حرية ومسؤولية
وتبرز محاكمة المجرم عاطف نجيب كحجر زاوية لهذا المسار، فليست مجرد إجراء قانوني، بل هي استرداد رمزي لكرامة "درعا" مهد الثورة، وتجسيد لمبدأ المحاسبة الذي يبدأ من كشف الحقيقة وينتهي بجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.
وفي أحياء التضامن المكلومة، تواصل اللجان توثيق الأدلة ولقاء ذوي الضحايا، في وقتٍ يتم فيه إعداد كوادر قضائية من القضاة المنشقين الأكفاء لضمان نزاهة المحاكمات وتطهيرها من إرث النظام البائد.
لقد ذهبوا إلى كيغالي بحثاً عن "الوصفة" المستحيلة: كيف تنجو أمة من جحيم الإبادة الجماعية وتبني السلام؟ الزيارة لم تكن أكاديمية؛ كانت إنسانية حتى العظم، خصوصاً في "متحف الإبادة الجماعية"، حيث يصبح "التوثيق" وحفظ الذاكرة درعاً ضد النسيان.
وبينما استمع الوفد لآليات المحاسبة القضائية، جاءتهم الخلاصة الأهم من وزارة المصالحة: العدالة لم تكن للعقاب فقط، بل، كما قال الروانديون، "لبناء حياة جديدة قائمة على التعايش".
إنها محاولة سورية جريئة للتعلم من تجربة قاسية، للقفز فوق منطق "الثأر"، والبحث عن طريق ثالث يضمن "جبر الضرر" و"ترميم النسيج الاجتماعي"، لضمان ألا يتكرر الكابوس.
وأشار عبد الله بن علي بوعينان، السكرتير الثاني في الوفد الدائم لدولة قطر بجنيف، إلى أن خطوات إيجابية مثل إنشاء “اللجنة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية” و”اللجنة الوطنية للمفقودين”، ولجنتي التحقيق المستقلتين في أحداث الساحل والسويداء، هي مؤشرات تدعو للتفاؤل. كما شدد على ضرورة تضافر الجهود الدولية لمعالجة الأزمة في محافظة السويداء وتعزيز الأمن والعدالة في جنوب البلاد. هذه المواقف القطرية تعكس رؤية واضحة لمستقبل سوريا، تؤكد على أهمية بناء الثقة والمؤسسات كركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
وحضر الاجتماع كل من عبد الباسط عبد اللطيف، رئيس الهيئة، وفضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية. وركّزت المباحثات على كيفية توحيد الرؤى والعمل بشكل متكامل، والاستفادة من خبرات كل طرف لتحقيق الأهداف المشتركة.
يُعد هذا الاجتماع مؤشرًا إيجابيًا على أن ملف العدالة الانتقالية في سوريا قد بدأ يأخذ مَنحى أكثر جدية وعملية. إن تعاون الهيئة الوطنية، التي تشكلت بموجب مرسوم رئاسي حديث، مع منظمة حقوقية رائدة مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، يُعطي دفعة قوية لهذا المسار. هذا التنسيق يُظهر وجود رغبة في تجاوز الخلافات والعمل على أرضية مشتركة، بهدف كشف الحقيقة وتقديم الدعم للضحايا. هذا التوجه قد يعزز من مصداقية المسار الوطني للعدالة ويفتح الباب أمام مزيد من الشراكات بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني.
إن الاجتماع نفسه يُعتبر ردًا عمليًا على الدعوات الدولية لتعزيز حقوق الإنسان في سوريا. تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 149 لعام 2025، وتعيين لجنة تنفيذية برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، يُعزز من الموقف الحكومي تجاه هذا الملف ويؤكد على وجود إرادة سياسية لمعالجته.