حرية ومسؤولية
رحب أعضاء مجلس الأمن الدولي، خلال جلسة مساء الثلاثاء، بجهود الهيئتين الوطنيتين للعدالة الانتقالية والمفقودين في سوريا، معتبرين أنها "خطوة مهمة في معالجة تداعيات سنوات الحرب"، في وقت أكد فيه مندوب سوريا [[إبراهيم علبي|...]] التزام الحكومة بمسار العدالة والمحاسبة .
وأشار علبي إلى أن الأغلبية العظمى من المفقودين لم يُكشف مصيرهم بعد، وأن عمليات البحث مستمرة، مؤكداً أن سوريا "لن تكون ممراً للسلاح غير الشرعي أو ساحة لتصفية الحسابات". وانتقد التوغلات الإسرائيلية المتصاعدة، مشدداً على أن بلاده اختارت الدبلوماسية وضبط النفس، بينما تواصل إسرائيل خرق اتفاق فض الاشتباك . من جهته، أكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن نجاح العدالة يتطلب قيادة وطنية وشراكات دولية بناءة، فيما أعلن رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي كشف مصير عدد من المفقودين والاستجابة لأكثر من 170 بلاغاً عن مواقع اشتباه بمقابر جماعية . وأكدت المندوبة الأميركية تامي بروس أن استقرار سوريا يعتمد على معرفة مصير أكثر من 125 ألف مفقود، في حين دعت مسؤولة أممية إلى تعزيز الدعم لانتقال سوريا من الاعتماد على المساعدات إلى التعافي والاكتفاء الذاتي .
عقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، اليوم الثلاثاء، جلستها السادسة في محاكمة عاطف نجيب، المتهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، بحضور ذوي الضحايا من محافظة درعا، وأعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية، في إطار مسار المحاسبة الذي انطلق بعد سقوط النظام البائد.
وترأس الجلسة القاضي [[فخر الدين العريان|قاضي محكمة الجنايات الرابعة في دمشق. من مواليد بلدة سلقين في محافظة إدلب عام 1964. حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة حلب عام 1988. قبل الثورة السورية، عمل في السلك القضائي، وتدرج في المناصب حتى تولّى منصب مستشار محكمة الاستئناف المدنية في إدلب. بعد الثورة السورية، أعلن انشقاقه عن وزارة العدل التابعة للنظام وانضمّ إلى "مجلس القضاء السوري الحر المستقل" بتاريخ 13 آذار/ مارس 2013.]]، واستمعت هيئة المحكمة إلى مرافعات ودفوعات تقدم بها فريق الدفاع، فيما قدّمت النيابة العامة أدلة إضافية تدعم لائحة الاتهام التي تواجه نجيب، وهي الأولى من نوعها التي تُعقد علناً بحق مسؤول من الصف الأول في النظام السابق. وتأتي هذه الجلسة بعد أن كانت المحكمة قد قررت في جلسة 15 تموز الجاري تحديد موعد اليوم، لاستكمال الإجراءات القانونية، وسط متابعة واسعة من المنظمات الحقوقية التي ترى في هذه المحاكمات خطوة ضرورية نحو تحقيق العدالة الانتقالية ورد الاعتبار للضحايا الذين انتظروا طويلاً ليروا الجناة في قفص الاتهام.
وتبرز محاكمة المجرم عاطف نجيب كحجر زاوية لهذا المسار، فليست مجرد إجراء قانوني، بل هي استرداد رمزي لكرامة "درعا" مهد الثورة، وتجسيد لمبدأ المحاسبة الذي يبدأ من كشف الحقيقة وينتهي بجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.
وفي أحياء التضامن المكلومة، تواصل اللجان توثيق الأدلة ولقاء ذوي الضحايا، في وقتٍ يتم فيه إعداد كوادر قضائية من القضاة المنشقين الأكفاء لضمان نزاهة المحاكمات وتطهيرها من إرث النظام البائد.
لقد ذهبوا إلى كيغالي بحثاً عن "الوصفة" المستحيلة: كيف تنجو أمة من جحيم الإبادة الجماعية وتبني السلام؟ الزيارة لم تكن أكاديمية؛ كانت إنسانية حتى العظم، خصوصاً في "متحف الإبادة الجماعية"، حيث يصبح "التوثيق" وحفظ الذاكرة درعاً ضد النسيان.
وبينما استمع الوفد لآليات المحاسبة القضائية، جاءتهم الخلاصة الأهم من وزارة المصالحة: العدالة لم تكن للعقاب فقط، بل، كما قال الروانديون، "لبناء حياة جديدة قائمة على التعايش".
إنها محاولة سورية جريئة للتعلم من تجربة قاسية، للقفز فوق منطق "الثأر"، والبحث عن طريق ثالث يضمن "جبر الضرر" و"ترميم النسيج الاجتماعي"، لضمان ألا يتكرر الكابوس.
وأشار عبد الله بن علي بوعينان، السكرتير الثاني في الوفد الدائم لدولة قطر بجنيف، إلى أن خطوات إيجابية مثل إنشاء “اللجنة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية” و”اللجنة الوطنية للمفقودين”، ولجنتي التحقيق المستقلتين في أحداث الساحل والسويداء، هي مؤشرات تدعو للتفاؤل. كما شدد على ضرورة تضافر الجهود الدولية لمعالجة الأزمة في محافظة السويداء وتعزيز الأمن والعدالة في جنوب البلاد. هذه المواقف القطرية تعكس رؤية واضحة لمستقبل سوريا، تؤكد على أهمية بناء الثقة والمؤسسات كركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
وحضر الاجتماع كل من عبد الباسط عبد اللطيف، رئيس الهيئة، وفضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية. وركّزت المباحثات على كيفية توحيد الرؤى والعمل بشكل متكامل، والاستفادة من خبرات كل طرف لتحقيق الأهداف المشتركة.
يُعد هذا الاجتماع مؤشرًا إيجابيًا على أن ملف العدالة الانتقالية في سوريا قد بدأ يأخذ مَنحى أكثر جدية وعملية. إن تعاون الهيئة الوطنية، التي تشكلت بموجب مرسوم رئاسي حديث، مع منظمة حقوقية رائدة مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، يُعطي دفعة قوية لهذا المسار. هذا التنسيق يُظهر وجود رغبة في تجاوز الخلافات والعمل على أرضية مشتركة، بهدف كشف الحقيقة وتقديم الدعم للضحايا. هذا التوجه قد يعزز من مصداقية المسار الوطني للعدالة ويفتح الباب أمام مزيد من الشراكات بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني.
إن الاجتماع نفسه يُعتبر ردًا عمليًا على الدعوات الدولية لتعزيز حقوق الإنسان في سوريا. تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 149 لعام 2025، وتعيين لجنة تنفيذية برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، يُعزز من الموقف الحكومي تجاه هذا الملف ويؤكد على وجود إرادة سياسية لمعالجته.