمة المنظمات الدولية أمام مسؤولياتها لفتح تحقيقٍ شفاف يكشف الجناة ويمنع تكرار هذه الفواجع.
إن هذا السياق الإضافي يؤكد أن ملف المعتقلين ليس مجرد أرقامٍ في صفقات سياسية، بل هو جرحٌ نازف يتطلب أكثر من "إفراجات جزئية"؛ إنه يتطلب إنهاءً كاملاً لثقافة الإفلات من العقاب داخل مراكز الاحتجاز، لضمان ألا يتحول أمل الأهالي باللقاء إلى جنازاتٍ تشيعها الحسرة والدموع.
بوفاة رفعت الأسد اليوم عن 87 عاماً، تُطوى صفحة حالكة السواد في الذاكرة السورية، لكن جراح "جزار حماة" تظل نازفة في وجدان الآلاف.
رحل الرجل الذي هندس رعب الثمانينات، تاركاً إرثاً ثقيلاً من الدماء في أحداث حماة 1982، التي أودت بحياة ما بين 10 إلى 40 ألف إنسان، وهي الجريمة التي ستبقى وصمة عار لا يمحوها الزمن.
ورغم سنوات المنفى التي قضاها متنقلاً بين قصور أوروبا متمتعاً بثروات طائلة أثبت القضاء الفرنسي أنها "مكاسب غير مشروعة" نُهبت من مقدرات السوريين، وملاحقته في سويسرا بتهم جرائم حرب، إلا أن الموت سبَق مطرقة العدالة الدولية.
عاد "قائد سرايا الدفاع" إلى دمشق في 2021 ليواجه نهايته البيولوجية بعيداً عن أقفاص الاتهام، لكنه لم ينجُ من حكم التاريخ القاسي.
إن رحيله اليوم يثير غصة في قلوب الضحايا الذين انتظروا رؤيته يُحاكم، ليؤكد هذا الحدث حقيقة مريرة: قد يموت الطغاة بسلام على أسرّتهم، لكن لعنة الدماء المسفوكة ستظل تلاحق ذكراهم إلى الأبد، شاهدة على حقبة من القمع لن ينساها العالم.
هؤلاء، الذين كانوا تروساً في آلة القمع التابعة للمخابرات العسكرية وميليشيات "النظام السابق" بين 2012 و2014، يواجهون اليوم "أشباح" ضحاياهم. التهمة الأقسى التي تدمي القلوب هي قمع مظاهرة 13 تموز 2012، التي انتهت بإزهاق أرواح 6 مدنيين، بينهم طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، اغتيلت أحلامه بدم بارد.
استناداً لمبدأ "الولاية القضائية العالمية"، تؤكد برلين أن الجغرافيا لا تحمي "مجرمي الحرب"، وأن الزمن لا يسقط حق الضحايا. إنها رسالة مدوية لكل ناجٍ: صوتك مسموع، والعدالة، وإن تأخرت، فإنها آتية لتقتص من القتلة أينما هربوا.
أخيراً، العدالة في السويداء ليست مجرد "وعود سياسية"، بل "تحقيق قضائي" حقيقي.
في خطوة هي "الأولى" لكسر جدار الإفلات من العقاب، أعلنت اللجنة الوطنية للتحقيق في "الأحداث المؤسفة" التي عصفت بالمحافظة (من قتل وتهجير قسري) عن توقيف عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية ثبت ارتكابهم مخالفات.
رئيس اللجنة، القاضي حاتم النعسان، أكد أن التحقيق ليس "شكلياً"، بل يستند للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، ويعمل بـ "سقف مفتوح" واستقلالية تامة "بلا تعليمات من أي سلطة".
فبعد 3 أشهر من العمل الميداني الدقيق، وزيارة المهجرين في أرياف دمشق وإدلب ودرعا، والاستماع للناجين، بدأت اللجنة بـ"بناء الثقة" عبر الأفعال لا الأقوال.
إنها رسالة واضحة بأن الهدف هو تحديد "المسؤولية الفردية" لضمان عدم تكرار هذا الألم في أي مكان آخر بسوريا.
هذا الرجل، المطلوب بموجب مذكرة توقيف، لم يكن يقاتل على جبهة، بل كان، بحسب التحقيقات الأولية، يقود طلعات جوية تستهدف "المدن والبلدات" الآمنة، ويشارك في الحملات التي سحقت أرياف إدلب وحماة، مخلفاً وراءه "مجازر" بحق مدنيين أبرياء.
وكما أكد العميد ملهم الشنتوت، فإن هذه العملية الدقيقة هي جزء من جهد مستمر لملاحقة "فلول النظام البائد". إحالة الياسين للقضاء هي رسالة واضحة بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى، وأن دماء الأبرياء التي سُفكت من السماء لن تذهب هدراً.
عثمان (59 عاماً) يشاهد برعب كيف يتم "العفو" عن مجرمي الحرب، بل وكيف يعود بعضهم لمناصب في "الحكومة المؤقتة".
هذه المصالحة هي طعنة لآلاف الأمهات، كالأم التي "حمدت الله" عندما أرسل لها 5 صور لجثة ابنها الممزقة، فقط لتتأكد من مصيره.
من هذا الجحيم، يصرخ عثمان سؤاله الأخير للعالم: "كيف لك أن تصالح قاتل ابنك؟!". بالنسبة له، لا سلام قبل "محاكمة عادلة"، متعهداً بمواصلة التوثيق ضد "أي طرف" يكرر التاريخ.
إنه، بحسب "نيويورك تايمز"، "عميل مزدوج" عمل لصالح الموساد الإسرائيلي. هذه الخيانة هي التي ضمنت له "حياة فاخرة" في المنفى.
فعندما فر من سوريا عام 2013، لم يهرب كلاجئ، بل "هُرِّب" كعميل ثمين. الموساد، بمساعدة المخابرات النمساوية (التي يواجه أفرادها تهماً الآن)، نقله سراً عبر أوروبا.
عاش بأسماء مستعارة في باريس وفيينا، مختبئاً لسنوات. وعندما اقترب المحققون منه في فرنسا، رتب له الموساد "ملاذاً آمناً" في النمسا.
لقد كان شبحاً، محمياً بالصمت الغربي، إلى أن ارتكب خطأً فادحاً: صورة نشرها على جسر في بودابست. هذه الصورة كانت الخيط الذي قاد لـ "صيده" العام الماضي، لتسقط اليوم ورقة التوت عن "الجاسوس" المتهم بجرائم الحرب.